|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:01 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
10 - «تداعيات بغل فقد سمعته»: مسرح القتامة والقسوة لفت فيصل الراشد الأنظار إليه مسرحياً وكاتباً مسرحياً منذ عرض مسرحيته «التوقيع أخوكم في الإنسانية»على صالة القباني في إطار برنامج المسرح القومي عام 1987. وكان عرضاً مغايراً في عمل هذا المسرح الذي اعتمد حتى ذلك التاريخ على العروض المترجمة غالباً وعلى بعض المسرحيات العربية والمحلية التقليدية. وكانت مسرحية جريئة في شكلها ومضمونها وفي تفكيرها المسرحي وفي فكرتها الفلسفية وفي تناول شخصياتها وفي حوارها. لقد بنى فيصل الراشد غرائبية متطورة عن تعبيرية مفعمة بحس المفارقة المقذعة ولوعة الفاجعة بمصير بشري يتطوح مثخناً بجراحه في هاوية اليأس أو هزيمة الأمل القدر. يمضي الراشد مسرحيته إلى رؤية قاتمة لجيله على أنه صورة ممزقة وشائهة لمصائر تاريخية سوداء، فعلى الرغم من استمدادمسرحيته من قصة أخيه فريد صاحب تلك المكتبة القابعة في إحدى زوايا هذا الوطن الذي أنهى حياته بيديه بتصميم هو أشد قسوة من الواقع حين دعاهم جميعاً على العشاء مودعاً ذات ليلة مظلمة، فصارت قصة أخيه فريد إلى قصة فريد الذي أصبح فاشياً لا يتوانى عن تنفيذ فكرته الشيطانية بحرق المكتبة الوطنية في هامبورغ في ليلة باردة، فيقع عمود ملتهب عليه، ويحرقه، وعبثاً يحاول إطفاء نفسه بينما تلتهم النار الكتب والجدران والمكان. وتترسخ النزعة التدميرية إزاء شراسة الواقع وعنفه في مسرحياته التالية، ولاسيما مسرحيته «المخرج والطباخ» (قدمتها _جماعة «المسرح الفقير» في أكثر من محافظة عام 1990م بإخراج المؤلف نفسه) التي تنتهي إلى قتل المخرج لنفسه بسكين من مطبخ جاره الطباخ، وعندما يرتاع الطباخ من رؤيته يقتل نفسه في داره، يجيبه المخرج المقتول ببساطة: «لا تخف سألقي بكومة اللحم هذه إلى الشارع»، ثم يلقي بنفسه من الشرفة، ليطحنه القطار العابر. ثمة رفض للحياة الشائنة لدى شخوص فيصل الراشد، فالمخرج انتحر أيضاً لأنهم يراقبونه حتى عزلته: «أحس بهم الآن خلف الستائر وراء الأبواب.. تحت النوافذ»، أما السعادة فلم «يعد لأي شيء معنى في نظري عدا الموت». و«كل أعياد ميلادي خائبة.. أحببت هذه الأرض التي تلقيت المعرفة عليها، ولكنني احترق الآن فوقها»، ولقد حكم المخرج على نفسه بالموت، لأن الحياة لم تعد جديرة بأن تعاش، و«ما أسوأ أن يعرف الإنسان مصيره.. ها أنا عرفت مصيري». تتحرك مسرحيات فيصل الراشد في التاريخ، وتتوجه إلى نقد الوضع البشري المزري تحت ضغوط فقدان الحرية والعنف المستشري في نسيج العالم، وقد اختار الراشد لهذه المسرحيات شخوصاً وأحوالاً قابلة للتغير على طريقة المسرح التعبيري الذي يتلون بنبرات طبيعية ودعابية ساخرة. ليس الراشد مغترباً، ولا يندرج مسرحه في خانات المسرح الاغترابي بنزعاته الوجودية أو العبثية أو اللامعقولة، فهو شديد الالتصاق بواقعه، متوجعاً لما يفسده، وقد اختار هذا الشكل المسرحي الذي يحول هذا الواقع إلى بقع تتباين في إظلامها أو في إضاءتها تعبيراً عن وطأة العيش، وتصير الشخصيات في هذا الفهم إلى جزء من التكوين المشهدي القابل للتعديل أيضاً أثناء العرض، واعتقد أن بعض تألق مسرحيات الراشد يخبو إذا ما وقع عليها مخرج آخر. إن مسرحياته مكتوبة للعرض بقلم مخرج ماهر يمسرح عناصر النص حين كتابته من الشخصيات إلى الحوار إلى المساعدات الأخرى، ولذلك فإن يبدل في تكوين مشهديته وأساليب مسرحيته من مسرحية لأخرى حتى إنه لجأ إلى الأقنعة الحيوانية وسواها لتصوير عنف الواقع ولا منطقيته كما في «امرأة حافية»، إذ تتكلم الضفدعة ناقمة ومرحة في الوقت نفسه كيف أصبحت ضفدعة، فتطمئنها الأم أنها امرأة، وعسى أن يساعدوها لتخرج من هذا الوكر، وتعود إلى حياتها العادية، أما المرأة الضفدعة فتصمم أنها لن تعود إلى تلك الحياة الجافة أكثر من اللازم مؤكدة أنها تنتمي إلى قطيع الجمهور السعيد جداً. وتبدو مسرحيته «تداعيات بغل فقد سمعته» التي نحن بصدد تقديمها والحديث عنها الأكثر تعبيراً عن صنعة الراشد المسرحية، ففيها جماع تقانات فن المسرحية لديه، من الاتجاه التعبيري إلى تمكن الدعابية والسخرية من أسلوبه إلى استخدام الأقنعة إلى الإلحاح على موضوعه الأثير: فقدان الحرية وهيمنة القمع والاستلاب الإنساني، فهي مكتوبة بأسلوب هجائي مقذع لإدانة الشرط البشري المجحف، غير أن الراشد ينتقل بهذه المسرحية إلى مواقع مختلفة إلى حد كبير عن معالجته لهذا الشرط الإنساني، إذ ينتهي الصراع في المسرحية إلى الصمود ومواجهة القوى الظالمة، مثلما تضيء المسرحية العلاقات الشائكة الملتبسة بمقارنة تاريخية أكثر جلاء. تتألف المسرحية من ثمانية مشاهد، وتصور رجالاً ذوي ملامح قاسية يعتقلون نمراً ما يلبث أن يتحول إلى بغل تحت التعذيب. ولكن البغل يرفض الإذلال والخضوع، ويثور ضد الطغاة، ويخصص الراشد المشهد الثامن لصحوة المذل المهان، فيخاطب البغل أو الإنسان، لا فرق، أقرانه النمور الذين هم قيد التحويل إلى بغال: «اسمعوني: إياكم والاستسلام.. أن رائحته ستظل ترافقكم. رائحة عفنة كرائحة الجريمة تقض مضاجعكم، وتجعل نهاركم أسود.. وليلكم ثقيلاً كصخور البحر الراسية في العمق. يكذبون. ليسوا قادرين على استلاب الذاكرة التي تظل معكم يوم لا ينفع فيه الندم». ويفصح عن معاناته ودوافع التحرير: «أصبحت حياتي بهذا الجلد الغريب ليس لها معنى.. سأبقى، وأصمت، ويكون صمتي الرد الذي يقطع أحشاءكم يا جلادين». أما الخلاص فهو الموت وفق منطق «المنية ولا الدنية»، ويختتم المسرحية بالبغل يحرق نفسه وينادي: «بقليل من النفط تعود للبغل عزته»، ويحرق دهن جسمه الذي يذوب. في الفصل الأول من المسرحية خلال ثلاثة مشاهد يقود الرجل ذوو الملامح القاسية البغل إلى الإقامة الجبرية أو السجن بينما البغل يتذكر، ويسأل: «هل أنتم أمن؟ وإذا كنتم كذلك فلأي فرع من فروعه تنتمون»، ولا يسمع إلا صوت زئير نمر يتألم تحت التعذيب من بعيد،. وينشغل الرجال بالبحث عن موجب للتهمة والاعتقال، ويدمدم أحدهم: «لأن مهمتنا تتعلق فقط بإجراء التحقيق»، ولدى مناقشة السايس، يخيل إليه أنهم أشباح، «فالمجرمون دائماً يحلمون بضحاياهم.. هم أرواح الضحية، يظهرون لكي يعذبوني.. الضغط على الجبان يجعله مجرماً.. لقد ضغط علي». وتكون البداية مع الجوع والخوف للإيهام بأنه مجرم وقاتل. يستغرق رجال آخرون يقودهم مروض قاس في المشهد الثاني في أعمال التعذيب من أجل تمام الرضوخ ما دام قد أوهم أنه مسلوب لجريمة قد ارتكبها، وعندما يطلب ماء يشربه ولحماً يأكله يتلقى الجواب بالإهانة: «أنت في البراري نمر. أما وقد صرت في هذا المكان، فأنت مجرد عبد تمتثل للأوامر». ومع دوران التعذيب، لا تنفع تصريحاته بأنهم لن يقهروا إرادته، ثم ينتقلون في تعذيبهم من الجوع والتعطش إلى وسائل أخرى أكثر رعباً: «سنطهرك (أو نخصيك)، ونعقلك، ويصير فكرك مرناً»، والآلية المستخدمة هو ما يوضحه السايس دون جدوى: «أنني أرى أنه لم يرتكب أي جريمة.. وما يثقل على نفسه لا يتعدى كونه وهماً.. الجريمة هي ما تفعلون». ويخصى، ويبدأ رضوخه: «لقد استقر الخوف في قلبه.. هو الآن نمر من عجين»، فيقررن خصيه، ويخيّرونه بين القطع أو القرض، أما هو فيطلب الموت.. ثم يقطعون خصيتيه وسط إذلال شنيع. وفي المشاهد الأخرى، يوسع الراشد هجاءه المقذع للنظام الشمولي الذي يحط من قيمة الإنسان في مفارقات لفظية مشحونة بسخرية مريرة مثل الحديث عن قواعد تطوير البشر إلى قردة والنمور إلى بغال والبغال إلى قادة سياسيين.. الخ. وفي المقابل ينظر البغل في نفسه وذاكرته: «لأنني أنقذت نفسي من العذاب.. ولكن ما هي إلا أيام معدودات عندكم.. بدأت تظهر رائحته من بين تلافيف الذاكرة». ويدرك أن التعذيب سبيلهم إلى محو الذاكرة أيضاً: «يضربونني دائماً.. كانوا يضربونني في محطة الأبحاث.. يضربونني وأنا بغل، ويضربونني وأنا نمر.. إنها مهنة من الضرب». ويفصح الراشد في المشهد السادس عن لعبة القناع واللغة حين دخل السيد وخاطب البغل قائلاً: «لقد فاجأتني يا رجل.. يا بغل». أو «هل أدبت ابن عمك البغل؟». وفي المشهد السابع يخاطب البغل السايس: «يا أفضل من عرفته من بين هذا القطيع»، بينما يناديه السايس «يا صديقي». ثم يتكشف العذاب عن مهنة الموت القادم ببطء مع توهم الجريمة ضد البريء، وهو ما يرفضه الرجل ـ البغل: «العذاب هو أنني أتذكر، ويشدني هذا إلى قاع عجيب من الحنين.. حنين يكسرني.. خفته وبسببه أجرمت.. أما اليوم فالأمر واحد.. استطاعوا أن يسلبوا حريتي، ولكنهم لم يستطيعوا سلب ذاكرتي التي تجعلني بهذا الهيكل.. فقط روح.. يمزقها صدى الزئير وصور النمور.. بسببها يستحيل البقاء». ومن الواضح هذه المسرحية تنتمي إلى موجة «ظلام الظهيرة» التي كتبها أرثر كوستلر بالعنوان نفسه عام 1941م باشتداد الطغيان وهيمنة الطاغية الذي حوّل نظاماً سياسياً أو أيديولوجيا بأكمله لصالحه، وقد انتشرت هذه الموجة بعد الحرب العالمية الثانية تعبيراً عن وطأة القمع والتعذيب حين يلبس المرء جريمة لم يقترفها، وحين يراد للإنسان أن يستلب، وأن ويروض للرضوخ المطلق، وحين يبلغ هول القمع منتهاه فتمارس بحق الأناس ضغوط عنيفة متواصلة حتى الإمحاء الكامل، وهي موجة تفاقمت في ظروف الحرب الباردة بين نظامين أراد كتّابها أن يدينوا الأنظمة الشمولية، والمقصود بها في هذا المجال النظام الاشتراكي دفاعاً عن الحرية، ولا سيما حرية الفرد. وإلى هذه الموجة تنتسب أعمال فنية وأدبية كثيرة وقفت عند نقد نظام شمولي مقصود، مع اختلاف الأدوات الفنية، تصريحاً أو تلميحاً باللجوء إلى الرمز أو الاتجاهات الحداثية الأخرى، كما في بعض أعمال جورج أورويل، ولا سيما «حديقة الحيوان» (1945م) و«1984م» (1949م). أو تعدت نقد نظام شمولي مقصود إلى نقد النظام الشمولي استناداً إلى طوابع النقد السابق: الدولة البوليسية، القمع، الإرهاب، العبودية، معاداة الحرية، معاداة الفكر، الطغيان، الإخضاع.. الخ، وأشير إلى نموذجين معروفين لذلك في الأدب العربي الحديث، حيث وجد الأدباء العرب في «ظلام الظهيرة» متنفساً لنقد مجتمعاتهم كما في مسرحية يوسف إدريس «المخططين» (1969م)، أو في قصص زكريا تامر الكثيرة على امتداد أربعين عاماً من نقد الظلم الذي يلحق بالإنسان العربي تحت مطرقة القمع أو التوق إلى الحرية لا فرق، وقد بلغت ذروتها في مجموعته القصصية «النمور في اليوم العاشر» (1978م)، بل أن مؤلفنا يستخدم بعض موضوعات هؤلاء الكتاب ونماذجهم، كما سنلاحظ لاحقاً، ففي فصلها الأول تنويعات على معزوفة متكررة هي النظام المستبد الذي يسحق الإنسان حتى الإمحاء، وقد اختار الراشد ممارسات متواترة في تركيب مختلف يعتمد على توليف عناصر مسرحية غير متآلفة مثل الأقنعة، أي عكس الأنسنة، فإذا كنا في الأنسنة نضفي صفات الإنسان على الأشياء والكائنات الحية الأخرى، فإن الأقنعة حيلة فنية لتبيان التحولات التي تصيب الشخوص، وكأنها دلالات تتجلى في عنف الاستبداد الموجه إلى آدمية الإنسان أولاً، وإلى وجوده ثانياً، وهذا ما جرى مع «روبشوف» في «ظلام الظهيرة» على وجه التقريب، إنّ فترة من تنويع التعذيب وشراسته، وهي تختلط بفنون تحقيق لا تختلف عن التعذيب في شيء، لكفيلة بأن ينسى المرء معها اسمه، أو يفقد ذاكرته، أو يصير إلى هيئة ذهنية وعاطفية ووجودية مختلفة، أو هو يصير إلى كوم حطام في إهاب إنسان. كان روبشوف يتذكر في بداءة التحقيق أنه اعتقل، ويتذكر تفاصيل ما جرى، ويقارن في عقله: هل يستحق هذا العذاب كله؟ ثم استسلم إلى روع خائف مهلهل أنه مذنب، ولو أنه يجهل هذه الذنوب، وتكون الخاتمة معادلة مرعبة ينتفي فيها وجود الرجل الأول مع وجوده الخاطئ الآثم. وهكذا، عليه أن يموت. انحنى فوقه جسم مطاط لا حدود له، وشم رائحة الحزام الجلدي... بينما هو لا يفقه مصدر هذه الشارة التي يحملها على ذراعه وعلى شارات كتفه، وباسم من يحمل مسدساً صوب فوهته السوداء إليه؟ ودون أن يفقه ما يحدث.. يتلقى ضربة أخرى في صدغه. وهذا كل شيء، واستكان، لينغمر بأمواج البحر التي ما زالت تتلاطم.. فترفعه موجةٌ إلى أعلى، جاءت من البعيد البعيد، وتابعت سيرها باتزان وكأنها رجة من الأبدية. وتطور رواية «1984م» تقانات التحقيق والتعذيب إلى رعب داخلي مستكن في الروح، حين يتحول الواقع كله إلى استعارة لصور نظام استبدادي شامل لا سبيل فيه لغير الخنوع والخضوع، فقد انتهى نضال ونستون، وها هو ذا يعترف: «لقد انتصرت على نفسي بنفسي، وقهرت روحي، وغدوت أحب الأخ الكبير، إذ صار الاستبداد من الطبيعة». ولا يختلف نقد يوسف إدريس للنظام الشمولي الاستبدادي في «المخططين» عن هذه الرؤى السوداء المرعبة، فثمة الأخ الكبير، وثمة في مقابله القلق على الحرية الفردية، والنتيجة هي نظام شمولي فاسد في صورة وحش قهر الإنسان، وأعاق تقدمه، ورماه للعطالة والخوف والموت دون رحمة، دون كرامة، دون حرية. وفي مجموعته «النمور في اليوم العاشر»، طوّر زكريا تامر أدواته الفنية، ولا سيما المفارقة وحس السخرية المرير ليستوعب أهوال واقع يسحق فيه الإنسان كالحشرة. ولعل القصة التي تحمل عنوان المجموعة تفصح عن أسلوبية تامر ونزوعه الهجائي الساخر في دعابية مرة، إذ نلتقي بمروض يخاطب تلاميذه شارحاً مهنته الصعبة والسهلة في آن واحد، منبهاً إلى أن معدة الخصم هي الهدف الأول، فالنمر شرس متعجرف، ثم يلتفت إلى النمر الذي طلب طعامه، ويقول: «ولكنك: الآن لست نمراً، أما وقد صرت في القفص، فأنت الآن مجرد عبد تمتثل للأوامر، وتفعل ما أشاء». ويسوغ المروض سيادته أو مدخله إلى الاستبداد بأنه يملك الطعام، وبهذا سيرغمه على التبدل، فالرأس المرفوع لا يشبع معدة جائعة. لقد قام المروض بعمله على أكمل وجه معرضاً النمر إلى الإذلال ليصبح بعد أيام نمراً من ورق، في ترويض مدروس: - «لن تأكل اليوم إلا إذا قلدت مواء القطط». - «انهق كالحمار تحصل على الطعام». - «سألقي مطلع خطبه، وحين انتهي صفق إعجاباً». (ويربط تامر بهذه الخطبة وبمحتواها السياسي الواضح نصه بالتاريخ وبواقع محدد يتوجه إلى نقده). - «منذ اليوم لن تأكل سوى الحشائش». ويبين تامر أن الترويض أفضى إلى غاياته: التبدل في طبيعة النمر، أي إمحاء الطبيعة تحت القمع والتعذيب والإذلال، وهذا ما تفصح عنه خاتمة القصة: «ولما اشتد جوع النمر، حاول أن يأكل الحشائش، فصدمه طعمها، وابتعد عنها مشمئزاً، ولكنه عاد إليها ثانية، وابتدأ يستسيغ طعمها رويداً رويداً.. وفي اليوم العاشر، اختفى المروض وتلاميذه والنمر والقفص، فصار النمر مواطناً والقفص مدينة». إن آلية الاستبداد تقوم، في المبدأ الفني، على التحول تمهيداً لنفي الطبيعة الإنسانية على المستوى الجسدي، وعلى تمام التوهم بالذنب والإثم والعبودية على المستوى النفسي. وقد جمع الراشد أيضاً بين التحول الجسدي والتبدل النفسي في عمل المروض وتلاميذه مضيفاً إلى ذلك كله قسوة في التعذيب وبطشاً وإمحاء للطبيعة الإنسانية إلى حد الإلغاء حين ختم العروض تعذيبه بالإخصاء. وفي مسرحية «تداعيات بغل فقد سمعته» استعمال مباشر وغير مباشر لهذه التقانات في توليف بارع يمسرح فيه هجاءه المقذع للاستبداد، وكأنه يصوغ مسرحاً للقسوة، غير أن الراشد يختلف كثيراً عن هذه الموجة القاتمة في رؤية الخلاف الذي يدعو بني جلدته ليحافظوا على جلودهم اندفاعة إلى الفداء غير هيابين من الموت، ما دام الموت منتشراً ورائحته تزكم الأنوف، ولعله نداء أمل يستحق هذا العناء كله. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |