لعبة النهر ـــ موفق نادر

قصص للأطفال ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2003

Updated: Monday, November 17, 2003 12:43 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

صفقة رابحة

ابن عمي عدنان ولد يحلو لك أن تظلّ معه!!‏

إنّه حين تصل سيارتهم إلى باب بيتنا، وقبل أن تتوقف عجلاتها تماماً يقفز مثل جندب ناسياً حتى أن يسلّم علينا فلا يتوقف إلاّ في الحظيرة بين الجديان والخراف الصغيرة!‏

ثم تبدأ المعركة، يطاردها ليحمل أحدها، وهي تفرّ من أمامه قافزة وكأن أرجلها قد تحوّلت إلى نوابض...‏

أخيراً ها هو يمسك جدياً صغيراً يلمع شعره الأسود، وكأنه دهن بزيت الزيتون، سوى بقعةٍ بيضاء كانت تحتل جبينه مثل نجم وهذا ما جعلنا نسميه "الأنجم". كان عدنان لحظة الإمساك به يبدأ يقبّله ويمسح شعره الناعم بيديه، وهو يضمّه إلى صدره حتى يحس نبضات قلبه، سعيداً حتى أعماقه، عندها فقط يفطن إلى وجودنا حوله فيبدأ يضحك، بينما الجدي "الأنجم" يثغو بين يديه بصوت يشبه صوت المزمار محاولاً الإفلات.‏

قلت لأبي: لماذا يحبّ عدنان الخراف والجديان كل هذا الحب؟!‏

ضحك أبي وقال: ألا ترى أنه يشبهها فهو مثلها يحب القفز والركض بلا كلل أو ملل، ثم أنهم في المدينة لا يرون هذه الحيوانات اللطيفة أبداً..!‏

عجيب أمر هذا الولد!! فأنا مستعد أن أمنحه كل ما لدينا من جديان مع أمهاتهم مقابل أن يكون لدينا مثل سيارتهم الأنيقة التي يتحلّق الأولاد حولها الآن.. يتلمسون دهانها اللامع ويتفحصون أضواءها وما ترسمه إطاراتها على التراب من نقوش جميلة!‏

لكن عدنان لم تكن مداعبته للخراف كافية، فهو سرعان ما يودّعها ليمتطي ظهر حمارنا الرمادي رافضاً أن يساعده أحد، ثم يهرع به إلى البيدر، وكأن الحمار يعرف أن راكبه ضيف بلا خبرة في الركوب فيبدأ يحرن هنا ويرفس الأرض برجله هناك، وقد يُسقط الفارس الصغير لكن عدنان لم يكن يتألم أبداً! حتى لا يكلّف نفسه أن ينفض الغبار عن ثيابه، بل سرعان ما يعود لامتطاء الجحش الأغبر اللعين الذي يرضخ في النهاية ويسير إلى البيدر! حتى بعد أن يصل ويبدأ بقضم سنابل القمح بنهم، لم يكن عدنان يترجّل عن صهوته..‏

وهو يأمره بصوت عالٍ: حا. حا. امشِ ثم هش. هش. توقَّف‏

وسرعان ما تنتهي العطلة ويتأهب عمي وأسرته للعودة إلى المدينة حيث يقيمون منذ مدّة طويلة وتكون ليلتنا الأخيرة معاً حافلة بالسمر والضحك والكثير من الأحاديث الطريفة.‏

ويظل أطرفها على الإطلاق تلك القصص التي يرويها عمي المحامي القدير عن أغرب الحوادث التي سمع عنها أو رآها! ويطول السمر حتى يغفو الأطفال منكسين رؤوسهم فوق صدورهم ليحملهم أهلهم إلى فرشهم ضاحكين، ودائماً يكون عدنان أسبقهم جميعاً إلى الإغفاء لكثرة ما يتحرك ويتعب في النهار.‏

ولكننا فوجئنا به يعود إلينا متمايلاً كالسائر في نومه ثم يخاطب والده:‏

أبي أنت محام بارع وشهير أليس كذلك؟‏

-هكذا يقولون!‏

*وأنت قادر على أن تقنع الآخرين؟!‏

-بالحق طبعاً!‏

*إذاً أرجوك أقنعْ عمي أن يقبل السيارة منّا مقابل أن يعطينا الجحش الأغبر..‏

وقهقه الجميع بصوت عال بينما ظل عدنان واقفاً ينظر إليهم مستغرباً لا يعرف سبباً مقنعاً لهذا الضحك كلّه.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244