المسرح العربي المعاصر قضايا ورؤى وتجارب ـــ د.عبدالله أبو هيف

دراسة - منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2002

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:00 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

3 - محي الدين زنكنة: تنازع الاتجاه ومشكلات التحقق الفني

-1-‏

تبدو المسرحية العربية، بعد تجربتها الطويلة العريضة وكأنها أسيرة نزوع الاتجاه الذي مايزال يحتاج إلى التأصيل إذ نلاحظ لدى كتاب كثيرين معتبرين تداخل الاتجاهات من جهة، أو الحيرة بين الاتجاهات من جهة أخرى. وفي مسرحية «اليمامة» (اتحاد الكتاب العرب، دمشق1982) لمحي الدين زنكنه، بعض الدلالة عن توزع الاتجاهات الفكرية والفنية المختلفة لموضوعه. واعتقد أن ارتفاع نبرة الأفكار في الصياغة الفنية هو السبب في تداخل الاتجاهات، فالكاتب حريص على إبداء الموقف، مباشرة أو غير مباشرة، من عدة قضايا دفعة واحدة؟!، بينما يستطيع العمل الفني أو الأدبي أن يتوفر على تجلية الموقف أو تنقيته من موضوعه دون الانخراط فيه وامشه أو أمثاله أو هواجس الكاتب الذاتية والموضوعية حوله، ولا بأس أن نوضح سبل معالجة زنكنة لموضوعه باعتبارها شاهداً على سواها من مسرحيات، فالكاتب متمرس ومتمكن من فنه، وتشير قائمة كتبه إلى روايات ومسرحيات كثيرة صادرة منذ عام 1968م حتى الآن (5 مسرحيات ـ 3 روايات).‏

-2-‏

تنقسم مسرحية «اليمامة» إلى ثلاثة أقسام دون عناوين أو فصول أو مشاهد، اعتماداً على خطة العرض أو الإخراج أو ذكاء القارئ. نتعرف في القسم الأول إلى نازك زوجة شاهين في بيتهم الجديد المستأجر وهي تنتظر زوجها مع أثاث البيت، وثمة غراب يحط على الشجرة في الفناء، وجار في المقابل لا يرفع نظره عنها لا وتدري، ثم يحضر الزوج مع الحمالين مردان وخورشيد، وينقلون الأثاث في البيت الجديد البائس.‏

يتحدث مردان وخورشيد عن إعلان بيع الكلية لأحد الأثرياء المرضى في المستشفى مقابل عشرة آلاف دينار، ولا يفلح الأخير. ثم يتحدث مردان عن أشرف الذي دفع حياته ومستقبله دفاعاً عنه، ولا يجد عنده إلا النكران والأذى، ويستطرد في حديثه فإذا هو مالك البيت. ويثار انتباه الحاضرين تعلق المرأة باليمامة التي تلد على الشجرة، فتتعلق بالشجرة وكأنها، كنز فالمرأة بلا أطفال. ونعرف أن نازك فقدت رحمها تحت التعذيب، وأن الأسرة مناضلة. يحضر نزار في القسم الثاني، ونكتشف أنه استغل سجن أخيه شاهين، وابتز الأرض وبنى ثروة، وعندما يقترب من النافذة يلتبس عليه الأمر فيظن أنها تغازل الجار وليس اليمامة، وتكون مشادة كلامية، ويغادر البيت، ولكن أخاه لا يعبأ بالرسالة التي تركها، لأنه يعرف مشكلة زوجته أعني الحاجة إلى طفل.‏

يتطوع مردان في القسم الثالث فيترك صغرى بناته لنازك التي تحلم أن تسميها «بيان» ولكن أم الصغيرة ترفض فيتأمل مردان ويتذكر فضل شاهين عليه في المعتقل.‏

ويحضر أشرف مالك البيت، ويخبر شاهين أنه بصدد بناء خمسة دكاكين على أرض الحديقة مما يضطر الأخير إلى طرده. وهكذا يرسل أشرف الشرطة لتجرّ شاهين إلى المخفر بقصد تأديبه على يدي صديقه مدير المخفر المدعو سالم علوان. وفي غياب شاهين يعود أشرف مع العامل لبدء الحفر والبناء فتهجم عليه نازك، وتمنعه من قطع الشجرة وتضربه بالفأس على رجله، فيهرب وتغني نازك لمهد البيضة التي أصبحت «بيان»، وتنتظر عودة شاهين.‏

إن تتداخل مجموعة هموم وأفكار في مسار المسرحية ضمن هذين الإطارين:‏

- الفوارق الطبقية.‏

- فقدان الولد.‏

أن العقم وجه آخر للتباين الاجتماعي والمشكل السياسي، ويشير النص إلى أن المشكل الثاني هو نتاج المشكل الأول، لأن الزوجة نازك فقدت رحمها تحت التعذيب أثناء الاعتقال، وأن المجتمع الطبقي المنقسم يفتقر للعدالة والرحمة. ثم ألم يفقد زوجها شاهين أرضه وهو في المعتقل؟! ويعزو المؤلف هذا كله إلى الظلم السياسي الذي يكرس ظلم الظالمين وغنى الأغنياء وفقر الفقراء.‏

تكاد تكون المسرحية تطبيقاً لدعاوة فكرية أو سياسية، وهذا بعض أوجه تنازع الاتجاه، عندما يرهن الكاتب موضوعه لأكثر من قضية، أو يريد أن يعالج موضوعه من خلال أكثر من قضية في محاولة واضحة لنفي المشروطية وتعميم المشكلة طلباً لملموسية واقعية عبر التفاصيل اليومية والإقناع السردي بالدرجة الأولى.‏

-3-‏

تكشف الخاتمة عن التداخل إياه إذ يختلط الواقعي بالتعبيري بالانطباعي، بالقصدية الاشتراكية. حيث تتعامل نازك مع الغراب واليمامة تعاملاً واقعياً، فهي تخطف الفأس، وتهجم على المالك أشرف دفاعاً عن اليمامة، وعندما تسقط البيضة تهرع إليها، وقبل أن تبلغها يسقط الفرخ، فيجن جنونها وتقول: «لقد فعلتها.. لقد قتلتهم.. أنت وحش.. وحش حقيقي».. وترى في الغراب وجهاً آخر لمعنى الأمل، إذ ينقض الغراب على البيضة، مما يدعو العامل إلى أن يرفسه بقوة برجليه فيرتطم الغراب بالحائط ويموت.‏

وتتبدى عملية التعرف على معنى الأمل من خلال تشبث المرأة بالحياة ـ الولادة، ونبذ فكرة العقم حين تخاطب العامل، وتقول:‏

انظر00 كم هي جميلة ابنتنا00 بيان. كم هي حلوة إنها لم تمت ولم تموت. ستعيش.. أليس كذلك؟ سيد شاهين. أليس كذلك؟»‏

ثم يبلغ التداخل أقصاه عندما تخاطب اليمامتين وهما تقتربان من المهد:‏

«لا تبكيا.. لا تبكيا. أنهما بخير، سيعود شاهين وتبني لكم بيتاً جديداً. أقوى.. وأكثر أماناً.‏

سيعود شاهين.. سيعود شاهين. حتماً يعود.. حتماً يعود».‏

تنتمي المسرحية إلى الاتجاه الواقعي المشبع بأخلاقية اشتراكية إلى حد التبشير، وقد مازج هذا الاتجاه ملامح تعبيرية تقرب المسرحية من المبنى الرمزي الواضح بالاعتماد على العلاقة بين نازك واليمامة والغراب حتى تتحول المسرحية إلى نوع من استعارة كاملة لهذا الإيحاء الرمزي حين ترك نازك في بيوض اليمامة أطفالاً، وكأنها انسحبت تماماً من دنيا الواقع إلى رحابة الرمز في تعبيرية يقلل من تدفقها وتألقها صوت الشعارات، وتقصي جانب التباين الطبقي في تأثيره المباشر على حياة الشخوص، وهو ما يصح أن نسميه تنازع الاتجاه وضعف الركون إلى معالجة فنية مستوفية لقصدها وكأنه قصد الكاتب نفسه، وهذا ما يؤثر قليلاً على التحقق الفني(1).‏

[جريدة «البعث» (دمشق) 6/4/1982]‏

الهوامش والإحالات:‏

(1) زنكنة، محي الدين: «اليمامة»، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1982م، ص192.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244