المسرح العربي المعاصر قضايا ورؤى وتجارب ـــ د.عبدالله أبو هيف

دراسة - منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2002

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:01 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

8 - المسرح السياسي وصراع الأفكار

تنضوي كتابة محمد أمين الصالح تحت لواء المسرح السياسي، وفق مفهومه الذي يرى أن لكلّ عمل فني بعداً سياسياً، وهو يندرج في أحد أشكال المسرح السياسي كلما كان هذا البعد السياسي الأقوى في بنية خطابه الفكري والفني. وقد كتب محمد أمين الصالح ثلاث مسرحيات تتجه إلى تعضيد بعدها السياسي بالدرجة الأولى، وإن خالطها نزوع وجودي إنساني يجعل البعد السياسي ملتبساً.‏

والكاتب محمد أمين الصالح، أستاذ جامعي في ميدان علمي، وقد وضع كتباً تعليمية وعلمية في اختصاصه، الهندسة والمعلوماتية، ولم ينشر سوى هذه المسرحيات الثلاث، وهي: «التاريخ لا يشمل الجميع أو أكثر من رجل شريف» و«الصياد»، وقد ضمها كتاب واحد حمل عنوان «أكثر من رجل شريف» (1981). وذكر مؤلفها أنهما كتبتا عام 1968، أما المسرحية الثالثة فهي «اسمي عزالدين» (1994)، وأشار المؤلف إلى أن زمن كتابتها هو عام 1978. وربما دلّ ذلك على زهد الصالح في الكتابة أو النشر، لأنه يتجنب المشاركة في الحياة الثقافية، ولا يعرف عنه حضوره لنشاط ثقافي أو إسهامه فيه. ويؤيد ذلك طبيعة الأفكار، ومسرحه مسرح أفكار، التي ينشغل فيها، وتؤرقه، ثم تستحوذ عليه، بل إن الصالح حرص في مسرحيته الثالثة، على وجه الخصوص، على إظهار حيرته العقائدية وقلقه الفكري الوجودي في استعراض خياراته أمام ما يثقل ضميره.‏

يلجأ المؤلف الصالح، كعادة مسرحيي الأفكار، إلى بعض لوازم التعبيرية والملحمية، فأخذ عن التعبيرية الإغراق في الذاتية، والميل إلى التفكير الشعاري أو العقائدي إلى حدّ التبشير الغامض، والتوكيد على الخلل الوجودي في وعي التاريخ، والنزعة الثورية المغالية ومحاكمة الأخلاق في إطارها، والنظر إلى الشخصيات على أنها مطية لعرض الأفكار، والترميز الجزئي، وأخذ عن الملحمية كسر الإيهام، والنظرة المثالية في حتمية انتصار التاريخي على الراهن، والميل الوثائقي..‏

وثمة تأثير لأمشاج من المذهب الطبيعي في تفكيره المسرحي، مما يعكس الحيرة الفكرية التي تنتظم أطروحات مسرحياته.‏

تفصح مسرحيتة «التاريخ لا يشمل الجميع أو أكثر من رجل شريف» عن شغل المؤلف الصالح المهيمن على تفكيره المسرحي، وأعني به توسيع البعد السياسي لمسرحيته وتعميقه لتصير المسرحية بعد ذلك إلى مدار مفتوح لتجربة العمل على مسرحية سياسية، لأن مؤلفها يقلل من حجم الأبعاد الأخرى إلى الحدود التي تبدو معه سبيلاً لتمكين المسرحية من بنية الخطاب السياسي. تتحدث المسرحية عن الثوار أو المتمردين في وجه الاحتلال الفرنسي في مدينة حمص، وقد عني المؤلف بتقديم شخصيات إشكالية زادت من التباس المسرحية الفكري والفني.‏

لا نتعرف في المسرحية إلى شخصيات محددة أو وقائع معروفة في السياق التاريخي لمواجهة الاستعمار الفرنسي في سورية، غير أن المؤلف التمس في هذه المواجهة تمحيص فكرته عن الثورة والتمرد والخيانة والوطنية والشهادة والجبن.. الخ.‏

تعرض المسرحية لأربعة ثوار، ويتكرر رقم «أربعة» أو «الرابع» في مسرحياته جميعها، فهو اختار أربعة ثوار، وسأل عن مصير الرابع في هذه المسرحية وفي مسرحيته الثالثة، بينما اختار لمسرحيته الثانية أربعة صيادين، ويلاحظ أن الرابع يصمد غالباً حتى النهاية، ويتصدى للظلم وخلل الواقع.‏

ولاشك، أن الشخصيات المعروضة بأرقام أو أوصاف أو جزءٍ من اسمها، والوقائع المجتزئة لا تقصد لذاتها، والمعول فيها هو إدغامها في التنامي الفعلي أو المشهدي، فالكتابة المسرحية عند المؤلف الصالح تجافي التقليد المسرحي الأرسطي إلى متواليات مشهدية، حيث النفور من المنطق والتسلسل المنطقي في تركيب هذه المشهدية. وبهذا المعنى، فإن المبنى المسرحي التعبيري، بالأساس، مع أمشاج رمزية أو طبيعية أو ملحمية، موضوع تلاطم فكري، مما يتردد في المسرح الوجودي ومسرح العبث أيضاً. ولعلنا نمضي في العرض النقدي لمسرحيته الأولى الطويلة ذات الفصل الواحد، فنتعرف إلى الأول والثاني في مسامرة تبين موقفين من شأنهما أن يؤولا إلى الموقف المسرحي؛ يروي الأول للثاني حكاية جبنه وخوفه وهربه وعجزه عن ذكر قصة بطولية أمام زوجته وأولاده، ويريد أن يهزم التشاؤم، ويحلم بثورة، وتتردد أغنية:‏

«سكابا يا دموع العين سكابا‏

على نظير ابكوا يا أحبابا‏

تركني وراح أسهر مع دموعي‏

دموعي كتاب في وصف الحبابا»(ص10)‏

ومن الواضح، أن الأغنية عن نظير، أحد الثوار الأربعة الذي عاد ليقود الثورة في أعنف اشتباكاتها مع العدو المستعمر في العشرينيات. ثم تخوض المسرحية في تفاعلات الثورة والثوار، ولا سيما أفكارهم أو الأفكار التي يبثها المؤلف على لسان شخصياته الكثيرة.‏

تبدأ حركة المسرحية ببحث الحاج عن الرابع (لا حظوا !)، فهو يعتقد «أن حقدهم البشع اضطرهم لإخفاء جثته»(ص10)؛ ويتحدث «صوت 2» مع نظير لتثبيت روعه، إذ «لا يجرؤ الموت أن ينال من إنسان إلا في لحظة ضعف وجبن»(ص11)؛ ويخبر نظيراً أن الآخر مات، ويعتذر له أنه ليس جباناً في مواجهة الموت «وستشهد لي في أعماقك أني بطل»(ص)، ويجيب الصوت أنه لن يجبن، ولكن «كيف أقاوم هذه الوحشة؟»(ص11)، وهنا تنتقل المسرحية من السؤال التاريخي إلى السؤال الوجودي؛ وتعلن امرأة أن نظيراً حي، ويعزي الحاج النفس: «ما نحن إلا بشر فجعنا بطواف الموت فيما بيننا»(ص12).‏

ويدور حديث بين الغجرية والمرأة والقوم عمن يؤتمن، فهي رسولة إلى الحاج، وتقول المرأة: «في حزني هذا لا أطلب الكثير. دمعة طاهرة وذاكرة لا تخون»(ص15) بينما يسترجع مشهد الثورة والثوار، وكيف رفضوا الفدية، واستعدوا للثأر من المستعمر، وكيف دام حرصهم على سلامة الثوار، وتهيء الأم الشاب لتجربة المقاومة. وخلل ذلك تظهر لوحة الإعدام، وتسمع دقاق الطبول، وما تلبثا أن تغيبا.‏

ويلتفت المؤلف إلى تصوير مشاهد القتل وذبح أهالي حمص بعضهم بعضاً، إثر قتل فرنسي محتل، والسبب هو خلاف حول تسليم القاتل لرجال المحافظ تجنباً للمجزرة، بينما هو ثائر؛ وثمة خلاصة تقال على لسان أحد الرجال:‏

«إن عظمة الرجال تتجلى في معاناته لعزلته. فهو يعلم أنه وحدهُ يقرر أموره، وأنه وحده ينتظر نتائجها. تلك النتائج التي تتعثر خطواتها، فيستقرئ نفسه العون، وهو وحيد في قلقه، بارد في خشيته، جزع في أوهامه. ويدرك هذا الإنسان أن كيانه قد انفصل ليرتطم بحاجز قدري، لا تشكل إرادته غير ذرة منه. وحين يعود فيلتحم بوجود البشر من جديد، تتضاعف مسؤوليته أمام حرية نفسه»(ص21).‏

على أن مثل هذه الخلاصة، وهي متكررة، أدخل في جدال فكري وجودي حول الحرية والمسؤولية والإرادة والعزلة والخلاص، ثم يظهر ستارة كتب عليها بأحرف سوداء كبيرة: «الدم المهدور»(ص23)؛ مما يسترجع صور أيام المقاومة وذكرياتها الحارقة.‏

لقد أنقذ نظير خيرو، مثلما أنقذت الغجرية نظيراً، ليثار حوار متوتر حول ضرورة معاقبة الشيخ الذي له كان له الباع الأكبر في تسليم خربة غازي، فهل يفتدى بثلاثمائة ليرة ذهبية؟ أما الشيخ فيرى أن رجال مرعي يعيثون فساداً في قريته، ويسعفهم في تقديم الأمان، ويكون رد خيرو هو تخلي القرية عن الثوار، فيرفض الشيخ منطقهم، ولا يؤمن بثورتهم ولا بثوارهم(ص29)، ويحكم عليه بأنه «‘إنسان لا يعي مبادئ الثورة»(ص29)، ويقرر أن نفيه عقوبة له.‏

ويمعن المؤلف في تقصي حالات الثوار والمتمردين في صفوف المقاومة، ويتملى مراد والمغربي والحاج وجوهاً أخرى للموقف من الثورة حين يعانون وضع رئيس التحري والد مراد، ويقتل الحاج المغربي، دون حقد، دون ندم، لأنه خائن، ويقتل مراداً كذلك، إذ «يجب أن نتخلص من الجرذان»(ص39)، وهذا هو لسان حلى الحاج، وكأنه يقول إن الثورة لا تخسر باستمرارها:‏

«كلما اعترف ثائر بهزيمته بعد فترة من الكفاح، يتولى ثائر آخر السير على درب العدالة، كل يحمل المشعل عن أخيه، ولا يحتفظ أحد إلا عن إيمان بالمشعل، وليس أكثر من الثلاث خطوات التي ذكرناها. أجل ، لا حاجة لأن أخبرك بأن حياة الإنسان قصيرة، إذ بشملها الإنهاك بعد ثلاث خطوات من امتحانها مع العدالة»(ص41).‏

وتمضي مسيرة الثورة على أنها تنقية لضمائر الثوار والمتمردين، ويجتمع حسن والشيخ حمدو بحثاً عن المتمردين، مع دورية من المحتلين، ويأمر حسن باعتقال نساء من عائلتي نظير وخيرو، بينما يبدي الشيخ حمدو أمام المفتش، وهو متعاون مع المحتل، حماسته «لتوجيه ضربة موجعة، سيشيب من تأثيرها الكثيرون»(ص43)، وقد نفذ مهمته!‏

تلاحق هواجس الثوار المفتش وزوجته وخطة المستعمر المحتل في إيقاع الشقاق والخلاف بين صفوف الثوار المتمردين. ويعرض المفتش ما سيفعله لابتلاع مطلب الثورة واستمرار عهد الحماية؛ غير أن نظيراً وخيرو يقبضان على المفتش وزوجته، ويقسم المفتش، تحت وطأة التهديد بالموت، أنه سيترك زوجات الثوار المتمردين إذا أخلوا سبيلهما، ويقسم!‏

وفي الجانب الآخر يتحدث حسن والشيخ حمد عن مرحلة ما بعد إطلاق سراح النساء، ويخشى الشيخ أن ينقرض الأبطال، وتتهدم مصالحه؛ ويتقدم منهما الحاج ورجل آخر، ويتعاون الشيخ حمدو مع الحاج والثوار لقاء مبلغ من المال. إنه الآن عميل مزدوج؛ فيخاطبه الحاج بمنتهى الصراحة والتحذير:‏

«من الغد، سوف تزودنا بأسرار السراي، وستحافظ على عمالتك للسلطات من خلال بعض الأعمال الخفيفة: مطاردة واعتقال. إياك أن تغالي. أما من حيث أفكارك، فاطمئن لأننا لن نقاضيك عنها، وأعلم أننا وضعنا على إحدى كفتي الميزان مردود أفعالك، وعلى الأخرى ثمناً لها، قد يكون كيساً من النقود، أو ما هو أرخص عندنا، وأغلى عند شيطانك من النقود. ودائماً»(ص60).‏

ثم يبلغ الاشتغال على خصائص التعبيرية حدّه الأقصى، في تحويل المشهدية إلى حلبة أفكار حول القضايا العادلة والخاسرة، والشرف والخيانة؛ كأن يقول الثاني للأول:‏

«إن قضيتك هي قضية إنسان شريف، لكن دعنا نحتكم إلى التجربة، لأن في نتائجها العادلة حقائق تثبت عزمنا على الحيلولة دون السقوط في متابعة النظريات»(ص61).‏

وكأن يقول الأول للثاني:‏

«أنا إنسان قد فقد توازنه في لقائه مع الهزيمة.. لم أنج تماماً من الصدمة.. لقد أفلحت في محو بعض الصور من ذاكرتي، فازددت شقاءً وسخطاً. إني الآن أتحمل مسؤولية كل شيء، وسأبدأ بأن أفهم أن الواقع يتشكل من عناصر مجزأة، لا تتضح صفاتها إلا مجتمعة.. أما أنه قد آن الأوان لكي تلتقي هذه الأضداد، ويزول تنافرها، فلا نعود نشقى في دوامة السقوط والانحطاط، أما أنه قد آن الأوان لكي تستأنف أحكام اللعنة، وتخفف عقوبة الاحتقار، فيعود الناس إلى احترام مقدسات تاريخهم، كل ذلك يحتمه خوضنا لتجربة إيمان حقيقية»(ص62).‏

ثم ينتقل المؤلف إلى مشهد آخر بين الشيخ حمدو وحسن الذي ينطلق صوته محذراً:‏

«قد أصيبت الثورة بجراحات الموت.. لكنها قبل أن تسلم بسقوطها، ستطارد من طعنها بنصل الخيانة» (ص63)‏

غير أن المفتش يطرد حسن من الخدمة، وحين يشرح الشيخ حمدو لحسن ما جرى حول حادثة الاغتيال، يوجه حسن المسدس لصدر الشيخ، ويرديه قتيلاً بعد أن يقرأ عليه بند الثوار، ويقضي بأن «على الثوار قبل أن ينضموا إلى صفوف الثورة أن يأتوا عملاً بطولياً»(ص68).‏

وتختتم المسرحية بحديث المفتش، إجابة على استفهام زوجته، عن بطولة المدينة وثوارها، وخلل ذلك كلّه دروس النصر والهزيمة والتاريخ.‏

إنها مسرحية أسئلة ـ أفكار لاستخلاص القيم وتوجيهها من خلال وعي التاريخ المشرط بتجربة وجودية ضاغطة على فهم الحرية والمسؤولية والواجب الذاتي والقومي، توكيداً على أن المبادئ هي شرف الإنسان، وأن الحياة جماع لحظات النصر والهزيمة، وأن الإيمان بالمبادئ هو السبيل للدفاع عن شرف الإنسان وشرف الحياة معاً.‏

ولعله غدا واضحاً تباين الأمشاج المتعددة استمراراً لمذاهب فنية ميّزها على الدوام محمولها الفكري، فثمة طبيعية صارخة في دافعية السلوك الميكانيكي كأن يقول الشيخ حمدو لحسن: «إن الكراهية نرثها، ونورثها بالفطرة، دون أن نتحد مع الشياطين»(ص45)، وثمة ملحمية في كسر الإيهام، واستبدال التنامي الفعلي بتوالي المشهدية، والمعالجة الخاصة لاستكمال ملامح الحدث بطريقة التوليف والتقطيع المرتهن بجلاء الفكرة، كاختلاف زوايا النظر، والتصرف بمسافة الرؤيا، وثمة تعبيرية تغطي تركيب المشهدية وتطبع المسرحية بطوابع لا تخفى مثل تفتيت الزمن، وفقدان المنطق الواقعي، والشخصيات النموذجية وليس الشخصيات المحددة باسمها أو أوصافها الشخصية، لتغدو الشخصية رمزاً أو دلالة على نموذجها، والحرص على المقصدية الغامضة في التفكير الوجودي الصارخ مثل الإلحاح على الخلاص الجماعي والخلاص الفردي، وتوشح ذلك الخلاص بالإيمان والشرف.. إلخ.‏

وتعاد غالبية أسئلة المسرحية الأولى في مسرحيته الثانية «الصياد»، وإن أعطيت الأسئلة لبوساً شاملاً حول معنى الحياة والمصير، ومن المفيد أن نشير إلى أن المؤلف الصالح قد داخل تعبيريته بأمشاج رمزية هي الأكثر بروزاً في نسيج مسرحيته التي توغل في الحيرة الفكرية بما يجعلها عصية على الإبلاغ اليسير.‏

تتألف «الصياد» من فصلين، يواجه الصياد جمهوره في الفصل، ويطرح أسئلة الحياة، ويعترف أن «سلاسلي أطبقت على مصيري»(ص77)، وأن الوجود ذاته في خطر، فقد انطلقت المسرحية في صحراء، وثمة رجال أربعة يرمزون لبئر، وهو صياد وليس بصياد، ينادي ظمأه وحاجته الدائمة للعطش، ولكن الأسئلة ما تلبث أن تفرد التجربة الفكرية منذ التقديم ـ النجوى الافتتاحية:‏

«أجل، فإن الموت في استئناف، حتى يوم تعلن فيه حقيقة الصياد»(ص78).‏

يتداخل التعبيري والرمزية في المشهد الأول، ثم يظهران مراراً، حيث نسر يحوم فوق رأسه ويضع قناع رأس نسر، ويردد تشوفه الغامض، وهو يرى أربعة صيادين حول البئر؛ ليسأل الرابع (لا حظوا !) ذلك الصياد:‏

«أيها الغريب، إني أدعوك لكي تشرب ماء، فترفض؟»(ص82).‏

رفض النسر طرائده، وانداحت الأسئلة حول السعي والخيبة وسوء التفاهم مع الأشياء والناس والحياة. وعاد النسر يحوّم فوق رأس الصياد، ويداهمه إحساس أن النسر سراب، وأن كل ما حوله كان سراباً، فقد اختلطت الأشياء:‏

«والحق أقول: إني لا أرغب في الخلاص الآن، فأنا لم أظمأ ولم أجع... ثم__»(ص87).‏

يواجه الصياد الأربعة، ويعلنون كراهية متبادلة، والصياد شارد في تأمله، ليفيق على موت أحدهم، فيشير إليهم: «القاتل واحد منكم»(ص9)، ويطلبون الهداية منه: «فإن قومت أخلاقنا، بذلك نقتص لصديقك»(ص91)؛ ثم تستمر لعبة الإيهام لينتهي المشهد بالشعور بالجوع والعطش: «أنظر بعينيك فترى أنك تشبهنا»(ص94).‏

وتعاد بعض لوازم المسرحية وشخوصها الرمزية مثل المرأة المتشحة بالسواد، وكانت ظهرت في المسرحية الأولى، تستحلف قومها «بحق هذا الصمت»(ص13).‏

وتسأل في هذه المسرحية الثانية سؤالاً يندرج في الغموض المحبب الذي يتوشح المسرحية:‏

«إنه سيدكم، فلما ذا قتلتموه؟»(ص95).‏

والجواب ذاته يفاقم من حدة هذا الغموض:‏

«الماء المسمومة قتلت صديقه»(ص95).‏

وتمضي المسرحية في متاهتها، ففي المشهد السابع يقف الصياد وحده مع النسر بألفة الصديق. إنه يرمي له الطرائد ويخاطبه عن رفقة الرحلة الشاقة، ويخبره عن عزمه على مواصلة السير في الصحراء، لأنها «متسع من الأرض، لا فناء له، ولاجدران، منها.. أستطيع أن أنطلق؟»(ص96).‏

وعندما تؤلبه المرأة المتشحة بالسواد على الثأر، نراه يلتفت عنها إلى أفكاره الميتافيزيقية:‏

«إن الموت يلغي أنانيتنا، وثقي أن هذا الرجل ما عاد يطلب القصاص لقاتليه، فالعدالة على الأرض لا تخدم سوى نزعات خبيثة»(ص97).‏

ومن المعروف أن التعبيرية حين تبالغ في أسئلتها الوجودية تفضي إلى العدمية والعبث أو اللامعقول، فها نحن نكتشف أن المرأة المتشحة بالسواد زوجة الصياد، وإن الكلاب الجائعة نهشت جسده، ثم يخبرها (هكذا !):‏

«إن القوة الحقيقية نستمدها من نواة أنفسنا حيث تكمن أخبث الغرائز»(ص99).‏

لقد توشح النص بالتفكير العدمي، وبأساليب العبث حتى نهايته غالباً، ويرافق ذلك تطرف في لعب الدور تجسيداً لإغراء الفكرة التي توغل في شطحها. تطلب المرأة من الصياد أن يمثل العدالة، ويعتذر، لأن الإنسان ليس صديقه تماماً، وأنه خاذلها لا محالة؛ عير أنها تلح عليه، وتحيي في نفسه بعض صفاته:‏

«كذلك قال هذا الإنسان ما خلق إلا ليفتك به.. وقبل أن يموت ناداك هكذا يا قاسي الروح، لا تدع صديقاً لك يموت في عزلة»(ص101).‏

أصبحت المسرحية دائرة من العبث، تتقاطع فيها الأفكار العدمية، والأفكار الوجودية، وصار الشكل المسرحي سبيلاّ مجردا لعرض هذه الأفكار ، وهو شكل جافى الواقع كثيراً. فعلى مشارف الصحراء زرع وفير والنسر فوق رأس الصياد، بينما يناجي الصياد النسر:‏

«حلق أيها النسر، فما عدت أخافك. إن كنت تريدني فاصطادني. قبل أن أغادرك إلي أرض الحضر، فهناك القانون سيحميني منك. إن قتلتني ستكبل يداك بالأغلال، وستذبح يوما من الأيام بسكين نظيفة» (ص 102).‏

وفي مشهد تال، تنشد فئتان من الجوقة ابتهالات مناجاة للآلهة أن ترحم اختناقهم ، ويشخص سؤال دال على دائرة العبث في رؤية المؤلف لاختلال العالم:‏

«ومثل الذئاب تطارد ضحاياك؟ ولكن لا تنسى أنك مطارد، وحين يضيق عليك الخناق، ستذكر النسر، وستعود إلى الصحراء»(ص 104).‏

ثم يواجه الأربعة الصياد في لحظة تحد تنعي لهفة الإنسان إلي القتل، فالرابع يستفهم مستنكراً: «أن في القتل شفاء للقروح»، وتلك هي صفة بني آدم، وقد ورثها منذ عهد بعيد(ص106).‏

وتتداخل بعد ذلك أمشاجه التعبيرية والعبثية بالملحمية حيث التغريب المطلق ،فينتقل المؤلف في الفصل الثاني إلي حفل على طريقة البدو، والصياد يجالس المرأة المتشحة بالسواد، وثمة إحساس يلازمه بأنه غدا أثريا مثل ذلك النسر، أما المرأة فتخبره«أن النسر قد مات، اصطاده الرجال الأربعة» (ص 109). ثم نعرف أنه حفل زواجه منها، وصوت المرأة يهمس:‏

«وقد جئت لكي أحميك من نفسك حتى لا تعاني من شقاء الغربة ومذلة الترمل»(ص110).‏

وما يلبث المؤلف الصالح أن يدرك التباس تفكيره مما يدفعه إلي بث أمشاج رمزية لعلها تفصح عن دلالة في غابة الغموض التي مضى إليها مع مسرحيته، فيظهر في جانب المسرح فتى وفتاة يعلن الفتى عن رغبته في الهجرة، وتجيبه الفتاة إلى محاكاة النسر لقوانينهم:‏

«انظر لقوانيننا، وقد تحجرت مثل عيني هذا النسر»(ص111).‏

وتضيف الفتاة إفصاحاً عن رمز:‏

«يقولون إنه غدا شعار عشيرتنا الجديد»(ص111).‏

يثق الفتى بالنسر، ولكن الفتاة تدين الصياد الذي خان صديقه، وتزوج امرأته، وأنه قد عاد إلى هذه المرأة، لا لينقذنا، ويقرر الفتى أن يجد نفسه، بينما تقول الفتاة:‏

«إن لديك مبررات تقودك إلى أرض الخلاص، وأبقى أنا تعبث بي مقادير الرجال»(ص113ـ114).‏

ثم يدعوها لمشاركته أيمانه، أما هي فتنتقد الصياد:‏

«ما ذنبنا أن يورث شقاءه للآخرين؟ عله يهنأ في هذه الليلة، ويهتدي إلى خلاص نفسه، وخلاصنا معاً»(ص115).‏

ويخبرها الفتى أنهم قرروا أن يتخلصوا من الصياد، والسبب هو زواجه من المرأة المتشحة بالسواد، فقد «بدأوا يرون فيه نذير شؤم، وأظنهم قد اتفقوا على ضرورة تطهير هذا المكان، الضيق من الأرض»(ص115)، وسيقتله الرجال الأربعة، ويؤكد الفتى أنه لن ينقذه لأنه لم يقم بواجبه، فهو قد ألقى بسلاحه.‏

وتصير المسرحية إلى طقس مشحون بمنظر الدم، لإظهار الصراع الداخلي، فالقوم، عند باب الخيمة، يواجهون المرأة بأن القاتل في الداخل، ويرتفع الصوت لمحاكمة الصياد محاكمة عادلة، ويجب أن ينتهوا منه، فالصياد لم يمت بعد، وسيأتي سيد آخر.‏

وتتعزز في الختام النزعة العبثية، دلالة على فوضى الأشياء وفوضى العالم واختلاط المفاهيم، فالصياد يقتل رجلاً اقترب منه، والحكيم يترفق بحاله، ويتصدى الرابع لحمايته، ثم يذكر الصياد لرجل أن رجاله طردوه، ويغيب النسر، ويختفي الرجل، ويصرخ: «البئر جاف»(ص130)، ويواجه الجمهور في صمت، والجوقة تغني.‏

تحتفظ «الصياد» ببلاغة تعبيرية متوشحة بأمشاج رمزية، غير أنها تعاني في ابلاغيتها، فالشخصيات غير واضحة، والتسلسل المنطقي مفقود، والأحداث ملتبسة، والتطور غير نام، وأن حاول المؤلف الصالح أن يعنى بالفعل مسترسلاً في تنام داخلي، يشف عن تفكير عبثي مآله عدمية صريحة، يخفف من وطأتها نداء عميق للقيم النبيلة يتشربه حوار ملتاع إزاء ضيعة الأخلاق في معترك السياسة وحركة التاريخ. ثمة سعي مستمر لانطباق الخلاص الذاتي على خلاص الجماعة، ولكنه محبط بالخواء والفراغ وتردي السياسة في مستنقع المصالح.‏

وتعد مسرحية محمد أمين الصالح الثالثة «اسمي عز الدين» (1994) كمال فنه المسرحي: مقاربة السياسي والتاريخي في خضم التعبيرية متوشحة بأمشاج رمزية وطبيعية وملحمية طلباً لتغريب يبين وعياً بالذات الخاصة والعامة في معترك السياسة الخائبة؛ ولذلك تتجاوب في ثنايا مسرحيته الثالثة أصداء فكرة وجودية، غالباً ما تغرق في العدمية أو في اللا معقول، وأحياناً تتصارع مع التاريخ واستحقاقاته الباهظة على رجاء الخلاص الفردي أو الخلاص الجماعي، لا فرق، ولعل فضيلة مثل هذه المسرحية هي توكيدها على استحالة الخلاص الفردي بمعزل عن الخلاص الجماعي. ومن شأن ذلك أن يمضي بالمسرحية إلى صراع الفرد مع شروطه التاريخية، وثمة تجسيد متنوع الثراء والعمق الفكري لأزمة الذات القومية مع معوقاتها الداخلية والخارجية. وتعاد أسئلة الحياة إضاءة لمعنى الوجود الناقص، وضرورة وعيه واكتماله بفعل الحرية، الذي هو فعل غائب عن المسرحية، ثم تتعاور أصوات المتحاورين، وهم مغفلو الأسماء والصفات والألقاب وتحديد النسب والوضع والانتماء، على كنه الحاجة إلى الفعل الغائب وتمظهراته في خطاب فكري، ربما كان البعد السياسي هو الأكثر جلاء فيه، ويتضح ذلك حين نتأمل اللعبة المسرحية التي اختارت منذ المشهد الأول أسلوباً ملحمياً، يبلغ التغريب فيه حدّه الأقصى في تنويعاته المختلفة عن أشكال موت الإنسان في مواجهة قدره، أو مصيره؛ اندغاماً بالأسئلة الوجودية حينا وبالأسئلة التاريخية القابلة للتعيين حيناً آخر.‏

يطرح اختيار المؤلف الصالح لعنوان مسرحيته طبيعة شغله الفكري الذي اختار فن المسرح لاستجلاء مقاربته التاريخية والواقعية، فقد ذكر أن والدته اقترحت لهذه المسرحية واحداً من الأسماء الأربعة التالية:‏

اسمي عز الدين.‏

هل نبحث عن ذاتنا؟‏

من هو المتكلم؟‏

بحق هذه الأرض.‏

فوقع اختياره على الأول، وبغض النظر عن المستوى الثقافي والمعرفي المتميز لوالدته، فإن الأسماء الأربعة المقترحة مستخلصة من المسرحية، أي أن المسرحية تحمل خيارات فكرية متجذرة إلحاحاً على وعي التاريخ، ولا سيما انبثاقها من روح جماعية محاصرة بحس مأساوي وأزمة ذاتية مستفحلة؛ والمؤلف الصالح ينثر هذا الوعي في حواره الذي يصعب التمييز فيه بين حوار الذات (النجوى) وحوار الآخر؛ وأخص منها مسألة البحث عن الذات (ذاتنا)، وحق هذه الذات بأرضها.‏

إن حوار «اسمي عز الدين» كثيف ووجيز متدفق وعميق النبرة الفكرية دون أسماء أو صفات أو ألقاب أو فصول أو مشاهد، وقد تكون قطعة الحوار بضعة أسطر، أو صفحة أو أكثر قليلاً، وليس هناك قطعة حوار تزيد على الصفحات الثلاث، والمسرحية برمتها لا تتعدى خمسة وخمسين صفحة من القطع المتوسط؛ ولكنها، بقصرها الملحوظ، طويلة بتصارع الأصوات فيها، وبثراء الأفكار التي تجعل منها صرخة حرية وسط عجز السياسة عن الوفاء بمتطلبات الاستقلال الذاتي.‏

يتداخل في بناء المسرحية أسلوبان، أسلوب ملحمي وأسلوب تعبيري، حفاظاً على صوت داخلي يوزع تلويناته على أكثر من قناع أو دور، وفي بعض الأحيان، يقاطع القناع أو الدور، ويخاطب الجمهور مباشرة، بل إن عملية كسر الإيهام تغدو شاملة للبناء المسرحي كلًه حين يبثّ المؤلف الصالح نقداً لعمله الملحمي في المشهد الأخير أو قطعة الحوار الأخيرة، إن صح التعبير، وحين يوحي أن عز الدين ربما كان المؤلف ذاته؛ غير أنه لا يتخلى عن بعض أمشاج العبث أو اللامعقول في عبارته التي تخبرنا أن رصاصته تنطلق، ويسقط عز الذين:‏

«ـ لقد مات جميع أبطالك في المسرحية؟‏

ـ اعتقد ذلك.‏

ـ كلا، هي الحقيقة.‏

ـ أريد أن أسألك سؤالاً.‏

ـ (يقاطعه) هل هو استجواب؟‏

ـ ألا ترى المسدس؟‏

ـ (الصحفي مشدوهاً) سيقتلنا هذا الرجل.‏

ـ لا تخف فأنا غير مكلف بقتلك.‏

ـ (الصحفي للمؤلف) مالك تستسلم؟ أفعل شيئاً؟‏

ـ يسألني عن اسمي، فهل أجاوبه؟‏

ـ ما الذي كلفوك به غير قتلي؟‏

ـ إن أسألك عن اسمك.‏

ـ فقط؟‏

ـ فقط.‏

ـ اسمي عز الدين»(ص55).‏

تتألف «اسمي عز الدين» من ثمانية وثلاثين قطعة حوار تقترب من شكل المشهد في غالبيتها، ونذكر توصيفاً لبعض هذا القطع ـالمشاهد للتعرف إلى أسلوبية المؤلف الصالح في بناء مسرحيته؛ أما عن الإشارة إلى الشخصيات المتحاورة فهي تقدير منا؛ لأن المؤلف لا يفصح عن أسماء المتحاورين كما ثبتنا من قبل:‏

حوار بين السجان ـ القاضي والسجين المتهم يدعي فيه الأول أن الثاني سلب أرضه، ويقرر أن يمموت، ويطلب أن يعصبوا عينيه(ص4ـ5).‏

اثنان منهم يتحاوران حول الفخر بالنصر، بينما يُسمع صوت طلق على معصوب العينين، ويعاجله الثاني بإفراغ مسدسه في رأس معصوب العينين هذا(ص6ـ7).‏

يعترف معه أنها، ولو لم تكن أرضه، فلابد له أن يعيش في أرض، وأن يحبها، لذلك يطالبه بالهجرة(ص7ـ8).‏

أسئلة عن الحياة التي تستحق المكابدة والعناء، وهما يتحدثان عنه، فهو «لم يهاجر، مات في أرضه»، وينصحه بألا ينتحر، وأن يحلم(ص9ـ10).‏

موت الإنسان المتكرر، أربعة وبينهم ممثل فاشل، وتفكير العدو بوسائل إبادة أكثر حزماً، ومبتكرة، مثل تعقيم النساء، ولكن دون جدوى، لأنهم سيتزوجون من غير نسائهم، وستلد لهم أطفالاً يحملون البندقية(ص14ـ15).‏

هي محاولة للتمثيل، ويعترف المؤلف، على سبيل كسر الإيهام، أنه لن يصبح كاتباً مسرحياً مرموقاً، ويطالبه الآخر بالاعتزال(ص16).‏

دعوتهم للاستسلام من الحاكم العسكري، وتهديد بتفجير المدرسة؛ وهم يطالبون بالإفراج عن معتقلين(ص18).‏

الحاكم العسكري يرفض طلباتهم، وهو يتساءل: كيف ستربي اليتيم الذي تحمله في أحشائها(ص18).‏

مهلة عشر دقائق للاستسلام، ويقررون مع عز الدين المواجهة(ص19).‏

الجمهور غير متحمس لقضيتهم، ويأس مطبق «إن سلم أحدنا نفسه تحت تأثير العذاب، وإن قاوم قتل»(ص22) واقتراح أن يغيّر المؤلف الجمهور أو أن يعتزل الكتابة. إنهم يبحثون عن الذات(ص23).‏

يرفض أن ينتحر، فهو يريد أن يعيش، وأسئلة عن اسمه؛ وعن تعذيبه، وعن سبب تطوعه: «إنهم يقتلون قومنا»(ص29).‏

يحقنون المعتقلين بالجراثيم، ويدفعونه ثانية للانتحار(ص31).‏

يسأل لماذا كفّ المحقق عن تعذيبه(ص32).‏

أفنوا الكثيرين من قومه، فكيف لا يحقد عليهم، ولا يريد أن يقابل الحقد بالحقد.‏

ابحث عن أرضك داخل نفسك، ويسمون مهمته انتحاراً(ص39).‏

إنهم ثلاثة، ويطلقون عليه النار(ص39).‏

ما فعله دفاع عن حق العودة(ص39).‏

مشاهد من فيلم وثائقي من إنتاج شعبة الحرب الوقائية لدى العدو. عنصرية العدو، وتوليف اقتتال زائف للأخوة(ص41ـ42).‏

بدأت تصفية السجناء، يريد أن يموت، ولكنه لا يريد أن ينتحر(ص46).‏

يتابعون تعذيبه. وسيعقد النطق، ولا أمل في إنقاذ حياته(ص46).‏

سؤال عن عز الدين وامرأته (ربما)، وأنه قتل في عملية. هم قتلوه(ص48).‏

يبلغونهم محبة الرئيس، وهو يريد أن يترك السياسة للجيل الجديد. ويصر عز الدين على أن يعمل من أجل وحدتنا الداخلية(ص48ـ49).‏

هتاف في الشارع عن سقوط الرئيس، ويطلبون من أبي عزالدين توقيع وثيقة إدانة للرئيس الأسبق. حوار متوتر بينه وبينهم، فإما أن يوقع، أو هو متواطئ(ص49ـ52).‏

يقررون إعدامه(ص53).‏

نقد عمل المؤلف في بناء مسرحيته، ولاسيما أسلوبه في كسر الإبهام(ص54)؛ ونورد جانباً من هذه القطعة ـ المشهد، لأهميته في تحليل الشغل المسرحي:‏

«ـ كيف تفسر هذه المشاهد التي ابتدأت بها مسرحيتك؟ ماعلاقتها بما أعقبها من مشاهد تبدو أكثر تلاحماً من الأولى؟‏

ـ إن المشاهد التي بدأت بها المسرحية كانت توطئة، نستطيع تسميتها بـ «بروفات»، أو «الاسكتشات» التي يستخدمها الفنانون، قبل أن يرسموا عملاً متكاملاً مؤلفاً من عدة لوحات.‏

ـ يبدو أنك متأثر بفن التصوير.‏

ـ لقد عاصرت في طفولتي مصورين أصبحوا اليوم فنانين بارعين.‏

ـ وأنت هل أصبحت كاتباً بارعاً؟‏

ـ (يضحك).‏

ـ لكن هناك مشهد لم أستطع ربطه مع باقي الأحداث في المسرحية، وهو ظهور المؤلف في أحد المشاهد المتوسطة في سياق المسرحية، يعلق مثلما نعلق الآن، لكن ما نفعله هو بعد الانتهاء من المسرحية.‏

ـ هناك اسكتش لمعاناة رجل يضع يده على قلبه إلخ ثم يتلاشى... ارجع إليه.‏

ـ (يقلب بعض الصفحات في كتاب أمامه) أجل، رجل يعاني من مرض في القلب أو من مرض نفسي؟‏

ـ ماذا يخبرك هذا الاسكتش؟‏

ـ حسناً، هي معاناة تنتهي بالاستسلام.‏

ـ إنه المؤلف.‏

ـ لقد عبر المؤلف في المشهد المتوسط في سياق المسرحية عن عدم استطاعته اقناع الناس بما يرسم من مشاهد واقعية، حسناً تستطيع أن تسمي ذلك معاناة.‏

ـ وهي تنتهي بالاستسلام»(ص53-54).‏

لا تفصح المسرحية قصد، كما ـ يبين استعراض هذه القطع ـ المشاهد المكونة لبنائها، ولعل مزيتها الأهم تكمن في إثارتها للأسئلة من خلال اسلوبية تساعد على تقصي ممنظورات متعددة للفعل المسرحي، وهو يمعن في تدعيم خطاب الحرية أو خطاب الاستقلال. وقد عمد المؤلف الصالح بين الحين والآخر إلى تعزيز الؤوح النقدية في ثنايا نصه المسرحي:‏

«لدي القناعة ، بأني سأجد يوماً ما يثير جمهوري. دع هذه المسرحية تفشل. دع غيرها يفشل. لا بد أن تهزه إحدى مسرحياتي. لا بد أن يصدق ما سأقوله له في واحدة من تلك المسرحيات التي يحق لك وله أن يسميها فاشلة.‏

ـ لماذا تسعى إلى ذلك؟‏

ـ ألم تسمع «بالبحث عن الذات»؟ كلنا تائه ويبحث عن ذاته. يجب ألا نيأس من البحث، بل يجب ألا يقتلنا الملل أثناء مواصلتنا البحث.‏

ـ لماذا نخشى الملل؟‏

ـ لأننا سنكرر أنفسنا إلى أن نجد ذاتنا. ومن يدري، إذا ما كررنا أنفسنا آلاف المرات، فسنصدا وتغمرنا الكآبة. صدقني، سنموت من الملل حتى لو هاجرنا. لن نجد شيئاً نغذي به طموحنا.»(ص23).‏

يتردد بين جنبات المسرحية صوت حكمة شجي لوعي التاريخ:‏

«ـ يوماً ما ستتقدم بك السن. ستنظر حولك، ستجد الناس تتكاثر كالعروق السامة، ستتقوقع ولن يحميك ذلك من لدغاتهم. ستتذكر عداءك لها حين كنت شاباً وهجومك الشره على البراعم المتفتحة. لن يعزيك ذلك ويوماً ما ستموت، وتتلاشى من حولك العروق السامة، وستغوص في بركة موحلة قد تغرق فيها إلى الأبد، أو قد تنتشلك يد محبة، قد تكون يد ولد أو ابنة، وستمسح على جبينك فتموت بسلام)»(ص31).‏

وعلى الرغم من هيمنة التفكير السياسي على بناء المسرحية، فإن نزعة المؤلف الصالح الوجودية المثالية لا تخفى:‏

«ـ إن لحظات السعادة الحقيقية قصيرة. هي المسافة التي تقطعها روحك إلى تلك الآفاق، ثم تعود مرتدة إلى واقعها الإنساني. صدقني إنك في لحظات سعادتك هذه لن تستطيع تحسس جسدك، لأنك تكون قد غادرته في رحلة قصيرة إلى تلك الآفاق.‏

ـ كأنك زواجت، جسدت آلام الإنسانية، وزاوجت روحك سعادة الطقوس والعبادة.‏

ـ حين تضمني السعادة يخيل إلي أني أعيش حلماً لا أستطيع أن أرويه لأحد، ومثل أي حلم، تراني أنساه بعد ولادته، ولا يبقى في ذاكرتي غير شتات طموحاتي اليومية، وجميعها يمتزح بالمرارة.»(ص35).‏

وكما لاحظنا، فإن مسرحية محمد أمين الصالح الثالثة «اسمي عز الدين» توجز خصائص كتابته المسرحية، وتفصح عنها تمام الإفصاح، ولا سيما ارتفاع نبرة التغريب والارتفاع بالحوار إلى لغة مسرحية تناسب نزوعه إلى مسرح الأفكار أو المسرح السياسي غالباً. إن مسرحياته مثقلة بالأفكار، وبجانبها السياسي على وجه الخصوص، في التداخل بين العام والخاص، الاستعمار الفرنسي والاحتلال الصهيوني وتأثير ذلك على الخلاص الفردي الممتنع على التحقق الذاتي معاً، ولقد حاول المؤلف الصالح أن يدغم هذا الوعي برؤية وجودية مقترنة بحس مأساوي عنيف، ولكن صراع الأفكار في ذات المؤلف، وفي تجليات التعبير عن هذا الذات قصّر عن بلوغ القصد، فغلب على المسرحيات طابع الحواريات، وظلت شهوة التعبير السياسي مختلطة بمؤثرات فكرية متعارضة في بعض الأحيان، وزاد من تأثيرها على وحدة الأثر لبوسها اتجاهات فنية متعددة كالتعبيرية والرمزية والطبيعية والملحمية، ولا نضيف شيئاً إذا قلنا في النتيجة: إن الاتجاهات الفنية هي اتجاهات فكرية في الوقت نفسه.‏

[مجلة «الموقف الأدبي» (دمشق) 1998]‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244