لعبة النهر ـــ موفق نادر

قصص للأطفال ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2003

Updated: Monday, November 17, 2003 12:43 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

اختراع أنمار

"أنمار" ولد غريب حقاً!! وأغرب ما فيه أنه لا يسمّي الأشياء بأسمائها! فهو يعبّر بطريقة لا نسمعها من الأولاد الذين في عمره أبداً حتى صار الناس يتحرّشون به ويسألونه عن أشياء يعرفونها، فقط كي يسمعوا أجوبته العذبة، والتي تملؤها الضحكات المختبئة في زواياها. وكأنه يروي نكاتاً..‏

وحتى الآن لا يزال الناس يتذكرون ما قاله أنمار يوم امتطى مع أبيه حماراً أغبر. راح ينزل بهما المنحدر بطيئاً ومع كل خطوة كانت البردعة التي لم تُشدّ جيداً تزحف باتجاه عنقه، عندها سأل أنمار أباه ببرودة: هل ستظن أن الحمار سينتهي قبل أن نصل آخر السفح؟! والذي حدث أن أباه سقط أرضاً ثم سقط أنمار فوقه بينما وقف الحمار وقد أصلى أذنيه لا يفهم شيئاً مما حدث!‏

قلت لـه مرّة: من أين تأتي بهذه الأفكار يا ولد!؟.. قال:‏

*اسمع هل للغيمة رأس تفكر به؟!‏

-لا ليس لها رأس، لماذا؟‏

*ومع ذلك فهي تهطل مطراً يسقي الناس والأشجار!‏

-قلت لم أفهم.‏

*قال جربْ أن تلمس واحداً من هذه الزيزان الخضراء ستراه ينقلب على قفاه، متظاهراً أنه ميت حتى تبتعد عنه، فيضحك منك ثم يتابع زحفه.‏

-هذا مكر.‏

*هذا ذكاء فقط والعصي وحدها لا تفكر لأنها ليست ذكية.‏

شغلني أكثر فأحببت أن أثيره!‏

-والحجارة، ألا تفكر؟!‏

صفن ثم اقترب مني ونظرا في عيني تماماً.. قلت:‏

-ما بك أنك تخيفني؟!‏

انحنى وأمسك حجراً بحجم قبضة اليد وراح يتأمله طويلاً ثم نطق:‏

*ليست الحجارة سواء يا صديقي إنها مختلفة مثل البشر!‏

-كيف لم أفهم؟‏

*لو كان هذا الحجر في غزَّة لرأيته مثل كوكب يطير وكأن لـه جناحين، نعم سيطير مثل كوكب راسماً خلفه ذيلاً من ذهبٍ أحمر!‏

-هل تتمنّى لو أنك هناك بين الأولاد الشجعان الذين يكسرون أنياب الوحش؟!‏

نظر إلى البعيد البعيد ومطّ صوته وكأنه يغني:‏

-أنا هناك يا صديقي أنا هناك، وراح مبتعداً كأنه لم يعد يراني..‏

اليوم رنّ جرس الهاتف في بيتنا، كان أنمار على الخط.. قال:‏

*تعال سأريك شيئاً يعجبك.‏

-الآن؟‏

*نعم، نعم الآن! وفي الطريق حاولت أن أخمّن اكتشافه الجديد.. قد تكون لعبة جديدة أو لوحة رسمها ببراعة مثلما عوّدنا! وقبل أن أصل بيتهم بخمسين متراً سمعته ينادي:‏

*قف عندك وانتبه حتى لا تصيبك الحجارة، وقفَ لكي أراه، ثم انحنى قليلاً لتنطلق كومة كاملة من الحجارة تناثرت حولي وراحت تتدحرج بينما أنمار يقهقه فرحاً.. ركضت إليه:‏

-هل استدعيتني لترجمني أيها اللعين؟! ضحك..‏

*لا لا، هل أعجبك اختراعي؟!‏

نظرت إليه، كان يوشك أن يطير من الفرح وهو يهتف: إنه منجنيق حقيقي هذا سيمطر الجنود الصهاينة بوابل من الحجارة فلن يمهلهم ليسددوا على رؤوس أطفال فلسطين إنه هديتي إليهم!!‏

منذ بدء الانتفاضة لم يعد أنمار ولداً طبيعياً وغابت النكات التي كان يلقيها أينما ذهب وبدلاً من الابتسامة الدائمة التي لم تكن تفارق وجهه بدا دائماً مشغولاً وحزيناً، وها هو فرحه يعود إليه الآن دفعة واحدة!‏

-قلت أنمار كيف خطرت لك الفكرة؟!‏

*قال تعال وجرب وراح يملأ كفة خشبية بكومة من الحجارة والحصا، اقتربتُ، وبحركة واحدة اندفعتْ متناثرةً، كأن يداً سحرية قد حملتها.‏

*هل رأيت؟!‏

-نعم إنه عظيم اختراعك هذا!‏

لكنْ أنمار، كيف يمكن أن نجعل أطفال فلسطين يستفيدون منه؟! رأيته يجلس على حجر قريب، ويستغرق في التفكير.‏

*صدّقني إن ذلك يشغل بالي منذ البداية ولكن قلبي يقول لي لا بد أن يكون هناك طريقة لتحقيق ذلك، أنا واثق من أنه ممكن!‏

مرَّ من العطلة أسبوع آخر، لم أرَ أنمار خلاله أبداً وكان ذلك غريباً، دفعني شوقي إليه أن أهتف له: (كانت أمّه مَنْ أجابني).‏

-صباح الخير خالتي‏

*أهلاً حبيبي أين أنت؟ لماذا لا تزورنا؟‏

-شكراً لكِ يا خالتي سأزوركم قريباً إن شاء الله ولكن أين أنمار، لماذا انقطع عني كلَّ هذه المدة؟!‏

*أنمار؟ سمعتها تتنهد، إنه مشغول يا ولدي، مشغول دائماً!‏

-مشغول؟ وبماذا يا ترى؟!‏

*أنت تعرفه، الآن هو غارق بين حطام أجهزة الراديو القديمة التي جمعها من أين لا أدري‏

-وما حاجته إليها؟!‏

أما أنا فلا أعرف أبداً، ولكني سمعته يقول إنه بحاجة إلى جهاز هاتف لا سلكي، ليكلم عبره شخصاً بعيداً، لكنه مهم..‏

ويقول أيضاً: أن الأمر في غاية السريَّة. فما رأيك؟‏

-ها؟ نعم نعم، فعلاً! الأمر في غاية السريَّة! ثمَّ ودّعتها همساً وأنا أتمتم:‏

إلى اللقاء يا أمي!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244