|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:00 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
4 - «أبوليوس» لأحمد حمدي التعليمية ولغة الشعر منذ أن كشف الأديب والمفكر الليبي علي فهمي خشيم عن شخصية أبوليوس، وترجم إلى العربية أعماله الأساسية «تحولات الجحش الذهبي» و«الأزاهير» و«دفاع صبراته»، وهذه الشخصية تجذب الأدباء والنقاد العرب بثراء حياتها وإبداعها، فيما يخص موضوعات كثيرة ما تزال موضع نقاش، كالموقف من التراث الفكري والسردي للأقوام والشعوب الأصيلة على الأرض العربية قبل الفتوحات الإسلامية، مثل الموقف من قضية الانتماء القومي. إن سيرة حياة أبوليوس تتيح أوسع الفرص لمناقشة هذه المسائل وسواها، كما أن نصوصه، ولا سيما «تحولات الجحش الذهبي»، من كنوز الإنسانية الباقية، وهي مثل «ملحمة جلجامش» تحتفظ بقيمة فكرية وفنية متألقة في التطور الخلاق للتعبير الدرامي. ومن أبرز المحاولات التي استلهمت شخصية أبوليوس مسرحية الشاعر أحمد حمدي (الجزائر) «أبوليوس» (اتحاد الكتاب العرب، دمشق1993). قدم للمسرحية الطاهر بن عيشة، ولاحظ أموراً ثلاثة: أولها شعوره الغامر بالسعادة لأن شاعراً جزائرياً لم يتهرب من الميدان المسرحي، فأبدع مسرحية شعرية تدرك خطورة رسالة المسرح وعظمتها، وثانيها أن المسرح الشعري نفسه على جانب كبير من الخطورة، إذ فيه يتزاوج الفكر بقدسيته، والشعر بعظمته والفن بروعته، وهذه مغامرة من مغامراته اللافتة للنظر، وثالثها أن للعمل المسرحي أياً كان، قضية يخدمها، وهدفاً يرمي إليه، والقضية هنا: «هي كشف الغبار التاريخي عن نضال شعبنا ضد الاستعمار الروماني الذي خيم ظلامه على أرضنا، مدة تزيد عن الثمانية قرون، ظل شعبنا خلالها يقاوم بجميع طبقاته، ويسعى إلى التحرر والانعتاق من الظلم والعبودية، وأثناء هذا النضال المرير، برزت عدة بطولات شعبية ظلت تضحيتها معالم مجد وشرف، للقوافل المتتابعة للجهاد والحرية، الرافضة للذل، والاستعباد ومن أبرز هذه البطولات، وهي كثيرة لا تحصى، بطولة «أبوليوس» النوميدي المداوروشي الذي اتخذ منه حمدي، بطلاً رئيساً لمسرحيته الشعرية هذه. وشخصية هذا البطل تتضمن عدة مناقب، تستحق البقاء والخلود» (ص6-7). ويعيد الطاهر بن عيشه مأثور القول حول أبوليوس، فهو: «فيلسوف كبير، ملم بعلوم عصره، يضاهي في ذلك أكبر فلاسفة اليومان، وهو خطيب مصقع، تتضاءل أمامه بلاغة «شيشرون» الروماني، وهو أحد رواد الرواية والقصة في العالم القديم، وإلى جانب هذا كله فهو قائد سياسي محنك، قاد نضال شعبه النوميدي ضد الرومان بحنكة واقتدار، ومقابل ذلك دفع الثمن كاملاً، سجناً ونفياً من وطنه» (ص7). «وعلى هذا الأساس تكتسي مسرحية «أبوليوس» هذه لصاحبها أحمد حمدي أهميتها الخاصة من كونها أثارت فينا من جديد قضية هذا المثقف العبقري الذي أنجبته تربة الجزائر الخصيبة، وتتضمن هذه المسرحية، في النهاية، دعوة لأحفاد أبوليوس من المثقفين الجزائريين أن يعيدوا الاعتبار لأعمال أبوليوس العلمية والأدبية» (ص8). وقد احترز الشاعر المؤلف أحمد حمدي من هذه الاعتبارات كلّها وواجه الإشكاليات التي يتمتم عليه إزاحتها، كي لا يكون حاجز الزمن الفيصل الصارم. والحد الفاصل في العمل الإبداعي، كونه مستمداً من الوقائع التاريخية الماضية والموغلة في القدم، وهذا كله لا يغير شيئاً على مستوى الخطاب الأيديولوجي للنص، ولا يشكل أي اضطراب أو غموض في مسار المضمون، فالنص الإبداعي ليس نصاً تاريخياً، ولا هو مجرد سرد ساذج للوقائع التاريخية الجامدة. إنه قراءة جديدة وواعية للواقع في الوقت نفسه. وجدوى المسرح الشعري وأهميته في نهاية القرن العشرين الذي يشهد انحساراً مختلفاً بسبب هجمة وسائل الاتصال والتلفزة على وجه الخصوص، وبسبب لغة المسرح الشعري التي يشوبها كثير من التكلف والصنعة والرتابة، ولكن هذه المعضلات وسواها ينبغي ألا تجعلنا نرضخ لفنون السوق، فالفنون الخالصة والذوقية العالية ضرورة لمواجهة الثقافة المحدودة والاستهلاكية. وانطلاقاً من هذه التحديات، سننظر في صنيع أحمد حمدي. أبوليوس شخصية قومية وفكرية ولدت في مادورا بالجزائر، وعاشت، وقضت بأويا (طرابلس) بليبيا، وتقطع الوثائق بأرومته الليبية، إذ يتصل نسبه ـ كما يقول في دفاعه الشهير المعروف بدفاع صبراته ـ بقبيلة الفايتولي الليبية ونوميديا الجزائرية من جهة أخرى. وقد اختار أحمد حمدي لمسرحيته شكل اللوحات، فتألفت مسرحيته من 13 لوحة تابع فيها شخصية أبوليوس مركزاً على الأحداث التالية: اللوحة (1): الكورس وأبوليوس والكائن وحوار حول العدل والطغيان والفوارق بين البشر. اللوحة (2): أبوليوس في مخفر الشرطة متهم بالشغب وهو يرفض الاتهام، فالأرض أرضه، إنه بربري في بلاده. اللوحة (3): قلق والديه عليه، وخبر من عبد أنه في السجن فيطمئنه الأب أنه تحت الحراسة، لكن الأم تظل قلقة؛ فللأمر بعده السياسي، لأن أبوليوس من جماعة عصاة أثينا. يلتفت الأب إلى تجارته واستقبال التجار، بينما الكورس يدعو لانتفاضة الشباب في الشوارع. الأب هودمنير بلدته مادورا والدمفير منصب وجاهي في المقاضاة الرومانية في أوائل القرن الثاني بعد الميلاد. اللوحة (4): يدخل الأب إلى مخفر الشرطة ويدفع لكبير الشرطة نقوداً لإطلاق سراح ابنه على أن يغادر إلى أوما للدراسة، وعند خروجه تأتي أخبار مناهضة للحكم والمطالبة بعودة أبوليوس وتخفيف الضرائب والقمع.. فيطلب من أبوليوس تهدئة المتظاهرين، ولا يفعل، وعندما يبدأ القتل يقرر مخاطبتهم، ويحذر الرومان من القمع: «أبوليوس خائفاً على مصير السكان» سأخطب فيهم لعلهم يرجعون غير أني أحذركم من مواجهة الوضع بالقمع والقتل، إنما ذاك عين الخطأ بأن الزيت يلهب ناراً، ويلقي الدمارا» (ص41). اللوحة (5): أبوليوس خطيب في الجماهير لمناهضة روما ويقنعهم بتشكيل وفد من فئات الشعب لمفاوضة المحتلين عن القمع ثم الغلاء وارتفاع الضرائب. اللوحة (6): لا يستمع القنصل للوفد، بل يأمر بنفي أبوليوس وسجن بقية الوفد، ثم تقوم الحرب بين الفرس والرومان. اللوحة (7): أبوليوس في بيته مع الشرطي قبل نفيه وتعليقات من الأب والأم وأبوليوس. اللوحة (8): القافلة إلى لاويا مع المنفيين، ونشيد أبوليوس حول الحنين والوطن: «حزين وقد كانت جراحي كثيرة، لكن جرح النفي أقوى من الحجر» (ص76). اللوحة (9): في مكتبة أويا ولقاء مع الأميرة بودنتيلا التي تعده ضيفاً في قصرها، وتخبره أنها والدة بونتيانوس الذي تعلم معه في أثينا وروما. اللوحة (10) تفاقمت المؤامرات على أبوليوس خلال السنة الأولى من إقامته في أويا، فيقترح بوفيتانوس عليه أن يتزوج أمه ليحميه قانون البلاد، ويفعل، وروحه حزينة: «أبوليوس: أيها الصوت الغريب يا صدى الحزن ويا عسف القيود لم يعد للحرف معنى ووجود إن بدا عبداً ذليلاً همه أن يرضي الحكام والعهد الرذيلا» (ص89). اللوحة (11) لا يعقد قرانه على أبودنتيلا، ولكنه يقدم للمحاكمة، ويعطي فرصة للكلام فتؤثر السفسطة، ويتهم بالسحر: «إنني أيها القاضي ويا حاكم أويا لم أقل غير الذي أعرف أما السحر والشعوذة الفجة وأنواع الجريمة لم تكن يوماً مثاراً لاهتمامي إنها فعلة شذاذ وقطاع الطرق» (ص112-113). ويقرر رئيس المحكمة نفيه من أويا، بينما تخرج مظاهرة هائجة مائجة معه. اللوحة (12): يرميه الخارج في طريق متاهة خارج المدينة، ثم يلتقطه المسافرون، ويخبرونه بهياج الشعب، ويهتدي إلى قرطاجة أما الأميرة فترحل إلى هناك، ووراءها القنصل. اللوحة (13): يحكم صديقه «سرابو» قرطاجة ويكرمه مع الأميرة ويحتفلون بإقامة تمثال له ثم يخطب فيهم عن الشاعر فيلمون الذي مات وهو يدعوهم لإزاحة الستار عن النصب والذكريات التي لا تموت. لقد كتب أحمد حمدي مسرحيته شعراً ونثراً، فكانت جل المواقف الفكرية والنضالية والتأملية مصاغة بلغة الشعر، ونطقت العامة من الشرطة والجنود والموظفين نثراً في محاولة مقبولة لحل عقدة اللغة المسرحية، حين يصرّ نفر من المسرحيين والكتاب على الكتابة بلغة الشارع، ولو في موضوع تاريخي يتناول حياة الملوك والأمراء والقادة والمفكرين والأدباء والعلماء. عمد أحمد حمدي على التبسيط وإحلال لغة الشعر في مكانها السامي والتأملي والرقيق والنضالي، بينما خص وصف الفعل وتناميه ومنطوق العامة بالنثر، وهذه نقطة تحسب لهذه المحاولة المسرحية. ومن الواضح أن أحمد حمدي لا يطمع إلى الإحاطة بثراء شخصية أبوليوس كله، فقد نشد أمرين: أولهما إحياء ذكر هذه الشخصية القومية الفردية، وثانيهما تكريم القيم الفكرية والنضالية، ولا سيما قيم الانتماء إلى الأرض والوطن، وقد مثلتها سيرة أبوليوس تمثيلاً مشهوداً، غير أن نزوع حمدي إلى التبسيط والاختزال قد قلل من قابليات معالجة شبكة المفاهيم والعلاقات المعقدة في سيرة أبوليوس وعصره. ومن أتيح له أن يقرأ «دفاع صبراته» و«الأزاهير» على وجه الخصوص، يدرك ذلك التبسيط المخل سواء في عرض تأملات أبوليوس وأفكاره، أو في تتبع سيرته الفنية. لقد استفاد حمدي من نصوص «الأزاهير» كثيراً، بنصها أحياناً، غير أن هذه الاستفادة لم ترتفع بالمسرحية عن مستوى الإخبار عن شخصيته، إلى مستوى التحليل المعمق لعصر بأكمله من خلال هذه الشخصية. لعلها الدهشة الأولى أمام مثل شخصية أبوليوس، ولعل الشاعر حمدي اكتفى بمسرحية تعليمية بالدرجة الأولى. [جريدة «الشرق الأوسط» (لندن) 1994] |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |