المسرح العربي المعاصر قضايا ورؤى وتجارب ـــ د.عبدالله أبو هيف

دراسة - منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2002

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:01 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

13 - «ابتسم أنت لبناني»: هل انتهت الحرب؟

خاض يحيى جابر تجربته الأولى في التأليف والاخراج المسرحي على مسرح المركز الثقافي الروسي ببيروت مطلع العام 1995 في مسرحية اقرب إلى الصوت المتوحد الذي يعتمل بمأساة شعب جعل منه جماعة مغمورة تشير في الوقت نفسه إلى ازمة شاملة لوطن طحنته الحرب، وأثار في هذا الصوت ترجيعاً مأساوياً لجذور العنف والقهر اللذين طبعا حياة اللبنانيين خلال أكثر من قرن من الزمن.‏

كان هذا الصوت هو صوت يحيى جابر الجريء واللاذع والساخر داخل حنين متدفق إلى وجود متكدر تتناهبه مرارات ملء القلب وملء الحلق مجرى النفس، فصار شعره ولاسيما مجموعته «خذ الكتاب بقوة» (1994) حرقة روح تتلظى بمكابدة لاهبة، ثم صاغ في كتابه «نجوم الظهر استسلم ولا أصالح» (1995) نصوصاً جارحة كالسكاكين هي من أكثر التعبيرات سخرية وجرأة في وصف واقع الحال العربي في الكتابة العربية خلال العقدين الأخيرين. من يرى إلى المهزلة؟ إنها رؤية كابوسية مروعة، ألم يقل في كتابه الأخير على لسان الجوقة/ «تنام فيأتيك الكابوس، تفيق فيأتيك الكابوس، لذا لا تفق ولا تنم، لأنه كابوس ملبوس» (ص68).‏

وعندما نشر يحيى جابر مسرحيته « ابتسم.. أنت لبناني» في «الناقد» (العدد 75 - أيلول 1994) كان واضحاً أن ذلك الصوت المتوحد قد وسع تعبيره من إطار غنائي ذاتي للاحاطة بحركة التاريخ ولاسيما وطأة الخيبة الوطنية والقومية على هذا الوجدان المتأسي والملتاع، وهذا هو الفرق بين كتابه «نجوم الظهر» ومسرحيته «ابتسم فأنت لبناني»، بل إنه ليس فرقاً، إنه توسيع لمدى التعبير ومقاربة أعمق للشواغل الوجدانية في لبوس تاريخي أكثر صراحة وأكثر قسوة، فهو اندغام في الشجن المقهور والقاهر، وربما كانت انطلاقة المسرحية من نص إحدى النجوم المسمى «ايها اللبنانيون». ولنلاحظ صيغة النداء في هذا النص وفي هذا النص وفي المسرحية، ولنلاحظ أيضاً ذلك النزوع إلى المسرحية حين صدّر نصه بعبارة تقول: «جميع الشخصيات الواردة في هذا النص هم اناس حقيقيون ولا يمتون إلى الخيال بصلة» يقول في هذا النص يحيى جابر في نص أصغر فيع عنوانه «حرب»:‏

«لم تنته الحرب‏

مازلت أنام بثيابي‏

أنام بأذن مفتوحة‏

مخافة قصف مفاجئ‏

لم تنته الحرب‏

مازلت كلما جادلني أحدهم‏

أرفع صوتي‏

اتحسس خاصرتي عن مسدسي مفقود» (ص120).‏

تجري أحداث المسرحية من هذه الانطلاقة، من الحرب، وتبدأ بأغنيات وموسيقى لأغان وطنية عن لبنان وبيروت قبل الحرب. وقد انتهت الحرب، بينما السؤال الذي تريد المسرحية أن تجيب عليه: هل انتهت الحرب فعلاً؟‏

اختار يحيى جابر لإطروحته النقدية ولشجنه المروع الطويل موضوعة طالما اعتمد عليه السرد الروائي والقصصي عن الحرب اللبنانية هو علاقة مسلم بمسيحية، وعنده المسلم صحفي والمسيحية مترجمة، أما الشخصيات والتفاصيل الأخرى فلا تتجاوز رموزاً وترميزاً لما يسعف الرجل والمرأة على إظهار السيرة اللبنانية بعد الحرب، وهي سيرة ناقصة وملتبسة ومهشمة. هناك ملحم صاحب بناية الشقق المفروشة والسمسار أبو خالد البيروتي الذي يعمل سمساراً على جميع الأراضي اللبنانية والمزور صاحب مكتب السفريات الذي يزيّف تأشيرات السفر وفاروق الحزبي السابق الذي يعمل الآن في مجال العلاقات العاامة وكل شيء لديه قابل للبيع والشراء وكذا البشر، وسكرتيرة تعمل لدى رئيس حكومة.‏

تبدأ المسرحية من احتفال الزوجين عبدالله وروز بالذكرى الخامسة لزواجهما غير أن الاحتفال سرعان ما يتحول إلى تفتيق للوجع اللبناني وإلى استجلاء للقهر اللبناني الطويل. فتمضي المسرحية في تشريح الواقع بانفتاحه عن التجربة التاريخية المشحونة بالعذاب وأوهام الاستقلال والحرية والتقدم، وخلل ذلك كله تشريح لمّاح شديد القسوة وشديد الذكاء غالباً لما يؤدي إلى هذا العذاب، ثمة تشريح للطائفية وللنخب السياسية الحاكمة وللتنظيمات الحزبية ولدخول الطفيلية المنتعشة في مناخ الحرب السائد قبل الحرب وأثناءها وبعدها، وثمة نقد يصل إلى حد المباشرة للإيديولوجيات والنظام الدولي والإقليمي والعربي واللبناني، ومن هذا الباب تصبح المسرحية أدخل في نوع «الكباريه السياسي»، انتشر هذا النوع في المسرح العربي إثر هزيمة حزيران 1967 في مسرح الشوك في سورية، ومسرح القهوة في مصر، وما ماثلها من مسارح أولعت بالانتقاد السياسي وكسر الحائط الرابع وملاحقة أشكال الفساد السياسي والاجتماعي.‏

يبدو موضوع المسرحية وهو الحب والزواج بين المسلم والمسيحية اختباراً لمثل هذا النقد السياسي، غير أن يحيى جابر جاوز مبناه الرمزي الذي اعتقد أنه الأهم في المسرحية إلى الحكم الباتر على علاقة الزواج بالطلاق، فهل هو خيار سياسي أيضاً؟ هل صحيح أن التعايش محكوم عليه بالموت؟ ربما كانت معالجة أخرى لختام هذه العلاقة وهذه المسرحية أفضل للخيارات الفكرية والفنية معاً فقد انتهت المسرحية أو العلاقة، لا فرق، إلى رؤية سوداء اتصفت بها أعمال كثيرة تنتمي إلى ما نسميه في النقد بظلام الظهيرة، ومثل هذه الأعمال تعلن يأسها المطبق من أي أمل متاح، وقد قيلت مثل هذه الرؤى إزاء النظم الشمولية والديكتاتورية على سبيل المثال، ثم بينت حركة التاريخ فيما بعد بتأثير المتغيرات، والتاريخ متغير دائماً، إن النظم الشمولية والديكتاتورية لا تستمر.‏

تحفل المسرحية بمثل هذا النقد للحكم وطبيعته وتكوينه ومؤثراته الداخلية والخارجية في مشهد ينقله صوت السكرتيرة، وفي مشهد آخر يعري الدخول الطفيلية من المتاجرين بالأراضي والبشر، بينما يظل صوت الأسى والشجن هو السائد وفي مشهد ثالث يصب نقمته على غورباتشوف والأحزاب التي انقرضت أو انفرطت أو هي في سبيلها لذلك السبيل.‏

اختار يحيى جابر مخرجاً للمسرحية الاعتماد على طوابع المسرح الفقير وطاقة الممثل وحقق الكثير في إنجاح مسرح شعبي يستمد عناصره الأكثر تأثيراً من الحياة اليومية ولا يقف عنده حدود تصويرها بل يعرض تناقضاتها ولا يتخلى عن العمق الذاتي والرؤية التاريخية، فابتعد عن الإسفاف والإقذاع اللفظي مثمراً المشهدية سخرية لا تضحي بجمالية العرض، ولم ينزلق إلى إغراءات ممثل شعبي هو أحمد الزين عرف بمقدرته الاتجالية وحضوره المدهش. والحق أن أحمد الزين في هذا العرض متألق ولربما كان تألقه نتاج هذا الضبط في الأداء الذي أسهم إسهاماً واضحاً في تقديم عرض مثير للتفكير وممتع في الوقت نفسه.‏

[جريدة «الأسبوع الأدبي» (دمشق) 1994]‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244