|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:00 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
2 - مصطفى الفارسي مسرحياً تلميذ مجدد للمدرسة المسعدية لمصطفى الفارسي تجربة فريدة في الكتابة المسرحية، فنصوصه تصلح للقراءة قبل أن تصلح للعرض ولغته تقترب من الشعر قبل أن تندغم في الإيقاع المسرحي. غير أن مسرحه يدخل إلى الفرادة من أبواب أخرى، فهو طوّع لغة الشعر إلى لغة المسرح بما يتناسب مع الفضاءات التي أوغل فيها موضوعاً وتخييلاً، فلم يكتب مسرحيات واقعية، بل تناول الواقع من خلال «أسطرته» منذ الستينات حين وقع مسرحياته: «الطوفان» (1969م)، و«البيادق» (1970م)، وقبلهما مسرحيات لم تجد طريقها إلى النشر إلا متأخرة، أو لم تنتشر حتى الآن، وجدير بالذكر أن «الطوفان» و«البيادق» لم تطبعا في كتب إلا مؤخراً. وجانب الفرادة الثانية في تجربته هو أنه نهج نهجاً نادراً في الكتابة المسرحية العربية، هو الكتابة المشتركة. فقد كتب مسرحياته ـ باستثناء «قصر الريح» (1961م) و«الفتنة» (1971م) و«الأخيار» (1973م) و«الفلين لا يحترق أيضاً» (1981م) ـ مع المسرحي «التيجاني زليلة» الذي درس مثل «الفارسي» الآداب بالسوربون، ولكنه يفترق عن الفارسي في أنه لا يكتب إلا للمسرح والتلفزة والسينما، بينما كتب الفارسي، بالإضافة إلى المسرحية، الشعر والقصة والمقالة وغير ذلك. والجانب الثالث في فرادة الفارسي هو كتابته للمسرحية التاريخية وقد داخل التاريخ روح ملحمية أو أسطورية أيضاً، وكأنه ينفر من الواقع أو هو يصوغ واقعاً آخر، وله في هذا المجال «الفتنة» عن فاجعة مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وقد لبست لبوس فاجعة بين الممثلين الذين يعرضون المسرحية، ومسرحية «رستم بن زال» (1972م) التي استلهمها الفارسي وزليلة من وحي «الشاهنامة» للفردوسي، وفي المسرحيتين تحوير للتاريخ والملحمة بقصد طرح أسئلة على التاريخ والملحمة، أسئلة حاضرة وهي عادة الفارسي في مسرحياته كلها. القضية والقطيعة إنه يعود إلى الموروث التاريخي أو الملحمي أو الأدبي، ولكنه ينطلق إلى فضاءات يغلب عليها «أسطرة» الواقع، كما أشرنا، ومبدأ الاستعارة الذي يجعل من وعاء التاريخ أو الأسطورة أو الملحمة مستوعباً لأفكار ورؤى متجددة. ومن هذه الزاوية تقدم مسرحيات الفارسي اجتهاداً للوعي التراجيدي العربي حين يعنى بمسرحة الخطاب، وهو هنا نظرات جدلية في معنى التطور والإنسان، وتعضيد فكرة المسرح باعتبارها شديدة الاتصال بالتقليد الأدبي القومي، ومن أبرز مظاهر ذلك عند الفارسي تحويلا لمسرحة إلى ما يشبه السرد القصصي، حين يتضاءل الصراع، وهو صراع فكري في لبوس وقائع وأحداث وشخصيات، ولعلنا نتوقف عند مسرحيته الأهم «الطوفان» مثالاً لذلك، مع الإشارة إلى ما يؤيد هذه الآراء من خلال مسرحيته «البيادق». ينتمي الفارسي، كما رأى الناقد عبد الفتاح ابراهم، إلى المدرسة «المسعدية» نسبة إلى المبدع التونسي الكبير محمود المسعدي وبخاصة في كتابيه «السد» و«حدث أبو هريرة قال»، وعماد هذه المدرسة، التي يعتبر الفارسي أحد تلاميذها المجددين، التأمل والبحث الأصيل عن الذات بلغة كلاسيكية فصيحة وبرؤية إنسانية وكونية شاملة، وبتعبير رمزي استعاري يجعل من كل قطعة في العمل المسرحي نصاً أدبياً متقناً، وبنبرة تخييلية ترتفع إلى مصاف الأسطورة، وربما كان لهذا المنحى الصعب في إبداع الفارسي سبب في قلة إنتاجه وطابع القصر الذي تميزت به مسرحياته، فمسرحياته مبنية بكثير من العناية والإيجاز والكثافة، ومن جهة ثانية فهو يؤصل لتقليده المسرحي الخاص «السرد القصصي» في كل مسرحية بأسلوبية خاصة، ففي مسرحيته «البيادق» ثمة جزءان يعالج فيهما خيبة الثورات في التاريخ ولا سيما توكيد الرأي القائل بأن الفشل من الرجال لا من الثورات، فتمضي المسرحية في حوارات هي تأملات لأخلاقية الثورة التي ينتهكها الثوار باستمرار، ويحفل الجزء الثاني بالحوارات الأكثر مأساوية لانكسار الأمل وضيعة الإيمان بالحياة. أما مسرحيته «الطوفان» فقد حملت اسماً آخر هو «جبل وغاب وقرية وبيت وبشر»، وتقع في ست مراحل هي متسلسلة: «القضية» و«الصدام» و«القطيعة» و«الجبرة» و«المنعرج» و«المعجزة»، والنص المسرحي كله لا يتجاوز الخمسين صفحة من القطع المتوسط، ويعالج فيه الأرض والملكية وما تثيرانه من نوازع شريرة أو خيرة في السلوك الإنساني والاجتماعي. تعري المسرحية نزعة التسلط في صلتها بالكبرياء والضمير المستلب من خلال صوت الحكمة الذي يطلقه عادة في مثل هذه الأعمال درويش أو معتوه أو مجنون أو أبله، وهنا تكمن إحدى مفارقات هذا النوع من الكتابة. وفي هذه المسرحية ينطلق (كهيد) بحكمة باقية تستعصي على الزوال، كما في المرحلة الرابعة على وجه الخصوص حين يفسر فيها (كهيد) طبيعة الصراع الدائر في القرية، كأن يقول: «همي...؟ هموم الناس.. نحن في غم لازم وحزن لا ينفد... هل أتاك حديث الجبل... نحمل الأطفال تسعاً ويميتهم الجبل في كل مغيب... لنا عيد في السنة ومأتم كل ليلة... نكوم الحطب ولا نصيب منه حزمة تقينا غوائل الشتاء» (ص57). أو أن يقول: «حيرتني وعقدت لساني... من أين أبدأ... أصول الشجر؟ الغاب عفر وحجر... عويل الأطفال ودموع الثكالى... يأس الرجال... الفقر والبرد... الجوع والمرض... الشمس والظمأ.. تضاعفت الجباية.. ونضبت الجيوب وفرغت كل الأوطاب... عز العيش يا بني... لا تسمع من هاتف إلا لسلب ونهب وابتزاز.. دائماً هات.. هات... هات» (ص57). وثمة دلالة مهمة هي أن (كهيد) يقضي قبل الطوفان حيث اندفاعة المياه الجارفة في الظلام كأمواج البحر في العاصفة، فقد انشق الجمل بينما جثة (كهيد) أمام أبصار الخاشعين الجامدين الواجمين. وكانت آخر كلمة قالها (كهيد) هي: «ولم الحياة» (ص80). لغة مسرحية صافية يتجنب الفارسي التعيين أو التحديد التاريخي أو الواقع يفي مسرحيته «الطوفان»، فأحداث المسرحية تدور بين القمة والمنحدر، وأسماء الشخوص لا تعرب والوقف على سكون وعملة القرية هي «التوهاد». والحق، أن ساق الأسطورة يتلبس المسرحية برمتها، ولا سيما اندغام الفعل البشري في قوة عصية على التفسير، توحي بضربات القدر الغامضة في مصير مجهول. أن المسرحية، تلاحق في مرحلتها الأولى «القضية» زواج «سرديد» شمن «نورلاف» ابنة عمه، بينما تتباين مواقف أخواتها الثلاثة من هذا الزواج، خشية من استيلاء «سرديد» على إرث أسرة «كندار» الأب، فتندفع الشخصيات عنيفة حيناً، أو تحجم هادئة حيناً آخر مدافعة عن تطلع قد يبدو غريباً. لنقرأ هذا الحوار بين «أكدير» الابن وكندار الأب: «أكدير: ما عرفتنا بالزوج حتى نبارك. كندار: سرديد. اكدير: عدوك ابن عدوك؟ كندار: ابن عمك وابن أخي» (ص42). ثم يأتي الطوفان جارفاً دالاً على تفسير كوني تغسل فيه الطبيعة الفساد المنتشر. عني الفارسي باللغة عناية فائقة، فقد جاوز مبكراً ثنائية العامية والفصحى منحازاً كلية للفصحى بتأنقها الكلامي وبنيانها الشعري منذ مطلع السبعينيات، وهو ميل إلى تعزيز صلاحية المسرحية كنص يقرأ. وكانت بدت حيرة الفارسي جلية في مسرحيته «الفتنة» التي ضمت صياغتين، الأولى بالعامية التونسية والثانية بالفصحى، ومن الواضح أن الفارسي ابن بار للتراث، وقد وجد سبيلاً إلى فهم لغة المسرح على أنها تواضع متفق عليه، أما الحديث عن الواقعية والمحاكاة والنقل الواقعي أو العكس الموضوعي فلا ينفع في الإيصال إلا لقلة من الجمهور، ولا في الانتشار لأن العامية عاميات، ولا في توثيق النصوص وطباعتها، لأن العامية عصية على الكتابة والطباعة. لقد قال الفارسي في دراسة ثمينة عن «لغة المسرح» صدر بها مسرحيته «الفتنة»: «فلا تدفعنا الخشية من غضب الجماهير ـ ومن تحجرهم وقسوة أحكامهم على الفنانين ـ إلى استجداء التصفيق والمخاتلة وإثارة الغرائز الوضيعة. وليكن الجمهور الحاكم على إنتاجنا، فهو حافزنا للتقديم بهذا الفن إلى مرتبة الفنون الكاملة، وهو الذي سيجبرنا على خلق لغة مسرحية تتجاوز معنى اللغة المتعارف المنحصر في ترصيف الحروف وتصنيف بديع الكلام... فلغة المسرح اتفاق ضمني بين رجل المسرح والمتفرج، وهي إلى القلب أقرب منها إلى الأذن، وما رجل المسرح إلا ذاك الذي يشعر من أعماقه أنه في حاجة إلى الإفصاح إلى التبليغ إلى الدخول في حوار مع الغير.. لأن الحياة حوار مستمر لا يقطعه إلا صمت الموت.. وبصورة جد مؤقتة كما نعلم.. لأن الموت لا يخمد صوت الناطقين». إن إخلاص الفارسي للغة مسرحية نقية تزدهي بحمولات نصه الفكرية والتأملية دفعه إلى إنجاز كتابه السردي اللغوي المدهش «حركات» (1979م) الحافل بتفكير صاحبه الثري حول الوعي المأساوي لحياة مشروطة يتأملها، وينثر فرائد الكلام حولها، وهذا هو موضوع مسرحياته غالباً. [جريدة «الشرق الأوسط» (لندن) 1994] |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |