|
||||||
| Updated: Monday, November 17, 2003 12:44 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
ـ العُبَيْداس كلّ العجائزِ والكهولِ في القامشلي يتذكّرونَ ولا ينسَونَ شتاءَ عام ألفٍ وتسعمِئةٍ وستٍّ وخمسين: الخريفُ يهربُ في الشوارعِ مسرعاً أمامَ هجومِ الشتاء. هجومٌ مبكّرٌ ببردٍ قارسٍ وريحٍ صقيعيّةٍ عاصفة. اختفَت الملابسُ الخفيفةُ فجأةً وحلّت محلَّها الطويلةُ السميكةُ الدفيئة. وعلى بعضِ الرجال الأغنياءِ ارتفعَت معاطفُ طويلةٌ أنيقة، تنسدلُ على أجسادهم بفخامةٍ وهَيبةٍ كأنها تقول: اقتربْ أيّها البردُ الجَبانُ إن كنتَ تجرؤ.. تلاميذُ المدارسِ خبّؤوا كلّ بنطالٍ قصيرٍ وصَندَل(1)، وواجهوا البردَ القارسَ والطينَ الشامِلَ بالجزماتِ المطّاطيّةِ العاليةِ الساق، والكنزاتِ الصوفيّةِ السميكة، ثم استمرّوا يتجوّلونَ ويلعبونَ بأمانٍ واعتياد. لكنّ تلميذاً في مدرسةِ الحيِّ الغربيِّ من البلدة، كان ظاهرةً مخالِفةً لكلِّ ظواهرِ التصدّي(2) للشتاء. إنهُ شُكري البَكري، وهو تلميذٌ في الصفِّ الخامس، ظلّ بملابسِ الصيفِ من بنطالٍ قصيرٍ وصندلٍ يكادُ يهترئ. ولم تكن الصدريّةُ السوداءُ قادرةً على تغطيةِ مشكلتِه. كان زملاؤهُ يختلسونَ النظرَ إلى ملابسِهِ ويتهامسونَ عليهِ مشفِقين. أمّا هو فقد اعتادَ على أوضاعِهِ الغريبة، وعلى كِتمانِ ألَمِهِ وحسرتِه. فمن هو شكري البكري وما قصّةُ ثيابِه؟ إنه واحدٌ من سبعة بنينَ وبنات، خلّفَهم أبوهُ ومات في أواسِطِ عمرِهِ لإفراطِهِ في التدخين. جاءَ أبوهُ من حلبَ مثلَ كثيرٍ من المغامرينَ آنذاك، الذين حَلُموا "بالسمنِ والعسلِ" في القامشلي البلدةِ الجديدةِ الناشئة، والذين كان بعضُهم يوفَّقُ في زراعةٍ أو تجارةٍ أو صَنعة، وبعضُهم كانَ يُخفِقُ ويفلِسُ ويعيشُ أبأسَ معيشة. البكريُّ كانَ من المدمنينَ(3) على البؤسِ والإخفاق؛ تنقّلَ في حلبَ من مقهى إلى مقهى أجيراً يخدمُ الموائد، وكانَ في كلِّ مرّةٍ يُطرَدُ من عملِهِ لشدة إهماله وكثرة مشاجراته مع الزبائن. وفي ليلةٍ غابَ قمرُها حزمَ أغراضَ بيتِهِ القليلة، وجمعَ أسرتَهُ البائسة، وركِبَ معهم في شاحنةٍ فارغةٍ وافقَ سائقُها على نقلِهم لوجهِ اللهِ دونَ أجرةٍ، وانتقلَ إلى القامشلي. في أرضِ الأحلامِ الكبيرةِ والجديدة، استأجرَ غرفةً كبيرةً عندَ عجوزٍ فقيرة، ودبَّرَ لنفسِهِ عملاً في مقصَفِ(4) "إيشو" على نهرِ جغجغِ. لكنّ مَنْ شَبَّ على شيءٍ شابَ عليه، وبدأ البكريُّ يعملُ في القامشلي ما كانَ يعمَلُهُ في حلب، من إهمالٍ دائمٍ وشِجارٍ مع الزبائن، فكانَ كلّما طردَهُ معلِّمٌ(5) لجأَ إلى آخَر، وما يزالُ يستعطِفُهُ متوسِّلاً بأسرتِهِ الكبيرةِ الجائعةِ حتى يلينَ قلبُ "المعلِّمِ" ويشغّلَه. صارَ البكريُّ مشهوراً عندَ أصحابِ المقاهي والمقاصِف، وكانوا يشغّلونهُ رغم مشكلاتِهِ رأفةً بهِ وبأسرتِه، وهكذا فرضَ نفسَهُ على الجميعِ يشغّلونهُ "لوجهِ الله". وحين تَلِفت رئتاهُ من التدخين ومات، كانَ أصغرُ أبنائهِ رضيعاً والأكبرُ (شكري) في الصفِّ الخامس، وهو الوحيدُ الذي دخلَ المدرسة. أشفقَ أهلُ الخيرِ على أمِّ شكري ووظّفوها آذنةً في مدرسةٍ خاصّةٍ للبنات. كانَ راتبُها الشهريُّ ثلاثينَ ليرةً سورية، فلم يكنْ يعلَمُ إلاّ اللهُ كيف تدبِّرُ معيشةَ الأيتام، كما كانت ثيابُ أولادِها حديثَ أهلِ البلدةِ لا عن سخريةٍ بل عن شفقة، كان المُحسِنونَ يجودونَ عليهِم بما يستغنونَ عنهُ من ثياب، فترفضُها الأمُّ بإصرارٍ وتعلّمُ أولادَها معنى الإباءِ والكرامة. أمّا شكري أكبرُ أولادِها فكانت تعتني بثيابِهِ أكثرَ من البقيّة، ومع ذلك كانت دائماً تعجزُ عن تأمينِها في الوقتِ المناسب، فلا تشتريها حتى يكونَ أوانُها قد قاربَ الانتهاء. وهكذا كانت الجزمةُ المطّاطيّةُ وبِنطالُ الجوخِ الطويلُ يلازِمانِه حتى أواسطِ الصيف، والصندلُ الصيفيُّ والبنطالُ القصيرُ يلازمانِهِ حتى منتصفِ الشتاء. وفي شتاءِ هذه الحكاية، كان شكري مثلَ ذكرى من الصيفِ تتجوّلُ في زَمْهَريرِ(6) الشتاء. مع قَسوةِ الشتاءِ انتقلَ إلى مدرسةِ شكري معلّمُ رياضةٍ جديد، متخصّصٌ بالرياضةِ لكبارِ التلاميذ، أي للصفّينِ الرابعِ والخامس، الذي كانت المرحلةُ الابتدائيةُ تنتهي بهِ آنذاك. كان أستاذُ الرياضةِ الجديدُ جلاّداً أكثرَ منهُ معلّماً، يُخرجُ التلاميذَ إلى الباحةِ حتى تحتَ المطر، ولم يكنْ يرحَمُ المريضَ أو الضيف، ولا يقبلُ أيَّ عذرٍ للإعفاءِ من درسِهِ ولو بشكلٍ مؤقّت. أمّا اهتمامُهُ الشديدُ بالملابسِ الرياضيةِ الموحَّدة، فيوحي بأنه تاجرُ ثيابٍ وأحذية. فرضَ على جميعِ التلاميذِ نوعاً معيّناً من القمصانِ القطنيّةِ البيضاء، ونوعاً معيَّناً من السراويلِ القصيرةِ السوداء، وأحذيةً رياضيّةً من نوعٍ تركيٍّ جديدٍ كانَ يلبَسُهُ بعضُ التلاميذِ الأغنياءِ، وهو المسمّى (أبِيداس). دبّرَت أمُّ شكري القميصَ والسروالَ الأسودَ بكلِّ ما كانت تدّخِرُه، أمّا الأبيداسُ فكانَ ثمنُهُ معجزة؛ عشرةُ أضعافِ ثمنِ الخّفِّ الصينيِّ آنذاك، والذي كان معظمُ التلاميذِ والطلاّبِ الكبارِ يلبَسونَهُ للرياضة. أصابَت شكري تلك الرعشةُ الساخنةُ المصحوبةِ بخفقٍ شديدٍ لقلبه، وهو يواجهُ من جديدٍ مشكلةَ الأحذيةِ، التي تلازمُهُ في الصيفِ وفي الشتاء. لكنّ رعشتَهُ هذه المرّة كانت عنيفةً تشبهُ الهلَع(7)، وهو يحاولُ إبعادَ صورةِ معلِّمِ الرياضةِ عن خيالِهِ دونَ جدوى. ونامَ تلكَ الليلة نوماً متقطّعاً، عذّبتهُ فيهِ عدّةُ أحلامٍ مزعجة. ×××× صباحَ اليومِ التالي وفي المدرسة، كان درسُ الرياضةِ في الحصّةِ الثالثة. لم يستطعْ شكري أن يستوعبَ الدرسينِ السابقينِ ولا أجابَ على سؤالٍ واحدٍ بشكلٍ صحيح. وفي بدايةِ الحصّةِ الثالثةِ دخلوا إلى الصفِّ وتهيّؤوا بملابسِ الرياضةِ ثم عادوا ليصطفّوا في الباحة مثنى. تقدّم أستاذُ الرياضةِ رافعَ الرأس مشدودَ الجذعِ إلى الخلفِ على عادتِه، وبدأ يتمشّى قربَهم ومسحُهم واحداً واحداً من الأكتافِ حتى القدمين، يراقبُ ملابسَهم بدِقّةٍ وحِرصٍ شديدينِ ولا سيّما الأحذية، ويخرِجُ المخالِفينَ جانباً بإشارةٍ من عصاهُ الغليظةُ العريضة، مستخدماً جُمَلاً قصيرةً لا يغيّرُها: أينَ القميص؟ أينَ البنطال، أين الأبيداس؟ وحين انتهى من هذا التفقّد، اقتربَ من المخالِفينَ وألقى إنذارَهُ الأخير: ـ اسمعْ أنت وإيّاه: لا أريدُ مخالفةً في الدرسِ القادم. المخالِفُ لا يحضُرْ إلى المدرسةِ كي لا ينالَ العقوبة. وأشارَ بعصاهُ جانباً وهو يلقي قرارَهُ الحاسم: ـ قفوا في جانبِ الباحة. أنتم محرومونَ من درسي. ابتعدَ المخالِفونَ إلى طرفِ الباحة، ولَمّا كانت معظمُ المخالفاتِ في الحذاء فقد خصَّهُ بنهايةِ كلامِهِ وركّزَ عليه: ـ اسمعْ أنت وإيّاه: الخفُّ الصينيُّ ممنوع. الصندلُ الصيفيُّ ممنوع يا شكري البكري. الحذاءُ النظاميُّ هو أبيداس. غيرُ الأبيداس ممنوع. لا أقبلُ غيرَ أبيداس. كان بينَ النظاميّينَ تلميذٌ بدويٌّ مَرِحٌ يُدعى (حمدان المطلَق). رآه المخالِفونَ يبتسم، وخافوا أن ينتبهَ الأستاذُ إليهِ فحرفوا أنظارَهم عنهُ مرتبكين، لكنّ الأستاذَ لم يكن مهتمّاً بغيرِ الأبيداسِ ولم يَلحظْ أيَّ شيء. بقيَ المخالفونَ واقفينَ في جانبِ الباحةِ كما أمرَ المعلّم. ولمْ يكنْ هذا الوقوفُ يزعجُهم رغمَ برودةِ الطقس. ما أزعجَهم أنه عقوبة. وإذ عادَ شكري إلى البيتِ وجدَ أمّهُ تبشّرُهُ بشراءِ خفٍّ صينيّ، يحمي قدميهِ من الصقيعِ ولعلّهُ يُرضي أستاذَ الرياضة. ×××× في اليومِ التالي كانَ المخالِفونَ أربعة: واحدٌ ملتهبُ الحلقِ واللوزتين مرتفعُ الحرارة، فلم يلبَسْ ملابسَ الرياضةِ ولم يعفِهِ من العقوبةِ تدخّلَ المدير. أمّا الثلاثةُ الآخَرونَ فكلّهم لم يلبسوا الأبيداس. أكلوا نصيبَهم على أياديهم بالعصا السميكةِ العريضة، وعادوا إلى بيوتِهم بأمرِ المعلّمِ مع إنذارٍ مشدَّد: ـ لا ترجعوا إلاّ بالأبيداس. لكنّهم رجعوا في اليومِ التالي بالخفِّ الصينيِّ ومعهم أمّهاتُهم أيضاً، اللواتي جئنَ لمقابلةِ المديرِ بدلَ الآباء، فالآباءُ عادةً يتجنّبونَ هذه القضايا ويعتبرونَها محرِجَةً ومخجِلة. كانت الأمّهاتُ خائفاتٍ من طردِ أبنائهنّ فأتينَ معهم مع بَدءِ الدوامِ والتقينَ عندَ المدير. بدأ المديرُ يشكو من أستاذِ الرياضةِ أكثرَ منهم. قالت أمُّ شكري إنّ طردَ الطلاّبِ ممنوعٌ حسْبَ النظام، فأيّدَها المديرُ وأضاف: ـ أنا مديرٌ من عشرِ سنواتٍ وأعرفُ هذا. وقد تكلّمتُ مع المفتشينَ ومديرِ التربيةِ.. طلبتُ معاقبةَ هذا المعلِّمِ فرفضوا.. طلبتُ نقلَهُ من مدرستي: فقالوا: ليس لدَينا بديل، ولا يحقُّ لنا أن ننقلَهُ من عندِكَ وننقلَ غيرَهُ إلى مدرستِك غصباً عن إرادةِ المعلِّمِ الآخَر.. وتابعَ غاضباً وآسفاً وشاعراً بالعجز: ـ سامحوني يا جماعة. المشكلةُ أكبرُ من طاقتي. قالت أمُّ شكري بجرأةٍ اكتسبتها من مخاطبةِ المدراءِ والمعلّمين: ـ ما دمتَ لا تقدرُ على نقلِ المعلّم، فسوف أنقلُ ولدي. سألَ المدير: إلى أين؟ أجابت أمُّ شكري: إلى مدرسةِ صلاحِ الدين، ولو كانت في الطرفِ الثاني من البلد. جلسَ المديرُ يائساً وهو يقول: ـ المعلّمُ نفسُهُ يعملُ فيها. ساعاتهُ مقسومةٌ على المدرستين. تساءلَت المرأةُ مستغربة: ـ معلّمٌ مقسومٌ على مدرستين!؟ بحياتي لم أسمعْ بهذا. قال المدير وقد وجدَ فرصةً ليظهِرَ لهم أنه مدير: ـ هذا هو النظامُ يا جماعة. الرابعُ والخامسُ عندَنا شعبَتانِ فقط، ورياضتُهم نصفُ واجبِه، وفي صلاح الدينِ الوضعُ نفسُه. أرجوكم ساعدوني على حلِّ المشكلة. قالت أمّ شكري بانزعاج: ـ نحنُ يا أستاذ!؟ نحنُ المساكينُ نساعدُك!؟ قالَ المدير: ـ أنا المسكينُ في هذه المشكلةِ أكثرَ منكم. صدّقوني: فسألت أم شكري: وكيف نساعدُك؟ قالَ بلهجةِ نصيحةٍ وإقناع: ـ دبّروا أنفسَكم، اشتروا الأبيداس. فخرجَت أمُّ شكري من الإدارة وهي تتذمّرُ قائلة: ـ هوه.. هوه.. عُدْنا إلى الأبيداس.. أمّا في الصفِّ الخامسِ فجرى حديثٌ آخَر. كان البدَويُّ حمدانُ يهمسُ لشكري وقد جلسَ بجانبِه: ـ البِسْ ما تشاءُ ولا تهتمّ. سأحرّضُ الصفّ على الإضرابِ عن العُبَيْداس.. غداً سوف ترى. في اليومِ التالي لم يكنْ شكري يستطيعُ شيئاً غيرَ المجيءِ إلى المدرسةِ بالخفِّ الصينيِّ قائلاً في نفسه: لِيكُنْ ما يكون. وفي المدرسةِ وجدَ زملاءَهُ كما توقّع: لبِسوا الأبيداسَ ولم يجرؤوا على الإضراب. والمخالِفونَ منهم مثلَهُ كانوا بالخفِّ الصينيِّ لأنهم أفقرُ الفقراء. وفي درسِ الرياضة، بدأ الأستاذُ يغلي ويفورُ وأخرجَهم جانباً كي يعاقبَهم بعصاهُ الغليظة، ثمّ ليطردَهم بعدَها إلى البيت. وقبلَ أن يكملَ تفتيشَهُ على الملابِسِ فوجئَ بمخالِفةٍ غريبةٍ: حمدانُ المطلَقُ بالجزمةِ المطّاطية، العاليةِ الساقِ حتى الركبة!! ـ ما هذا يا حمدان؟ أينَ الأبيداس؟ وبدأتْ مناقشةٌ غريبةٌ عجيبة، جديّةٌ وهزْليّةٌ في الوقتِ نفسِه. هي باللهجةِ العاميّةِ طبعاً، وسوف أحاولُ نقلَها بلغةٍ فصحى قريبةٍ إلى حقيقتِها قدْرَ الإمكان. قال حمدانُ وهو ينظرُ في عيني المعلِّم: ـ بعدَ اليومِ لن ألبسَ العُبَيْداس. ـ اسمُهُ الأبيداس. ـ أنت تسمّيهِ ما تريد، ونحنُ البدوُ نسمّيهِ العُبَيْداس. ـ ولماذا لن تلبِسَه؟ ـ حتى الخفُّ الصينيُّ لن ألبسَه. ـ سألتُكَ: لماذا؟ ـ لماذا تعذّبُ الأولادَ لأجلِه؟ أما تراهم فقراءَ مساكين؟ ـ هل أصبحتَ محامياً عن الفقراءِ والمساكين؟ غضِبَ حمدانُ غضبةً بدويّةً وصارت لهجتُهُ حاسمةً قاطعةً كحدِّ السيفِ. قالَ قابضاً أصابعَهُ موجِّهاً سبّابتَهُ إلى الأستاذ: ـ أحامي عنهم وعن الجميع. مدّ المعلّمُ يدَهُ بعصاهُ وهزّها قائلاً: ـ افتحْ يدَك. ـ ما أفتحها، وما أسمحْ لك بضربي. صرخَ المعلّمُ مرتجفاً: ـ افتحْ يدَك. فصرخَ حمدان: ـ لا تصرخْ بوجهي. ـ ارجعْ إلى البيت. ـ ما ارجعْ إلى البيت. ـ ارجعْ إلى البيت، ولا تعدْ إلاّ مع أبيك. ـ إن جاءَ والدي فلن يحصلَ خير. ـ أتهدّدُني يا ولد!؟ ـ اسمي حُمَيدانُ المُطَيلق ولست بولد. وأنت ما تطردَني وما تضربَني. وما ألبَسَ العُبَيْداس. كان غيظُ المعلّمِ وهزيمتُهُ حالةً مرعبةً لكنّ التلاميذَ انفجروا بالضحك. حدّقَ الأستاذُ إليهم صامتاً ثم قال: ـ سأربّيكم أيها الأرذال. وانفتلَ ذاهباً إلى الإدارة، وانتظروا ما سيحدثُ فلم يحدثْ شيء. جاءَ المديرُ وأخبرَهم أن الأستاذَ أصيبَ بصُداعٍ ولن يكملَ الدرس. وبهدوئهِ ورعايتِهِ أدخلَهم إلى الصفِّ وأرسلَ إليهم معلِّمَ الحساب. أمّا أستاذُ الرياضة، فعلِموا بعدَ يومينِ أنهُ انتقلَ من البلدة. وحين جاءَهم بديلُهُ كانَ حمدانُ لـه بالمِرصاد؛ انتظرَ حتى يرى كيف سيعاملُهم وما هي مَطالِبُه. لبِسَ الخفَّ الصينيَ في درسِهِ مرّةً وجزمةَ المطّاط مرّةً ثانية، وحين اطمأنّ إلى تسامُحِهِ وحُسنِ معاملَتِه، عندَها فقط عادَ إلى لُبسِ العُبَيْداس. (1) حذاء من سيور جلدية يسمح بتهويةِ القدمين ويخفف عنهما الحرارة. (2) التصدّي هو المواجهة بقصد المقاومة. (3) الإدمان هو الاعتياد الذي يَصعُب الخلاص منه بسبب ضعف الإرادة. (4) القصفُ هو الأكلُ واللهوُ والشرب. واسم المكانُ مَقصَف. (5) عامّة الناس تطلق لقب المعلِّم على ربِّ العمل، وهو المقصود هنا. (6) الزمهرير هو البرد القارس. (7) شدّة الخوف والفزع. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |