|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:01 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
9 - محنة الديمقراطية والدعابية المرّة كتب محي الدين اللاذقاني، وهو الشاعر والناقد، مسرحية سياسية واحدة في مطلع السبعينات، ونشرها مسلسلة في صحيفة يومية بلندن في منتصف الثمانينات، ثم نشرها في كتاب في منتصف التسعينات، وهذا يعني أن المسرحية لا تنتمي إلى موجة المسرح السياسي السائد غالباً على المسرح العربي بعد عام 1967، وهو مسرح الانتقاد السياسي المباشر، أو ما اصطلح على تسميته مسرح «الكباريه» السياسي، ومنه مسرح «الشوك» الذي اشتهر بمساهمة دريد لحام، ومسرح «دبابيس» الذي عرف مع الأخوة قنوع، وهو أيضاً مسرح الاستجابة السياسية المباشرة، بأشكال فنية مختلفة، لوقائع وأحداث مرحلية مؤثرة في التاريخ القومي. إنّ مسرحيته «الحمام لا يحبّ الفودكا» تستفيد من هذه التقانات كلّها في نزوع تخييلي يمدّ مجال المفارقة في ثوبها الدعابي الساخر إلى أقصاه، وهو النزوع «الفانتازي» في إطاره القاتم المرير متوشحاً بابتسامة دامعة موجعة. لقد عرف محي الدين اللاذقاني في كتاباته بطوابع تميز بها بين النقاد والشعراء، أولها موقفه الفكري الصارم المشبع بتطلعه إلى قيم مدنية وسياسية وأخلاقية هي تذكيره بشهوة المثال في خضم تلاطم واقع مزر، وثانيها موقف نقدي تعمرّه روح الدعابة الراقية والسخرية الرفيعة مما هو أدخل في الملهاة السوداء، وثالثها حسّ عميق فاجع بالمصائر القومية مشوب بقلق لا يهدأ، ورابعها نفور من فيض الإنشاء اللغوي والاسترسال العاطفي نحو اقتصاد في التعبير شديد الدلالة على مقاصد الخطاب الأدبي؛ وخامسها جرأة فكرية في قلب الممارسة الأدبية، في أشكال الكتابة، من المقال إلى النقد، إلى البحث، إلى المسرحية، إلى القصيدة، نشداناً لأصالة ثقافية لا تخفى؛ وسادسها بعد ثقافي متجذر في تراثه وتراث الإنسانية، وتدعو إحالاته الثقافية التي تتشربها لغته، ويوحي بها تفكيره الأدبي، إلى الإعجاب. ولعل مسرحيته «الحمام لا يحب الفودكا» نموذج لهذه الميزات، فهي فانتازيا سياسية تفلح في امتلاء الموقف الفني بمصداقية تاريخية نحو نقد الواقع، غير أنها لا تعنى بالنقد المباشر، أو أن تكون استجابة مباشرة لوقائع أو أحداث سياسية، فثمة نفور جلي في لغة المسرحية، وفي بنيتها الفكرية والفنية، من أن يصير النقد السياسي إلى مجرد «تنفيس» آني للكرب الحاصل لدى المتلقي من جسامة الهم السياسي، وهو في المسرحية فقدان الحرية وغياب الديمقراطية معادلاً سياسياً في الواقع. والفرق جلي بين نوعين من المسرح السياسي، ففي مسرح الاستجابة المباشرة لمرحلة تاريخية معينة والمسرح السياسي المباشر، يتجه النقد إلى ظواهر الممارسة السياسية، ولاسيما اليومية فيها، بينما المسرح السياسي الأرقى هو الذي يخاطب وجدان المتلقي ووعيه، ولايكتفي بدغدغة مشاعره وإثارة غرائزه ومكبوتاته، مما يحفل به المسرح السياسي المباشر، أي أنه مسرح لحظة تكون مادته مثار سخرية واضحاك، وغالباً هي لحظة لاتعنى بجوهر الموقف الإنساني. أما مسرحية «الحمام لايحب الفودكا» فتنتمي إلى ذلك المسرح الساخن الذي أدمن السباحة في بحر السباحة دون أن يترامى أو يتهافت إلى الولع بطرائق المسرح السياسي المباشر السائد. إنها لاتنتقد ظواهر في الممارسة السياسية في مشاهد منفصلة، مثل الانتقاد الذي يوجه إلى المحسوبية، والرشوة، وانقطاع الكهرباء، وعدم وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، واستغلال المنصب، والاعتداء على الأملاك العامة، وعدم احترام القانون.. الخ. وهي الموضوعات المتواترة في مسرح الشوك ومسرح دبابيس، ومسرح «الكباريه» السياسي على وجه العموم. اتجه اللاذقاني في مسرحيته إلى مبنى رمزي فانتازي للسخرية من أنظمة الحكم الشمولية المطلقة داخل السجن حين وازن بين الوطن والسجن، فالوطن في مسرحيته هو السجن، والمواطنون سجناء، بل أن صفة المواطنة تكاد تنتفي في مثل هذه الظروف. لقد اضطر حاكم السجن إلى لعبة الانتخابات مادام قادراً على تزييفها، غير أن اللعبة سرعان ما تنكشف، مما يدفع الحاكم إلى الكشف عن وجهه أو وجه حكمه الاستبدادي، فينهي اللعبة بالمزيد من الاستبداد، وما يتصل به من قمع وعنف، فيعاد اعتقال الجميع في شروط أكثر قسوة وعنفاً، وقد أضيفت إليهم تهم التأمر والخيانة، ويلحق بهم من يذّكر، مجرد التذكير، بقواعد اللعبة، أما المتفرجون من الشعب، فعليهم أن يدفعوا الثمن، وهو المزيد من الامتثال والرضوخ والإذلال. تتألف المسرحية من فصلين، الأول مخصص للتهيئة للعبة الانتخابات، والثاني لإجرائها وانكشافها وإيقافها مادام من المتعذرتزييفها والتحكم بها، لتختتم المسرحية بباب الاستبداد والقمع مفتوحاً على مصراعيه. نتعرف في الفصل الأول إلى نماذج من السجناء، المواطنين، كاظم السجين السياسي وصديقه زكريا، وشعبان المدرس، ورأفت المثقف الانتهازي، وأبي صطيف، الرجل الشعبي البسيط الذي يشتغل بتربية الحمام، وأحمد التاجر النصاب، وخالد السجين بجناية.. وثريا المومس التي يفتح لها باب سجن الرجال في إطار لعبة الانتخابات، ثم يتلو ذلك فتح الباب بين سجن الرجال وسجن النساء. يتساءل السجناء في مطلع الفصل الأول عن جدية حاكم السجن بنقلهم إلى سجن جديد، حيث تنعدم الشروط اللائقة بالبشر في هذه الزنزانة الكبيرة متآكلة الجدران، وسقفها الذي يرشح، ولامجال لإصلاحه. وفي هذا المكان الكئيب، تتبدى طوابع الملهاة السوداء في أكثر خصائصها لذعاً وسخرية، أعني الدعابية المريرة التي لاتكتفي بحّد الضحك أو الاضحاك، بل تبعث في صلب الموقف حساً فاجعاً بالواقع، وبالأمل في آن معاً. وتطالعنا المسرحية بهذه الطوابع منذ المشهد الأول بين السجينين خالد وزكريا: «خالد: أنتم سجناء قدامى، ومن حقكم الحصول على معاملة أفضل. زكريا: حاكم السجن ليس من رأيك؟ خالد: الحاكم ليس كل شيء. هناك قوانين للسجن، ويجب أن تطبق بحذافيرها. زكريا: هل رأيت قانوناً يحترم داخل السجن؟ خالد: لاأذكر. زكريا: أرأيت مظلوماً ينال من ظالم؟ خالد: لا، ولم أسمع. زكريا: أقابلت أحداً، لايشكو من مائة مشكلة على الأقل؟ خالد: لم يحدث. زكريا: لماذا تعتقد إذن أن قوانين السجن وحدها التي ستحترم؟ خالد: مجرد خواطر.. قلت في نفسي ربما كانوا أكثر ديمقراطية هنا».(ص8-9) وقد اختار اللاذقاني لمسرحيته نماذج اجتماعية متباينة تكاد تمثل شرائح المجتمع كلّه، على سبيل تعضيد المبنى الرمزي، فلم تعرض المسرحية أسباباً لسجن هذه النماذج، بالقدر الذي تناقش فيه الشخوص المآل السياسي لقيم المجتمع المدني من خلال مأساة الديمقراطية الغائبة والمغيبة، وهذه لحظة أخرى تشير إلى الدلالة الرمزية الأعم: «رأفت: فهمتك تماماً لكن ما تسميه أنت حماقة اسميه أنا حقاً ولم أكن أحمق حين طالبت بحقي. زكريا: أفهم من كلامك أنك قد درست في أوربا ثم عدت إلى الوطن؟ رأفت: تلك هي الحقيقة. كيف عرفت ذلك؟ زكريا: هناك فقط يتحدثون عن الحقوق أما نحن فقد نسيناها منذ زمن طويل، في بلادنا لايتحدثون إلا عن الواجبات. كاظم: واجب الزوجة. زكريا: واجب رب العمل. خالد: واجب المؤجر. كاظم: واجب الشرطي. زكريا: واجب الكلب. خالد: واجب.. يقاطعه رأفت.. رأفت: هذا فظيع، أين أضعتم حقوقكم؟ زكريا: لم يكن لنا حقوق لنضيعها، فتحنا عيوننا على الدنيا، وجدنا انفسنا مثقلين بالواجبات، وحين قرأنا عن الحقوق في الكتب الغربية.. صادروها من السوق وصادرونا من الدنيا.. كاظم: تصور أن كلية الحقوق العريقة التي نعتز بها حوروا اسمها فأصبحت كلية الواجبات؟ رأفت: هذا عجيب.. أكاد لاأصدق.. أليس لكم حق واحد؟ كاظم: بلى. لنا حق قبول ما تقرره الحكومة. رأفت: وحق الرفض ألا تمارسونه؟ كاظم: نحن نرفض كثيراً يا صاحبي وإذا شئت فنحن أمة .. رافضة بالفطرة، رفضنا العلم ورفضنا التقدم، ورفضنا التحديث ورفضنا العيش الكريم، ورفضنا أن نكون بشراً، فماذا تريد أكثر من ذلك» (ص15-16). وكان واضحاً لدى اللاذقاني أنه يكتب مسرحية قضية عن محنة الديمقراطية في الواقع العربي، ولذلك لم يثقل نصه بتفاصيل المعاناة المترتبة عن فقدان الديمقراطية، مكتفياً بإشارات عجلى عن النماذج، وليس عن أشخاص بتعيينهم الاجتماعي، وبتاريخهم الشخصي، وبأسمائهم الخاصة، كما هو الحال مع رأفت الذي عاد بالدكتوراه من الخارج، ثم كان مصيره السجن بدلاً من تعيينه في الجامعة.. «خالد: لقد رفضوا تعييني أصلاً، وماطلوا ستة أشهر، ثم قالوا أنه لامكان لي في كادر الجامعة.. زكريا: فطار صوابك حين سمعت هذا الكلام، وصرخت مطالباً بحقوقك، فرفع مدير الجامعة سماعة الهاتف وهمس ببضع كلمات لم تسمعها، وبعد دقائق كانت سيارة الشرطة تقودك إلى هذا المكان. رأفت: كأنك كنت معنا هذا ما حدث فعلاً. زكريا: في بلادنا تتشابه كل القصص يكفي أن ترسم الإطار العام ويستطيع أيا كان أن يملأه بالتفاصيل. رأفت: بالرغم مما حدث لم أكن مخطئاً، لقد طالبتهم بتطبيق شعار «الرجل المناسب في المكان المناسب»، وهو أول شعار صادفني بعد وصولي إلى مطار العاصمة. زكريا: لقد طبقوا هذا الشعار عليك، فالسجن أنسب الأمكنة لرجل مثلك. رأفت: ولكني دكتور وصاحب شهادة، أنا رجل علم، ومن حقي أن أفيد الناس بعلمي، وأن احصل على وظيفة مناسبة. زكريا: السجن مؤسسة حكومية، وأنت الآن موظف عندنا برتبة سجين، وهذه وظيفة تناسبك.»(ص17-18) ويستكمل اللاذقاني دعابيته بالمفارقة، ولعل تعليق زكريا على وضع رأفت يبين أسلوبية الملهاة السوداء، استخداماً لإحالات اجتماعية وسياسية في تدعيم المبنى الرمزي: «رأفت: دعك من المزاح إني جاد فيما أقول. زكريا: وأنا لاأمزح يا صاحبي. رأفت: كيف؟ زكريا: سأشرح لك كل شيء بالتفصيل لتقتنع. رأفت: إني أصغي. زكريا: هل لك قريب يضع على كتفيه صفاً من النجوم الصفراء الأنيقة. رأفت: لا. زكريا: هل لك أخت جميلة متحررة تكثر من زيارة صديقاتها بالليل وتبات عندهن؟ رأفت: لا.. أنا وحيد أبوي. زكريا: هل تستطيع دعوة نصف عشيرة بني نافذ إلى سهرة أسبوعية تريق فيها أنهاراً من خمر وعسل وأرداف؟ رأفت: من أين لي هذا، أنا فقير الحال، كنت عصامياً وأكملت دراستي بجهدي وأنا أعتز بذلك. زكريا: سؤال أخير، هل تعرف على الأقل صديقاً يقود سيارة بلا أرقام لها ستائر سوداء مسدلة؟ رأفت: لاأعرف. زكريا: مادام الأمر كذلك فهذا هو مكانك الأنسب. رأفت: دراستي وشهاداتي أليس لها أي اعتبار؟ زكريا: انقعها واشرب ماءها. كاظم: أو احتفظ بها ذكرى للأحفاد العظام.»(ص18-19) وللمفارقة أوجهها المتعددة في مسرحية «الحمام لايحب الفودكا» في اللفظ وفي المعنى وفي الموقف وفي الهيئة والسلوك، وهي أوجه سرعان ما تندغم في المبنى الرمزي الأشمل، فهذا هو السجين كاظم يقترح للشرطي اقتراحاً ذا معنى: «كاظم: لماذا لاتسورون المدينة بالأسلاك الشائكة وتبنون حولها جدار ضخماً كسور الصين العظيم، وتحولونها إلى سجن كبير فتوفرون الوقت والنفقات؟ الشرطي: (يفكر بالاقتراح وهو يمشي في الزنزانة) إنه فعلاً اقتراح مفيد. لكن ماذا نفعل بالأبرياء الذين يسكنون داخل المدينة؟ زكريا: تنصبون لهم خيمة على مشارفها وتسمحون لنا بزيارتهم للتبرك بهم قبل أن ينقرضوا.. الشرطي: اسكت لم يطلب أحد رأيك. زكريا: أعرف ذلك لكني أريد أن أساهم مع الحكومة في إيجاد حل مشرف للأزمة.. الشرطي: (لكاظم) اقتراحك معقول، لكن ماذا بشأن الحراسة سيكون السور كبيراً ولن نجد العدد الكافي لحراسته؟ كاظم: هذا أمر سهل تستطيعون الاستعانة بالقوات الدولية.»(ص20-21) ومن مفارقات الهيئة والسلوك نجد اللاذقاني يسمي الوجيه التاجر النصاب باسم «أحمد موسى اللهاط» (ص22)، وكان وصفه من قبل على نحو يشي بدلالة النهم والنهب: «له كرش كبير، ويحمل على جنبه سلسلة مفاتيح ضخمة» (ص18). ومن أمثلة المفارقة اللفظية والمعنوية، نشير إلى حوار بين زكريا وكاظم: «زكريا: أليس لك عينان.. ألا ترى السلسلة الضخمة من المفاتيح التي يحملها على جنبه الأيمن؟ خالد: أراها، ماذا تعني؟ زكريا: هناك احتمالان.. قد يكون مسؤولاً كبيراً في الدولة.. كاظم: وقد يكون لصاً.. زكريا: بالضبط. سجين: لم أفهم كاظم: كلهم يحملون نفس الكمية من المفاتيح ويحصلون على ثرواتهم بالطريقة ذاتها.. سجين: لم أفهم أيضاً لابد أن هناك بعض الفروق. زكريا: الفروق قائمة لكنها طفيفة بحيث يستحيل عليك إدراكها. كاظم: بعضهم يسرق بالليل. زكريا: وبعضهم يسرق بالنهار. كاظم: بعضهم يسجن إن ضبط. زكريا: وبعضهم يضبط فينال الأوسمة والترقيات. كاظم: وبعضهم يبحث عن كفاف عدة أيام. زكريا: وبعضهم يبحث عن كفاف عدة قرون. كاظم: بعضهم يجرب عدة مفاتيح حتى يحصل على مفتاح الخزنة. زكريا: وبعضهم يعرف المفتاح الحقيقي فلا يجرب ولايتعب ولامن يحزنون. خالد: كلامكما لايبدو مقنعاً تماماً فإن من صفات اللص أن يكون خفيفاً رشيقاً سريع الحركات.. ألا ترى إلى هذا الكرش الذي يتقدم صاحبنا؟ كاظم: يبدو أنك لم تقرأ تاريخ اللصوصية كما يجب ولم تطلع على آخر تطورات المهنة، إن أصحاب الكروش يا صديقي آخر تقليعة في دنيا النهب والمسؤولية. زكريا: وقد سمعت من مصدر موثوق أنهم لايسلمون مواقع المسؤولية إلا لمن يمتلك كرشاً مناسباً لأنه ثبت بالتجربة أن أصحاب الكروش مسؤولون من الدرجة الممتازة. سجين: والمواطنون الذين لايمتلكون هذه النعمة أليس لهم أمل بالترقي؟ زكريا: إن حكومتنا -أدامها الله-لاتغفل شيئاً ولاتظلم أحداً، ولذلك، وحرصاً منها على المساواة أقامت دورات لتأهيل النحيفين استعداداً لتقلهم إلى مواقع المسؤولية.»(ص23-24) وتبلغ المفارقة حداً مأساوياً في تعبيرها عن الموقف: «زكريا: أنا أعمل في تهريب الأفكار. أحمد: «مستغرباً» الأفكار؟ لم اسمع أحداً يطلبها في السوق. زكريا: الذين يطلبونها كثيرون، لكنهم لايطلبونها عندك. أحمد: هل هربت كثيراً؟ زكريا: كثير جدا. أحمد: وهل هي مربحة؟ زكريا: أكثر مما تتصور. أحمد: ماذا جنيت من وراءها؟ زكريا: الأرق ومرض الأعصاب وتصلب الشرايين وتعب القلب وإقامة مجانية في هذا المكان على حساب الحكومة. أحمد: ماهذا الكلام، هل تمزح؟ زكريا: إنها الحقيقة يا سيد لهاط. أحمد: وماذا كنت تحمل حين قبضوا عليك؟ زكريا: لاشيء. أحمد: وكيف عرفوا أنك مهرب؟ زكريا: كنت أتحدث إلى أصحابي وأقول لهم إننا نحتاج إلى قليل من الحرية والمساواة والكرامة، فسمعني أحد البصاصين، وعرف أن أفكاري من الأفكار الممنوعة، وبما أني لاأملك رخصة استيراد للممنوعات فقد «قفشوني» وجاؤوا بي إلى هنا لأتعرف على هؤلاء الأصدقاء العظام. الوجيه: حرية.. كرامة.. مساواة.. لم أسمع بهذه السلع من قبل. زكريا: في اوساطكم لايتحدثون عن هذه الأصناف، لستم بحاجة إليها أصلاً.. أحمد: نحن نحتاج إلى كل شيء. زكريا: حين يربى الإنسان كرشاً بهذا الحجم فما حاجته للحرية ولماذا يرغب بالمساواة، ومن يحمل هذا الرأس المنكس دوماً فما علاقته بالكرامة؟ أحمد: عدنا إلى الحسد»(ص26-27) وعندما يقرر الحاكم خوض لعبة الديمقراطية، فإن المفارقة تصبح أشد سواداً ومرارة، ونقتطع جانباً من مناقشة تعليمات الانتخابات: «الحاكم: أنت لك وضع خاص وستنظر لجنة الانتخابات في طلبك وقد نسمح لك بترشيح نفسك. ثريا: يعيش حراس الشرف والأخلاق والفضيلة. السجناء: يعيش... يعيش... يعيش... الحاكم: المادة الخامسة: يعمل بهذا القانون من تاريخ صدوره وتجري الانتخابات خلال أربع وعشرين ساعة من هذا التاريخ. المادة السابعة: تشكل لجنة انتخابات عاجلة للنظر في طلبات المرشحين يرأسها شخص منكم، وتضم ثلاثة مساعدين من حراس القانون يتم تعيينهم فيما بعد ومندوب واحد عن ضيوف الحكومة. سجين: هناك استفسار بسيط يا حضرة الحاكم. الحاكم: تفضل. خالد: هل لنا أن نقوم بالدعاية الانتخابية؟ الحاكم: الدعاية من كل مرشح ينال طلبه موافقة اللجنة... سجين: استفسار آخر ياحضرة الحاكم... الحاكم: تفضل... سجين: ماهو عدد أفراد مجلس إدارة المضيف؟ الحاكم: كل من ينجح سيكون عضواً بمجلس الإدارة نحن لانتقيد بالعدد. شعبان: ومن سيكون رئيس المجلس؟ الحاكم: أترى رجلاً غيري جديراً بهذا المنصب؟ شعبان: استغفر الله كنت أسأل فقط... سجينة: ماهي نسبة تمثيل النساء بمجلس إدارة المضيف؟ الحاكم: لهن نصف المقاعد. ثريا: تعيش المساواة. السجينات: تعيش... تعيش... الحاكم: أترككم الآن بحفظ الله ورعايته لتستعدوا لهذه الانتخابات الشريفة النزيهة، ولايسعني إلا أن أذكركم بضخامة المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقكم لإنجاح هذه التجربة الديمقراطية الفريدة.. سيروا إلى الأمام والله الموفق.» (ص57-59) وتكتمل دلالة المفارقة المعنوية في الفصل الثاني والأخير الخاص بإعلان الانتخابات وبإجراءاتها، وبالمآل المسدود الذي وصلت إليه، حيث تدخل الحاكم للتهرب من بنود الانتخابات، وتعيين لجنة قابلة للتواطؤ، وقرار اللجنة بإنجاح من تريد إنجاحه، وتزوير الانتخابات بأكثر من شكل، وصفة المطلوبين للحكم، ولاسيما ترفيههم عن الحاكم، وتعاون بعضهم مع الحاكم ضد مصالح الأغلبية، وكشف الحاكم نفسه لطريقة تزييف الانتخابات، وانتقاد حاملي الشهادات العليا والمثقفين الانتهازيين والمأجورين وضعفهم أمام السلطة، وتحليل ألية السقوط والصعود في لعبة الانتخابات المكشوفة، فقد حذر زكريا رأفت من السقوط، غير أن الثاني يعلل الأمر بأن الآخرين سينتظرونه، مادام يناور من أجلهم، فيجيب زكريا: زكريا: لن يتعرفوا عليك، ستكون بالنسبة لهم شخصاً آخر، لعلهم ينتظرون الدكتور العصامي الذي كان، أما هذا الذي أمامي فلن يعرفه أحد. رأفت: سأناور إلى أن أخرج لكني لن أتغير. زكريا: بداية السقوط زلة قدم صغيرة.... رأفت: لتكن زلة لكني سأتماسك بعدها. زكريا: لن تستطيع. رأفت: لماذا؟ زكريا: الطريق إلى أسفل يبدأ بخطوة، والانزلاق سهل للغاية. غمضة عين، وتجد نفسك عند السفح أو في قعر الهاوية» (ص81) وهكذا، كان الحاكم مستعداً لإلغاء الانتخابات فور انكشاف تزييفها: «لانتائج اليوم، ولاانتخابات بعد اليوم، أنتم شعب لايستحق الديمقراطية، اعتدتم على السوط، وبالسوط أعود بكم إلى جادة الصواب» (ص105). لقد أفلح اللاذقاني في مبناه الرمزي باعتماده «الفانتازيا» بالدرجة الأولى، وقد بلغت ذروتها بإدخال المرأة البغي ثريا إلى سجن الرجال، وبفتح الباب بين سجن الرجال وسجن النساء، وباللجوء إلى المفارقة بمستوياتها المتعددة، مما جعل المسرحية نداء ملتاعٍ إلى الحرية، وصرخةَ موجوع إلى الديمقراطية. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |