|
||||||
| Updated: Monday, November 17, 2003 12:43 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
جنود شجعان..!! كم كان صعباً على ريّان أن يرى جنود الأعداء يسرحون ويمرحون في شوارع مدينته، بعد أن دخلوها بالدبابات والمجنزرات، وراحوا يحرقون الزرع، ويقتلعون الأشجار المثقلة بالثمر.. رأى ريّان قبل ذلك الشباب وهم يقتحمون النيران بصدورهم، ويدافعون عن بيوتهم وحقولهم بالأسنان والأيدي، ورأى الشهداء يسقطون كلّ يوم.. سار في جنازاتهم مردداً مع الناس: الله أكبر على كلّ معتدٍ جبّار.. وقبل ذلك رمى الجنود بالحجارة حتى كلّت يداه، وكم من مرّة أخذ يهزج ويغنّي وهو يرى حجارته تتساقط فوق السيارات العسكريّة، والجنود حولها يسرعون لإخفاء رؤوسهم داخل الخوذ الفولاذيّة، وهم يشهرون رشاشاتهم في وجه الأولاد.. صارخين: أولاد.. وحوش..!! يضحك ريّان.. إذا كان الأولاد الذين يواجهون الدبابة بالحجر وحوشاً فماذا ندعو الجنود الذين قدموا من آخر الدنيا ليحتلوا بيوتنا، ويخرّبوا مزارعنا؟! جفاه النوم وهو يفكّر كيف انقلبت الموازين، فأصبح الحقّ باطلاً.. ومع طلوع الفجر غفا، فدخل في حلم لذيذ، لم يرَ مثله منذ زمن بعيد..!! رأى نفسه يسير في أحد شوارع غزّة وحيداً، بينما اختفى رفاقه جميعاً فقط أصواتهم كانت تصل إليه، ناداهم.. فلم يسمعوه!! حثّ خطاه نحو أصواتهم.. ولم يطل انتظاره.. فجأة رآهم ينبثقون من رأس الشارع وهم يعتلون برج دبابة من نوع دبابات الأعداء الضخمة، ويصهلون بأصواتهم العالية المتداخلة، حتى أنّ بعضهم كان يغنّي بسعادة غامرة.. "ماذا فعلتم أيها الأشقياء" يهتف بهم ريّان.. لكنّ صوته يضيع في زحمة الضجيج والفوضى التي صنعوها، وحينما يصبحون قربه تماماً يمدّ أحدهم يده ويساعده على الصعود فوق ظهر الدبابة، مفسحاً له مكاناً إلى جانبه.. أحسّ ريّان شعوراً غريباً لا يمكن وصفه..! فهذه هي المرّة الأولى التي يمتطي فيها ظهر دبابة، قبل لحظة واحدة كانت تبدو له مثل وحش كاسر كريه..!! تلمّس فولاذها بيده فبدت باردة مثل قطعة من الثلج المعدنيّ، ورغم ذلك كان يحسّ نوعاً من الفرح الغامض حين رأى ابن جيرانهم "محمود" هو الذي يقود الدبابة ببراعة تامّة، وكأنه أمضى حياته في هذه المهمّة.. نظر إليه بعينين ضاحكتين متسائلاً وسط الهدير الصاخب: محمود..! كيف يمكن أن يحدث هذا..؟! اكتمل الحلم حين وصل الموكب إلى حقل ريّان المرصوف بالحجارة والصخور الكبيرة، إنّه حقل من الوعر المخيف، حتى لا تبدو مساحات التراب بينها سوى بقع صغيرة حمراء... وقفت الدبابة في أول الحقل، ثم أخرجتْ من جوفها سكّة ضخمة، وراحت تحرث الصخور ثم تلقيها جانباً، فتفوح من تحتها رائحة التراب الطازج، بينما الأولاد يهتفون بصوت واحد: الله أكبر.. الله أكبر..!! أيقظته أمه مستغربة أن يظلّ نائماً بعد طلوع الشمس..!! هل تريد أن تواصل النوم..؟ "سألته" -لا... لا... صباح الخير يا أمي.. شكراً لكِ لأنك أيقظتني. لبس ريّان ثيابه على عجل، وتناول وهو يسير لقمة صغيرة.. لقد أحسّ شوقاً غامراً لرؤية رفاقه.. لم تعد أمّه تسأله عند خروجه من البيت..! فالجواب معروف سلفاً..! وهي الآن تجلس في فناء البيت تملأ حضنها بحبّات من الباذنجان، كلّ واحدة بحجم قبضة اليد سوداء، تلمع في عين الشمس التي بدأت تملأ أرض الدار.. انحنى ريّان وتناول واحدة من الحبّات اللامعة، ثم وضعها في عبّه وهو يبتسم... نظرت إليه الأمّ ولم تقل شيئاً، إنها تعرف أنّ له أفكاره.. لكنّها تثق بأنّه دائماً لا يتصرّف مثل الأولاد الحمقى..! خرج ريّان من الدار مثل زوبعة صغيرة، حتى أنّه لم يسمع صوت أمه وهي تطلب منه ألاّ يتأخّر في العودة، لقد صار قلبها يخفق مثل طائر ذبيح كلّما خرج ولدها من البيت بعد أن ملأ الجنود الشوارع، وهم يطلقون النار على عابر.. وصل ريّان إلى الساحة وهو يسير بمحاذاة الجدران، كان الجنود يقفون بجانب سيارتهم المصفّحة وهم يلغطون بلغتهم الغريبة، ويشيرون إلى رأس الشارع، وما أن لمحوا ريّان حتى أشهروا بنادقهم الرشاشة، ووجهوها إليه صائحين: "كف.. كف!!" لم يقف.. كما أمروه، بل مدّ يده في عبّه، وأخرج حبّة الباذنجان ورماها نحوهم كما تُرمى القنبلة اليدوية وهو يصيح بكلّ قوّة صوته: خذوا يا كلاب..!! قبل أن تصل "القنبلة" إليهم كان الجنود ينبطحون، وهم يلقمون سلاحهم، حتى أنّ بعضاً منهم أسرع يختبئ خلف السيارة المصفحة. انعطف ريّان مسرعاً ليختبئ خلف زاوية بحيث يرى الجنود دون أن يروه.. كانوا لا يزالون ينبطحون، بل أخذوا يزحفون مبتعدين عن الثمرة المخيفة..َ!! ومرّ زمن تأكد للجنود فيه أنّ القنبلة لن تنفجر، نهضوا بحذر مقتربين من الباذنجانة "القاتلة" تناولها أحد الجنود، تأملها طويلاً ثم رماها في الساحة، وراح يطلق النار عليها من رشاشه منتقماً منها، فحوّلها في لحظة إلى نثار.. نهض بقيّة الجنود ينفضون التراب عن ثيابهم غاضبين، لكنّ واحداً منهم لم يستطع النهوض أبداً لقد جعل الخوف قلبه ينتفض سريعاً، ثم يتوقّف..! رفع الجنود رفيقهم القتيل، ومضوا بسيارتهم المصفحة مثيرين خلفهم زوبعة من الغبار والضجيج بينما كان ريّان يعود إلى بيته ضاحكاً ليتناول وجبة من الباذنجان اللذيذ..!! |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |