لعبة النهر ـــ موفق نادر

قصص للأطفال ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2003

Updated: Monday, November 17, 2003 12:43 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

حلم أحمد

لم يذهب أحمد الصغير إلى المدرسة هذا اليوم، لأن جندياً إسرائيلياً سحبه من فراشه، ربط يديه خلف ظهره، وركله فسقط عند العتبه!!‏

والغريب أنه لم يخف، ولم يشعر بالألم رغم الدم الذي بدأ ينزف من ركبتيه!‏

جروّه إلى سيارة مصفحة كانت تربض أمام الدار، وهناك لطمه الجندي الجالس فيها بعقب بندقيته على رأسه فنام..‏

وبينما هو نائم، رأى أحمد الصغير معلمه يستقبله عند باب المدرسة، يبتسم لـه، ثم يمسح جبينه بيده وهو يقول: لماذا تأخرت عن المدرسة يا أحمد؟! ألاّ تعلم أن هذا اليوم موعد الامتحان؟؟ هل تريد أن تسقط في صفّك وأنت طالب مجتهد؟؟‏

نزلتْ أسئلة المعلم على رأسه مثل زخّة من مطر غزير، وأراد أن يجيبه باختصار:‏

نحن في غزّة يا أستاذ! نحن في غزّة، هل نسيت؟! لكنّ الأستاذ اختفى فجأة، وبقي مكانه جندي يعتمر خوذة مصبوغة بكثير من الدم، سحبه باتجاه باحة المدرسة، حيث رأى جنوداً آخرين قد صفّوا التلاميذ عند سور المدرسة بعد أن عصبوا عيونهم وراحوا يطلقون عليهم كلاباً شرسة بدأت تنهش أرجلهم وأيديهم المربوطة خلف ظهورهم!‏

وتعجّب أحمد كيف قصف الرعد فجأة، وانسكب مطر غزير غسل الأجساد، فانسابت أقنية من دم في باحة المدرسة، وكيف تراجعت الكلاب مذعورة هاربة!‏

فتح عينيه بصعوبة، كان جندي يقف فوق رأسه تماماً، يدلق الماء البارد فوق وجهه، أحسّ أنه عطشان، فراح يرشف قطرات الماء المتناثرة، لكن جسده كان ثقيلاً جدَّاً!‏

*إنتي إنتفادا؟؟؟ (قال له الجندي) ليش إدرب حجاره؟؟!‏

لم يكن أحمد يشتهي أن يضحك! ولكن لهجة الجندي الغريبة جعلته يبتسم ويجيب:‏

لا، أنا لا أضرب الحجارة.‏

*لخين شو إعمل ولد ملعون؟!‏

-لست ملعوناً! أنا أذهب إلى المدرسة.‏

*مدرشة وبش؟؟‏

-وأبيع الصحف.‏

*أبوك شو إعمل؟‏

-أبي شهيد، رحمه الله.‏

*هم! أبوك مخرّب؟!‏

-لا أبي فدائي شهيد، وأنتم من قتله!‏

ركله الجندي ركلة قوية، فأحس جفنيه يثقلان من جديد، ورأى أمه بثوبها الموشّى بالزهر تساعده في رسم خريطة ملونة لفلسطين!‏

رسم بالأخضر مرج ابن عامر وبالأزرق شاطئ حيفا ويافا وعسقلان ثم شواطئ غزّة الحبيبة، وبالأصفر راح يلوّن رمال النقب، ووضع بقعة حمراء كبيرة حول القدس، ثم كتب بكل هذه الألوان: وطني.. وطني.‏

لم ينهض أحمد من حلمه، لكن فلسطين نهضتْ! نهضت من خرائب البيوت والأشجار المقتلعة بالجرّافات، وراحتْ أعلام خضراء وحمراء تخفق فوق القدس ويافا، سمع أجراس الكنائس تقرع، والمؤذنين تتردد أصواتهم من حيفا إلى النقب رأى أحمد أباه يعود مبتسماً، يفتح ذراعيه للقائه، قال:‏

كنتُ أعرف أنّك ستجئ! وأننا سنلتقي!.‏

كانت جراحه لا تزال تنزف! ودمه لم يجفّ، لكن كثيراً من أزهار الدحنون كانت تنمو عليها.‏

ركض أحمد يضمّ أباه، دُهش لأنه لم يسأله عن أمه وأخوته، بل راح يسأله عن الشيخ ياسين ورفاقه الثوار، أراد أن يعرف من حلّ مكانه في قيادة الهجمات ضد جنود الاحتلال..‏

قال أحمد: أبي! لم يعد هناك احتلال! لقد تحررت فلسطين، إن علمنا يخفق الآن فوق القدس وبيارات يافا! لقد انتهى ذلك الزمن الملعون.. انتهى!‏

لم يجب الأب، قاده من يده وراحا يشقّان طريقهما وسط أشجار عالية تتدلى من أغصانها ثمار غريبة لم يعرفها، ويخيّم صمت كثيف لزج!‏

لم يعد إلى البيت بعد ذلك أبداً! ولم يبق من أهالي غزّة أحد إلاّ خرج في جنازته!‏

كان مسجّى على أكتاف الرجال، ملفوفاً بعلم فلسطين، بينما رسمت بقع من دمه على بياض العلم نجوماً وزهوراً مثل شقائق النعمان، وشهد كل من رآه أنه كان يبتسم، نعم يبتسم ابتسامة عذبة..!‏

والصحيح أن الذين عرفوا أحمد لن يستغربوا ذلك أبداً، فهو –مثل كل أطفال فلسطين- لم يكن يخشى الموت، بل زيادة على ذلك كله، كان مرحاً جدَّاً! لم نره يوماً عابساً أو مقطَّباً! حتى أن واحداً من رفاقه السائرين في جنازته الآن نسي لعلعة الرصاص وهدير الشباب وهم يهتفون:‏

الله أكبر يا شهيد! وغداً سنثأر يا شهيد!‏

نسي ذلك وراح يهمس: يا إلهي! هل رأيتم.. إن أحمد يبتسم؟!‏

مسحنا الدموع التي عاجلتنا، وقلنا:‏

نعم! لا بدَّ أنه يحلم حلماً جميلاً!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244