|
||||||
| Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:01 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
12 - «المؤتمر الأخير لملوك الطوائف» ومعالجة الموضوع القومي -1- عُرِفَ خالد محي الدين البرادعي بمسرحه الشعري النضالي المستمد من التاريخ والتراث الشعبي العربي استجابة للأحداث المصيرية العاصفة التي هزت الوجدان العربي منذ هزيمة حزيران 1967م، ولا سيما الويلات التي جرتها سياسات الرئيس المصري أنور السادات فيما سمي بمعاهدة السلام والتطبيع، وهي السياسات التي أنزلت الضرر الفادح بالنضال العربي، وألحقت الخسائر الباهظة بحركة التحرر العربية، وهذا ما تعبِّر عنه مسرحياته «السلام يحاصر قرطاجنة» و«حصان الأبنوس» و«أشباح سيناء». ينطلق البرادعي من مقومات الوجود القومي والإيمان بحقيقة الحضارة العربية ودورها التاريخي المستمر والثقة بالمستقبل العربي، ويدين ما هو شائن في السياسات القائمة، ويدعو إلى تفتح الإرادة العربية وتحقق الذات وصيانة العمل القومي، وقد أفصح عن إيمانه المطلق ومبدأيته الصارمة في التصدي للموضوعات القومية في كتابيه النثريين «الغناء الأبدي»، وهو متابعات لحرب تشرين التحريرية على أقلام الأدباء العرب، و«الإبداع من الرؤية القومية إلى المنظور الإنساني» وهو معالجة للأدب القومي العربي من منظور إنساني توكيداً على الصفة الإيجابية والإنسانية لهذا الأدب. أما أعماله المسرحية والشعرية الكثيرة فهي مباشرة للوعي القومي الناهض في روع شخوصه وفي تطلعه لكتابة مسرح شعري نضالي يحتفي بالموضوع القومي على نحو صريح ومعلن. وفي هذه المقالة، نتوقف قليلاً عند مسرحيته الأخيرة «المؤتمر الأخير لملوك الطوائف» (منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق ـ 1986م) نموذجاً لمسرحه الشعري وتفكيره القومي. -2- في مقدمته لمسرحيته، يبدي البرادعي تساؤله حول قابليات المسرحية الشعرية العربية الحديثة لمعالجة الموضوعات القومية، ويقول: أرى الإجابات كلها في الطرف الآخر، أي أن المواطن المشاهد القارئ القلق الذي يعيش على الأرض العربية الآن، أبحث عما لا أراه، وأسعى وراء ما لا أملكه، وأحن إلى ما أفتقد إليه، وأتطلع إلى واقع غير هذا المألوف، وكل ذلك لا أتمكن من لمسه إلا في الإبداع. ويكون الإبداع آنذاك مصباح طريق وشريكاً في تغيير الواقع، وإنْ لم يتمكن الإبداع من إيصالي إلى ما أطمح، بل إنَّ لم يتمكن الإبداع من حمل هذه الرؤيا، فلا ضرورة له. وفي جانب المسرح، لا يمكن أنْ تتحقق تلك الرؤيا إلا من خلال المسرح الشعري. ومفاد هذا القول إنَّ البرادعي لا يرى الرؤيا خارج الموضوع القومي، ولا يرى هذه الرؤيا بمعزل عن وظيفة الفن التنويرية، ولا يرى الإبداع إلا في إطار هذه الرؤيا، ثم يرهن تحقق هذه الرؤيا بإبداع المسرح الشعري بالدرجة الأولى، وهذا يعني أنَّ البرادعي وهب فنه للرؤية القومية، فكيف كان دأبه في مسرحية «المؤتمر الأخير لملوك الطوائف»؟ تعرض المسرحية لأوضاع الأندلس أبان سقوط أمراء الطوائف وقيام دولة المرابطين، وتمعن في وصف ما آل إليه حال العرب والمسلمين في ظل التشرذم والانقسام والتجزئة، من مهادنة العدو (الفونسو السادس) ومحالفته، إلى دفع الجزية له وارتهان الحكم برضاه وحمايته وإذلاله. يستشعر الفقهاء والعلماء الخطر القشتالي فيستنجدون بأمير المغرب، يوسف بن تاشفين، وهو ما فعله أيضاً المعتمد بن عباد، وتقوم معركة «الزلاقة» المشرِّفة التي انتصر فيها العرب المسلمون على عدوهم، ولكن ابن تاشفين يتابع مسعاه لتوحيد كلمة العرب والمسلمين في الأندلس، فيقضي على ملوك الطوائف استعادة لجوهر الجهاد وروح عبد الرحمن الداخل «صقر قريش». يصوغ البرادعي مسرحيته من هذا الحيز التاريخي الذي يقارب الراهن في قسمين، يضم القسم الواحد تسعة أجزاء، ومن الواضح أن البرادعي قد تصرف في الوقائع التاريخية من أجل هذه المقاربة بين الماضي والراهن، فيما يخص القضاء على ملوك الطوائف ووحدة العمل العربي وإعلان شأن الكفاح المسلح سبيلاً للحرية. والحق أن الشاعر مهموم بالتطلع القومي، أي ما ينبغي أن تكون عليه حال الأمة العربية يؤثر التقليل من سرد الماضي ومواضعاته التاريخية، وهكذا كان الافتتاح خارج القسمين نشيداً جماعياً للفارس العربي الذي طال انتظاره: «قِيلَ.. تأتينا مع الصبح رسولاً تحرقُ الخوفَ وتلغي الحزنَ عنَّا فالذين اغتربوا قالوا: كيانٌ لن يزولا قالت العرَّافةُ الواسعةُ العينين يأتيكم صديقاً بدوياً حاملاً من خضرة الآتي فصولاً إنَّ هذي الحلكةَ العمياء جرحٌ عارضٌ وانتظرناك طويلاً ومشتْ قافلةُ الإصباح في البحر وفي الصحراء عجلى وطوت أوجاعنا جيلاً ـ فجيلاً ثم لم تأتِ وظل الحلمُ في الصحراء مخضَّراً وعصفوراً جميلاً قالت العرَّافةُ الواسعةُ العينين، تأتي لتقيلَ الليلَ من منصبه وتوافينا بأحمالٍ من الأفراح والأمن قبيلاً.. فقبيلاً وانتظرناك طويلاً لا تكن يا أيها الغائب عنَّا أملاً حلواً.. وحلماً مستحيلاً» إنَّ انشغال الشاعر بما ينبغي أنْ يكون هو الغالب على صياغته الشعرية، مما جعل خطابه مباشراً في مواقع كثيرة، تلهفاً لتغيير العتمة التاريخية وإضاءة مستمرة لموقف قومي هو الأجدر بتطلعه المشروع: نَبْذ الواقع المشوه وبناء عالم جديد، وسنذكر دائماً علامات هذا التطلع كما في هذه الاستشهادات: - يخاطب الفقهاء والعلماء الأمير عبد الله ابن بلقين: «أوقفْ دفع الجزية يتوقفْ زحف الروم لا يكفي أن تهرب من وجه الوحش دون مواجهته ارفع رأسك واجمع فضلة أموال الناس ومالك لتجِّهز جيشاً يتقن ردَّ الغزو ودرأ السيل» - ابن رشد يخاطب الأمير ابن صمادح: «والشعب المستسلم لملوك الردة أرقام مسودّة بخزائن هذا العصر الملعون التجزئة طَرَف والكفر طَرَف والروم طَرَف والجزية خاتمة الأحزان يدفعها العاري والحافي والجوعان ونحن سررنا بزيارة حاكم تتفتح أفواف المجد عليه بين صباحة جاريةٍ ونفاق وزير» - ابن تاشفين يحاكم أمراء الطوائف: «أنتم نبع الداء ورؤوس الفتنة حوّلتم هذا الشعب إلى دهماء مسحوق جائع أو مغترب ضائع أو منتظر خاشع أنتم حوّلتم صعلوكاً يدعى الفونسو بطلاً يهزمكم الواحد تلو الآخر» -3- تدعو المسرحية للوحدة العربية ومواجهة العدو عن طريق الكفاح المسلح، وتنبذ التجزئة والتفرقة والتحالف مع الأعداء. ويصدر الشاعر عن قيم قومية واضحة، ويربط ما وسعه ذلك، بين واقع المسرحية وراهن الأمة العربية من خلال التوكيد على معطيات الصراع التاريخي والوعي به في التصدي للأعداء والغزاة، وقد تصرف الشاعر في بعض الوقائع التاريخية انسجاماً مع رؤيته ونزعته التبشيرية في تبني موقف قومي صلب. لقد استند الشاعر إلى التاريخ العربي الإسلامي في صياغة الفعلية المسرحية، ولكنه ركز على بؤرة معينة، ليستقيم ذلك لهذه النزعة التبشيرية: وَصْف السوء والمباذل والانكفاء القومي ومهادنة العدو والارتماء في أحضانه مما يدعو للتغيير والجهاد. يسترسل الشاعر في تصوير دواخل قصور الأمراء وملوك الطوائف والفساد المنتشر، مثلما يمعن في سرد الأحداث التاريخية، وهذا كله لا يوافي أساليب المسرحية التاريخية والعمل في كتابتها، وأولها الاختيار والإيجاز والدقة والصدق التاريخي، لأن الصدق الفني لا ينفصل عن الصدق التاريخي بحال من الأحوال، وفي مجال الصدق، أوغل الشاعر في «الفانتازيا» خروجاً عن الإطار التاريخي نحو تكثيف رؤيته وتركيزها تمنياً للقضاء على ملوك الطوائف متجاهلاً المسافة التاريخية بين زيارة ابن تاشفين الأولى، وما تلا زيارته الثالثة. ونذكر أيضاً في مجال الصدق، انحياز الشاعر التام إلى يوسف بن تاشفين، وغمط الآخرين بعض حقهم، وربما كان ذلك إيماناً منه بدور القائد العظيم، ولكن الكتابة في مسرحية تاريخية تعني الصدق ورؤية الحقيقة وتوجيهها من خلال الوقائع. -4- لنا أن نحتفي بمسرحيات خالد البرادعي، على الرغم من بعض الملاحظات، فهو كاتب ملتزم وشاعر قومي يشيع الأمل والثقة بالمستقبل في كتاباته، مما نحن بأمس الحاجة إليه. [مجلة «جيش الشعب» (دمشق) 1988] |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |