لعبة النهر ـــ موفق نادر

قصص للأطفال ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2003

Updated: Monday, November 17, 2003 12:43 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ألعاب

الآن حينما نظرت إلى ابني وهو يجلس أمام الحاسوب منهمكاً في ألعاب غريبة تخترعها هذه الآلة العجيبة، أتذكر ألعابنا التي عاشت معنا أطفالاً، ويا لها من ألعاب تشبه مغامرات سحرية! أين منها أن تجلس أمام جهاز، تضغط أزراره الكثيرة، لترى نفسك تقود سيارة بسرعة فائقة وسط كثير من الحواجز والموانع..!‏

أو أنك توجه خنزيراً شجاعاً ذاهباً لتحرير صديقته الأسيرة عند الأعداء الأقوياء! وعليك أن تخترق كل الأخطار التي يواجهونك بها!.‏

وأغرب من ذلك أن تجد نفسك في ساحة حرب، وأنت تطلق في كل اتجاه على أسلحة العدو التي تفاجئك في كل لحظة، مما يجعل ريقك يجف وأعصابك تتوتر! بينما تحس نفسك قد صرت محارباً حقاً تسقط الطائرات الحديثة بضغطة زر، ثم سرعان ما تراها تتحول إلى كتلة من لهب متناثر..‏

وألعاب كثيرة غيرها، وكلها مرسومة بأناقةٍ وإتقان حتى تكاد تظن أنها حقيقة وليست مجرد رسوم!‏

كم اختلفت الحياة يا أصدقائي! أذكر أن أهل الريف رأوا في الجرّار القادم إليهم أول مرة شيئاً خارقاً، راحوا يدورون حوله، يتلمسونه بحذر ثم أخذوا يألفون صوت محركه المزعج وكأنهم يستمعون إلى ناي الراعي العائد كل مساء، لكنهم لم يخمّنوا أن هذا الحديد الثقيل الذي يخرق قلب الأرض الصلبة يمكن أن يطير! فكانت رؤية الطائرة تشبه رؤية مارد قفز من الروايات والأساطير ليعيش معنا وجهاً لوجه ثم بدأت المكتشفات تأتينا مثل سيل من العجائب بينما كبار السن يفغرون أفواههم دهشة وكم ضحكنا حين رويت لأولادي أن جدتي غضبت جداً حينما لم ينطفئ المصباح الكهربائي رغم كل نفخها عليه، وهي التي اعتادت أن تطفئ السراج بنفخة واحدة لذلك لم تجد بديلاً عن تغطيس المصباح أخيراً في برميل الماء.‏

أما نحن الأطفال، فكنا نجد في أواخر الصيف فسحة قصيرة للعب بعد موسم الحصاد والقطاف فنلتقي مساءً في ظاهر القرية، لتبدأ ألعابنا الكثيرة وكلها ألعاب خشنة قاسية لا يصمد فيها الضعيف الرقيق الجسد! فالذين اخترعوا هذه الألعاب من أجدادنا أرادوها مثلما تملأ النفس بالمتعة أن تنشط الجسد وتبنيه بناءً متيناً!‏

ولم تكن لعبة البلاطات معقدة جداً، فكل واحد من الفريقين كان يبني أربعاً من البلاطات الحجرية ثم يرمي كل فريق بلاطات الآخر بالتناوب والذي تسقط بلاطاته قبلاً يخسر الشوط وكم كنا نبتهج عندما نرى إحدى البلاطات تتناثر قطعاً بفعل رمية قويَّة صائبة فنهتف جميعاً:‏

هَي.. أحسنت يا بطل!‏

وكم من ليلة قمراء مرت ونحن نركض باحثين عن لاعبي الفريق الخصم المختبئين لنمسك بهم قبل أن يتمكن أحد منهم من العودة ومحو الخريطة التي رسمها رئيسهم، لأن هذا، لو حدث، يعتبر حسماً للشوط لصالحهم، وهذا يجب أن لا يحدث أبداً.‏

ألعاب كثيرة ما كان أحبَّها إلينا وأشهاها، تحولت كلها إلى حكايات نقصّها على أبنائنا حين يملّون من الجلوس أمام الحاسوب والنظر إلى رسومه السحرية..‏

ولكن أبي حين سمعني أروي هذه الذكريات لأحفاده، أصغى قليلاً ثم هزّ رأسه مبتسماً وهو يقول:‏

أتسمي هذه ألعاباً ممتعة؟ كيف لو أنك عرفت الألعاب التي كنّا نلعبها زمن كنا شباباً.. تلك وحدها تستحق أن يتحدث الناس عنها ثم خرج وهو يضحك.. تبادلنا النظرات ورحنا جميعاً نغرق في ضحك عالٍ.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244