|
||||||
| Updated: Monday, November 17, 2003 12:43 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الدبابة لا، لا أنا لست سعيداً جدَّاً، كما تظنّون.. قد يشعر أي ولد غيري بالسعادة، هذا ممكن، أمّا أنا فكلما رأيت شاشات "التلفزيون" تعرض صورتي وأنا أرجم الدبابة الصهيونية بالحجارة، فإنني أحسّ الغضب أكثر من السعادة كما تظنون. لماذا يعرضون صورتي؟ بل لماذا يصورونني أصلاً؟ إنهم يلعبون ويتسلّون بينما أنا لست كذلك.. إن الأشياء مختلفة جدَّاً بيننا.. هل لاحظتم كيف تبدو الدبابة مثل وحش جميل لامع؟ وكأنها تتباهى بمدفعها ورشاشاتها؟ أمّا أنا فلم أرها كذلك أبداً، لقد بدت لي كومة من حديد صدئ.. وكنت واثقاً من أنها ستتراجع تحت ضربات حجارتي. هل رأيتم؟ كنت أسدد إلى كوّة السائق تماماً.. وهو يحاول أن يخيفني بغوله الفولاذي.. ولماذا أخاف؟ لقد رأيت عشرات من أصدقائي ورفاقي في الصف يسقطون شهداء وجرحى، وقبل لحظات فقط حملت مع الشباب صديقي أحمد النابلسي، بعد أن أصابت رصاصة حمقاء رأسه الجميل.. شيء واحد كان يزعجني قليلاً، وهو أنني كنت أرتدي كنزتي الجديدة، إنها كنزة العيد، لقد حاكتها لي أمي قبل الانتفاضة بيومين، وبالأمس أردت أن أقيسها. قلت: يا ولد يا فارس، ليس هناك عيد هذا العام.. ما معنى العيد وكل بيت في الضفة وغزّة ودّع شهيداً أو اثنين؟؟ قم البس كنزتك الجديدة وانزل إلى الشارع، شعرت بالدفء في هذا اليوم البارد، وحينما بدأت أرمي الحجارة صرت خفيفاً، أطير مثل عصفور.. خطر لي أن الحجارة التي أجمعها على صدري ستفسد كنزتي الجديدة، وقد تغضب أمي، ولكنني تذكرت أن قذيفة أصابت بيتنا الليلة الماضية واختفت معها كلّ خزانة الملابس، ولكن أمي لم تغضب، بل ابتسمت بمرارة وضمّتني إلى صدرها!. وأنا نفسي لم أعرف أن صورتي تعرض في "التلفزيون" إلا بعد أن انتشر الخبر، وصار الناس يتحدّثون عنه! وكدت ألا أصدّق وأنا أرى نفسي! "هل هذا أنا حقاً..؟" فكل أطفال فلسطين متشابهون، كلّهم يرمون الحجارة ولا يخافون الدبابات! لكن الذي جعلني أصدّق هو كنزتي الجديدة، فليس في فلسطين كلها كنزة أجمل منها! لقد بدت خطوطها الحمراء والخضراء مثل ألوان العلم، ويبدو أن المصوّر قد أعجب بها فراح يتابع حركاتي منذ أن حملنا أحمد إلى سيارة الإسعاف، ثم تبعني وأنا أهجم على الدبابة اللعينة وكأنني أفتح قلعة أو حصناً! مع أنها مجرّد دبابة! كيف لو أن ذلك المصوّر رأى أبي الشهيد قبل عشر سنوات كيف قفز إلى برج دبابة صهيونية بعد أن ملأ جسده بالقنابل والديناميت، عندها يمكن أن تتخيلوا تلك الصورة الرائعة التي لا يزال أهل فلسطين يتحدّثون عنها.. لقد انتفضت الدبابة بعنف، ثم تفكك معدنها الثقيل وهمد بارداً، خامداً بلا حسٍّ أو حركة! وشهد كل من رآها أن شهباً كالبرق كانت تخرج من جوانبها، مصدرة أصواتاً وصخباً, ظلّ ساعة كاملة يختلط بزغاريد الأمهات الفلسطينيات، كان ذلك أبي، وأنا فارس، أصغر أبنائه جميعاً! |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |