|
||||||
| Updated: Monday, November 17, 2003 12:43 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
صوص في المهد منذ شهر تقريباً وقع في بيتنا حدث هام، عادت أمي في الصباح من المشفى، وهي تحمل لفافة بيضاء، قيل لي إنها أخي الجديد مروان.. قالت خالتي: اليوم نزل حذاؤك عن الرفّ! ثم انصرفتْ إلى المطبخ ضاحكة ولكنني لا أذكر أنني وضعت حذائي على الرف ولو مرة واحدة! حاولتُ أن أعرف ما يحدث في المنزل، وما سبب هذه الحركات الغريبة كلّها...! نامت أمي على السرير، وكأنها قد مرضتْ فجأة، وألقت إلى جانبها تلك اللفيفة البيضاء التي بدتْ لي غريبة الشكل. في البداية رفضتُ أن أقترب منها، وكرهت أن يجبروني على ذلك.. صار أبي يعود كل يوم من عمله قبل الموعد بساعات، يمسح شعري قليلاً ثمّ يسألني: كيف رأيت مروان اليوم؟ هل أزعج أمك كثيراً؟؟ -أتقصد اللفيفة البيضاء؟! *نعم، نعم (ويضحك) -إنه لا يزعج أحداً! إنه صغير جدّاً! *طبعاً، ما دمت أنت قد صرت شابّاً كبيراً، فهو يبدو صغيراً جداً أمامك، فأنت ستدخل المدرسة هذا العام! -لكن لماذا يقولون إنّ حذائي قد وقع عن الرفّ؟ *دعك من ذلك، إنهم يمازحونك! وأتبع أبي لأرى هذا الولد الصغير الذي غير كلّ حياتنا. سرتُ على أطراف أصابعي، لكنني سمعتُ أبي يقول بصوت عال: هيّا انهض يا مروان، أيها الصوص الصغير، كفاك نوماً! إن أخاك الكبير جدَّاً (سامر) قد جاء ليراك، وعرفت أن أبي لا يزال يحبّني. قالت أمي: سامر تعال، إنه يسأل عنك منذ الصباح! هيّا اقترب يا حبيبي.. -ماذا؟ يسأل عنّي؟! وكيف لهذا الصوص المختبئ داخل اللفيفة أن يعرفني وهو لم يرني من قبل؟ وبالفعل عندما اقتربت منه فتح عينيه ونظر إليّ ثم ابتسم بفمه المدور الصغير، وحين لمستُ يده تشبّث بإصبعي وراح يقرّبهما من فمه، فسحبتها بسرعة وأنا أشتكي: إنه يريد أن يعضّ إصبعي!! ضحك أبي، وضحكت أمي وقالا بصوت واحد: لا، لا إنه جائع كما يبدو.. تناولته أمي وهي تقول: تعال أيها النهم الذي لا يشبع أبداً، كيف يخطر ببالك أن تعضّ إصبع سامر الحبيب؟ ثم قرّبته من صدرها، بينما هو يحرّك رأسه يميناً وشمالاً، باحثاً عن ثديها، وحينما اهتدى أخيراً راح يرضع بصوت مسموع ضحكنا له جميعاً! والحقيقة أنهم يضحكون كثيراً، كثيراً جدَّاً لكل حركة يفعلها هذا الولد الصغير الذي يدعوه أبي الصوص، والذي يظل ملتصقاً بأمي مثل ظلّها، يحرّك رأسه يميناً ويساراً وهو يفتح فمه المدور باحثاً عمّا يرضعه. أمس اشتروا له مهداً وراحوا يؤرجحونه وهم سعداء، بينما هو يتابع بعينيه عصفورين أزرقين مربوطين أعلى المهد. ومنذ ذلك الوقت زادتْ مهماتي واحدة، فصرتُ أسمع أمي المنهمكة في أعمالها المنزلية تهتف بي كلما سمعتْ نغمة البكاء التي تشبه صوت المنشار: سامر! فلا أردّ علّها تتركني أواصل اللعب، لكن البكاء يزداد، وأسمعها تناديني: سامر هل تسمعني؟؟ فأجيبها: هل أهزّ المهد؟! *نعم، ولكن بهدوء!.. وحاولتُ، ولكن بعد ثلاث حركات فقط كان مروان الصغير فوقي، والمهد فوقنا جميعاً، وأرى أمي تنهضنا وهي تقول ضاحكة: كنت أعرف أنك ستسقطه!! -كيف عرفت يا أمي؟! *إنك قويّ جدَّاً! بينما المهد خفيف. فأخجل، وأسرع أمسك يدها واعتذر.. آسف يا أمي، سأهزّ المهد بهدوء.. أعدك.. لكن لماذا هذا الصغير مروان كلما اقتربت منه ترك النظر إلى العصفورين الأزرقين وبدأ ينظر إلي وكأنه يراني أول مرّة؟ حتى أنه في الأيام الأخيرة صار يدوّر فمه وكأنه يبتسم لي!! ومرّة حين جعلته يلحس قطعة سكاكر كانت معي، اتّسع فمه، وصار يكاغي: كغ.. كغ! لكن أمي لم تكن سعيدة من هذه التجربة، مع أنها شكرتني لأنني أحب أخي الصغير وأعطف عليه. أجلستني في حضنها وقالت: *هل تظن يا سامر أن الطفل الرضيع مثل أخيك يمكن أن نطعمه السكاكر مثل ولد كبير، فمه ملئ بالأسنان؟ -لكن إلى متى سيبقى يرضع الحليب فقط؟ *حتى تنبت له أسنان! -ومتى يكون ذلك؟ *بعد يومين ستذهب إلى الصف الأول، وعندما تنجح إلى الصف الثاني تبدأ أسنان أخيك بالظهور. -ياه! هذا زمن طويل! *ولكنك كلما أحببت المدرسة، فإن ذلك سيكون أسرع! وفي المدرسة أكثر ما أحببت من الحروف حرف النون، فكانت المعلمة فرحة بي وأنا أعطيها كلمات أولها أو وسطها أو آخرها حرف نون! حتى أنني خرجت إلى السبورة وكتبت كلمة: سن. ثم تعلمت كتابة كثير من الكلمات، ونسيت أمر أخي مروان وأسنانه حتى انتهى العام الدراسي ونلت ثناء من المعلمة لأنني كنت الأول في صفّي. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |