المسرح العربي المعاصر قضايا ورؤى وتجارب ـــ د.عبدالله أبو هيف

دراسة - منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2002

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:01 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

3 - فرحان بلبل ناقداً وباحثاً مسرحياً

اقترن البحث المسرحي عند فرحان بلبل بممارسته مبدعاً في التأليف والإخراج في مرحلته الأولى حتى أواخر ثمانينيات القرن العشرين، وقد استمرت هذه المرحلة قرابة عقدين من الزمن، ثم غلبت على مرحلته الثانية طوابع الباحث المنهجي، واستقراء فكرة المسرح وغلبة الموضوعي على العقائدي. وظلت خصائص بحثه ونقده لم تتبدل في جوهرها، ولاسيما ذلك التبشير العقائدي على الرغم من المتغيرات العاصفة خلال عقد الثمانينيات على وجه الخصوص.‏

1ـ التوصيف:‏

رافق بلبل تجربته المسرحية بالبحث والنقد منذ سبعينيات القرن العشرين حين شارك لأول مرة مؤلفاً ومخرجاً لفرقة المسرح العمالي بحمص في مسرحيته «الحفلة دارت في الحارة» في مهرجان الهواة (1971)، وإن كانت شهوة البحث والنقد الأدبي ملازمة له، إذ نشر آنذاك بعض البحوث والمقالات في نقد الشعر، وما لبث أن انخرط في تجربته المسرحية منظراً ومتأملاً في الرؤى الفكرية والفنية لجوانب متعددة من الظاهرة المسرحية العربية، بل إنه انغمس لفترة غير قصيرة بالنقد التطبيقي للعروض المسرحية، وقد اختار من كتابات تلك المرحلة محتوى كتابه «المسرح العربي المعاصر في مواجهة الحياة» (دمشق 1984)(1)، وخاض بلبل غمار البحث العلمي في المسرح عندما درّس مادة الإلقاء في المعهد العالي للفنون المسرحية، وكانت حصيلته كتابه المتميز «أصول الإلقاء والإلقاء المسرحي» (دمشق 1991)، وعمد بعد ذلك خلال تسعينيات القرن العشرين إلى تأريخ التجربة المسرحية في سورية في تاريخها البعيد في كتابه «المسرح السوري في مئة عام 1847-1946» (دمشق 1997)، ونظر عميقاً في «المسرح التجريبي الحديث عالمياً وعربياً» (القاهرة 1998)، وقرأ الأدب المسرحي في سورية قراءة نقدية في مقالاته وأبحاثه في «الحياة المسرحية» (لأعداد 3 خليل هنداوي، 4 و5 و6 مراد السباعي، 7 و8 وليد إخلاصي، 9 حسيب كيالي، 17-18 رياض عصمت، 45 سعدالله ونوس...الخ)(2)، مما لم يجمعه في كتاب بعد، وقام بمراجعات متعددة في المسرح العربي منذ النشأة حتى اليوم، عن تناول «المادة التاريخية في المسرح العربي»، و«نشأة النقد المسرحي العربي وتطوره»، و«المسرح العربي: كيف بدأ وإلى أين انتهى»، و«المسرح الذي كتبناه: موقعه ومصيره»، وهو كتاب معد للطبع.‏

2ـ المرحلة الأولى:‏

عرفت بلبل منذ بداءة تجربته مبدعاً وإنساناً، وعايشت حماسته مسرحياً جعل من فرقة المسرح العمالي بحمص مختبراً للفن والتجربة بمعناهما العميق الذي يعتمل فيه المسرحي بشواغل الثقافة الجماهيرية وتوجهاتها الفكرية والوظيفية وتلمس طرائق جديدة لمخاطبة الجمهور والتأثير فيه، وتتبعت خطواته واجتهاداته عن كثب محاوراً دواعي اشتغاله ومنظوراتها وأساليبها وتطلعاته، وكتبت ناقداً عن أعماله نصوصاً وعروضاً إبان عقد تألق المسرح في سورية، وأعني به عقد سبعينيات القرن العشرين، إذ ما لبث أن دوهم المسرح بعوامل ومتغيرات ضاغطة داخلية وخارجية،حدّت من مكانته داخل أجهزة الثقافة الجماهيرية تبدلاً في إدارته وتخديمه وسيرورة تشريعاته وعمل مؤسساته وقنواته إلى مصاعب ارتياد جمهوره إلى أماكن عرضه وتقلص مساحته الاجتماعية أمام عشاقه من مشتغليه إلى متلقيه، فيما شهدته سورية من إرهاب الهجمة الرجعية حتى منتصف الثمانينيات، فتقلصت التظاهرات والمناشط، وتعطلت القنوات أو كادت، وخملت الثقافة والتثقيف في ميادينه، وتراجع التأليف، على الرغم من تعدد روافده العلمية، وانتظام نظرة الدولة إليه خدمة ثقافية ووسيلة حية من وسائل الاتصال بالجماهير، وكنت دونت تألق المسرح في كتابي «التأسيس: مقالات في المسرح السوري» (دمشق 1979)، وعانيت صعوباته المتفاقمة في كتابي «الإنجاز والمعاناة: حاضر المسرح العربي في سورية» (دمشق 1989)، ويوجد في الكتابين مقالتان عن فرحان بلبل:‏

ـ «لا تنظر من ثقب الباب: الميلودراما وتنازع الأساليب المسرحية» (ص127-140).‏

ـ «لا ترهب حدّ السيف: الأمثولة والتفكير الشعاري» (ص252-258).‏

وثمة كتابات أخرى كثيرة عن شغله المسرحي، ماتزال مبثوثة في الدوريات. وسأنظر في كتاب «المسرح العربي المعاصر في مواجهة الحياة» نموذجاً لمرحلته الأولى.‏

2ـ1ـ الكتابة من داخل التجربة:‏

حرص بلبل في كتابته دائماً على رؤية المسرح من داخل تجربته بخاصة، والتجربة المحلية والعربية بعامة، التماساً لوعيها الفني والتاريخي دون أن يعنى بالقضايا النظرية أو التطبيقية لذاتها. وقرن هذه الكتابة بمسعى صريح هو «محاولة صياغة بعض الأسس والقواعد في الفن المسرحي، من خلال ما هو كائن عليه مسرحنا، وما نحلم به أن يكون» (ص5)، وارتهان ذلك بشواغل الهوية المؤرقة، «فليس المهم أن نعرف فنّ المسرح، وأن نضع له النظريات، بل المهم أن نجعل مسرحنا يحمل هويتنا، وأن توضع أصوله وقواعده في بوتقة أوضاعنا وذوقنا الجمالي، بحيث تخرج من بين أيدي رجالنا المسرحيين وكأنها مخلوقة خلقاً جديداً نابعاً من خصائص الأرض وسمات الوطن ونفحات العروبة» (ص5).‏

أقر بلبل أن بحوثه حصيلة أعوام طويلة من ممارسة العمل المسرحي ومعايشته وملاحظته (ص6)، ولطالما أمعن في نقد المسرح المحلي من منطلقات خبرته مؤلفاً ومخرجاً ومدير فرقة، أي منطلقاته «مسرحياً» تتلاقى في خبرته جوانب العمل المسرحي كلّها، وهذا واضح في نقد التطبيقي لأبرز عروض المسرح الرسمي والمسرح الخاص، مما اختاره من عشرات المقالات على سبيل المراجعة أو المتابعة مشفوعة بشواغله الرئيسة حول المسرح المنشود برأيه، وأكتفي بذكر خصيصتين لذلك، الأولى الحرص على الجماهيرية، والثانية التبشير العقائدي فيما يناسب المقام أو لا يناسبه، وعلى الرغم من معالجته للمسرح والجمهور في بحث كبير، تناول فيه علاقات المسرح بالجمهور، ولاسيما عقباتها ودليلها، وخصوصية المسرح وعمومية الجمهور، وعلى الرغم من تمحيصه لتجربة فرقته المسرحية، فرقة المسرح العمالي بحمص في مواجهة الجمهور في بحث كبير أيضاً، إلا أنه لا يغفل عن قضية الجماهيرية في كتاباته كلّها، بل جاوز اهتمامه بهذه القضية إلى الارتهان المسرحي بتحققها، ولنتأمل هذا الشاهد من رأيه بالمسرح التجاري، والتسمية بذاتها موضوع اختلاف:‏

«وتزداد خطورة هذا الموقف الطبقي للمسرح التجاري، إذا تذكرنا أن العمال والفلاحين صار لهم دورهم الكبير على صعيد المجتمع والسياسة. وصاروا يسعون إلى تغيير البنية الاجتماعية، مما يجعل العداوة سافرة بينهم وبين خصومهم الطبقيين من البرجوازية الصغيرة وبقايا الكبيرة. فيكون الضحك (عليهم) أداة حرب عليهم وسخرية من محاولاتهم وإحباطاً للدور الاجتماعي الذي يريدونه. وهو في الوقت نفسه أداة إقناع لكل من الطرفين المتخاصمين أن لا يتخطى أحدٌ منهما مكانه. فحق ابن الشعب أن يكون محل الهزء والسخرية وليس له أكثر من هذا، وحق البرجوازي أن يضحك ويسيطر وليس له أقل من هذا.‏

قد يكون هذا الكلام غريباً ومفاجئاً ومؤلماً. لكني أرجو من القاريء أن يراجع النماذج الإنسانية التي رأها في المسرح التجاري، وأن يسأل نفسه: هل تؤدي هذه النماذج إلى احترام ابن الشعب باعتباره القاعدة الصلبة للبنيان الاجتماعي والمرتكز الأول للتضحية في سبيل الوطن، والمهيأة لقيادة المجتمع؟ أم تؤدي هذه الاستهانة إلى انتزاع دوره النضالي الذي قام به منذ أيام الانتداب الفرنسي حتى الآن، وإلى تجريده من الفعالية الاجتماعية؟ وهل تدفع ابن الشعب إلى التطور وفهم الواقع، أم تحكم عليه بالجهالة والتخلف؟‏

قد يسأل سائل بعد هذا: أيجب إلغاء هذه المسرحيات الخفيفة الضاحكة؟ فأقول: لا. لكن يجب أن تخضع لمراقبة شديدة، وأن تنال المساعدة المالية والفنية اللازمة حتى لا يحتج أصحابها بضرورة الكسب المادي للعيش. وأن توجه لتخدم التطور والتقدم. وعند ذاك تصبح استراحة حقيقية للتخفيف من عناء العمل، كما تساهم في بناء المجتمع من خلال النكتة والضحكة، أو تمنح المرح دون أن تنقض بنيان المجتمع.» (ص32-33).‏

وعندما يكتب بلبل نقداً تطبيقياً لعرض ما، فإنه يطوّع عناصر نقده كلها لقضية الجماهيرية، ويحكم على المشهدية برمتها من خلال علامات التلقي الجماهيري، وقد يصير معه النقد التطبيقي، بتأثير هذه القضية، إلى أحكام قاسية، تلغي معها العمل الفني ومؤسسته أيضاً، كما في رأيه حول عرض «موليير» التي أخرجها حسين إدلبي للمسرح القومي في موسمه 1974-1975:‏

«ولكي يحقق المخرج نجاحه فقد لجأ إلى وسائل المسرح التجاري، فاعتمد على أناقة الثياب ـ ولا بأس بالشفاف منها ـ واعتمد على التهريج. وإذن، فإن الإقبال الجماهيري ليس دليل نظافة في العرض المسرحي، وليس دليلاً على وعي من المسرح القومي للتعامل مع الجمهور، وإنما هي محاولة لسرقة الجمهور من المسرح التجاري. فكأن الجمهور مخدوع مرتين. وبعد كل هذه الضوضاء، كان المخرج ـ ومعه المسرح القومي ـ كالمنبتّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى» (ص60).‏

أما التبشير العقائدي فهو متغلغل في بنية كتاباته حتى النخاع، فهو مولع بالمسرح الاشتراكي، وهو مصطلح ملتبس أيضاً، وقد بلغ ولعه حداً يطلق أحكاماً تفتقر إلى الملموسية الواقعية والفكرية في وعي المسرح وهويته وفهم تجربته بعد ذلك، فرأى أن هوية المسرح العربي متعذرة «مادام الوطن العربي مقسماً إلى هذه الدويلات التي تحجرت حدودها واستغلظت تخومها» (ص177)، وجعل الهوية رسماً سياسياً جغرافياً على الأرض وخريطتها، لا قضية فكرية وفنية، فكان أن أطلق آراءه «الغريبة» عن وجود «هوية مسرحية واحدة» لقوميات الاتحاد السوفييتي، ووجود «هويتين مسرحيتين» للمسرح الألماني، كما في قوله:‏

«وللمقارنة فقط، نذكر أن الاتحاد السوفياتي مثلاً، رغم تعدّد قومياته ذو هوية مسرحية واحدة نظراً لوجود التكامل الاقتصادي والجغرافي فيه، بينما لا نجد هذه الهوية الواحدة للمسرح العربي رغم انتماء العرب إلى قومية واحدة حية قوية. ونذكر أيضاً أن الولايات المتحدة ذات هوية مسرحية واحدة أيضاً رغم الاختلافات الكثيرة بين الولايات أو بين شمال البلاد وجنوبها، بينما نجد المسرح الألماني يحمل هويتين مسرحيتين تبعاً لانقسام الألمان ـ وهو شعب واحد قوي قادر ـ إلى دولتين تتخذ كل منهما أسلوباً خاصاً في الفكر والسياسة والاقتصاد. ولذلك يبدو من الواضح الجليّ أنه بمقدار ما تلغى الحدود بين الأقطار العربية، وبمقدار ما يتكامل الاقتصاد العربي، يقترب المسرح العربي من وضوح الهوية وبروز الشخصية» (ص177-178).‏

ولعلنا نورد أمثلة أخرى لهذا التبشير العقائدي في نقده التطبيقي، فهو لا يعالج مسألة فكرية أو فنية دون إخضاعها للحديث عن الاستعمار والإمبريالية والنظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي، فهذه مسرحية «زيارة السيدة العجوز» التي ألفها فريد ريش دورنيمات وأخرجها علي عقلة عرسان للمسرح القومي في موسمه 1970-1971 «تحلل نظاماً وتفضح قارة»، فالمسرحية عنده «تحلل النظام الرأسمالي من أبسط علاقاته الاقتصادية وحتى أكثرها تعقيداً. وتشرح انعكاسات هذا النظام الاجتماعية والفكرية والأخلاقية. وتشرح، من خلال هذه العملية المعقدة، الموقف الحضاري لأوربا الغربية وامتدادها المتضخم إلى حد سرطاني: أمريكا. وهذه النظرة المتكاملة هي التي تعطي المسرحية قيمتها الشمولية والآنية. ومن هنا مشقة أدائها وإخراجها في آن معاً» (ص44).‏

وأسقط بلبل في نقده لمسرحية «العنب الحامض» التي ألفها فيجو يردو وأخرجها علي عقلة عرسان للمسرح القومي في موسمه 1971-1972 (كانت إعادة آنذاك) مفاهيم وأفكاراً مغالية توغل بعيداً في التبشير العقائدي، كما في نقده:‏

«بهذا الشكل تأخذ المسرحية صفتين تعتبران قوام كل أدب خالد، هما الشمول والآنية. أما الشمول فحين تتحدث عن شوق الإنسان الأبدي إلى الحرية. هذا الشوق الذي ظل أبد الدهر دافعاً جباراً يحرّك الثورات في وجه الطغاة والمستبدين. وأما الآنية فحين تُلْمِحُ إلى واقع سياسي معاصر، وإلى حالة معينة من حالات تفتيش الإنسان عن الحرية، تتمثل في تبيان علاقة الحكومات المستبدة بالشعوب المستضعفة. بل أنها ترجع إلى الجذور التاريخية للاستعمار الحديث لتكشف ما في الحضارة الغربية من زيف استطاعت بواسطته فرض استغلالها على الشعوب. فنحن نعلم أن أوربا ـ ومن بعدها أمريكا ـ إنما فرضت استعمارها تحت ثوب براق من ادعاء نشر الحضارة، لتحويل عملية الاستعمار من لعبة مكشوفة مفضوحة، إلى رسالة إنسانية وواجب حضاري. ولعبة كهذه، مازلنا نجد أوقح أشكالها حين تدّعي اسرائيل أنها رسول الحضارة إلى الشرق الأوسط المتخلف.‏

ونحن نعلم أيضاً، أن هذا الثوب البراق يخفي تحته ارتباط النظام الرأسمالي بالتفاوت الطبقي، هذا الارتباط الذي يصل بالنظام الرأسمالي إلى أعلى مراحله، وهو الاستعمار ثم الإمبريالية» (ص49-50).‏

ثم بلغت المغالاة حدوداً قصوى في مقالات نقدية تطبيقية أخرى تصل إلى حدّ إدانة المؤلف والمخرج والمؤسسة المسرحية، كما في نقده الغاضب لمسرحية «الزير سالم» التي ألفها ألفريد فرج وأخرجها رفيق الصبان للمسرح القومي في موسم 1971-1972:‏

«وقد يكون للمسرحية قيمة إذا كان كاتبها غير عربي. أو إذا قدم مسرحيته في إحدى بلدان العالم الرأسمالي. وإذن لكان موقفه منسجماً مع دعاوات النظام الرأسمالي المثاليّة التي تطالب الشعوب المستضعفة بإدارة الخد الأيمن لمن ضربك على خدّك الأيسر، أو منسجماً مع أدباء النظام الرأسمالي الناقمين عليه، لأنه ساق العالم إلى حربين مدمّرتين. أما عندنا ـ ونحن شعب مهزوم أكثر من مرة، ومسلوب الأرض والحق في أكثر من موضع ـ فإننا بحاجة إلى القتال وإلى من يدفعنا إليه، ويحرّض شبابنا على الاستماتة في ميادينه. ولا نريد من يقنعنا بالأخوّة (الإنسانية) حتى لا ندير للعدو خدّنا الأيمن بعد أن أشبع خدّنا الأيسر صفعاً ولكماً.‏

وهذا العرض المسرحي مفصل تماماً لجمهور البرجوازية المثقف الذي يناقش (أجلّ) الأفكار والنزعات (الإنسانية) وهو (ينكش) أسنانه بعد عشاء دسم. و(يحلّق) سامياً فوق المعاناة المحلّية. وهذا العرض المسرحي يعود بالمسرح القومي إلى أصله الأول، ويتوجه إلى هذه الفئة (المختارة)، وليذهب الواقع الاجتماعي والسياسي والعسكري إلى الجحيم» (ص69-70).‏

2ـ2ـ التطلع لمثال مسرحي:‏

آمن بلبل بمثال مسرحي، وتطلع إليه على الرغم من تأبيه على الواقع واستحالة تحققه الفكري والفني، وقوام هذا المثال تفكير أخلاقي وسياسي ينظم رؤيته المسرحية مما أورثه تنازعاً بيناً بين الواقع والمثال، وحيرة عميقة بين المطلق والمتغير، بين الذات والتاريخ، بين الفرد والطبقة..الخ.‏

تعلق بلبل بالفكر الاشتراكي، فجعل مسرحه وكتابته عن المسرح دعوة إلى الاشتراكية، ومثّل لدعوته فنياً بالتزام مذهب الواقعية الاشتراكية في الوقت الذي كان هذا المذهب يواجه تغيرات عنيفة داخل بيئته الأولى والكبيرة: الاتحاد السوفييتي، وفي البيئات الأخرى مثل فرنسا والدول الاشتراكية الأخرى(3)، وفهم بلبل تطور المسرح وديمومته وفاعليته على هذا النهج المستند إلى النقاط التالية:‏

الأولى: «إن البنية الفنية للمسرحية كانت تتغير مع تغير الطبقات، وبذلك لم يدخل المسرح قانون الصراع الطبقي فحسب، بل كانت بناه الفنية وأساليبه وأشكاله تنسجم مع هذا الصراع، وتعبر عنه» (ص146).‏

الثانية: «هي أن نماذج الشخصيات كانت تتغير مع تغير الطبقات السائدة، فمن الأبطال أنصاف الألهة إلى السادة النبلاء إلى البرجوازيين الكبار والصغار إلى العمال والفلاحين. وهذا أمر طبيعي أيضاً، فإن كل طبقة تريد أن تثبت مفاهيمها، وترسخ تقاليدها، وتؤكد دورها الاجتماعي والسياسي، ولا يمكن أن يقوم بهذه المهمة إلا شخصيات منبثقة عنها» (ص147).‏

الثالثة: «هي أن مسرح الواقعية الاشتراكية هو مسرح المستقبل، لأنه يدافع عن طبقة تقدمية صاعدة هي طبقة العمال والفلاحين» (ص148)، و«كما أن مسرح الواقعية الاشتراكية وريث كل القيم النبيلة، فإنه أيضاً وارث لكل الأشكال المسرحية السابقة» (ص150) و«بسبب هذا الإرث الكبير والحرية الواسعة، نجد تغريب بريخت إلى جانب كلاسيكية الكسي أربوزوف في بعض وخروجه عنها في البعض الآخر. وقد نجد الكاتب الواحد يستخدم أسلوباً جديداً في كل مسرحية. وإضافة إلى هذا، ليس على الكاتب أن يقلد أحداً سبقه، أو أن يقول: إن هذا الأسلوب هو الأسلوب الوحيد. ولذلك قلنا عن مسرح الواقعية الاشتراكية: إنه مسرح المستقبل» (ص151).‏

لا أريد أن أناقش نظرة بلبل وما تتضمنه من أحكام لا توافي تاريخ المسرح أو التاريخ الأدبي كالحديث عن كلاسيكية أربوزوف، أو الحديث عن وراثة الواقعية الاشتراكية لكل الأشكال المسرحية السابقة، أو الحديث عن الواقعية الاشتراكية مذهباً محدداً أو دقيقاً أو غير ملتبس على الأقل، بل إنني أوردت هذا الرأي نموذجاً لتلك الحيرة ولذلك التنازع مشدوداً لمثال مبهم أو غامض، ومسلح بتفكر الإخلاقي والسياسي الصلب، بما يرقى بهذا المثال إلى رتبة الإيمان، وبذا يغدو كل ما جانب هذا الإيمان عند بلبل إثماً، بتعبير القديس أوغسطين.‏

ولعلنا نلاحظ أصداء لذلك في معالجته لقضايا المسرح جميعها متجلية في لغة شعارية مشبعة بالأحكام القيمية المطلقة: هل تقترب صور المسرح من المثال أم لا؟ فقد ناقش، على سبيل المثال، تأصيل المسرح العربي، فجزم بانعدام التراث المسرحي (ص166)، وهي فكرة تتردد في أبحاثه ومقالاته على الدوام مثما هي موضع اختلاف في الرأي، وعدّ الصراعات السياسية والفكرية الأساس في التأصيل، إذ ينقسم رجال المسرح إلى قسمين متقابلين:‏

«الأول: يقف فيه أصحاب المسرح (البرجوازي) الذين يخدعون الجمهور عن قضاياه وعن صراعه مع الاستغلال والاحتلال. ويضم هذا القسم مجموعة ضخمة تبدأ من تجار المسرح الذي حوّلوه إلى ملهى يمتع ويلذّ بأسوأ أنواع المتع وأشدها ابتذالاً، وينتهي بأصحاب المسرح (الطليعي) الذي (يتسامى) فوق الجمهور ويتجه إلى النخبة، مروراً بالمسرح الذي يدّعى أنه إنساني فيعرض لنا المسرحيات العالمية الرائعة التي تناقش أموراً إنسانية عامة لا تمتّ إلينا بصلة، ولا ترتبط بواقعنا، وليست مهمتها إلا صرفنا عن التفكير في حياتنا» (ص164-165).‏

«الثاني: يقف فيه الذين يريدون لهذه الأمة أن تسير في طريق الاشتراكية، وأن تحدّد لنفسها هويتها. وهو ينطلق من الواقع دراسةً وتحليلاً، ويقدمه إلى الجمهور ليحرّضه ويعلّمه. وهو لذلك مضطر إلى إيجاد الأشكال الفنية الملائمة لمضمونه الواقعي التحريضي التعليمي. وبهذه الطريقة وحدها تتوضّح لمسرحنا تقاليد وأشكال فنية تنبثق عن مضمون الواقع الاجتماعي، وتبرز وجودنا القومي والإنساني. وهذه هي الهوية.‏

ولاشك أن القسم الأول هو الأقوى الآن لأنه هو الذي يملأ الساحة. ولاشك أيضاً في أن عناصره تقف متكاتفة في وجه القسم الثاني رغم ما بينها من خلاف ظاهري يجب أن لا ننخدع به. وهو الذي يعطي مسرحنا هذا التشويه. لكنه بالتأكيد سيصير إلى ضعف وانعدام. وبالتأكيد سينتصر القسم الثاني لسبب بسيط جداً هو أن العرب أنفسهم يسيرون في طريق إثبات وجودهم المادي الحضاري، ويصارعون مظاهر التخلف والاستغلال. والمسرح يعبر عن هذا الصراع بما فيه الآن من حدّة وقوة، وبما سيصير إليه من انتصار» (ص165-166).‏

ثم يظهر التنازع على أشده والحيرة ساطعة في نفيه للتراث المسرحي العربي ودعوته في الوقت نفسه إلى المحافظة «على الأصول المسرحية التي هي عماد هذا الفن. لكن يجب أن نضعها في أشكال منبثقة عن مضموننا نحن وواقعنا نحن. ولن تكون هذه العملية سهلة أو سريعة، بل سوف تمرّ بفترة طويلة وشاقة قبل أن تترسخ لنا هذه الأشكال الخاصة بنا» (ص166).‏

2ـ3ـ الدأب على الاجتهاد:‏

عني بلبل بفكرته عن المسرح في جهادها الثقافي (انتظامها في الأنساق الثقافية على الرغم من جزمه بالقطيعة الثقافية العربية التاريخية والمعرفية مع فنون المسرح)، وفي بيئتها الثقافية (انتظامها جهاز تثقيف ووسيلة اتصال بالجماهير مؤثرة وفاعلة في التكوين الإنساني النبيل على الرغم من رهن هذه الممارسة بالتطلع إلى مثال مرتجى أو مشتهى). وتبين أقسام كتابه المذكور طوابع هذا الدأب على الاجتهاد في مقايسة فكرته عن المسرح على الواقع المسرحي أو تجربته المسرحية على وجه الخصوص، فنظر في القسم الأول إلى الحركة المسرحية في سورية، وعالج في القسم الثاني المسرح والجمهور، وتأمل في القسم الثالث بعض القضايا النقدية المتعلقة بتأصيل المسرح العربي مثل هوية المسرح العربي وشخصية المؤلف المسرحي العربي وتأثره بالتيارات المسرحية العالمية والاتجاهات الفكرية في المسرح العربي، وعاين في القسم الرابع والأخير تجربة فرقته، فرقة المسرح العمالي بحمص في مواجهة الجمهور من خلال تطبيق عملي.‏

اتسمت نظرة بلبل إلى مشكلات المسرح بالنقد وبالبحث عن حلول، بل إن النقد امتد إلى ضرورة توافر ـ برأيه ـ التوجيه الأدبي، وهو من طوابع التجربة السوفيتية في إدارة الأدب والأدباء بما يستلزم من رقابة ووظيفية مباشرة وتخطيط لأجناس الكتابة وموضوعاتها وأساليبها، وأذكر مثالاً لذلك حديثه عن العقبات التي تواجه المسرح الجماهيري، وقسّمها إلى أقسام ثلاثة رئيسة، قسم يتعلق بالجمهور نفسه، وقسم يتعلق بالتأليف أو المؤلف، وقسم يتعلق بالإخراج أو المخرج، ولنأخذ خلاصة توجيهه في نهاية نقاشه لكل عقبة:‏

«إن الجمهور لا يعرف، وعلينا أن نعلمه. وهذا يقتضي منا أن نصبر عليه قليلاً، وأن نأخذه بشيء من حزم المعلم أمام طلابه وجبه لهم. وهذا التعليم لا يتم بين يوم وليلة. إنما يتم بالتأكيد وفي زمن قريب» (ص118).‏

«وأنا أقول لكتابنا: استغرقوا في المحلية، وخذوا شخصياتكم من صميم الواقع، ولا تهتموا بالعالمية. صوّروا الإنسان العربي العادي في مجتمعه، واذكروا قول بريخت (إنني لا أريد لمسرحياتي أن تعيش أكثر من عشرين عاماً) وعندها سوف تعيش مسرحياتكم طويلاً كما عاشت مسرحيات بريخت، وكما عاشت كل اآثار الأدبية التي صورت واقعها بصدق» (ص123).‏

«ولاشك في أن هذه النقطة الثانية لتعامل الإخراج مع النص المسرحي هي مفتاح عظمة المسرح، وهي المهمة الأولى للمخرج، والتي من أجلها تكون له (وجهة نظر) يدير العمل المسرحي على أساسها، ويسوق كل أجزائه إلى نقطة معينة. وهي التي تحقق لجمهورنا الاطلاع على التراث المسرحي الإنساني الذي لا يمكن تجاهله والذي لابد منه. ولاشك أيضاً أن عدم الانتباه إلى هذا الأسلوب الفني هو الذي جعل المسرح الأجنبي قاصراً على النخبة المثقفة، وجعل بعض النقاد والمسرحيين يتهمون الجمهور بعدم الفهم. ولاشك أيضاً أن الانتباه إلى هذا الأسلوب الفني يدخل ضمن (تعليم) الجمهور لفن المسرح.‏

إن هذه العقبات الثلاث هي التي توقع مسرحنا في تخبطاته. وحينما نتجاوزها فسوف نخلق المسرح الجماهيري الذي يلتزم بالجماهير، ويقوم بدور فعال في المجتمع والحياة، لأنه المسرح الذي يخاطب خلاصة الأمة وقادتها وقواها الثورية وروح الأمل فيها، ولأنه المسرح الذي يبني الاشتراكية ويحرر الإنسان من الظلم والطغيان، ولأنه المسرح الذي سيكون عظيماً ورائعاً باعتباره معبراً عن الحياة لا في ظاهرها، بل في حركتها.» (ص126).‏

وعندما تحدث بلبل عن التأريخ النقدي للمسرح العربي، باشر التوجيه الأدبي والفني للمسرحيين ضمن نزوعه الدائم إلى التبشير العقائدي إياه، كما في قوله:‏

«في البحث السابق وصلنا إلى النتيجة الأساسية التالية وهي: أن هوية المسرح العربي تقوم في إيجاد الأشكال الفنية المميزة له، والقادرة على حمل المضمون المعبر عن واقعنا الاجتماعي في حركته التقدمية، مع الاستفادة من كل التجارب المسرحية الأجنبية القديمة والحديثة. شريطة أن توضع في الاتجاه نحو تلك الصيغة التقدمية. وهذه النتيجة الهامة الصحيحة تصبح ناقصة وخطيرة المرامي البعيدة إذا أخذناها وحدها. لأنها تهمل تأريخ المسرح العربي من ناحية، وتتخذ شكلاً إقليمياً محلياً من ناحية ثانية، وتتناسى الواجب القومي للمسرح من ناحية ثالثة. وهذه النقاط الثلاث يسهل الوقوع فيها لأن طبيعة التوزيع السياسي للأمة العربية، وانشغال كل قطر بقضاياه الخاصة الملحة في هذه المرحلة المزدحمة بالمصاعب، يدفعان المسرح العربي في هذا الاتجاه الإقليمي. وهذا هو الخطر. فإن إهمال التاريخ المسرحي يؤدي إلى انعدام التواصل التراثي، ويقلل من عملية التراكم التي هي أحد السبل الهامة لتأصيل المسرح العربي، كما أن الوقوع في إقليمية المسرح يقصّ كل الأجنحة التي تنبت للمسرح العربي. ولذلك تبدو المهمة القومية للمسرح مرتبطة بالتاريخ المسرحي العربي وبمحاربة الإقليمية السياسية في آن معاً» (ص167).‏

وبلغت ذروة مباشرته لاجتهاده بتطوير المسرح في التوجيه الأدبي والفني الذي يشبه الأوامر الداخلية لجماعة سياسية أو إدارية ما، كما في نظرته إلى التأسيس المسرحي السليم:‏

1ـ «التخلص من الترجمات العشوائية، وذلك بالعودة إلى تصنيف المسرحيات الأجنبية حسب عصورها ومدارسها وظروفها الاجتماعية التي أوجدتها. وسوف ندرك إذ ذاك أن كثيراً من المسرحيات «العالمية» التي نحتفي بها، ونسلتهم منها ليست ذات صفة إنسانية، وأن حيفاً كبيراً لحق بنا حين نشرت بيننا» (ص194).‏

2ـ «وضع خطة واضحة لمسارحنا الرسمية، فلا نترك الأمور لأهواء المخرجين ينتقون من المسرحيات الأجنبية ما يقف أحياناً عائقاً أمام وعينا» (ص194).‏

3ـ «وضع اتفاق بين وزارات الثقافة في الدول العربية لتوزيع المسرحيات العربية بين الدول العربية..الخ» (ص195).‏

4ـ «إعادة النظر في طريقة نقدنا المسرحي... أما نقدنا المسرحي فيجب أن يسير في عكس اتجاه النقد الأجنبي... ولذلك لا يجوز للنقاد أن يحاسبوهم على قواعد النقد المسرحي الأجنبي، بل عليهم أن يرصدوا تجارب الكتاب المسرحيين، وأن يستخلصوا منها القواعد والمقاييس، مع الاستنارة بالنقد الأجنبي، وبهذه الطريقة بستطيع النقاد تأسيس نقد مسرحي عربي» (ص196).‏

أما نصائحه وتوجيهاته للكتاب، فليس أمامهم إلا طريقان لا ثالث لهما، «أولهما أن يتجه إلى الجمهور العريض من العمال والفلاحين وبقية القوى من الفقراء والمسحوقين، وأن يخاطبهم، ويحرضهم باعتبارهم القوى الحقيقية في المجتمع والأداة الفعالة في بناء المجتمع بناءً صحيحاً ووقود الحرب وقوة السمتقبل، وثانيهما أن يتخلى عن هذا الجمهور ويتجاوزه إلى أعدائه من المستغلين، وعند ذاك سيجد نفسه متخبطاً بين الأشكال والتيارات، وسوف يظل معلق العين والقلب والذهن بكل تلك الأشكال العرجاء التي تظهر في المجتمع الرأسمالي المضطرب المتفجر عن فقاقيع تزيد الإنسان الغربي انهياراً وبؤساً» (ص198).‏

وقد كان بلبل في غالبية مواقفه، وهو يدأب في اجتهاده، متفائلاً بمستقبل المسرح تحت وطأة التبشير العقائدي كمثل قوله عن مستقبل مسرح الشبيبة والعمال:‏

«رغم كل هذه العقبات، فإن مسرح اتحاد شبيبة الثورة واتحاد العمال، سوف يقوى ويستمر. وسوف يشكل وجهاً مسرحياً جديداً ناضجاً وواعياً. ومن الواضح تماماً أنه في الوقت الذي بدأ المسرح القومي ينحدر وتتوالى أزماته، أخذت هذه الفرق تصعد. وما ذلك إلا لأنها هي القادرة على التعبير عن مجتمع ينمو ويتطور. وإذا كانت هذه الفرق حتى الآن لم تظهر بالقوة الكافية التي تفرض بها وجودها، فإنها تحمل في طياتها بذور قوتها وتطورها. وكل ما هي بحاجة إليه، هو أن نملك القدرة على رؤية المستقبل وندفعها إليه. وقد كان المستقبل دائماً، جنيناً صغيراً في رحم الحاضر» (ص39).‏

هذه هي طوابع المرحلة الأولى من البحث المسرحي عند بلبل، وقد آثرت أن أكشف عن خصائصها وعناصرها بأسلوب النقد التحليلي متجنباً إطلاق الأحكام، لأن مراجعة نقدية راهنة من مؤلفها كفيلة بتقدير قيمتها التاريخية بالدرجة الأولى شهادة على الثقافة العربية والنقد الأدبي العربي في زمنها، كونها سجلاً حياً لاعتمال المسرحي العربي بقضاياه الفكرية والفنية شهوة لتغيير الواقع عن طريق الفن بالتطلع إلى مثال مشتهى قوامه الرئيس تفكير أخلاقي وسياسي صلب.‏

3ـ المرحلة الثانية:‏

تمتد المرحلة عند بلبل ناقداً وباحثاً على مدار العقد الماضي، في تسعينيات القرن العشرين، وإذا كان التأليف والإخراج المسرحيات غلبا على المرحلة الأولى، فشملت مسرحيات طويلة وقصيرة ومسرحيات للأطفال هي إبداعه الأبرز، فإن فعاليته المسرحية خلال المرحلة الثانية تكاد تقتصر على النقد والبحث المسرحي، إذ وضع ثلاثة كتب، وجهز للطبع كتابين تغطي قضايا مسرحية نظرية في كتابه «أصول الإلقاء والإلقاء المسرحي» (1991)، وتاريخية نقدية في كتابيه «المسرح السوري في مئة عام 1847-1946» (1997)، و«المسرح التجريبي الحديث عالمياً وعربياً» (1998)، ونقدية تطبيقية في كتابيه «مراجعات في المسرح العربي منذ النشأة حتى اليوم»، و«الأدب المسرحي في سورية»، كما تشير غالبية عنوانات البحوث المنشورة في «الحياة المسرحية».‏

أما السمات الأبرز لنقد بلبل وبحثه في هذه المرحلة، فهي العلمية المنهجية واستواء فكرة المسرح في تاريخها وفي راهنية تجربتها وغلبة الموضوعي على العقائدي، وإن شاب كتابته حنين إلى ذلك التطرف في التبشير العقائدي.‏

3ـ1ـ البحث العلمي المنهجي:‏

يعد كتاب «أصول الإلقاء والإلقاء المسرحي» نقلة نوعية في نقد بلبل وبحثه المسرحي، إذ جاوز فيه حدود الكتاب التعليمي، على الرغم من كونه حصيلة تدريسه لهذه المادة في المعهد العالي للفنون المسرحية، وحدود فهم المسرح ظاهرة مجتلبة حين جعل من تجربته المسرحية بخاصة والتجربة المسرحية العربية بعامة في نسقها الثقافي، لغة وتقاليد فرجة وتواصلاً مع المتلقي، مصدراً رئيساً للخبرة المسرحية، وحدود التنظير وحده إلى إدغامه بالممارسة العملية بوضع الإلقاء «ضمن بوتقة العرض المسرحي وبناء الشخصية الدرامية بدءاً من تدريبات الممثل الأولى على دورة وانتهاء بالتعامل الجمهور في صالة المسرح» (ص9-10)، وحدود الانشغال بشؤون الواقع المسرحي وشجونه إلى بصيرة حاذقة ويقظة بعناصر العرض المسرحي وترسيخها ضمن التقليد المسرحي العربي الحديث الذي يتأسس قوياً خلال العقدين الأخيرين على الرغم من المعضلات السياسية والاجتماعية الكثيرة في هذا القطر أو ذاك، فعمد إلى معاينة خصوصية الإلقاء لكل لغة، وإلى ربط الإلقاء بالعرض المسرحي، مما دعاه إلى الحديث الموجز عن علوم اللغة العربية، وإلى التطرق لبعض الأبحاث النظرية في بناء الدراما وأصول التمثيل والإخراج، مثلما تعرض «لبعض أساليبنا وعيوبنا في نطق الكلام عند أصناف المتكلمين وعند الممثلين لوصف ما هو كائن وصولاً إلى ما يجب أن يكون» (ص10).‏

تتبدى العلمية المنهجية في هذا الكتاب في أكثر من جانب، وأولها دقة مصطلحه، كما تدرج دراسته من الصوت «أعرف صوتك»، إلى الكلام «هل تعرف كيفف تتكلم؟»، إلى الإلقاء «هل يحب الناس حديثنا؟»، إلى الإلقاء المسرحي «الكلام على الخشبة»، إلى الإلقاء في المسرحية «هل أنت ممثل؟»، وثانيها وضوح منهجه الموضوعي في رؤية بحثه في مساره التاريخي وأبعاده الفنية، وثالثها ضبط لغة البحث والنقد في معايير محددة، ورابعها سهولة العرض وقوة المحاجة ويسر التعبير، وخامسها خبرة مسرحية توائم بين النظرية والممارسة.‏

وقد دعم بلبل أطروحاته بنصوص مختارة من الأدب العربي القديم حيناً لتعين «القاريء على النطق الصحيح للأحرف العربية، وأن تجبره عليه، شريطة أن يتقيد بقواعد النطق، وأن يتقصد إبراز الأحرف من مخارجها الصحيحة» (ص79)، وبنصوص مسرحية من الأدب العربي والعالمي مثل «الملك لير» لشكسبير (ص134)، و«الملك هو الملك» لسعدالله ونوس (ص162)، و«حفلة سمر من أجل 5 حزيران» لونوس (ص171)، و«الوباء» لهاني الراهب (ص176)، و«هملت» لشكسبير (ص182 و195)، و«طرطوف» لموليير (ص185)، و«الوحوش لا تغني» لممدوح عدوان (ص202)، و«جونو والطاووس» لشون أوكيزي (ص205)، و«أوديب: مأساة عصرية» لوليد إخلاصي (ص216)، ناهيك عن الاستشهاد بعشرات الأعمال المسرحية في المتن. فقد تحدث، على سبيل المثال، عن خلق الشخصية المسرحية، من خلال التفتيش عن الصوت المناسب وكشف أبعاد الشخصية كالبعد الجسدي والبعد الاجتماعي والبعد النفسي الذي يتحقق بأمرين هما درجة انفعال الشخصية والدوافع النفسية المحركة للشخصية، وقد عالج الأمر الثاني من خلال مشهد صغير من مسرحية أوكيزي ليصل إلى الخلاصة التالية:‏

«ولا توجد قاعدة في الإلقاء المسرحي تكشف البعد النفسي للشخصية. والوعي العميق لدوافع الشخصية يجعله يبرز في الإلقاء. وتلعب درجات الانفعال وارتعاشات الصوت وأسلوب نطق الحروف والكلمات دوراً هاماً في هذا المجال. أما الشيء الذي يلعب الدور الرئيسي في إبراز البعد النفسي للشخصية فهو قاعدة التشديد أو التركيز. فإن الكاتب المسرحي ينثر في ثنايا الدور مجموعة من الكلمات نابعة عن الدوافع النفسية للشخصيات. وعلى الممثل أن يفتش طويلاً عن هذه الكلمات التي تأتي غالباً في سياق الكلام وكأنها ثانوية أو هامشية. وبعدما يحصرها ويحددها يخضعها لقاعدة التركيز مبرزاً من خلالها الدافع النفسي.‏

لكن الممثل مضطر إلى التركيز على عدد كبير من الكلمات والجمل في دوره لتلبية مقتضيات الدور، فهو يؤكد على عدد من المواقف، ويبرز مفاصل الصراع، ويمهد للحكاية، ويشارك فيها. وفي زحمة هذه الكلمات والجمل المركزة تدخل الكلمات والجمل الدالة على الدوافع النفسية فلا تمتاز عن غيرها ولا تحقق مقصودها.‏

وليس أمام الممثل إلا سبيل واحدة لتمييز هذه الكلمات عن بقية الكلمات الواجب تركيزها، وهي أن يستخدم أسلوباً واحداً لتركيز هذه الكلمات، دون أن يستخدم هذا الأسلوب في بقية الكلمات والجمل الواجب تركيزها لغايات أخرى. كأن يغير طبقة صوته عند نطقها، أو أن يضعها وحدها بين فاصلي صمت، أو يغيّر سرعة كلامه فيها وحدها. وبهذا الشكل تتحول هذه الكلمات إلى ما يشبه ضربة ناقوس تأتي المتفرج في الحين بعد الحين. وعندما تتوالى هذه الضربات بالإيقاع نفسه، يربط المتفرج بينها، ويتغلغل مع الممثل في دهليز البعد النفسي للشخصية.‏

وأعترف أن هذه الطريقة من أصعب الأمور. ولا يستطيعها إلا ضياغمةُ الممثلين الذين يكدحون طويلاً في بناء أدوارهم، مع طولِ خبرةٍ وعمقِ تمرّسٍ في صناعة التمثيل.» (ص205-206).‏

وكان ثمة حرص لدى بلبل على الانطلاقة من تراث الإنسانية في المسرح وإنجاز رواده، فقد تصادت أصوات ستانسلافسكي بوصفه رمز التقليد المسرحي في التجسيد الذي ناهضته أو عارضته تجارب وتيارات معاصرة وتالية مع أصوات المسرحيين الكثر الذين جمعهم بلبل في كتابه الثمين، ولعل دراسته للإيقاع وفترات الصمت مما يؤيد أثر هذا الكتاب متعة فكرية وذوقية غامرة، كما في قوله:‏

«إن فترات الصمت (الفواصل النفسية والمنطقية) أول ما يعطي الإيقاع سرعته الزمنية المطلوبة وتأثيره الفكري والشعوري. وعلى الممثل أن يحسب حساب الصمت بدقة، موازياً بين تكرار أزمان الصمت وبيت تغييرها، خالقاً من ذلك انسجاماً لحنياً. فكأن في عقله ضارب إيقاع ذكياً، وأن يتحاشى البطء والسرعة الزائدين، فالانقطاع الطويل يجعلنا ننسى الكلام أو الفعل الذي سبق. (أما الانقطاع القصير جداً أو الفعل العجول جداً فينقصان من الصدق والإيمان بأصالة الفعل الجاري).‏

ولاشك أن سرعة الكلام واختصار زمن الصمت يزيدان من سرعة الإيقاع، والعكس صحيح، لكن هذا لا يعني أن يخرج الممثل عن قاعدة (لا تستعجل) الذهبية، فمهما أسرع الإيقاع وجب أن يظل الكلام واضحاً، وأن تأتي فترة الصمت جلية محسوساً بها. وكثيراً ما يخشى الممثل من فتور الإيقاع أو بطئه فيهرع إلى اللهاث السريع بالكلام مدمراً فترات الصمت. فيقع عندئذٍ، لا في الفتور الذي خاف منه فحسب، بل في انفلات الإيقاع منه أيضاً.‏

وليعلم الممثل أن فترات الصمت أثمن ما في الإيقاع. وإذا أحسن نطق الكلام ونبره وانسيابه قبل الصمت وبعده فسوف يكون إلقاؤه فعلاً مسرحياً هائلاً. وليعلم أيضاً أن انتقاء مواضع الصمت ومدتها ونبراتها هي التي تبرز خصائص النص الأدبية والجمالية» (ص256-257).‏

لقد اعتنى بلبل بأسلوب النقد والبحث ولغتهما، وهي عناية قلما نقع على مثلها في الكتب الصادرة هذه الأيام، فهو يوجز القول بليغاً غالباً، كما في ختام كتابه:‏

«وبعد.‏

يمكننا في النهاية تلخيص كل قواعد الإلقاء المسرحي التي وردت في هذا الكتاب بمايلي:‏

ـ أفهمُ النصَّ بالتحليل وأتعمّق.‏

ـ أتصورُ الكلمات بالإحساس وأُجسَّد.‏

ـ أنطقُ الكلام بالإيقاع وأوضح.» (ص260).‏

3ـ2ـ استواء فكرة المسرح:‏

لا يصدر بلبل في مرحلته عن رغبة الباحث والناقد المجرد أو التقني في موقع أكاديمي أو بحثي، بل هو ناقد وباحث صاحب رؤية ومشروع ثقافي في المسرح، وما الأعمال النقدية والبحثية إلا عمليات إضاءة وكشف ووعي في هذه الرؤية وفي هذا المشروع الثقافي الذي امتد من التأليف إلى الإخراج إلى الإدارة إلى التعليم إلى المختبر والتدريب والتأهيل لعناصر فرقته إلى مخاطبة الناشئة مشغلاً بعمق على قضايا التأصيل والانتشار في آن معاً. ويختزن كتاباه «المسرح السوري في مئة عام 1847-1946» و«المسرح التجريبي الحديث عالمياً وعربياً» أسئلة جوهرية حول تشكيل التجربة المسرحية: كيف صارت إلى فنّ في سورية في الكتاب الأول، وكيف صارت إلى فن تجريبي في العالم وفي الوطن العربي في الكتاب الثاني، فهما مقاربة للسيرورة المسرحية في تجربة مشخصة خلال مراحل نشأتها ونموها الأصعب هي سورية، وفي معنى التجريب الذي هو سمة لديمومة المسرح وتجدده وحيويته.‏

لاشك في أن فكرة المسرح قد استوت في تفكير بلبل، وتخلصت إلى حد كبير من القبليات المتحكمة برؤيته في المرحلة الأولى من التبشير العقائدي المهيمن إلى ضغوط نداءات الثقافة الجماهيرية التي طالها التحول والتغير خلال العقدين الأخيرين، فوضع بلبل كتابه الأول متجاوزاً عمل المؤرخ الباحث إلى الناقد الذي يقرأ سيرة المسرح، ويمعن في فقهها، «والفقه، برأيه، في بعض وجوهه، هو التعمق في معاني النصوص واستنباط الأحكام منها. وهذا ما فعلته. فقد كنت أمهد للوقائع والأحداث قبل إيرادها. قم أستخلص منها النتائج والخصائص» (ص5-6)، فاجتمع في الكتاب مفهوم اللوحة التي تتكامل أجزاؤها قدر الإمكان (لأن ثمة فترات وأماكن فقيرة بالتوثيق) ومفهوم تفسير هذه اللوحة.‏

إن هذا الكتاب بحث في جذور الظاهرة المسرحية في سورية بتعبير أدق، فقرأ بلبل ريادة المسرح العربي في لبنان وسورية ومصر، بغية استخلاص استنتاجات حول نشأة المسرح العربي، ثم انتقل إلى موضوعه الرئيس، فقرأ مراحل المسرح السوري بعد الريادة الأولى الثلاث:‏

ـ المرحلة الأولى حتى الحرب العالمية الأولى (من خلال دراسة المسرح في حمص ودمشق وسمات المدرسة الشامية).‏

ـ المرحلة الثانية حتى الثورة السورية الكبرى (من خلال دراسة المسرح في دمشق وحمص وحلب).‏

ـ المرحلة الثالثة حتى الاستقلال (من خلال دراسة المظاهر الأساسية لعودة المسرح السوري، والوقوف عند الفرق المسرحية الزائرة بنوعيها الراقي والاستعراضي، ودراسة نشاط المسرح السوري بنوعيه الراقي (الجاد) والمحترف (التجاري) ودراسة أعلام من المسرح في هذه المرحلة والسمات العامة للمسرح السوري فيها).‏

وختم بحثه بثبت بالعروض المسرحية من 1847 حتى 1946. على أن كثيراً من آراء بلبل قابلة للنقاش وموضع خلاف منهجي وفكري، كالموقف من مصطلح «المسرح السوري» واحتراز استعماله مطلقاً، مما يجافي رأي بلبل نفسه الداعي إلى الهوية العربية ومراعاة البعد القومي وأهميته في سيرورة التقاليد الأدبية والأنساق الثقافية، والموقف من مصطلح «سورية» و«السوري» تاريخياً ومعرفياً، فلم يصبح هذا المصطلح سياسياً إلا في ثلاثينيات القرن العشرين لتداخله مع مصطلح «الشام» في القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين، وقد بدأ التداخل بيناً في استعماله للمصطلح حين عاد عنه إلى تعبير «المدرسة الشامية» (ص129)، والموقف من تفصيل القول في ظروف نشأة المسرح العربي الحديث ومعطياته التاريخية والفنية، والموقف من الانقطاعات في تطور المسرح العربي، والموقف من الاصطلاحات والتسميات مثل «الراقي» و«الجاد» و«الاستعراضي» و«المحترف» أو «التجاري»..الخ.‏

أما «الأسقاط» في التفسير والتحليل بإضفاء دلالات ومعان لا تشير إليها الوقائع أو الأحداث أو النصوص صراحة أو يمكن أن تفضي إليها فهو كثير الاستخدام في نقده وبحثه، كحديثه عن ضرورة الالتزام المبكر في المسرح، بينما ظهر مصطلح الالتزام فيما بعد الحرب العالمية الثانية مع تجاذبات الواقعية الاشتراكية والوجودية، كما في محاورته لبعض صنيع يعقوب صنوع:‏

«وقبل أن نغادر صنوع وما فعله في ريادته للمسرح العربي في مصر، ننقل ملخصاً عن مسرحيته (موليير مصر وما يقاسيه).‏

يقول في مقدمة المسرحية (أهديكم يا سادتي سلامي وتحيتي واحترامي. وأتمنى لكل أفندي ومسيو وسنيور، العز والهنا والسرور). ثم يحاول أن يعلق على الظروف التي مر بها في مسرحه وعلى مشكلات الممثلين المهنية ورسالة المسرح بصفة عامة. ويبين أن العلاقة بينه وبين الخديوي اسماعيل، تشبه العلاقة بين موليير ولويس الرابع عشر. وقد سماه الخديوي موليير مصر لكي يتشبه بالملك العظيم أكثر مما قصد إلى تسميته بموليير.‏

إن التشابه واضح بين «ارتجالية فرساي» لموليير وبين هذه المسرحية. فكل واحدة منهما تدور في جو عائلي بين صاحب فرقة وممثليه. وكل منهما تتضمن تذمر صاحب الفرقة من عبث الممثلين الذين كما وصفهم صنوع «الأولاد بيسوقوا عليّ الشيطنة، والبنات بتسوق عليّ الدلاعة». وقد شكا منهم موليير (فالحيوانات الغريبة أسلس قياداً من هؤلاء الممثلين).‏

وفي المسرحية شرح للمتاعب التي لقيها في إنشاء مسرحه منها أنه (لما أنشأت التياترو العربي، الناظر المكار علي باشا مبارك مني غار). كما أنه إذا لم تكتب روايات (تذكر فيها لفظة حرية وحب وطن ومحاربات قل على التياترو العربي يا رحمن يا رحيم). وهذه إشارة هامة إلى ضرورة الالتزام في المسرح نجدها منذ ذلك الوقت المبرك» (ص56-57).‏

ولعل زعمه المتكرر في مؤلفاته عن خلو الثقافة العربية من المسرح والتراث المسرحي مما يثير النقاش باستمرار، لأن هذا يقودنا إلى إعادة الرأي حول نشأة الظاهرة المسرحية ذاتها من الطقس والشعيرة في أحضان الدين حتى العصر الحديث، والاعتراف بأهمية الظواهر المسرحية لكل شعب من الشعوب، فليس المعمار اليوناني أو فكرة المسرح عند اليونان هي معماره أو فكرته لدى شعوب الشرق مثل اليابان والصين والهند ومصر القديمة، بل إن نشأة الظاهرة المسرحية اليونانية، ومقلدتها الرومانية مدينة للمسرح في الشرق في مصر القديمة وفي الهند، كما أن فكرة المثاقفة المعكوسة تبدو جلية في نهضة المسرح في الغرب، بالأخذ عن مسارح الشرق وأنساق الفرجة الثقافية فيه، أي أن المسرحي الغربي في تجريبه (الحداثة وما بعد الحداثة) يستلهم عناصر شرقية كثيرة في المبنى المسرحي وأساليب خطابه، وأكتفي برأي من آرائه يستدعي الرأي الآخر:‏

«لكن حمل الرسالة القومية التوجيهية هذه كثيراً ما جعل المناقشة الفكرية لمشاكل العرب وهمومهم تبدو صارخة فجة. فدخل المسرح في المباشرة والخطابية في كثير من الأحيان. ولأن المسرح ـ كالشعر ـ يواجه الجمهور مواجهة مباشرة وحاسمة، فقد غرق المسرحيون في هذه الخطابية التي كثيراً ما تصل إلى الوعظية وهم يظنون أنهم يؤدون رسالة المسرح خير أداء. وكذلك فعل الشعر. لكن الشعر العربي عريق قديم في تاريخنا الأدبي. وله من عراقته ما يجعل الشعراء يوازنون بين المضمون الخطابي المباشر وبين الصناعة الفنية. أما المسرح فهو فن جديد ليس له تراث عريق يستمد منه المسرحيون قوة التقاليد والأصول. وليس له أيضاً تراث نقدي. أي أن المسرحيين لم يكونوا يهتدون في بنائهم المسرحي بمن سبقهم من الكتاب أو من النقاد. ولهذا لم يكن لهم ما يصون مسرحياتهم من السقوط في الضعف الفني. على عكس الشعراء الذين كان لهم هرم إبداعي وهرم نقدي يصونان أكثر إنتاجهم من التردي في الضعف.‏

بهذا الشكل يمكن لنا أن نفهم السبب الكامن وراء ضعف البناء الدرامي في كثير من النصوص المسرحية التي كتبها العرب طوال قرن ونصف قرن. وبهذا الشكل ندرك لماذا لم يستطع أكثر المسرحيين الموازنة بين معالجة ما هو آني من هموم الأمة العربية، وبين ما هو إنساني عام يمسُّ جميع نفوس البشر، ولماذا لم يترك المسرحيون كثيراً من الأدب المسرحي ذي البناء الدرامي المصقول. وبهذا الشكل أيضاً، ندرك لماذا يصعب علينا اليوم أن نقدم على خشبة مسرحنا ما كتبه الجيل السابق لنا. وهكذا.» (ص70-71).‏

ويظهر استواء فكرة المسرح لدى بلبل في كتابه الآخر «المسرح التجريبي الحديث عالمياً وعربياً»، فقد حدد مصطلحه فيما هو متاح من أفكار ورؤى وتجارب، على الرغم من أن المصطلح نفسه موضع نظر، إذ يستطيع المرء أن يسارع إلى القول بقلقلة المصطلح وهلهلته، لأن التجريب راهن وملازم لفعل التجديد أو التحديث في عصور الأدب المختلفة، ولأن غالبية الأعمال التجريبية، وهذا يعتمد على قيمتها الفكرية والفنية، تغدو تقليدية في زمن تال، وقد تلمس بلبل حدود المصطلح مما ورد في إسهامات المشاركين بدورات المسرح التجريبي بالقاهرة بالدرجة الأولى، ورأى أن الكتّاب المسرحيين هم قادة التغيير، وأن الأصول الجديدة المبتدعة تحتوي الأصول القديمة، وأن كلّ ظاهرة مسرحية تعبير عن منعطف اجتماعي وسياسي جديد وحاسم في حياة المجتمع (ص14-17)، وهي آراء قابلة للنقاش أيضاً، لأنها تنزع إلى ذلك الفهم الميكانيكي الذي يربط بين التطور الاجتماعي والتطور الفني، بينما يؤكد رأيه على انبثاق الجديد من رحم القديم جوهراً للتجريب، أما إطلاق الرأي حول الكاتب المسرحي قائداً للتغيير فيجافي فكرته نفسها في تعليله لأسباب ظهور المسرح التجريبي وخصائصه على أن المخرج بطل أوحد في التجريب، ولعل تتبع نظرته إلى عناصر العرض المسرحي تفسر ذلك التداخل في فهم فكرة المسرح، ولاسيما مكانة الكلمة في المسرح، فثمة عروض مسرحية أو أنواع مسرحية لاتحفل بالكلمة، ولاتقوم على الكلمة، وثمة عروض كثيرة من المسرح التجريبي لا تعتمد على الكلمة، وذكر بلبل نماذج لعروض تعنى بالحالة بدل الفكرة، وكانت أثيرت الكلمة في المسرح في كلمات المسرحيين العالميين في يوم المسرح العالمي أعوام 74 و75و 1976 حين دعا موريس بيجار في كلمته إلى المسرح الخالص بجسد الممثل وحركته ورؤى المخرج وتجاريبه، وتعد مناقشة بلبل لهذه القضية إحدى ذرى استواء فكرة المسرح لديه ووعيها تاريخياً وفنياً:‏

«وهكذا ظل النص المسرحي الركن الثاني في العرض المسرحي حتى الهزيع الأخير من القرن العشرين حين ظهر المسرح التجريبي الذي اعتبر النص المسرحي عدوه الثاني وهدمه. ومع أن الكلام المنطوق ظل عنصراً من عناصر المسرح التجريبي، فقد صار شرط هذا الكلام المنطوق ألا يكون نصاً أدبياً قوياً. فكان هذا الكلام المنطوق واحداً من ثلاثة:‏

ـ كلام مرتجل. والاتجال في المسرح التجريبي يعني شيئاً محدداً هو أن يشارك الممثلون تحت إشراف المخرج في اقتراح نص يتكون بالتدريج أثناء التدريبات. ويكون هذا النص خاصاً بالعرض نفسه بحيث لا يمكن تقديمه مرة ثانية، لأنه مصاغ بطريقة تناسب أسلوب المخرج في بناء العرض وتخدم سيطرته عليه.‏

ـ نص معروف يقوم المخرج بإعداده. والإعداد هنا ليس مجرد عملية تشذيب تحافظ على بناء النص درامياً وتضعه في سياق العصر الذي يقدم فيه، بل هو عملية تمزيق للنص لكي يؤلف منه المخرج مادة نصية تناسب عملية الإخراج التجريبي في إطار إخفات دور الممثل وإبراز دور السينوغرافيا.‏

ـ نص يكتبه المخرج هو أشبه بالسيناريو لعرض مسرحي وليس نصاً أدبياً. إن هذه الأنواع الثلاثة من الكلام المنطوق تصاغ بطريقة أسلوب المخرج. وبذلك سار المسرح التجريبي في تعامله مع الكلام المنطوق في طريق معاكسة لتاريخ المسرح كله. فبعد أن كان فريق العمل المسرحي ينتقي نصاً مسرحياً ما ثم يتم العمل عليه، صار المخرج يضع مخططه الإخراجي، ثم يركّب له نصاً مسرحياً خاصاً به. ومن هنا انتهى النص (المؤلف) في المسرح التجريبي، وظهر النص (المؤلف). وهو نص لا حياة له خارج العرض المسرحي.‏

إن من يراجع عروض المسرح التجريبي في العالم يجد مصداقية النسف للنص المسرحي وتوليف نصوص مفصلة على قد العرض المسرحي، بحيث تحول جميع المخرجين إلى مؤلفين أو معدين. وجميع نصوصهم تدمّر أصول البناء المسرحي إضافة إلى ما ذكرناه من تحويل النص المسرحي إلى عرض إيمائي أو عرض راقص» (ص36-37).‏

وتدعو مناقشته للمسرح التجريبي العربي للإعجاب فهماً لفكرة المسرح وتطويرها في تجارب عربية كبيرة من كسر الإطار التقليدي إلى بزوغ تيارات تجريد متعددة، إلى ملامسة إشكاليات المسرح التجريبي العربي بقوله:‏

«ـ هو الأكثر شيوعاً في الوطن العربي لأنه الأقوى تعبيراً عن حالة الانهيار الاجتماعي والإحباط النفسي الذي صرنا إليه.‏

ـ قوام هذا المسرح الاهتمام بالناحية البصرية.‏

ـ اعتماده على الخبرة المسرحية العالية في مجالي التمثيل واستخدام التقنية.‏

ـ عدم التحرش بالموضوعات الاجتماعية والسياسية حتى ظهرت أصوات كثيرة تستنكر اهتمام أي نوع من أنواع المسرح بموضوعات المجتمع والسياسة.‏

ـ لا أهمية للإقبال الجماهيري الواسع والاقتصار على نخبة النخبة.‏

ـ عدم توفر التقنية اللازمة لتطور المسرح التجريبي العربي.‏

لكن هذه الخصائص، تثير عدداً من التساؤلات، حول مشروعيته في الوجود وقدرته على الاستمرار ومافظته على صفة التجريب. وقد تنبه عبدالكريم بن جواد بن علي إلى هذه التساؤلات حول المسرح التجريبي، ولخصها في خمس نقاط سماها إشكاليات وهي كمايلي:‏

الإشكالية الأولى: ألا يجب أن يكون هدف التقنية الجديدة المستخدمة في المسرح التجريبي هو تطوير الحركة المسرحية؟ ولو وجدت التقنية لتحقيق أهداف واحتياجات وظروف أخرى قد تكون اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية، أفلا تعتبر مسرحاً تجريبياً؟‏

الإشكالية الثانية: هل من الممكن اعتبار العروض المسرحية المحققة لتقنيات جديدة معبرة عن فلسفة فكرية معينة، مسرحاً تجريبياً من الممكن مقارنته بعروض أخرى أدخلت التقنية الجديدة في أحد عناصر العرض المسرحي؟‏

الإشكالية الثالثة: إن رؤية العمل المسرحي التجريبي تختلف من بلد إلىة بلد، فالتقنيات المسرحية التي تعتبر مسرحاً تجريبياً في بلد ما لأنها جديدة ولم يسبق استخدامها، قد تعتبر مسرحاً تقليدياً في بلد آخر اعتادها وعرفها وخبرها منذ فترة طويلة. بل وقد تختلف رؤية مشاهد عن آخر في العرض الواحد، فمن سبق أن شاهد التقنية يعتبرها مسرحاً تقليدياً، ومن يشاهدها لأول مرة يعتبرها مسرحاً تجريبياً. وهذا مصدر لبس دائم فيما هو تجريبي وغير تجريبي.‏

الإشكالية الرابعة: إن المنهج أو التقنية المسرحية الجديدة تعتبر تجريبية طالما ظلت تعاني جهد الظهور وإثبات الوجود حتى تحقق النجاح فتتحول إلى تقليد. وهذا يؤدي إلى تغير مستمر وعدم ثبات تمتاز به الحركة المسرحية التجريبية. ويشكل أيضاً مصدر لبس في فهمها أحياناً.‏

الإشكالية الخامسة: هل يجوز التجريب من أجل التجريب أو بدافع التغيير أو المزاج دون أن تحقق التقنية الجديدة هدفاً فنياً محدداً أو حاجة أو فكرة مسرحية معينة؟ أي أن تظل شكلاً جديداً فقط؟‏

إن هذه الإشكاليات تحوط المسرح التجريبي بكثير من الغموض حول تعريفه وأهدافه. والمسرحيون التجريبيون يعانون من هذه الإشكاليات. لكنهم لم يعتبروها بعد، أسئلة لابد من الإجابة عليها حتى تتضح ملامح مسرحهم الذي يواجه غيره من أنواع المسارح، وحتى تترسخ أقدامهم في ميدان المسرح. كما أن النقد المسرحي العربي نفسه مايزال بعيداً عن تمثل خصائص المسرح التجريبي بإطاره العالمي العام وبإطاره العربي.‏

نتيجة لهذه الإشكاليات والتساؤلات والضياع في فهم المسرح التجريبي، رأى كثير من النقاد والمسرحيين أن المسرح التجريبي حالة تراجع وانهيار في المسرح العربي. وكثيراً ما أطلقوا عليه ـ ساخرين أو جادين ـ اسم (التخريب) بدل التجريب. فهو يدمر عناصر العرض المسرحي المعروفة، ويقطع التواتر الحي الذي عرف به المسرح العربي منذ نشأته حتى اليوم» (ص109-111).‏

3ـ3ـ غلبة الموضوعي على العقائدي:‏

حملت المرحلة الثانية بعض الحنين إلى التبشير العقائدي، غير أن الموضوعي، بما هو ابتعاد عن الذاتي والانطباعي والتحزب وبقية القبليات الأخرى التي غالباً ما تؤثر على النقد والبحث، هو السمة الغالبة على كتابات هذه المرحلة، وقد نختلف مع بلبل أو نتفق في معالجته للأدب المسرحي في سورية واختيار بعض أعلامه تحليلاً ونقداً واستنتاجات للبحوث، غير أن الجلي هو موضوعيته في البحث والنقد، وإن شابته في موقع أو آخر نبرات إيديولوجية وقبلية. ويصدق هذا الرأي على أبحاث كتابه «مراجعات في المسرح العربي منذ النشأة حتى اليوم»، وقد تجنب مثل هذه النبرات بالنظرة العامة واختيار بعض الكتّاب أو الأعمال أو الظواهر التي تؤيدها، أي أن تناول المادة التاريخية في المسرح العربي أو معاينة نشأة النقد المسرحي العربي وتطوره لا تبحث بهذا الاختزال والعمومية والانتقائية، بينما يستدعي بحث هذه الموضوعات الإحاطة بهذه القضايا وعناصرها ومراحلها وممثليها البارزين وإشكالياتها الكثيرة، على أن بلبل اكتفى بالإشارات التي يمكن أن نرى فيها غلبة للموضوعي الذي يستكمل في بحوث لاحقة.‏

لقد جعل بلبل نقده وبحثه قريناً لتجربته المسرحية العريضة والثرية، تأليفاً وإخراجاً وإدارة، ومكوناً من مكونات رؤيته، ورافداً من روافد مشروعه الثقافي الذي اختار الفن المسرحي سبيلاً لخطابه، ولقد تطور هذا النقد والبحث من مرحلته الأولى حتى منتصف الثمانينيات بطوابعه المشمولة بممارسته المسرحية وتبشيره العقائدي إلى مرحلته الثانية خلال العقد الأخير حيث البحث العلمي المنهجي واستواء فكرة المسرح في تاريخها وفي راهنية تجربتها وغلبة الموضوعي على العقائدي.‏

الهوامش والإحالات:‏

(1) أصدر فرحان بلبل الكتب النقدية التالية:‏

- «المسرح العربي المعاصر في مواجهة الحياة»، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، 1984.‏

- «أصول الإلقاء والإلقاء المسرحي»، منشورات وزارة الثقافة، المعهد العالي للفنون المسرحية، دمشق، 1991.‏

- «المسرح السوري في مئة عام 1847-1946»، منشورات وزارة الثقافة، المعهد العالي للفنون المسرحية، دمشق، 1997.‏

- «المسرح التجريبي الحديث عالمياً وعربياً»، منشورات وزارة الثقافة، مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، القاهرة، 1998.‏

(2) نشر فرحان بلبل الأبحاث التالية عن الأدب المسرحي في سورية في «الحياة المسرجية» (دمشق):‏

- العدد3: «الأدب المسرحي في سورية، خليل هنداوي»، شتاء 1977/1978.‏

- العدد4+5: «الأدب المسرحي في سورية، مراد السباعي وبواكير تأصيل المسرح»، ربيع صيف 1978.‏

- العدد6: «الأدب المسرحي في سورية، القسم الثاني 1950-1967»، خريف 1978.‏

- العدد 7+8: «دراسات في المسرح السوري الجزء الثاني، وليد إخلاصي»، شتاء ربيع 1979.‏

- العدد9: «المسرح السوري الجزء الثاني (2) حسيب كيالي»، صيف 1979.‏

- العدد13: «الأدب المسرحي في سورية المرحلة الثالثة»، صيف 1980.‏

- العدد17+18: «الأدب المسرحي في سورية، رياض عصمت»، صيف+خريف 1981.‏

- العدد45: «ونوس والمسرح التجريبي»، 1998.‏

(3) انظر، على سبيل المثال، للتعرف إلى تحولات الواقعية الاشتراكية ومصائرها في بلد مثل فرنسا:‏

- بركات، وائل: «الواقعية الاشتراكية ـ المغامرة والصدى ـ دراسة مقارنة»، وزارة الثقافة، دمشق، 1997.‏

وانظر، على سبيل المثال، للتعرف إلى تحولات الواقعية الاشتراكية وممارساتها المتطورة في الاتحاد السوفييتي مؤلفات لوتمان وباختين وتودوروف (عن باختين) وظهر بالعربية تعريب لعدد منها مثل:‏

- لوتمان، يوري: «تحليل النص الشعري ـ مهاد نقدي»، ترجمة محمد فتوح أحمد، منشورات النادي الأدبي، جدة، السعودية، 1999 (لم يذكر المترجم اسم المؤلف على الغلاف).‏

- باختين، ميخائيل: «الكلمة في الرواية» (ترجمة وتقديم يوسف حلاق)، وزارة الثقافة، دمشق، 1988.‏

- باختين، ميخائيل: «الخطاب الروائي»، (ترجمة وتقديم محمد برادة)، دار الفكر، القاهرة، 1987.‏

- تودوروف، تزفيتان: «المبدأ الحواري: دراسة في فكر ميخائيل باختين»، (ترجمة فخري صالح)، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1992.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244