المسرح العربي المعاصر قضايا ورؤى وتجارب ـــ د.عبدالله أبو هيف

دراسة - منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2002

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:01 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

11 - «العاصفة» لفتيح عقلة عرسان المسرح والتفكير الأخلاقي

تعرفت إلى فتيح عقلة عرسان لأول مرة عام 1973، ضمن الكوكبةالرائدة من الفنانين العائدين من الاتحاد السوفييتي (آنذاك) الذين درسوا في معهد السينما العالي الشهير بموسكو (فغيك)، وعلى مدار عقد من الزمن حتى وفاته الموجعة بالمرض العضال، كان فتيح عقلة عرسان فريداً في حياته وفي عمله الإبداعي والفني. لقد تخصص في مجال نادر في السينما، ليس حينها، بل حتى يومنا هذا، وهو تخصص كانت تحتاجه السينما الناهضة في سورية، أعني به الإنتاج السينمائي، إذ غالباً ما أهمل موضوع الإدارة والإدارة الانتاجية في تطوير الفنون، ولاسيما السينما، لأنها صناعة وفن في آن واحد. والحق أن فرادة عرسان في حياته ستنطبق عن فرادة عمله الإبداعي والفني، وسيكون منهما عطاء علمي وأخلاقي طبعا حياته كلها، مما كانت تحتاجه ثقافتنا.‏

جمع فتيح عقلة عرسان إلى الاجتهاد الدأب والذكاء وتوقد البصيرة والابتكار والعلم والعقلانية إخلاصاً ونبلاً وصدقاً وفيضاً من ود جعل منه إنساناً ومبدعاً باعثاً على الثقة والأمان والنجاح، وإن المؤسسة العامة للسينما مدينة لفكر عرسان في تنظيمها وتنظيم عمليات الإنتاج فيها، والأهم هو وضع هذا التنظيم في سياق إدارة ناجحة، وماتزال أفكار أساسية له مرسومة على الورق في التخطيط الذي وضعه لنهضة سينمائية مرتقبة حالت ظروف مختلفة دون إنجازها، ومن ذلك المجلس الوطني للسينما، وآفاق التطور السينمائي لدى القطاع العام والقطاع الخاص والقطاع التعاوني ودعم الاتجاهات القيمية في الصناعة السينمائية، وخصائص الإنتاج السينمائي من فكرته إلى اكتماله شريطاً صالحاً للعرض. وقد حوى كتاباه «واقع السينما السورية وآفاق تطورها (1978) و«الفيلم السينمائي من الفكرة إلى الشاشة» (1981) جهده الرئيس في هذه الميادين.‏

لقد استطاع فتيح عقلة عرسان منذ انطلاقته لدى عودته من موسكو أن يقرن العلم بالعمل، وكان عرسان عالماً في اختصاصه، فعمل مديراً لإنتاج أفلام روائية طويلة وقصيرة ومديراً لشؤون الإنتاج السينمائي في المؤسسة العامة للسينما، ثم معاوناً لمديرها العام، ثم مديراً عاماً لها إلى أن اخترمه الموت مساء الثلاثاء في الخامس والعشرين من تشرين الأول عام 1983 في ذروة عمله مديراً لمهرجان دمشق السينمائي الثالث، فأوقف المهرجان برنامجه في صباح اليوم التالي حداداً على الفقيد الراحل. كان فتيح عقلة عرسان ينظر إلى عمله الفكري والفني على أنه مسؤولية وطنية واجتماعية، فوهبها حياته وعزيمته الصلبة وذهنه اليقظ من أجل تطوير السينما في سورية.‏

كانت تلك السنوات ذروة الأحلام التي ازدادت بريقاً مع إرادة العمل الذي مثّل عرسان واحداً من فرسانه الميامين، ومن أجل ذلك، لم يكن للأوهام مكان في حياته أو عمله، في تفكيره أو في إرادته الإنتاجية لهذا الفن الناهض. وعلى الرغم من مساحة المجاملات والاختلاف وتنازع الاهتمامات والولاءات والمقدرة، فإن عرسان احتفظ بقدر كبير من الدفء مع من عرفوه أو عملوا معه، وكان كثيرون يعتقدون بمعتقده، ويختلفون معه في الرأي والاتجاه، ويحتفظ كتاباه المذكوران آنفاً بدلالاتهما التاريخية والفكرية، بوصفهما مرشداً للعمل وقد كتبا بلغة العالم وبحرارة الإيمان، وهما مزودان بلغة الإحصاء والمقارنة، وبجدوى الحقيقة، لأن سعي عرسان اتجه دائماً إلى تطوير هذا الفن الذي هو سلاح ثقافي. ولعل الإشارة إلى ختام تقديمه لكتابه الأول يشير إلى تطلعه لأن تكون سينمانا لائقة بسينما متقدمة: «القسم الأخير من الكتاب دراسة مقارنة بين نظم وأساليب إنتاج الأفلام السينمائية في عدد من البلدان الاشتراكية والرأسمالية. قمت بترجمتها عن اللغة الروسية، وتعمدت إرفاقها مع هذا الكتاب لكي يتسنى للقارئ الاطلاع على هذه النظم والأساليب المتبعة في هذه البلدان بعد اطلاعه على واقع السينما السورية منذ ولادتها وحتى نهاية عام 1977، لكي يحكم بنفسه على ما هو موجود، وما يجب أن يوجد في قطاع السينما في بلدنا».‏

وتزداد أهمية شغل عرسان الفكري كونه ما يزال رائداً، فالكتب المؤلفة أو المعربة في اختصاصه لا تكاد تذكر لقلتها أو ندرتها، وكان عرسان مدركاً لما يعمل إذ كتب في مقدمة كتابه الثاني: «لا أعتقد في حدود ما أعرف أن سينمائياً عربياً أصدر كتاباً تناول فيه الجوانب الاقتصادية ونظم وتنظيم الإنتاج السينمائي في أي قطر عربي أو على مستوى الوطن العربي بأسره، وباستثناء السيد محمد العشري من جمهورية مصر العربية الذي أصدر كتاباً عن اقتصاديات السينما، وهو في الأساس التخصصي ليس سينمائياً، ولهذا فإننا ننظر إلى محاولتنا هذه على أنها محاولة أولى في هذا المجال نضعها بين يدي القارئ العربي والسينمائي العربي، علنا نفيد ونستفيد في إطار تطوير العمل السينمائي العربي والارتقاء به تنظيماً وإنتاجاً إلى الشكل والصيغة العلمية المخططة التي نطمح لبلوغها في عملنا وتعاملنا السينمائي في مختلف المجالات والمستويات».‏

ثم كانت مناسبة طيبة أن يكتشف نص مسرحي بين أوراق المرحوم فتيح عقلة عرسان، ولدى قراءته، يلاحظ المرء أنها مسرحية نجح مؤلفها إلى حد كبير في صوغ بنية رمزية للنص ولمحتواه القيمي.‏

من الواضح أن المسرحية مكتوبة في أواخر الستينات (بالذات في 10/11/1967) في سنة الدراسة الأولى بموسكو، أو ربما قبل ذلك بقليل. تقع المسرحية في ثلاثة فصول تتحدث عن بلقيس المليونيرة التي حازت الثراء والمال دون جهد، بينما تعاني الكثرة الكثيرة من الفاقه والحرمان والفقر، فيتصدى طارق الاشتراكي وزوجته سمية والمعلم سالم وبقية الشعب في عاصفة تبشر بنهاية الظلم.‏

تستفيد المسرحية من تقنيات المسرح التعبيري، وتتحرك رؤى كاتبها في مناخه السياسي والتبشيري على وجه العموم، فقد كتبت إبان الولع بهذا الاتجاه المسرحي الذي يرافق الانعطافات في حياة الشعوب والأفراد حيث تغلغل المفاهيم وبلبلة الأفكار، والنزوع إلى التغير، وتناقض التطلع إلى مثال مع العدمية والفوضى، ولذلك يتخلل هذا النوع من الكتابة المسرحية غموض، وإغراق في الذاتية، ونجوى موجعة إزاء وضع تاريخي يخال للمكتوين بناره مؤبداً، أو يستحيل على التغيير، غير أن عرسان مال في طوابعه التعبيرية إلى إيجابية في رؤية الواقع على غرار بعض المسرحيين التعبيريين أمثال أرنست توللر الذي سُمّي مسرحه بالدراما الثورية مما يصب في دائرة الدراما الاشتراكية، ولاسيما مسرحياته «هوبلا، نحن نحيا» «وكان قدمها المسرح الجامعي، بجامعة دمشق عام 1972» و«مهاجمو الآلات».‏

ولم يكن عرسان بدعاً في سعيه لتثوير الأوضاع القائمة، لأنه يستجيب لواقع الحال، إذ كتبت المسرحية في فترة التبدلات العميقة في سورية والتزام الخيار الاشتراكي وسيادة القطاع العام، وتأميم رأس المال، ومنع احتكار السلطة، وإعلاء إرادة الشعب في الحكم وفي مناحي الحياة المختلفة، وتبدو المسرحية تنويعات على هذه الأفكار والتبشير العقائدي لها، ولم يكن عرسان بدعاً في الكتابة التعبيرية على هذا المنوال مختلطة بتفكير شعاري واضح، ويندر أن نجد كاتباً مسرحياً عربياً هجس بالسياسة أو مسرح الأفكار لم تداخل كتابته المسرحية بعض الخصائص التعبيرية، ولم توجعه المصائر الذاتية لقومه أو لجماعته الإنسانية في أتون العذاب التاريخي والشخصي، وتبادل التأثير بينهما.‏

نلتقي في الفصل الأول بالمليونيرة، بلقيس، المتجبرة الطاغية، مالكة رأس المال، ومعها هدى معاونتها أو وصيفتها. تتحدث بلقيس عن استتاب الأمور لها، وتسأل هدى عن فأر بشري لا تريانه، بينما يدخل صلاح، وهو شاب في مقتبل العمر، غاضباً يبحث عن هدى التي سرقت ماله وعقله، أما بلقيس فتسأله عن فأر بشري، ويلتبس جوابه بشخص فقير رآه هو «طارق» العامل لدى بلقيس، والاشتراكي الذي سيقود مع الفقراء والكادحين الآخرين ثورة عاصفة تنهي الجبروت واحتكار رأس المال. ثم يدخل طارق الذي طردته، ويدور حوار بينهما عن الثروة ومصادرها، وتجيبه بلقيس أن أجدادها وآباءها هم الذين أورثوها هذا المال، ويحتدم النقاش حول حقيقة المال ومالكيه، ولماذا يملك من يملك المال؟ ولماذا نحن (الفقراء) فقراء؟‏

ويدخل سالم المعلم أثناء ذلك، فيصير سؤالها عن ذئب بشري، أما هو فيخبرها عن خوفه ويخرج، غير أن هدى تجلب لبلقيس فأراً هدية فتنزعج من غبائها، لأنها جلبت فأراً بشرياً، وتقول لها: ربما تحول الفأر إلى ذئب أو أسد يزأر، وتغادر هدى لتبحث عن الذئب، بينما يسأل صلاح بلقيساً عن عقله، ويطلب منها ماله الذي سرقته الأسود، ويجرها لتنظر الأسود هناك.‏

وتتطور الأحداث في الفصل الثاني بدخول سمية زوجة طارق التي تكتشف أن زوجها يعمل عند بلقيس المليونيرة، ويدور بينهما حوار مستطرد لأسئلة الفصل الأول المستعصية. لماذا الفقراء فقراء ويملك من يملك؟ فتطردها بلقيس، ولكن زوجها يعيدها إلى المسرح، وتكون مواجهة بين الثلاثة ينكر فيها طارق أن تربط بلقيس بين الفقر والغباء، ويطلبان منها أن تثبت أن الفقراء أغبياء.‏

تعلن بلقيس استياءها منه، وأنه لم يعد مخلصاً لها فيخبرها بقدوم العاصفة حيث إرادة الشعب التي لا تقهر: «إذن.. أنت ترفضين المنطق.. وتشكين في مساعدة الفقراء.. وربما تمتنعين كما أنت فاعلة الآن.. ولكن أملي أن هذا الوضع لن يدوم ولن نسلّمك رقابنا لتعملي بها السكين، كما يفعل الجزار في المسلخ. كما أننا لا يمكن أن نصمت، ونذعن، ونحن نربي أبناءنا.. يموتون جوعاً وألماً أمام أعيننا. علماً بأننا نملك كل شيء.. وبأيدينا كل شيء، لأننا الشعب، ويمكن لشيء مهما كانت قوته ومقدراته أن يقف في وجه العاصفة، تلك التي بدأت تثور، وتقضي على كل من يقف بطريقها.. إنها إرادة الشعب الصارخة، ولابدّ لهذه الإرادة من أن تنتصر، وتكتب نصرها بدماء شهدائها».‏

وهكذا ينجلي البعد الرمزي الذي ينتظم بنية المسرحية على مضاء الدلالة السياسية لمعنى المسرحية تفكيراً عقائدياً حيناً وشعارياً حيناً آخر. تدخل هدى لتحذر بلقيس من مآل الوضع الراهن، وليثور صلاح من جديد محاولاً أن يسترد ما سرق منه، ثم تطلب بلقيس منه أن يخفف عن نفسه، وأن يصارحها، فيغضب ويستخدم السوط في ضرب هدى ويهدد بلقيس، فقد عرف أيضاً طريقه. إنه طريق الفقراء: «نعم.. إنني كشفت لك عن نفسي، وذلك لأنه ليس من الرجولة في شيء أن يبقى الإنسان متستراً بثياب الحملان، وهو يرى نفسه قد أصبح شيئاً جديداً.. وإنساناً جديداً.. يعاصر ثورة، ويعيش مع ثوار.. عرفوا الحق وطريق الخلاص.. وها أنذا أذكرك بأنني اخترت طريقي في الحياة، وسأسير فيه حتى النهاية.. غير مكترث لمصيري أنا لأنني لست وحدي في الطريق، وإنما كل أولئك الفقراء.. وكل أولئك الذين يحسون، ويتألمون لمنظر البؤس والتشرد والحرمان.. كل أولئك يسيرون معي في طريقي».‏

وتتأسى بلقيس لهدى عن فعل صلاح الأخرق: «لقد وهبته كثيراً من الأموال، تعويضاً له عن عقله الذي فقده»، وتثور مجادلة أخرى حول المال الذي هم أحق به منها، وتذكير بصوت التغيير، صوت الاشتراكية والوعد بالخلاص، «صوت ملايين الاشتراكيين في كل مكان من العالم».‏

تتحسس بلقيس الخطر في الفصل الثالث، وتؤكد هدى مخاوفها إلى ما سيحدث، وأن عاصفة ستثور، وتفكران بخطة للمواجهة. تظهر هدى من مخبئها وتتبادل المخاوف مع بلقيس، وتقترح عليها أن تترك الأموال والقصر، وترفض بلقيس وتدافع عن المال باستماتة، فلولا المال «لأصبحت فقيرة تعيسة الحظ»، ولكن الخوف منتشر، ويداهم طارق، بلقيس وهدى والشرطة ومن معهم، ويدعوهم لنداء الشعب:‏

«لقد ثارت العاصفة وهدر السيل يا حامية بلقيس.. إنكم من الشعب.. والثورة لكم.. ومن أجلكم، فافتحوا الأبواب، واتركوا الشعب يدخل، واتركوا بلقيس وحدها أمام الشعب لينهي حسابه معها، ولينهي تلك المليونيرة المزيفة.. فاسمعوا نداءنا أنتم يا اخوتنا.. يا من تحمون ذلك الهيكل البائي.. الذي لم يعد له وجود مع الثورة، فالثورة تسير، ولن يقف في وجهها أحد كبلقيس وأشكال بلقيس».. ويشارك الشرطة في فتح الأبواب والثورة وصوت طارق يعلن عن الشعب والاشتراكية: «أتؤمنين بأن هناك قوة أكبر وأعظم من قوتك وقوة أموالك التي تملكينها.. وبعد أتذكرين كم من أطفال شردت.. وكم من الآباء والشبان قضيت عليهم.. وبأساليبك الغادرة ومرافعاتك الماكرة أتذكرين كل ذلك أيتها المرأة.. وتذكرين كم من الحرمان والجوع والمرض عانينا، وعانى أطفالنا كذلك.. يجب أن تذكري كل ذلك.. ويجب أن تذكري دائماً: أن الشعب هو صاحب السلطة وهو السيد لا المسود.. وهو الحاكم، وله تلك الأموال التي تكنزينها».‏

ثم تختتم المسرحية بصوت يدعو إلى إسقاط كل أثر للتسلط والاستغلال معلنة انحيازها إلى مسرح عقائدي شعاري واضح، لأن «العاصفة» بالدرجة الأولى، مسرحية ذات بنية تجريبية ترميزية عن الصراع الاجتماعي الطبقي بين من يملكون ومن لا يملكون. فعرض في الفصل الأول أفكاره عن التباين الطبقي بفعل الملكية، ثم وسّع إطار النظر إلى جوانب الصراع في الفصل الثاني منذراً بقدوم العاصفة التي ستجتاح كلّ شيء وتعيد الأمور إلى نصابها، وهي عاصفة الشعب الذي يسعى دائماً لاحقاق حقوقه الضائعة أو المغتصبة.‏

«العاصفة» نص مبكر لفقيد السينما فتيح عقلة عرسان يشير إلى تفكيره الاشتراكي والأخلاقي ورصانته الفكرية التي عرف فيها فيما بعد. تحية لذكرى فتيح عقلة عرسان تتجدد في هذا النص الذي يؤشر في الوقت نفسه إلى خسارتنا بفقد مبدع وإنسان.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244