الشهود ـــ محمد وليد المصري

مسرحية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2003

Updated: Wednesday, January 14, 2004 04:06 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

اللوحة الثالثة

"بيت الخلافة، بمظاهر أبهة ملحوظة.. الخليفة والوزير ابن العلقمي في حالة ترنحٍ وسلوان.. مجموعة تؤدي رقصة على صوت الجارية عتاب..".‏

الحاجب : الشيخ عباس في الخارج.. يا مولاي.‏

الخليفة : (بأبهة وعظمة.. وغلظة في الصوت).‏

يدخل الشيخ عباس.‏

الشيخ عباس: (انحناءة، ارتباك وخوف)‏

السلام على أمير المؤمنين، وسليل الأشراف الطيبين، وابن عمّ الرسول الأمين.. والسلام على وزير البلاد..‏

الخليفة : وعليك السلام والأمان‏

ابن العلقمي: أنت في دار العدل والأمان.. فلماذا الخوف والارتباك..؟..‏

الشيخ عباس: لست خائفاً ومرتبكاً.. بل محترماً وو...(تلجلج في الصوت) محترماً..‏

الخليفة : أسمعت يا عباس، ما يردد محمود الأبله في الآونة الأخيرة.‏

الشيخ عباس: بلى.. هو يردد:‏

بغداد بغداد‏

"يقلّد محمود في صوته وحركاته".‏

يا كريم..‏

سر من رأى..‏

سوء من رأى‏

أسراب جراد‏

أسراب جراد‏

والريح شرقيهْ‏

ويلي على البلاد..‏

يا كريم..‏

بغدادْ.. بغداد‏

الخليفة : ماذا يعني محمود؟..‏

الشيخ عباس: مولاي:‏

إذا أخذ ما أوهب، أسقط ما أوجب محمود مجنون.. وغير مسؤولٍ عن كلامه، ولن يحاسب حتى من ربّه..‏

الخليفة : أما قلت لك يا وزيري؟..‏

تحاول أن تبني على الحبّة قبّة، وتهوّل الأمر، وتأتي نتائج حساباتك قاسية، فالمسألة بسيطة، ولا تحتاج الخازوق..، أتحاسب المجانين على جنونهم؟.. يبدو أن الأبلة مسكين.. وكلامه هذيان بهذيان..‏

ابن العلقمي: توقيفنا محمود الأبله احترازي يا مولاي..‏

الخليفة : وتعذيبه!!‏

ابن العلقمي: رفعةً وهيبةً لك، وليشعر الجميع أن يدك فوق رؤوسهم، وسوطك فوق ظهورهم، وعيوننا (يشير على عينيه).‏

تحت وسائد نومهم، وفي حلوقهم مولاي..‏

لك الأمر والرفعة.. وعلينا السمع والطاعة.. جوّع كلبك يتبعك!!‏

الخليفة : (بخيلاء وزهو كالطاووس، حركة كِبر في يده تمسّد ذقنه).‏

تقنعني يابن العلقمي دائماً..‏

(يربّت على كتف الوزير).‏

الشيخ عباس: هل أدين الأبله؟.. وماهو مبرر تعذيبك؟..‏

ابن العلقمي: (غاضباً، متحفزاً).‏

اخرس، إنها أمور الخلافة، كيف تتدخل فيما لا يعنيك، أظن أن جلدك يحكك (بسخرية لاذعة) أيها المـ..واطن.‏

الخليفة : أتهدده في حضرتي يا وزيري؟‏

ابن العلقمي: وليشعر الجميع أن يدك فوق رؤوسهم، وسوطك فوق ظهورهم.‏

الخليفة : (ابتسامة.. وتكرار حركة الكبر في تمسيد ذقنه).‏

انتبه لنفسك يا عبّاس.‏

ابن العلقمي: ملف عباس واسع.‏

(يمشي في المكان، يضع كفّه على أحد صدغيه، يتذكْر).‏

استقبال عباس لأبي المعالي، ونبش قبور الميتين، والغيبة على الخلفاء الغابرين..!!‏

شراء كتاب إقليدس من محمود الأبله!!‏

أمثلة عباس في النحو والصرف.‏

(يستذكر جملةً)‏

جعنا حتى شارفنا على الهلاك‏

(يلتفت إلى الشيخ عباس).‏

هل أتابع ملفّك يا عباس.‏

الشيخ عباس: (تصعيد في الارتباك.. ارتجاف ساقيه.. خوف ظاهر).‏

رحمةً وعفواً.. وو ورفقاً أيها الوزير العظيم..‏

أيهـ...ـا‏

الوزيـ....ر‏

العظـ...ـيم‏

الخليفة : دعوناك يا عباس للاستفسار.‏

الشيخ عباس: أنا رهن أوامرك.‏

الخليفة : (يلتفت إلى الجارية عتاب).‏

ابدأي بالدور..‏

عتاب : (انحناءة، عزف.. غناء).‏

عَجَلَ الفراق وليته لم يعجل‏

وجرت بوادر دمعك المتهلل‏

طرباً وشاقك ما لقيت ولم تخف‏

بين الحبيب غداة برقة محول‏

وعرفت أنك حين رحت ولم يكن‏

بعد اليقين وليس ذاك بمشكل‏

الخليفة : من القائل يا عباس؟‏

الشيخ عباس: (يفكر في حال محمود.. يتجاهل).‏

آسف إن محمود الأبله أدرى.. فالجنون أ خذ كل شيء إلا الشعر، فهو قاموسه ومرجعه..‏

ابن العلقمي: تذكّر يا عباس، ولا تتغابى‏

الشيخ عباس: محمود الأبله أدرى، جوابي سيكون تخمينياً..‏

ابن العلقمي: (للحاجب)..‏

أحضر محمود الأبله بإذن مولاي الخليفة، سيد البلاد والعباد.‏

(مساحة انتظار، عودة عتاب للغناء..‏

يدخل محمود الأبله مقيّداً).‏

محمود : بغداد بغداد..‏

يا كريم..‏

سرّ من رأى..‏

سوء من رأى‏

أسراب جراد‏

والريح شرقية‏

ابن العلقمي: (مقاطعاً باشمئزاز).‏

اخرس، سأسحب لسانك من فمك وأطعمه للكلاب،..‏

محمود : (متابعاً)‏

والريح شرقية‏

ويلي على البلاد‏

يا كريم..‏

بغداد.. بغداد..‏

ابن العلقمي: خلّص الله بغداداً منك،.. وأراحنا من نعيبك يا مجنون.‏

محمود : بين العقل والجنون ريح شرقية، وأسراب جراد.. ووزير عظيم، وقحط عميم.. والسلام على الخليفة..‏

"يرتجل شعراً"‏

قادم ياعطش..‏

رؤيتي ذاكرة..‏

ليلتي والغبش..‏

رفقةٌ كافرة..‏

الخليفة : دعه يا وزيري..‏

(يتوجه إلى محمود)‏

شفاك الله‏

محمود : معاً إن شاء الله.. وما فائدة الشفاء المزعوم إذا احترقت بغداد..‏

الشيخ عباس: انتبه يا محمود، مولاي الخليفة يريد سؤالك عن الشعر.‏

(يغمز الشيخ عباس بعينه في غفلة الخليفة والوزير.. يسكت محمود).‏

الخليفة : (متوجهاً إلى عتاب).‏

هاتِ يا عتاب.‏

عتاب : عَجَلَ الفراق وليته لم يعجل‏

وجرت بوادر دمعك المتهلل‏

طرباً وشاقك ما لقيت ولم تخف‏

بين الحبيب غداة برقة محول‏

وعرفت أنك حين رحت ولم يكن‏

بعد اليقين وليس ذاك بمشكل‏

محمود : (متابعاً).‏

لن تستطيع إلى بثينة رجعةً‏

بعد التفرق دون عامٍ مقبل‏

ويلي على البلاد‏

والريح شرقية‏

يا كريم..‏

بغداد.. بغداد..‏

الخليفة : من القائل يا محمود؟‏

محمود : جميل بن معمر..‏

جميل بثينة..‏

بغداد بغداد..‏

يا كريم..‏

سرّ من رأى..‏

سوء من رأى‏

والريح شرقية..‏

ابن العلقمي: (في زهوة المنتصر الرابح).‏

ربحت الشرط يا مولاي، وآسف لخسارتك..‏

(يلتفت الوزير إلى الحاجب).‏

خذ الأبله إلى حبسه، ولتحمر رقبته وقدماه..‏

محمود : (منصرفاً..).‏

بغداد بغداد..‏

يا كريم..‏

سرّ من رأى..‏

سوء من رأى‏

أسراب جراد‏

أسراب جراد‏

والريح شرقيهْ‏

ويلي على البلاد‏

يا كريم..‏

بغداد.. بغداد..‏

الشيخ عباس: ألتمس عفو أمير المؤمنين، محمود بريء ومجنون..‏

ابن العلقمي: لسانك طويل، تتدخل في مسألة أمنية تؤثر على سلامة البلاد وأمن الخلافة..‏

سيأتيك الدور يا عباس.. ألم أذكّرك بملفّك؟‏

الخليفة : دعه يا وزيري.. دعه..‏

لم يكتمل الشرط بعد..‏

ياعباس.. إذا حسمت شرطنا، أعدك خيراً..‏

الشيخ عباس: أمرك مولاي.. وما بقية الشرط؟‏

ابن العلقمي: قال تعالى:‏

(ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين(.‏

كيف يصف ذاته بالمكر..‏

الشيخ عباس: استغفر الله العظيم.. إنه نصٌّ على سبيل المشاكلة، والمشاكلة أسلوب بلاغيٌّ تعرفه العرب.. ورد النص مشاكلةً لفعلهم وعنادهم.‏

ابن العلقمي: ربحتك يا مولاي.‏

الخليفة : (يربّت على كتف الوزير).‏

داهية وزيري، يرن كوعاء نحاسي‏

(يتوجه إلى الشيخ عبّاس).‏

وعدتك بالصفح عن محمود..‏

(للحاجب).‏

يخرج محمود الأبله من حبسه،‏

ويتكفّل الشيخ عباس بكتم أنفاسه،‏

وتقصير لسانه.. والشعراء يتبعهم الغاوون..‏

ابن العلقمي: (صارخاً)‏

مولاي..‏

الخليفة : (مقاطعاً)‏

ينفّذ أمرنا..‏

ابن العلقمي: (انحناءة واستدراك)‏

وشرطنا.‏

الخليفة : لك ما تشاء، لست متراجعاً عمّا اشترطنا..‏

الشيخ عباس: أستأذن مولاي بالانصراف.‏

الخليفة : برفقة محمود الأبله‏

الشيخ عباس: أدامك الله ذخراً لأمتك... وإصلاحاً لرعيتك..‏

(تتابع عتاب غناءها.. يتمايل الخليفة طرباً، يخرج الشيخ عباس، يتبعه ابن العلقمي).‏

ابن العلقمي: (وهو يستعد للخروج).‏

سأنفّذ شرطي..‏

الخليفة : هاتِ يا عتاب.. ربحني ابن العلقمي..‏

(يرجع ابن العلقمي.. كأنه نسي أ مراً)‏

ابن العلقمي: ويظل الأمر باسمك يا مولاي..‏

سينادي المنادي:‏

ـ بأمر الخليفة.. يمنح الجند إجازة للهرج والمرج..‏

الخليفة : بوركت يا وزيري، فأنت حجة عصرك.. وداهية زمانك..‏

(يخرج ابن العلقمي، تغني عتاب).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244