المسرح العربي المعاصر قضايا ورؤى وتجارب ـــ د.عبدالله أبو هيف

دراسة - منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2002

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:00 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

5 - «مسرح الحكواتي» من لبنان: حكايات للمتعة والفائدة من سنة 1936م

-1-‏

وسط أضواء مهرجان دمشق الثامن للفنون المسرحية الخافتة، يسطع عرض مسرح الحكواتي «من حكايات سنة 1936م» شمساً صغيرة دافئة تخترن دروس التجربة وتحيي أملاً على أنقاض الماضي ثم تنطق حكمة التاريخ باعتبارها الصوت العربي الفصيح الذاهب إلى المستقبل على الرغم من اشتداد المحن، فلا يزال العرب منذ عصر النهضة يرجون الاستقلال والحرية والتقدم.‏

لقد عاد «مسرح الحكواتي» إلى قصة الشعب بقصد انبعاث فعاليته الكامنة في تاريخ المهمل: تاريخ النهوض واستمرار النضال، فكانت الاستعادة: خلق واقع موجود وحقيقي ومعاش يمتد إلى الصالة حيث فعالية المشاركة بين الخشبة والمتلقي. وهكذا يصبح عرض «من حكايات سنة 1936م بحثاً للفنان وجمهوره عن المصير. وربما كان هذا بالذات هو إنجاز روجيه عساف وفرقته: مضاء وظيفة الفن في قلب الإمتاع والإدهاش.‏

-2-‏

بنى مسرح الحكواتي موضوعه من تفاصيل قرية بنت جبيل: تاريخ المشرق العربي مع الاستعمار، فقد شهد عام 1936م أحداثاً عاصفة في سورية ولبنان وفلسطين والأردن والعراق، لأن خريطة الحدود لم تكن مرسومة على الورق بعد. كان الاستعمار يرتب أوضاعه، ويرتب وضعاً عربياً يمزق فيه الوطن إلى دول ودويلات، وضعاً عربياً يمزق فيه الوطن إلى دول ودويلات، وهذه هي علاقة المسرحية الراهنة، مايزال جهد الاستعمار والصهيونية والخونة نحو ترتيب وضع عربي جديد يمزق الوطن إلى دويلات ودويلات. يذكر العرض المسرحي تفاصيل كثيرة، إلا أن ثمة ترابطاً بين الخاص والعام يشارك المتلقي في بنائه لاستخلاص العلاقة. أغنية عن الوطن فيها فرحه وعذابه وهياج الذكرى واكتمال الأسى ورجاء الفرج تتلوها المفارقة: تقطيع أوصال الوطن الحدود. الحدود. الحدود. تحالف الاستعمار والأعداء والخونة وملحمة الكفاح اليومي الصابر لمجموع البسطاء من فلاحي بنت جبيل ومواطني القرى العربية كلها. ثم تتراكم التفاصيل: العسكري الفرنسي والإنكليزي وضيعة المحتل يسرقون خيرات الأرض وأمنها ويمنعون الحرية. وتتراكم التفاصيل بالمعايشة أو بالمقابلات الشخصية أو بالتنقيب عن مراجع، وهكذا يستحضر مسرح الحكواتي تاريخ 1936م الممتد إلى الحاضر في تركيبته الاجتماعية وصراعاته السياسية وفي إرادة التغيير لبناء المستقبل. لقد انطلق مسرح الحكواتي من صور وشخصيات وأحداث واقعية وحسية، وتحويلها فنياً عبر اكتشاف أساليب في الأداء نابعة من ذوق ومخيلة أصيلين، بهذا يضيف مسرح الحكواتي صدق الفن إلى صدق التاريخ: قوة الإقناع في لبوس الفن.‏

ينهض جسم العرض اعتماداً على التراث: الأمثال، المأثورات، المظهر، الأغنيات، اللغة في عناصر تستمد ترابطها من أساليبها في أسباب الممارسة المسرحية.‏

-3-‏

أن ثمة تطويعاً لحاجات الوظيفة وحاجات الفن في آن واحد، فهناك عمل جمعي تتفاعل في إطاره جهود الجماعة وتثمر. وقد اتخذ العمل معنى القرار، وبعد ذلك المسؤولية المشتركة في تقرير الموضوع أو طرائق الكتابة أو إعداد التمثيل أو التعامل الاقتصادي أو العلاقة المباشرة مع الجمهور، وقد فصل بيان مسرح الحكواتي هذه السمات في شرح مستفيض، ولكننا نلمس أيضاً مصداق هذا البيان في ممارسة حيث يجود المخرج عرضاً ويرتفع بمقاصده إلى مصاف الفكرة العظيمة. إن مسرح الحكواتي ممتع ومفيد، وفي حصيلته هذه تكمن إجابته على إشكاليات مسرح عربي ناهض.‏

-4-‏

لفت مسرح الحكواتي النظر إلى مقدرته الفائقة على إحياء وقائع هي أحداث راهنة في الوقت نفسه: أهمية نضال الإنسان العربي ضد أعداء الخارج والداخل معاً، وعلى الرغم من استهلاك خاصية كسر الإيهام المسرحي ومشاركة الجمهور في تنظيم العرض، فإن مسرح الحكواتي في تدريبه للممثل وفي خصائص التعامل مع الجمهور، استطاع أن يحبذ هذه الخاصية، وأن يشحنها بدواعيها الفاعلة: إعادة الجمهور إلى علاقته بواقعه، أي وعي ذاته.‏

ونشير هنا إلى بساطة أدوات العرض، لأن الأساس هو الممثل وما يمليه من مقاصد هي امتزاج الفن بفكرته: ولقد أثمرت مباشرة المتلقي في إملاء الشرط الموضوعي على المزيد من التفاصيل الصغيرة.‏

-5-‏

إن الحلول الفنية لمسرح الحكواتي باهرة تقوم على استمداد تقاليد المسرح من تقاليد الشعب: الراوية ومعطيات الجماعة في اللقاء والتخاطب و التفكير وآلية الفعل ورد الفعل، أي استمداد حلول فنية من حياة الشعب وأساليب تواصله مع شؤونه المختلفة وتأدية ذلك في سياق مسرحي ينشد الإقناع. كان هناك دراسة دقيقة للملابس والديكور الفقير وقطع الإكسسوار مثلما كان هناك دراسة دقيقة لقدرات الممثلين، ولكن المهم في هذه التجربة هو جرأتها الفائقة على تبسيط الممارسة المسرحية إلى مستوى حياة البسطاء في وطن منقسم.‏

-6-‏

«مسرح الحكواتي» في مسرحيته «من حكايات سنة 1936م» يعيد الثقة بالمسرح العربي ونهوضه، ويؤكد من جديد، أهمية الجهد المبذول للإجابة على أسئلة تطوير المسرح العربي الصعبة: أن يسهم في إرساء تقاليد، وأن تكون له فعاليته في التاريخ، إنه درس مفيد لمحترفي الصمت ومحترفي الثرثرة في آن واحد.‏

[جريدة «المسيرة» (دمشق) 19/5/1974]‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244