لعبة النهر ـــ موفق نادر

قصص للأطفال ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2003

Updated: Monday, November 17, 2003 12:43 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

رسالة من أرنون

أنا اليوم أكتب رسالة، لمن سأبعث بها؟! لا يهم، أعرف أنها رسالتي الأولى من هنا، من أرنون، هل تعرفونها؟!‏

أرنون ليست اسماً لزهرة أو نوعاً من الأشجار.. ليست سمكة فضية في البحر الأحمر ولا نوعاً من بنادق الثوار.. لا، لا. أعتقد أنها كلّ ذلك معاً.. إنها قريتي.. التي اعتدنا أن نسمع صوت رصاصها يزغرد على سفوح الجبال المحتلة وسط الليالي الباردة قريتي أرنون.. كم يبدو اسمها اليوم لذيذاً ومنغماً!!‏

حين ألفظ اسمها أحس أن أسراباً من طيور ملونة الريش تحط فوق سطح بيتنا وتبدأ تغرد بفرح وحبور وكأنها تشعر معنا أن أرنون قريتي الحبيبة قد عادت إلى أهلها بعد سنين طويلة من الفراق عندما احتلها اليهود، وحرثوا أرضها ليزرعوا ألغاماً وأسلاكاً شائكة.‏

قبل اليوم كنت كلما ذكرت أرنون تقفز إلى مخيلتي دبابة إسرائيلية ضخمة تقتحم مدرستنا والرشاش مصوب نحونا! بينما أصوات الجنود وهم يصرخون بنا كلما حاول أحدنا الاقتراب منهم! كم كانت كلماتهم مضحكة! ورغم ذلك لم يخطر ببال أحد أن يبتسم، أما اليوم فإن شلالاً من الضحك انهمر فوق رأسي وأنا أتذكر جندياً صغيراً أشقر مرقوشاً بالنمش مثل صدفة، راح يزعق عندما رأى ابن خالتي أحمد ينحني عند جدار المدرسة:‏

هي، هي ييلد لو، لو ييلد(1).‏

ثم يدير رشاشه باتجاه أحمد الذي يعود إلينا غاضباً مزمجراً:‏

يهود، جبناء! سترون غداً ماذا ينفعكم هذا الغول الفولاذي الذي تحتمون به.‏

ولا أدري كم كان عمر أحمد عندما برّ بوعده ودمر للعدو دبابة ضخمة مع مجموعة من رفاقه رجال المقاومة، وترك الجنود يتراكضون مذعورين وسط النيران التي بدأت تلتهم موقعهم وهم يصرخون: هيلب. هيلب(2).‏

اليوم يسعدني أن أرى أن ذلك الكابوس قد انتهى وقد عادت أرنون مثل كل قرى ومدن الجنوب الحبيب حرة عربية!‏

بالأمس زرت المدرسة. لا تزال آثار جنازير المصفحات على الدرب ولكنني أيضاً رأيت آثار أقدام الشباب الثوار الذين لم يهنأ عيشهم ما دام الوطن محتلاً فجعلوا من أجسادهم قذائف ترعب الأعداء، نعم ترعبهم لقد كانوا يرقصون طرباً، يوم طُردوا من أرضنا لأنهم ما كانوا يعرفون متى تخطف أرواحهم! اليوم أم غداً حتى أن جندياً منهم، استدعته القيادة وسرحته فوراً لأنه مازح رفيقه على الهاتف بعد أن سأله من يتكلم؟ فأجاب:‏

هزبلله(3) عندها رمى الجندي سماعة الهاتف مصعوقاً وظل بعدها يومين يهذي محموماً.‏

لقد كتبتُ رسالة من صفحتين، لا أدري لمن سأبعث بها، ولا أعرف إن كنت سأعود لأزيد فيها فالذكريات كثيرة كثيراً جداً. ولكن المهمّ أنّ أرنون الحبيبة قد عادت اليوم حرّة..‏

وها أنا الآن سأحمل واحداً من هذه الأعلام، وأصعد به إلى الرابية القريبة، لأغرسه فوق الموقع العسكري الذي نزح الأعداء منه..‏

(1) بالعبرية: لا.. لا يا ولد.‏

(2) بالإنجليزية: النجدة‏

(3)حزب الله.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244