المسرح العربي المعاصر قضايا ورؤى وتجارب ـــ د.عبدالله أبو هيف

دراسة - منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2002

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:00 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

7 - عن مسرح وليد مدفعي وأدبه: تنازع المثال والواقع

تعرفت لأول مرة إلى وليد مدفعي في منتصف الستينات، من خلال قراءتي لروايته المميزة والرائدة في الأدب الساخر «مذكرات منحوس أفندي» (1959). وقد لفت نظري فيها دعابيته التي تمزج بين الفكاهة الناقدة والمرارة الموجعة الجارحة دفاعاً عن القيم الأصيلة المهددة تحت وطأة المتغيرات الاجتماعية. ومن الواضح، أن نزوعاً أخلاقياً مشبوباً طبع تفكيره الأدبي على الدوام، وأن تلمس له لبوساً لبوساً اجتماعياً كما في أعماله الأولى، رواية «مذكرات منحوس أفندي»، ومجموعته القصصية الوحيدة «غروب في الفجر» (1960)، وسلسلة مسرحياته المنشورة، وهي «وعلى الأرض السلام» (1961) و«البيت الصاخب» (1963) و«وبعدين» (1970)، و«أجراس بلا رنين» (1976)، وهي كلها كتبت في الستينات، بما فيها مسرحيته الأخيرة، لأنها فازت بجائزة هيئة الإذاعة في منتصف الستينات، ويذكر أيضاً أن هذه الفترة هي الأكثر نشاطاً في إبداع المؤلف، فهو عاود النشر بهمة عالية خلال العقد الأخير، فظهرت له ثلاث روايات هما «محب المشاكل» (1989)، و«قياديون بلا عقائد» (1993) و«شجرة الرحمن» (1997)، وكتاب عن تفسير المواضيع الفلسفية في القرآن الكريم بأسلوب روائي، سماه «فلسفة القرآن» (1992)؛ أي أن وليد مدفعي التفت عن الكتابة المسرحية منذ أواخر الستينات، وكان عدنان بن ذريل في كتابه «مسرح وليد مدفعي» (1970) قد أشار إلى مسرحيات أخرى مكتوبة آنذاك، وما تزال طي الأدراج، كما هو الحال مع مسرحية «بين انقلابين»، وهي تتجه إلى النقد السياسي قليلاً، وإلى النقد الاجتماعي، على عادته، كثيراً. ونلاحظ أيضاً، باستمرار، ولع وليد مدفعي بالنقد الاجتماعي إلى حد التعليمية، وهذا جلي في غالبية مسرحياته، وأعماله الأخرى، لنمعن النظر في العنوانات وحدها: «غرباء في أوطاننا» (1972) و«قياديون بلا عقائد»، وبلغت التعليمية حدها الأقصى في روايته الأخيرة «شجرة عبد الرحمن»، وهي تشرح قصة إسلام جزر الواق واق، ولعلها تصلح للناشئة والفتيان كثيراً.‏

لقد كتبت عن مسرح وليد مدفعي في كتابي «التأسيس: مقالات في المسرح السوري» (منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1979)، ولأنه انقطع عن كتابة المسرح أو كاد منذ ذلك الوقت، فإن الرأي في مسرحه لا يحتمل قولاً جديداً. وهكذا، سأكثف القول في مسرحه مثيراً بعض الأسئلة بعد ذلك.‏

يقدم وليد مدفعي في مسرحه خدمة هائلة لمن يستسهلون الحياة حين تختزلها لهم بأوصاف معينة وصفات مستعجلة. وهذا الخلل في الطريقة يبدأ من اعتبار الذات صغيرة (الفرد) كانت أم كبيرة (المجتمع استتباعاً لهذا المنطلق) مسرحاً طيباً لتجاوز منغصات الحياة بدعوى الإيمان بالمثل لصالح حرية الاختبار بمعزل عن ظرفها التاريخي وشرطها القائم لكي تقول المسرحية رأيها وكأنه مصدر قوتها في هذا العالم، وهذا كله بتأثير نزوعه الأخلاقي الذي يظهر في مسرح وليد مدفعي متمثلاً بالصراع بين التعلق بالمثل الأعلى وممارسته. إن رؤية خيرة لطفل وحدها لا تكفي لتبدل موقف مجرم أو خائن كما في مسرحية «وعلى الأرض السلام»، ولا يكفي التخلي عن البيت الصاخب خلاصاً من متاعبه ومشكلاته، كما في مسرحية «البيت الصاخب» ولا يكفي أيضاً وصم الخونة بالخيانة وتسمية «التنين ذي الرؤوس المتعددة» تصريحاً أو تلميحاً، حيث يقتل الفرد «التعبان» في النهاية دون مبرر، كما هو الحال في مسرحية «وبعدين».‏

إن الصراع في «وعلى الأرض السلام» لا يرتكز على مادة أساسية، بل يناقش اهتماماً جانبياً في ممارسة شخوصه، ثم يرتمي على بساط الموضوع ناطقاً بوعظه: «لقد صدقت الآن والذي علمني الإيمان هذا الطفل الصغير وحده: مع أخيه الإنسان وتبادلهما المحبة والإخاء والسلام» (ص88).‏

وهكذا يوصلنا وليد مدفعي إلى توجيهات معلم المدرسة الابتدائية تماماً أو نصائح رجل الدين مكتوبة أو مشفوعة بمنبر عريض مثل خشبة المسرح دون أضواء. ومنذ زمن صرح تشيخوف بصوت عال: «إنك تريدني حين أصف لصوص الخيل مثلاً أن أقول: «إن سرقة الخيول عمل خاطىء». ولكن هذا شيء معروف منذ عصور طويلة دون أن أقول أنا ذلك. دع المحلفين يحكمون عليهم، فمهمتي هي ببساطة أن أبين أي نوع من البشر هم».‏

يباشر وليد مدفعي الصراع في «البيت الصاخب» لا في أتون الفعل، بل في زحمة احتفاله بصياغة لغته، وكأن استهداف الحقيقة من أقوال الساعي إليها، وليس من تتبع سيرة حياته في نضالها لتخطي وضعها المختل. إن البيانات والخطب والأقوال ـ ولا حاجة للشواهد ـ هي محرك «البيت الصاخب» وليس أفعالها، حيث بقيت الشخوص بمنأى عن نمو العلاقة إيثاراً لتراكم في التفاصيل يستدعي مزيداً من أناقة اللغة. إن الشخوص لا تملك قدرة المجابهة مع نفسها لذا عجزت عن أن تنهض على قدميها فتوازي قامتها ـ مجرد موازاة ـ خلل الواقع.‏

أما مسرحيته «وبعدين» فتنطوي على حل مسرحي يكرس الموضوع قضية مطروحة لولا شطط عنصر الخيال بعيداً عن مسار القضية التي كرس لها وليد مدفعي اهتمامه الأول: كشف خونة الحياة، وهي مهمة صعبة، كما نرى، وتحتاج لمدار مفتوح ينفع معه اللجوء «الفنتازي»، ولكن ما فعله مدفعي هو الانحياز التام لإنجاح عنصر السخرية والفكاهة المصنوعة، لا مفارقة الموقف ودعابيته، وهو الأمر الذي أنجزه في رواياته الساخرة، مع الاحتفاظ بالمكانة المهمة لدلالة الصرخة ـ عنوان المسرحية: «وبعدين»، على الرغم مما تشي به من أحاسيس شعبية مكتوبة تعبيراً عن جماع نفاذ الصبر على المظالم. إن استشباه موضوع المسرحية يؤكد الشبه بينه وبين مثيله في الواقع. ثمة رجل «تعبان» فجأة ثم يعود لبيته ليموت قتيلاً برصاص زوجه البسيطة «التعبانة» مثله، إذ تحرض هي على قتله دفاعاً عن وضع خاطىء جديد.‏

كما يمكن لمسرحية «وبعدين» أن تكون ملهاة سوداء وأن تكون بعد ذلك، شاهداً على تطوح معنى الأمان بين الرقاد والصحو، إلا أن كثرة اللوازم الميلودرامية دون رصيد حقيقي من قوة العواطف الإنسانية جعل منها مرثاة لقدرة القوى المجهولة على العبث بمصير الإنسان.‏

أما مسرحية «أجراس بلا رنين» فتأخذ ملامح حية ثم تعطيها دون إبطاء لإيقاعها حتى لتختلط وهي تعتلي رقاب فكرتها بفعالية عامة وهدف، وفي هذا سر نجاحها. «فايز» مدرس آثر المكوث في قرية ريفية مديراً لمدرستها بينما لا يجد فيها من معه سوى طريقه إلى راحته في المدينة. هنا، يبين وليد مدفعي بجلاء تناقض حلم المدرس «فايز» «بإقامة مدينة فاضلة» وتعلق غيره بأهداب الوضع القائم في المدينة.‏

تبدأ المسرحية بإعلان «نوال» ـ زوجة فايز ـ الصريح رفض الحياة في هذه الضيعة المتخلفة «الكريهة المقطوعة عن العالم» (ص13)، ولا يحلو لها وهي تعلن رفضها الصريح إلا استخدام كلمات مثل» «سئمت» (ص12) و«الرحيل.. الرحيل» (ص13) إيذاناً ببدء المواجهة بين زوجها والآخرين ممن يلتقون مع نوال على مغادرة الضيعة، وهم كثر: حسان الضابط المسرح الذي عمل أستاذاً في مدرسة فايز ريثما أعادوا له رتبته، فعاد بعد ذلك ليعتقل زميله الأستاذ، المتين العقيدة، «نضال»، و«حسن» الذي عمل ناظراً للمدرسة، ثم هجرها مع أخيه سلمان الذي استكمل دراسته العليا، وأصبح بمقدوره أن يقيم في المدينة. إنهم في الطرف الثاني يتكالبون مع نوال على المال والراحة والاستغلال والأضواء حيث يبقى فايز وحيداً مع المدرس نبيل، وفي طرفهما درس من علي بائع الحليب: «سأكون مسؤولاً إذا ذهبت.. وسأعمل إذا بقيت.. فما الفرق؟» (ص137).‏

تؤكد المسرحية، ربما بصورة متأخرة، أن المعنى كامن في التاريخ وليس في الذات، ومثلما لقيت نضالات الأفراد والتنظيمات الإحباط والخيبة، «ومن ثم الاستسلام» في الخمسينات يلقي اليوم المعنى ذاته قيمته الفريدة في الخلاصة القديمة المعروفة: النضال ممارسة يومية، وليس دليل عمل سياسي فحسب، ولعل هذا الفصل بين الممارسة ودليلها يعود إلى النفع القليل لأهمية الفكرة وصدقها التاريخي في الفعل السياسي العربي، لأن الدليل في واد، والجمهور يسعى إلى مستقبله في واد آخر.‏

وهذا ما أنقذ المسرحية من مطب الوقوف عند الذات صغيرة كانت أم كبيرة ـ كما ذكرت ـ فغدت بذلك مسرحية مفتوحة على الواقع برؤيا الدخول إلى جنة الأمل، لا أن تكون مسرحية مفتاح لا هم لها سوى شرح مغزاها كما في «وعلى الأرض السلام» و«البيت الصاخب»، أو استيفاء شروط وصف خالتها كما في «وبعدين».‏

ويضيف وليد مدفعي إلى هذه الحقيقة ألقاً خاصاً في نوعية مسألة الممارسة ودليلها فيردف تبيان التناقض بين الحلم والواقع بتقاطع آخر هو تفضيل الإنتاج على ما سواه من أعمال. إن النمطية في سلوك المناضل ومثاله «نضال»، وكان قاده حسان إلى السجن، لا يعاب عليها، ولكنها مادة للغمز، فالنضال ليس نمطية حتى لو كانت جديدة، بل حركة ترتجى ممن يمتزجون امتزاجاً مبدعاً بفعالياتهم البشرية، وفي مقدمتها الإنتاج. لذا، يبدو نبيل فعالاً ـ أكثر من نضال في الارتقاء بجهد الإنسان إلى مصاف التجربة العامة، تجربة المجموع. إنه يتحول في خلاصة حركة جماعته المغمورة إلى علامة حية من علائم فترة تاريخية لا زالت ظلالها عريضة. وهذه الظلال بالذات تمكن المسرحية من مشهديتها، لأنها وهي تمتح من معين التاريخ تمنح معناها قوة من تمثل إيقاعها لخبرة الماضي، وهي تتجه نحو المستقبل.‏

«أجراس بلا رنين» وضعت يدها على الجرح، فانفجر الدم، دم أجيال «عهود الصيرورة»، ولكن فوران هذا الدم لا يزال يغلي في العروق، وخصوصاً لدى من شهدوا مسيله في الشارع العربي فترات النهوض، وكانت الخمسينات أشد السنوات مقارعة مع أعداء الوطن.‏

إن بصمات الاعتراف لجيل كامل غفل عن البداية الصحيحة ـ ودلائله واضحة في ممارسته الفنية ـ أظهر المسرحية وكأنها تصفية للحسابات الخاطئة، أو تبرئة ذمة تجاه الجرح الذي لم يندمل بعد. ومن يراجع كتابات وإنشاء غالبية جيل وليد مدفعي سيروعه حقاً تمجيد زائف لمعنى الإنجاز حيناً، ونكوص ذاتي حيناً آخر، ووعي متأخر حيناً ثالثاً، وعلى الرغم من ذلك قامت ميزات «أجراس بلا رنين» بأعباء النطق بصدق فني وفر نجاحاً يجعل من المسرحية دعماً لمسرح وطني.‏

ثمة أسئلة لا بد من طرحها:‏

كان مدفعي، وما يزال، كاتباً غزير الإنتاج في أجناس أدبية متعددة: المسرحية، القصة القصيرة، الرواية، النقد الأدبي، المقالة الصحفية.‏

كتب مدفعي في سنواته الأخيرة كثيراً لوسائل الاتصال بالجماهير، ولا سيما الصحافة المهجرية، والإذاعات الخليجية والعربية، ولعل كتابه «فلسفة القرآن» مما ألفه لهذه الإذاعات من قبل.‏

يلاحظ أن مدفعي قد توقف عن التأليف المسرحي، وهو المبرز فيه، منذ نهاية الستينات، بل إن ثمة نصوصاً مسرحية مثلت على خشبة المسرح، أو نشرت جزئياً، في بعض القنوات الثقافية والإعلامية، ولم تنشر بعد في كتب.‏

يضيق الناقد أو المتتبع لحركة التأليف العربي بغياب تواريخ كتابة النصوص، وتواريخ نشرها، أو بغياب المعلومات المساعدة، وهذا واضح في غالبية كتب مدفعي، مثلما نجد أنه لم يكتب شيئاً عن تجربته الإبداعية الطويلة على مدار قرابة نصف قرن من الزمن. لقد أقبل مدفعي هاوياً إلى الكتابة، وما يزال، فهو صيدلي بارع، ولكن هذا لا يعفيه من الشهادة حول تأليفه، لأن مثل هذه الشهادة تضيء، ولو متأخرة، تفكيره الأدبي وصنعته الأسلوبية.‏

[جريدة «البيان» (دبي) 1997]‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244