أزهار الصَّداقة ـــ نور الدين الهاشمي

قصص للأطفال ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2003

Updated: Monday, November 17, 2003 12:43 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

رحلة الأصدقاء

قبل أن أصعد إلى الحافة المتوجّهة إلى اللاذقية أعدتُ قراءةَ البطاقة... سومر عبد الكريم... الرقم عشرون... إنها المرّة الخامسة التي أقرأ فيها ما كُتب على بطاقةِ السفر. طبعاً حتى أتأكّد من مقعدي فأنا لا أريد سؤال أحد عنه. ها هي أرقام المقاعد تتوالى سبعة عشر... ثمانية عشر... تسعة عشر وأخيراً... الرقم عشرون إنه بجانب النافذة تماماً... هذا أفضل، سوف أستمتع بمناظر الطريق الجميلة... جلسْتُ مريحاً كامل جسدي على المقعد... أغمضْتُ عينيّ، يا لـه من شعور لذيذ!... إنّها المرة الأولى التي أسافر فيها وحدي مسافةً طويلة... كلا بل الثانية.. تذكّرتُ... كانت المرة الأولى مع المدرسة في رحلةٍ إلى تدمرَ. لقد سافرتُ وحدي طبعاً فمن غير المعقول أن يأخذ الطالب والديه في رحلة مدرسية إلا إذا كانا معلّمين أما أنا فوالدي يعمل مهندساً زراعياً ويتحدثُ كثيراً عن الأزهار والنحل والنباتات والحشرات. لقد أوصلني منذ قليل إلى محطة الانطلاق وودّعني مسرعاً فعليه أن يكون في عمله تمام الثامنة. إنّ أبي لا يكثُرُ من إصدار النصائح ولا يغضبُ إلا نادراً وخاصّة حين يكون ذنبي من العيار الثقيل فيكون غضبُه وعقابه من العيار الثقيل أيضاً ومع أنه لا يضرب أبداً فإني أشعر أن كلماتِه الصارخة ونظراتِه البركانية أشدُّ ألماً من أيّ عقاب.‏

أما أمّي فإنها لا تتوقف أبداً عن إبداء الملاحظات وإصدار النصائح والتوجيهات فهذا الصباح بالذات قالت لي وهي تنهي حزم حقيبة السفر:‏

-تناولْ شيئاً من الطعام قبل السفر.‏

-لا أشعر بالجوع.‏

-أمامك أربع ساعات للوصول إلى اللاذقية.‏

-أستطيعُ التحمل.‏

-يا لك من عنيد... اسمع إذن... إياكَ أن تشربَ ماءً بارداً ومعدتُك فارغة.‏

سوف أستريح من نصائحها وتوجيهاتها مدة أسبوع لأني سأكون ضيفاً عند بيت خالي في اللاذقية وتعرفون طبعاً أنّ الضيف يعاملُ بدلال زائدٍ ولا أحدَ يوجّه إليه لوماً أو ملاحظة مهما فعل.‏

أنا الآنَ بجانب النافذة أتأمّل الركابَ الصاعدين إلى الباص فأرى صديقين يودّع أحدهما الآخر وامرأةً عجوزاً تسلّم معاون السائق حقيبتها وتوصيه بها كثيراً. وهناك أمٌّ تودّع صبياً في مثل سني تقبّله وتضمّه أيضاً... يا لـه من طفل مدلّل!.. يخيلُ إليّ أنني أعرفهُ ها هو يلتفتُ ويتجهُ نحو بابِ الباص يا إلهي!... إنه صديقي مهند. كلا ليسَ صديقي فما تزال آثارُ أظافرهِ على وجهي ورقبتي على الرغم من مُضي عشرةِ أيام على مشاجرتنا.. وكانَ يمكنُ لهذهِ المشاجرة أن تمرّ بسلام دون أن يعلم والداي بها لولا هذه الخدوشُ اللعينة وقميصي الذي تقطّعت أزرارُه وتمزّق كتفه. لقد انهالَ عليّ اللومُ كمطارقِ الحدّاد لكنّ أوجعها كان تأنيب أبي:‏

-يا للعار..! كيف تتضارب مع زميلك كأولاد الشوارع؟!‏

-هو الذي دفعني!‏

-ولماذا دفعك؟... تكلّم بصدق.‏

-لأني خطفت منه مجلّة كان يقرؤها.‏

-لماذا؟‏

-كانت تشغلُه عن اللعب معنا.‏

-وبعد ذلك..‏

-تعاركنا... مزّقتُ لـه المجلة... فخدش وجهي ورقبتي‏

-وأنت؟‏

-لقد عضضتُ يده!!‏

-اسمع يا بني... العراك والعضُّ للحيوانات وليس للبشر.. وعليك أن تصالحه فوراً...‏

لقد وعدْتُ والدي بمصالحة مهنّد حقاً ولكنْ حين نظرت في المرآة إلى هذه الخطوط الحمراء التي تشوّه وجهي ورقبتي وحين قالت والدتي بأن قميصي لم يعد يصلح إلا لمسح الأرض قررتُ عدم الصلح مهما كان..‏

ها هو حضرتُه يبحثُ الآن عن مقعدِه كالأحمقِ الضائع... لقد اقترب مني سأتجاهلُه... رفعْتُ ياقةَ سترتي وأخفيْتُ ما أستطيعُ من رأسي ثم استدرت نحوَ الطريق أتشاغلُ برؤية معاون السائق وهو يُحكم إغلاق باب الأمتعة ولكني أحسسْتُ بأنّ شخصاً يقف في الممر قرب المقعد ويتردّد بالجلوس.‏

-هل هذا هو المقعد رقم تسعة عشرَ يا أخ؟‏

يا إلهي!... إنه صوت مهنّد، يبدو أنّ رقم بطاقته تسعة عشر... يا لَها من مصادفة منحوسة.!‏

-أهذا هو المقعد رقم تسعةَ عشر؟‏

لن أرد عليه ولو بقي يسأل حتى يوم القيامة...‏

-أنا أسألك يا أخ... هل أنت...؟‏

التفت بسرعة غاضباً وقلت:‏

-كلا... لست أطرش... إنه المقعد رقم تسعة عشر ألا تعرف القراءة؟‏

فوجئ مهند تماماً بوجودي... أصابه الذهول... تردّد قليلاً ثم جلس بجانبي محاذراً أن يلمسَني وأدار وجهه عابساً نحو الأمام وسارعْتُ فأدرت وجهي بكبرياء نحو الطريق، كيف أستطيع تحمل غريمي جالساً إلى جانبي مدة أربع ساعات، ستكون حتماً ساعات مملّة طويلة، ولكن لماذا يسافِرُ مثلي إلى اللاذقية؟ وما علاقتك؟ فليذهبْ إلى آخرِ الدنيا.‏

دارَ المحرك بقوة وثقة وانطلق الباص بحملِه عبر شوارع المدينة. تمايل كثيراً في أحد المنعطفات فلامسَتْ ذراعي جسدَ مهند دون قصد فانتفضْتُ مبتعداً كأنّ تياراً كهربائياً قد لمسها... إنه يتقصّدُ الاقتراب مني أنا واثق من ذلك ولكن هذا مستحيل... خرج الباصُ من المدينة وانسابَ كريشةِ عصفورٍ فوق الطريقِ الإسفلتي وبدأتْ الحقول والأشجارُ والزروعُ والحيواناتُ والطيورُ تمرّ بسرعة أمام ناظري كأنّها بساط يسحبه بسرعة ماردٌ عملاق.‏

أقبل مضيفُ الباص يوزّع كؤوس الماء الفارغة على الركاب، وصل إلى مقعدنا أعطى مهنّد كوبين وقال له:‏

-أعطِ الكوبَ الثاني لأخيك.‏

أخي... يا لـه من ساذج كيف ظنه أخي. إنه لا يشبهني. سرقْتُ نظرة خاطفةً نحو مهند ربما كان يشبهني فكلانا حنطيُ البشرة وله شعرٌ أشقرُ أجعدُ وجسدانِ نحيلان، في الحقيقة لقد أخطأ كثيرون قبلَ هذا المضيف وتوهّموا أننا أخوان. ربّما لأنهم لم يرونا إلا معاً باستمرارٍ هذا كان فيما مضى أما الآن فلن يرونا أبداً... ناولني مهند الكأس بتردد فخطفته بسرعة دونَ أنْ أنظر إليه وأدرْتُ رأسي بسرعة نحو الخارج. ارتفع صوت التلفاز في مقدمة الباص فالتفتت الرؤوس نحوه ورأسي أيضاً كان الفيلم مضحكاً لممثل مشهور ولكنني لن أتابعَه وسوف أعودُ للنظرِ نحوَ الخارج بل سوف أتابعه... لن يحرمَني مهند من التسلية والمتعة ألا يكفي أنه خدشَ وجهي ومزّق قميصي. وأنا أيضاً مزقتُ مجلتَه ونهشتُهُ من يده. سأحدّق نحو التلفاز فقط.. الممثلُ الأحمقُ يسير شبهَ عار في الشارع لقد نسي ارتداءَ ثيابه وهو يسلّمُ على جيرانِهِ الذين أصابتهُم الدهشة ويدخل أحدّ المطاعم... صاحبُ المطعم يطرُدُه... يفطنُ أخيراً إلى عُريه فيجري في الشارع كالمجنون ويستعيرُ دراجةَ أحد الأطفال... الأطفالُ يلاحقونَه فيقتحم بدراجتِه بائعَ خضار... ضحكتُ بصوتٍ مرتفعٍ وضحك مهند أيضاً، تلاقت نظراتنا ولكن سرعان ما عبس وعبست... لن أتابع الفيلم... يبدو أن مهنداً يتابعه... إنه يضحك... ما الذي يضحكه؟... الفيلمُ سخيف حتماً... يا لـه من غبي! كلا إن مهنداً ليس غبياً فهو الثاني في ترتيب صفه دائماً.‏

أقبلَ المُضيف يصبُّ الماء في الكؤوس. شعرْتُ بالعطش وبعضِ المرارةِ والجفاف في حلقي.. ربما لأنني لم آكل شيئاً هذا الصباح.‏

ولكني عطشان... تذكرْتُ نصيحة أمي: (لا تشربْ ماءً بارداً ومعدتُك فارغة) ولكني عطشان جداً... سامحيني يا أمي وما أكثرَ ما سامحتِني... لن أشرب كثيراً... رشفةً واحدةً فقط.‏

ملأ المُضيف الكأسَ... ارتشفْتُ منه قليلاً... الماءُ باردٌ ولكنه لذيذ... لم أستطعْ المقاومة فأفرغت الكأس في جوفي حتى آخرِ قطرة. خمدتْ نارُ العطش ولكن إحساساً بالوجعِ بدأ يصعد من معدتي ثم يزداد شيئاً فشيئاً. ضغطت عليها بذراعي...‏

الباص يسير الآن في منطقة جبلية يصعد... يصعد... يدور.. يدور... رأسي يدور أيضاً... معدتي قد انقبضَتْ وارتفعَتْ إلى حلقي تماماً إنها تريدُ أن تطرد ما فيها...الباص يدور.. كلُّ شيء حولي يدور... الجبالُ.. الجدرانُ... الأشجارُ... نوافذُ الباص سقفُه... المقاعدُ... الركابُ... هديرُ المحركِ يخترقُ رأسي بلا رحمة.. قطرات العرق البارد تنضحُ من جبيني ماذا أفعل؟! قبضةٌ قاسية من حديد باردٍ تضغطُ على معدتي.‏

رأسي يدور... شعورٌ بالتقيؤ يسيطر على روحي... ليتَ الباص يتوقفُ... لا أحدَ يهتمّ بي... الجميع مشغولون بمتابعةِ الفيلم... إنهم يضحكون.. وسوف يضحكون بعدَ قليل مني... شعرتُ بأني وحيد وغريب وضعيف.. فجأة...‏

-ما بك يا سومر؟‏

جاءني صوت مهند دافئاً حنوناً... كأنه قادم من سماء بعيدة‏

-أشعر بدوخة في رأسي وألم في معدتي..‏

ارتسم خوف حقيقي على وجهه وأسرع إلى مقدمة الباص ثم عاد حاملاً كيساً أسود فتحه بسرعة وقربه من فمي وسُرعان ما لفظت كل ما في معدتي... أحسسْتُ بالراحةِ لكنّ صُداعاً خفيفاً بدأ ينتفض في رأسي... أسندني مهند إلى الخلف ومسح وجهي بمنديل مبلل‏

-كيف حالك الآن؟‏

-بخير.. شكراً لك.‏

-سامحكَ اللهُ... نحنُ أصدقاء.‏

تأملته ملياً كأنِّي أراه أول مرة... حقاً نحن أصدقاء لقد تعارفْنا منذ أكثر من عشرِ سنوات حين التقينا أول مرة في روضة للأطفال وكنا أكثر الأطفالُ بكاء وصُراخاً في الأيام الأولى... ثم اعتدْنا حياة المدرسة نذهب معاً ونعود معاً.. نتقاسم الطعامَ والحلوى والوظائف والعقوباتِ والأسرار الصغيرة... وها نحن الآن في الصف السادس... تلمّس مهند بحنان خدي ورقبتي حيث آثار أظافره... وقال مبتسماً:‏

-أنا آسف..‏

تلمست أنا مكان العضة في يده حيث ما تزال آثار أسناني بارزة وقلت ضاحكاً...‏

-وأنا آسف أيضاً‏

ضحكنا معاً بصوت مرتفع... التفتَ إلينا بعضُ الركاب بدهشة... وغرقْنا في حديث طويل فنحن لم نتحادث منذ عشرة أيام ولم نتوقف عن الحديث إلا حين فاجأنا البحر وهو يستقبلُنا بزرقته الحالمة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244