مدينة من قش وفانتازيا الجنون ـــ عبد الفتاح رواس قلعه جي

مسرحية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2003

Updated: Wednesday, October 15, 2003 12:19 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

- الفصل الأول :المشهد الأول

(مع انطفاء أنوار المسرح في الصالة يسمع صوت نقرات عود كالتي يبدأ بها الخليلاتي فصوله، تتلوها موسيقا ضاحكة تستمر مع فتح الستارة. تضاء الشاشة الكبيرة في صدر المسرح ويظهر عيواظ بالحجم الطبيعي على الشاشة بعمامته ولحيته القصيرة وهو يرقص على الموسيقى. يدخل كراكوز بلحيته الطويلة وطرطوره)‏

كراكوز: ما شاء الله.. عيواظ.. ايش جنيت؟‏

(تتوقف الموسيقى والرقص)‏

عيواظ: أهلاً وسهلاً بأخي كراكوز ابن الحلال من ذكره يبان.‏

كراكوز: بدقنك الكويسة، خير إنشاء الله شايفك اليوم مبسوط وعم ترقص.‏

عيواظ: هي هئ.. أي لا يغرك هذا.. الطير يرقص مذبوحاً من الألم.‏

كراكوز: صحيح أنت بتعمل فيني كل مقلب الحمار ما بتحملو... لكن بتبقى صاحبي.‏

واللي بدو يزعلك لسا الله ما خلقو.‏

عيواظ: لك يا كراكوز أنا ماني زعلان من حدا، أنا زعلان من هالدنيا ومن حالي كمان‏

كراكوز: هي هئ.. (ساخراً) وليش اشبا الدنيا (يشم) فلة والحمد لله.‏

عيواظ: فلة.. أي الله يفل رقبتك.. شو كني وظفوك في الجريدة وصرت مداح، وإلا عطوك عربية فخمة...‏

كراكوز: لك عيواظ أنت بتعرفني قندبوري، لكن أنا ما بشكي وببكي مثلك، ما بتتذكر كيف اتدينا رسمال واشتغلنا بالتجارة قمنا خسرنا لأنو الدنيا كساد..‏

عيواظ: وعملنا بسطة لحقتنا البلدية، ولما فتحنا دكان شمعوه..‏

كراكوز: رحت لأتوظف قال لي المدير أنت مين وراك يا ابني (يتطلع خلفه) اتطلعت وراي متل الجدبة وقلت لو: ما في حدا.. قال لي: إه الله معك.‏

عيواظ: اشتغلت شوفير تكسي نقلونا عالضيعة، قال شو: السيارة موديل قديم.. وكمان هلكتنا الدوريات، حطِّي بالروحة وحطِّي بالرجعة.‏

كراكوز: اشتغلت بنّا وقعت من فوق السقالة وانكسرت اجري.‏

عيواظ: لك واللي بيقهر البطالة عامة والأسعار عم بتزيد.. قنينة القاظ راح تصير بسعر الزيت والغاز أعلى من الأوكسجين اللي بستعملوه في المستشفى.. هيك والحبل عالجرار.‏

كراكوز: هي هئ لك عيواظ بدو يجي يوم نتخسل عالزيت ونلت الزعتر بالقاظ.‏

عيواظ: عرفت بقا ليش عم يرقص.. أي والله شي برقص الدب. (يغني)‏

قام الدب ليرقص‏

قتلّوا سبع تنفس‏

كراكوز: (يغلق لـه فمه) أبوس إيدك لا تعلي صوتك.. الحيطان لها آذان، يا أخي ألف مرة قلتلك لا تحكي بالسياسة هلق بسمعنا قشقو بينفضنا تقرير ومنصير في بيت خالتنا.‏

عيواظ: لك بدي غني وأرقص.. وبدك ترقص معي (يجره.. ويغنيان مع الموسيقى)‏

إن حكينا بالسياسة مننحبس وإن سكتنا عن حقوقنا منندعس‏

وإن اشتغلنا بالتجارة خسرانين وإن طلّعنا عالستات مننهوس‏

والشكوى لألله يا سامعين ‏

الشكوى لألله يا سامعين ‏

(تتوقف الموسيقا والغناء. يقفان ظهرًا لظهر، يهزان رأسيهما في حزن)‏

كراكوز: هيه.. والله الحق معك أخي عيواظ، والله هالدنيا المجنونة اللي عمت فيّا البطالة والفساد ما بدا غير واحد أجن منا.. بدا جحا ليحكم ويتحكم فيا.‏

عيواظ: (يلتفت فجأة ويواجه كراكوز) والله جبتا.. شو رأيك نعمل أنا وأنت جحا، بلكي منعمل إصلاح في هالمجتمع.‏

كراكوز: بس أنا وأنت اتنين، وجحا واحد.‏

عيواظ: سلامة فهمك كراكوز، جحا وحماره كانوا شي واحد.‏

كراكوز: هي هئ ما فهمت‏

عيواظ: يعني أنا جحا وأنت حماري.‏

كراكوز: لا.. ما حزرت.. أنا كراكوز بدقني وشيباتي وجلال قدري أصير حمارك.. أي ما حاجه مرتي راكبتني حتى تركبني إنت كمان؟‏

عيواظ: لك يا كراكوز.. يا حبيبي لا راح أركبك ولا تركبني.‏

كراكوز: طيب ومرتي إذا دريت ايش راح تقول عني (يقلدها) ولك كراكوز آخر عمرك صرت حمار لعيواظ.. أي والله مالي قعده في البيت معك والسما زرقا.. هه.. أنا رايحة على بيت أهلي.. يا.. يا.. يا أبو أدنين طوال.‏

عيواظ: إي لا تصعبا كراكوز.. كلا تمثيل بتمثيل قلاّ كنا عم نعمل مسرحية، بعدين أنت راح تشوف حمار جحا أفهم من جحا.‏

كراكوز: إذا كان هيك معليش، أنا موافق، بس فينك أخي عيواظ.. أوعا يكون هادا مقلب من مقالبك.‏

عيواظ: أبداً.. أبداً وحياتك.. يا.. يا حماري العزيز.‏

كراكوز: هي هئ.. خلينا نمشي قبل ما يجي قشقو ويكبسنا‏

(تطفأ الشاشة ويختفيان)‏

الفضاء الأول‏

المشهد الثاني‏

في المحكمة: (وقد أصبحت كدائرة للشرطة، لأن القاضي مات فأوكل الباشا لقشقو قائد الشرطة مهمة القضاء إلى جانب مهمته الأصلية. ديكور شرطي ومختصر ومعبر يدخل القش مادة أساسية فيه. باب يؤدي إلى قبو مكتوب على نجفته "استراحة النزلاء" ورسم بجانب العبارة ملعقتان وكأس. باب للدخول والخروج. محبس للمتهم على شكل مقصلة بحيث يظهر رأسه منه وكفاه. في صدر المسرح وعلى شكل ميزان كفّتاه غير متوازنتين عبارة "العدل أساس الملك" وتحته كرسي فخم بمساند. في مقدمة يسار المسرح لافتة مكتوب عليها "الدائرة القشقوية.. القشقشة في خدمة الشعب "وتحتها سهم يشير إلى الاتجاه. طاولة مكتب عليها لوحة تحمل اسم "قريطم أفندي المخططاتي" فوقها أضابير. مسند عليه بعض البنادق القديمة الطويلة.‏

قشقو: (الذي يجمع في يده الآن السلطات الثلاث، طويل، ذو كرش بارز جداً. سترة ضيقة عليها كتافات بشرابات. أوسمة على صدره على شكل أبراج: العقرب، السرطان، الثور.. الخ. بنطلون منفوخ في الأعلى وضيق في الأسفل. وعلى رأسه طربوش مخفوس بشرابة على اليمين يتدلى من طرفيه القش الأصفر، وله شوارب طويلة من القش. على جنبه طبنجة).‏

قريطم: (كاتب المحكمة أعمى، بجانبه عكازته، يلبس قمبازاً طويلاً مخططاً بشكل طولاني. يضع قلنسوة مخروطية طويلة مثبت في أعلاها ذنب ينتهي بجرس صغير، كما تتدلى من تحت القلنسوة جدايل شعره).‏

النزيل مخلص: (وهو المتهم، مقيد في المحبس وأمامه ترابيزة عليها فنجان قهوة وعلبة سجائر. وهذا النزيل هو كاتب صحفي وشاعر له سكسوكة وقبعة "بيريه"، وهو طيلة المشهد ساخر بنظراته، غير متوتر، صامت غالباً)‏

قشقو: (للنزيل وهو ينهض من على الكرسي يسير نحوه بشكل كوميدي) تستطيع أن تشرب القهوة وتدخن.. تريد شعلة (يشعل القداحة فتندفع منها نار قوية) اعتبر نفسك في بيتك. لا أريد أن تشعر أنك في محكمة أو في مخفرشرطة، نحن حريصون على توفير كل أسباب السعادة والراحة للنزلاء. لدينا مشروب بارد، ساخن، معالجة فيزيائية (يشير إلى المحبس)، الباشا حفظه الله بعد أن مات القاضي السابق (منفرداً) الله لا يرحمه (متابعاً) عينني أنا قائد العسس قاضياً بالوكالة (مستدركاً) أنا.. أعوذ بالله من كلمة أنا.. أنا حريص على إقامة العدل بين الناس (يشير إلى الكاتب) افتح لي إضبارة الأستاذ يا قريطم أفندي.‏

قريطم" حاضر (يتحسس بحركات الأعمى الإضبارات ثم يسحب واحدة ويفتحها ثم يحج رأسه ويقرأ متنغماً)‏

وشوهد في المقهى وهو يحتسي القهوة ويقول: اف.. الطقس اليوم حار.‏

قشقو: (يصرخ) بس.. (للنزيل) ماذا تقصد بهذه العبارة؟‏

قريطم: نعم.. ماذا تقصد؟‏

النزيل: (بلا مبالاة وسخرية) لا أقصد شيئاً، كان الطقس فعلاً حاراً في ذلك اليوم.‏

قشقو: اخرس.‏

قريطم: (بصوت عال) سيدي قشقو آغا..‏

قشقو: (يقترب منه) نعم..‏

قريطم: القاضي لا يقول اخرس.. أنت الآن في المحكمة ولست في مخفر الشرطة.. هنا مكتوب عندي المتهم بريء حتى يدان.. قل له بلطف زائد: اخرس يا ولدي.. (قشقو يهز رأسه فاهماً)‏

قشقو: اخرس يا ولدي. أنتم الأدباء.. آه.. ياما تحت السواهي دواهي.. كل كلمة عندكم لها معنى.. وهذا لا يخفي على قشقو آغا..‏

النزيل: (بسخرية) إذن ماذا كنت أقصد يا حضرة الشرقاضي..‏

قشقو: الشر قاضي؟‏

النزيل: يعني الشرطي القاضي، لا أريد أن أحذف لك رتبة من رتبك.‏

قشقو: ها.. عفارم.. عفارم.. كلك ذوق.. (يتمشى وهو يلعب بالعصا) أنت قلت كلمة أف.. يعني..‏

قريطم: (منشغلاً بالأضابير، ثم فجأة يبصق عليها) تفو على هالحالة...‏

قشقو: (يلتفت) فعلاً.. أف يعني تفو (للنزيل متفلسفاً) خاصة وقد جاء بعدها كلمة الطقس يعني الحالة، أي الوضع الاجتماعي.. وبعدها جاءت كلمة حار.. يا حبيبي.. حار وحرية وحرام وحلال.. يا أخي منين بتجيبو هالكلمات؟‏

قريطم: (مطقطقاً بمسبحته) كل اللعبة على هالحبة.. حرية.‏

النزيل: (جاداً) لكن، فعلاً الجو كان حاراً.‏

(يعود قريطم إلى الانشغال بالإضبارة على العمياني)‏

قشقو: (بغضب) يا أخي الجو حار اشتر مكيفاً ولا تقل هذه الكلمة.. أف.. يا..‏

قريطم: (بصوت عال وممطوط) يا بوو.. ي.. انظر يا قشقو آغا.. (وهو يسحب كتاباً من الإضبارة) هذه رواية ألفها المتهم بعنوان الزلزال يقول فيها: بعد زيادة سعر الضوايات والشموع صرنا نعيش على الظلام بخنوع وخشوع وننشد (ينشد)‏

يا ظلام السجن خيم إننا نهوى الظلاما‏

ليس بعد الليل إلا فجر يوم يتسامى‏

قشقو: قريطم أفندي المخططاتي.‏

قريطم: حاضر أفندم.‏

قشقو: خطط لي جدولاً بأسماء شخصيات الرواية وسجل لي أقوالهم التي جاءت في الرواية واستدعهم للتحقيق.‏

(النزيل مندهش ثم يضحك ساخراً)‏

قريطم: (محدثاً نفسه) العمى.. كل هالرواية بدي أقراها.. راح تعمى عيوني من القراءة.‏

قشقو: (يحرر النزيل) إنشاء الله ارتحت. عندنا أحدث الآلات للمعالجة الفيزيائية.. لا تؤاخذنا، ما كنت أعرف أنك تكتب روايات. لاشك أنك إنسان مبدع وعظيم.. والباشا ـ أعزه الله ـ يرعى الأدب والأدباء والإبداع والمبدعين. (خلال ذلك يتحسس النزيل رقبته من الألم) والآن تستطيع أن تعود إلى الاستراحة وتتناول شيئاً بارداً أو ساخناً.. تفضل (يفسح له الطريق بأدب مصطنع ساخر) يا قريطم أوصل الأستاذ إلى الاستراحة وتوص به.‏

قريطم حاضر أفندم (يدق بعصاه على الأرض متجهاً إلى النزيل ثم يسيره أمامه وعندما يصل إلى باب القبو يدفعه فجأة بعصاه فيسمع صوت سقوط وضربة إيقاع قوية)‏

المشهد الثالث‏

(يجلس قشقو على كرسيه بارزاً كرشه وهو يربت عليه)‏

قشقو: هل تعلم يا قريطم أفندي لولا إخلاصي للباشا وحرصي على المصلحة الوطنية ما كنت قبلت أن أصبح قاضياً. الإمام أحمد بن حنبل رفض القضاء لأنه خاف أن يظلم أحداً في الحكم. العدل ليس مسألة سهلة.‏

قريطم: وهل نسيت أنك أيضاً عضو في مجلس بلدية المدينة.. يعني أنك تجمع الآن السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية.. اه الله يكون في عونك يا قشقو آغا.‏

قشقو: (يربت على كرشه) فعلاً أن تجتمع هنا السلطات الثلاث هنا (وهو يربت) مهمة صعبة.‏

قريطم: (مصغياً لأنه أعمى) هل تربت على كرشك يا سيدي؟‏

قشقو: سمعت..؟‏

قريطم: سمعت واختلف النغم.. في الأول كنت تربت على كرشك فيرن مثل برميل فارغ ثُمَّ صرت تربت فيخن، إنه يمتلئ أكثر فأكثر يا قشقو آغا.‏

قشقو: (ينفجر ضاحكاً وهو ينهض) ها.. ها.. يا ملعون (صوت لغط وصياح من وراء الباب)‏

المشهد الرابع‏

(يندفع الشرطي ساكو وهو ضخم، له شوارب معقوفة يقف عليها النسر، على رأسه قلبق، في كتفه بارودة قديمة، يتلعثم بالكلام مع لَكْنة غير عربية، يندفع داخلاً ويخبط الأرض بقدمه وهو يدفع أمامه رجلاً.‏

ساكو: اح.. اح.. احترامي س.. س.. سيدي.. ض. ض... ضبطنا حالة.. ت ت تشرد.‏

صطيف: لست متشرداً ولا متسولاً، أنا صطيف الصطوف من عائلة محترمة.‏

ساكو: كا.. كا.. كذاب كان ينام مع ز.. ز.. زوجته وإطفاله ف..ف..‏

قشقو: لك.. أي.. احكي.. عبيت وجهي بزاق.. ساكو حرف الفاء لا تستعمله أبداً فهمت؟‏

ساكو: ف.. ف.. فهمنا..‏

قشقو: (يغلق فم ساكو بكفه) سأقطع لسانك إن رجعت لحرف الفاء.. (يرفع يده)‏

ساكو: نايم عالرصيف، ب.. ب.. بحارة الباشا.‏

قشقو: حسن.. انتهت مهمتك، انتظر في الصالون.‏

ساكو: س.. س.. سيدي.. هناك آخرون.. أ.. أ.. أحضرتهم معـ.. ماعـ.. معه.‏

قشقو: سيأتي دورهم.. (يخرج ساكو) اكتب يا قريطم أفندي (قريطم يتناول قلماً ضخماً جداً وطويلاً) قلت تنام على الرصيف مع عائلتك في حارة الباشا.. بالضبط أين؟‏

صطيف: بالضبط أمام قصر الباشا..‏

قشقو: يخرب بيتك.. معقول..‏

قريطم: (يخبط القلم على الطاولة) مؤامرة.. إرهاب.. يريد أن يفجر نفسه و يدمر الباشا والقصر.‏

قشقو: (يسحب طبنجته ويبتعد خائفاً) ارفع يديك.. قريطم فتشه، ابحث عن الحزام الناسف.‏

قريطم: (يخبط الأرض بعصاه.. يفتشه، يستخرج رغيفاً يابساً يظنه لغماً، يتجاذبان الرغيف) لغم يا سيدي لغم.‏

صطيف: (يضحك بصوت عال) هذا رغيف أولادي يا أعمى.. أعطاني إياه أحد المحسنين.‏

قريطم: (يقضم لقمة منه) صدقت.‏

قشقو: (يشعر بارتياح ويعيد الطبنجة إلى خصره. قريطم يعود إلى مكانه) قل لي يا مواطن ما قصتك بالضبط؟‏

صطيف: يا سيدي، عدت إلى بيتي، طرقت الباب (يطرق في الهواء) فجأة فتح الباب رجل غريب وقال: ماذا تريد يا سيد؟‏

قريطم: شو. بدك تركب لنا قرون (يهز جسمه ويرفع إصبعه على رأسه كقرنين) هذه أمور تناقشها مع زوجتك وليس في المحكمة يا محترم.‏

صطيف: ليس الأمر هكذا؟‏

قشقو: ما هي القصة إذن وباختصار؟‏

قريطم: نعم.. باختصار.. فقد تعبت من الكتابة.‏

صطيف: يا سيدي باختصار بعت اللي فوقي واللي تحتي وتدينت واشتريت هذا البيت وسكنته.. انظر هذا هو عقد الشراء.‏

قشقو: أعطه للكاتب.‏

قريطم: (يتحسس على العمياني العقد) هذا غير مسجل في الكاتب بالعدل ولا السجل العقاري.‏

صطيف: بالضبط.. وباع التاجر البيت مرة ثانية ورماني أنا وأولادي في الشارع.‏

قريطم: هي هئ.. القانون لا يحمي الأغبياء.‏

قشقو: اسكت يا قريطم أفندي.. عدل مولانا الباشا يحمي الجميع.. (لصطيف) لقد قال مولانا الباشا.‏

صطيف: (كمن يقرأ في كتاب مستظهراً) القانون سيد الجميع.. وفي عهدي سيصبح الفقير متل الوزير. (متفاخراً) احفظ كلمات الباشا وتوجيهاته عن ظهر قلب.‏

قشقو: وأين ذاك الوغد تاجر البناء؟‏

صطيف: هو في الصالون، جاء معي يا سيدي.‏

قشقو: (ينادي) ساكو.. أحضر تاجر البناء.‏

(يدخل ساكو.. ومعه التاجر.. له أنف معقوف طويل كمنقار الجوارح. فم مفتوح ونابان طويلان. يلبس ثوباً أسوداً مفتوحاً بكمين عريضين، يبرز منهما كفان بأصابع تنتهي بأظفار طويلة، يفرد يديه فيبدو كالخفاش، يدور على الخشبة مصدراً أصواتاً بهيمية).‏

قشقو: أنت يا من لا تعرف الرحمة ترمي عائلة مسكينة في الشارع!؟ خفافيش.. مصاصو دماء. ضمائركم متبلدة وبطونكم منتفخة، ولا تشبعون!‏

التاجر: ها.. هل تكلمني أنا؟‏

قشقو: نعم أنت يا خنزير، وهذا المسكين سيعود إلى بيته غصباً عنك فالقانون فوق الجميع.‏

صطيف: عاش العدل.. عاش العدل.. يسقط الخنازير (يخرج ساكو)‏

التاجر: (ببرود وتهديد) أنا ليس اسمي خنزيراً (يخرج بطاقة) هذا هو اسمي..‏

قشقو: (ينتر البطاقة ويقرأ، يتغير) أوه.. زارتنا البركات يا خليل بك.. أنت إذن أنت شريك مولانا العسكردار.‏

التاجر: ها.. (يهز برأسه مؤكداً)‏

قشقو: أخو مولانا الخازندار.‏

التاجر: ها..‏

قشقو: ابن عم مولانا السري دار. (يرتجف قشقو خوفاً)‏

التاجر: ها.. هل عرفتني الآن؟‏

قشقو: طبعاً.. وهل يخفى القمر؟‏

قريطم: إه.. سبحان مغير الأحوال وكاشف الأسرار يا مولانا قشقو دار.‏

صطيف: (يائساً) يبدو دقني راحت ملش. دعني يا سيدي القاضي أعد إلى الدار رحمة بأولادي الصغار.‏

قشقو: حالاً يا مواطن (يضع عصاه في بطنه ويدفعه للخلف) تغتصب داراً ليست لك وتأتي مدعياً!؟ قريطم خذه إلى فندق السعادة و(بسخرية) استراحة النزلاء.‏

قريطم: حاضر.. (يتجه نحوه فيمد العصا من الناحية المعقوفة باتجاه قشقو خطأ ليجره من رقبته).‏

قشقو: ليس أنا يا حمار (يوجه العصا "الباكورة" نحو صطيف)‏

(قريطم يجر صطيف نحو القبو)‏

صطيف: والقانون يا حضرة القاضي، أليس فوق الجميع.‏

قشقو: طبعاً القانون فوق الجميع.. كم ليلة نمت أنت وعائلتك على الرصيف؟‏

صطيف: عشرة أيام.‏

قشقو: تدفع أجرة منامة عن كل ليلة عشرة دنانير.. هذا هو القانون.‏

قريطم: (يجره بالباكورة) وخمسة دنانير أيضاً إجرة إقامتك عندنا في الاستراحة و.. إجرة معالجة فيزيائية.‏

(أمام مدخل القبو يدفعه برجله ويسمع صوت سقوط)‏

قشقو: (يودع التاجر) مع السلامة يا خليل بك.. كرمال الله لا تؤاخذنا.‏

التاجر: (عند الباب ينتحي به جانباً ويدس في يده رزمة نقود فيدسها قشقو في كرشه) هذا ثمن فنجان قهوة وإجرة المعالجة الفيزيائية للسيد صطيف.. توصوا به.. نحن رحماء جداً.. ها..‏

قشقو: جداً.. مع السلامة يا بيك (يخرج التاجر).‏

قريطم هل أخطأت بحق السيد أو في القانون؟‏

قريطم: أبداً يا سيدي. القانون في جيبك والحق في كرشك.‏

قشقو: (يربت على كرشه ويقهقه) أنت مسلِّ يا قريطم.‏

المشهد الخامس‏

(يدخل حمد كالصاروخ وهو يضع عقالاً ويلبس ثياباً ريفية ويحمل سلة بيض)‏

حمد: (صارخاً) ولدي.. أرضي يا حضرة القاضي.‏

ساكو: (مندفعاً وراءه يجذبه من الخلف) إي تعال.. أنت في المحكمة. لست في الضيعة.‏

قشقو: دعه يا ساكو واخرج. المخفر والمحكمة بابهما مفتوح لكل المواطنين (يخرج ساكو) قريطم أفندي خذ مكاني واستمع إلى قصته تعبت سأرتاح قليلاً (يأخذ فنجان القهوة والباكيت ويجلس مكان قريطم ويشرب).‏

قريطم: اقترب. اسمك، عملك، قصتك؟‏

حمد: اسمي حمد، عملي بستاني، قصتي تبدأ بأنني مواطن شريف في دولة الباشا.‏

قشقو: عاش الباشا.. عاش عَاش عاش.‏

حمد: عندي أرض صخرية ورثتها عن جدودي، بقيت سنوات أصلحها بفأسي حتى لان قلبها، فزرعتها خضاراً وأشجاراً مثمرة. ولما أغدقت خيراتها وقفت سيارة أمام البستان ونزل منها شاب غريب وقال:‏

شمعون: (يدخل شاب أنيق يلبس بذلة زرقاء ونظارات زرقاء ويحمل كتاباً، على وجهه قناع مطاطي أزرق يخفي جوانب من وجه بحيث يظهر الجبين ودائرتا العينين والفم. يلعب بجرزة مفاتيح) هاي.. إنها أرضي أنا.‏

قريطم: (يقترب منه ويتحسسه بكفه والرجل يحيد عنه) يا رجل اثبت حتى أتعرف عليك كيف دخلت؟ يا.. يا.. ما اسمك؟‏

شمعون: شمعون.. كنت أتنصت.‏

قريطم: يعني تتجسس، موعيب عليك تتجسس على القضاء يا شمعون؟‏

شمعون: (بوقاحة) قلت لك كنت أتنصت ولا أتجسس.. (يكون قد أشهر خفية سكيناً في ظهر قريطم). إنها أرضي.. هل فهمت؟‏

قريطم: (يثب مبتعداً) يخرب بيتك. (شمعون يخفي السكين بسرعة، ويستخرج صكاً)‏

حمد: بل هي أرضي، ورثتها عن جدودي وأصلحتها بتعبي ورويتها بعرقي.‏

شمعون: أوكي.. لكنك بعتها لي.. هذا هو صك البيع.. (يعطي الصك لقريطم)‏

حمد: تكذب.. هذا صك مزوّر. (لقشقو) في اليوم الثاني يا سيدي جاء برجال مسلحين واحتل الأرض وسوَّرها بالأسلاك الشائكة.‏

قريطم: (وهو يحاول قراءة الصك) قشقو آغا.. هذه مسألة خطيرة ومعقدة، تفضل استلم شغلك.‏

قشقو: (ينهض متفاخراً) الباشا المجاهد العادل قال:‏

حمد: (كمن يقرأ في كتاب) سأحرركم من الخوف، قولوا لا لمحتليكم ومضطهديكم قولوا بكل ما أُوتيتم من قوة.. فالنصر يبدأ بكلمة لا..‏

قشقو: هل قلت لا.. وبقوة لهذا الغريب يا حمد؟‏

حمد: نعم، قلتها.‏

قشقو: أسمعني كيف قلتها؟‏

حمد: (يصرخ) لا.. لا.‏

قشقو: وماذا حدث بعد ذلك.. هل حررت أرضك؟‏

حمد: أكلت علقة يا سيدي، وبدأ رجاله يتحرشون بزوجتي وابنتي وأولادي ويلاحقونني في الطرقات. ثلاثة من أولادي ذهبوا ليلعبوا في البستان فصادهم كالعصافير. وأخيراً دهس هذا الغريب بعربته ولدي الصغير فكسر يده ورجله، إنه الآن في المستشفى يا سيدي.‏

قشقو: أنت المخطئ يا حمد.‏

حمد: أنا!‏

قشقو: نعم أنت.. لأنك لم تقل لا بكل ما فيك من قوة كما طلب الباشا.‏

حمد: بل قلت (يصرخ في وجه الشاب بقوة) لا.. لا.. (شمعون يصفع حمد بقوة. صمت)‏

قشقو: لا.. وفي المحكمة.. هذه إهانة لن أبتلعها بسهولة.. القانون فوق الجميع يا سيد شمعون.‏

شمعون: متأكد؟.. (ينفجر في الضحك بشكل هيستيري، بحيث يجمد قشقو ويخاف. يقترب منه ويبسط ياقة المعطف فيريه إشارة خفية ثم يعيد الياقة) يجب أن تبتلع الإهانة.‏

قشقو: (يبلع ريقه) أهلاً وسهلاً، في الحقيقة محكمتنا مسالمة وأنا أريد السلام والقانون في خدمة السلام.. السلام عليكم (يدير قشقو ظهره ليمضي فيجره شمعون من ذراعه ويديره باتجاهه).‏

شمعون: لا سلام ولا كلام قبل أن تؤدب هذا الفلاح (يمضي خارجاً مقهقهاً).‏

حمد: (يتحرك خارجاً) لا أفهم شيئاً مما يحدث!‏

قشقو: (يعترضه) الخروج ممنوع (ينادي) ساكو..‏

حمد: لماذا؟‏

قشقو: أنت متهم (يدخل ساكو)‏

حمد: أنا.. متهم!‏

قشقو: (يشير لساكو، فيقود ساكو حمد إلى الاستراحة) لا.. ليس هنا.. (يشير باتجاه الباب) ضعه في زنزانة منفردة..‏

حمد: أخذ أرضي، وهدد عرضي وقتل أطفالي، ثم أكون أنا الظالم وهو المظلوم.. آه‏

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند‏

تفوه (يبصق).‏

أيُّها القاضي الفاسد.. هذا قضاء يجب أن يُرمى بالبيض الفاسد (يقذفه ببيضة) (يخرجان)‏

قشقو: قريطم أفندي، يا ذا العين البصيرة، هل تكتب؟‏

قريطم: نعم، أنا أكتب كل شيء: وضرب قشقو آغا بيضة فاسدة وقال تفوه أيُّها القاضي الفاسد..‏

قشقو: لا تكتب هذا يا حمار. ولا تكتب بيت الشعر أيضاً.‏

قريطم: وبخصوص التهمة.. ماذا أكتب..؟‏

قشقو: أبحث له عن أية تهمة، عنف، إرهاب، إخلال بالأمن، أي شيء من هذا القبيل.‏

قريطم: (يكتب) إرهاب‏

المشهد السادس‏

(يسمع صوت نهيق، يندفع حمار جحا داخلاً ويصطدم بقشقو ويسقطه)‏

قشقو: هيه.. هذه محكمة أم اسطبل (قريطم ينفجر ضاحكاً)‏

ساكو: (يدخل) هه.. هه.. هذا هو ل.. ل.. المتهم يا س.. س.. سيدي.‏

قشقو: ومن المعتوه صاحب هذا الحمار؟‏

جحا: (يدخل بعمامته ولحيته وسرواله العريض) أنا المعتوه صاحب الحمار.‏

قشقو: مدينتنا خالية من الحمير، فكيف دخلت إليها بحمارك هذا؟‏

جحا: هل أنت متأكد من أنها خالية من الحمير؟‏

ساكو: س.. س.. س سيدي.. هذا الحمار ار.. ر.. ارتكب عدة م.. م.. مخالفات: لا يقف على الإشارات الضو.. وئية.. وي.. يُزبِّل في الطريق.. اف-ايع.‏

قريطم: (وهو يكتب) يغرم الحمار سبعين ديناراً.‏

قشقو: لماذا لم تمنعه من إلقاء نفاياته الكريهة في الطريق؟‏

جحا: يا قشقو آغا، حرية التعبير مكفولة للجميع، وحماري حر في التعبير عن مشاعره بالطريقة التي يحبها أليس كذلك يا حماري العزيز؟ (الحمار ينهق مؤكداً).‏

قريطم: (يكتب) التبرز في الطريق.. يغرم عشرين ديناراً.‏

ساكو: س.. س.. س سيدي والحمار.. ر.. ر.. رفس عربية رئيس البلدية و.. و.. وركبها و.. و.. كسرها.‏

جحا: لماذا هذه العربات الفخمة وكل مسؤول عنده عدة عربات. لماذا يبيع المسؤول الناس كلاماً وشعارات ولا يجرب أن يركب في الباص أو السرفيس؟ يا أخي حماري حساس من هذه المسألة. أليس كذلك يا حماري العزيز؟ (الحمار ينهق).‏

قريطم: يغرم الحمار عشرة آلاف دينار كلفة إصلاح العربة.‏

ساكو: و.. و.. وكاد أن يدهس مواطناً.. م.. م.. مسكيناً.‏

قريطم: (يكتب) مواطناً مسكيناً.. يغرم نصف دينار دية كاملة..‏

جحا: تصليح عربة مسؤول عشرة آلاف دينار.. ودية المواطن نصف دينار.. أية مدينة هذه..!؟‏

قشقو: لأن خروج عربية من الجمارك يكلف الكثير عدا الرشاوي.. أما خروج الطفل من بطن أمه فلا يكلف شيئاً. (يمثل خروج الطفل) فشت.. هذا كل شيء.‏

ساكو: وكان الحمار يغني.. (يضرب رأسه بكفه ليصحح) ينهق.. ط.. ط.. طول الطريق ف.. ف.. فيزعج الناس (قشقو يمسح وجهه من بصاق ساكو).‏

جحا: ستندم يا قشقو.. هل تعلم أنني وحماري مطلوبان إلى قصر الباشا.‏

الحمار: وسيأمر الباشا بنتف شاربيك.‏

قريطم: أنا مالي علاقة.‏

جحا: وسينزع هذه النجوم الذهبية من على كتفيك.‏

قريطم: أنا مالي علاقة.‏

الحمار: وسيضربك على مؤخرتك.‏

قريطم: أنا ما لي مؤخرة.. أنا كلي مقدمة (يبرز وجهه للجمهور بشكل منفر).‏

جحا: يا حماري العزيز ما رأيك في أن يموت رمياً بالرصاص.‏

قريطم: يا لطيف..‏

الحمار: أو ضرباً بالنعال.‏

قريطم: يا حفيظ.‏

جحا: أو نقول للباشا كي يعلقه من قدميه وينوس متل بندول الساعة.‏

قريطم: تك.. تاك.. تك.. تاك.. طن.. طن.. (يقلد الساعة).‏

(يرن جرس الهاتف النقال الذي يخبئه قريطم في جيبه، يخرجه ويضعه على أذنه).‏

قريطم: ألو.. مولانا الباشا.. نعم.. نعم.. قشقو موجود.. (لقشقو) هاتف من مولانا الباشا (يتقدم قشقو ورجلاه ترتجفان).‏

قشقو: ألو، احترامي مولانا، نعم عندي رجل وحماره، يبدو أنه معتوه.. اسمه.. اسمه (لجحا) ما اسمك؟‏

جحا: جحا.‏

قشقو: اسمه جحا يا مولانا.. مطلوب للقصر.. نعم نعم.. طبعاً.. استقبلته أحسن استقبال هو وحماره. حماره يا مولانا جميل ومؤدب، ابن خلق وناس.. (ساكو يترنح، يغمى عليه ويسقط جالساً على كرسي قشقو) حاضر، سأصحبه معززاً مبجلاً إلى القصر.‏

قشقو: يخرب بيتك يا قريطم على هالورطة.‏

قريطم: أنا مالي علاقة.. أنا طول عمري حمار (مخاطباً حمار جحا) وأحب الحمير.‏

قشقو: (ينحني لهما) أهلاً بكما أيُّها المبجلان المحترمان.. أوه.. جحا المكرم والحمار الحكيم عندنا.. يا لفرحتنا وسعادتنا (يهزُّ ساكو) ساكو.. ساكو انهض يا حقير.‏

(ينهض مترنحاً) كيف فعلت ذلك؟‏

ساكو: أن.. أنت أمرتني يا سيدي.‏

قشقو: كان يجب أن تعارضني. كان يجب أن تقول:.. لا.. بأعلى صوتك.. هنا بلد الحرية والديمقراطية.. ماذا؟ هل ماتت المعارضة في هذا البلد.. هيَّا وفك قيودهما.‏

جحا: لن تفك هذه القيود إلاَّ أمام الباشا حتى يرى الحفاوة البالغة التي لقيناها.‏

قشقو: هو و.. جحا المبجل، سامحنا.. وهذه بوسة من ذقنك وأنت أيُّها الحمار الحكيم والفيلسوف العظيم.. هذه بوسة من أذنك الجميلة. اقبلا اعتذاري.‏

قريطم: وأنا سأعفيك من دفع كل الغرامات أيُّها المبجل.. رغم أنني في الأصل مالي علاقة.‏

جحا: يا حماري العزيز هل تقبل اعتذاره وتصفح عنه؟‏

الحمار: لا.. لا أقبل.‏

جحا: ما هذا العناد.. هل تعلمت هذا من الإنسان؟ العفو عند المقدرة يا حمار.‏

الحمار: أنا متأكد أنهم سيعودون إلى مضايقتي.‏

قشقو: لا.. أبداً.. اندفع في الشوارع كما تشاء.‏

ساكو: ح.. ح.. حطم كل اللوحات.‏

قشقو: تجاوز إشارات المرور ولا تهتم بالمخالفات.‏

قريطم: إه.. أنا مالي علاقة.‏

قشقو: اقذف ببرازك العطر الرائع في الطرقات لتجلب لنا الخير والبركات.‏

ساكو: إ.. إ.. إنهق.. إنهق.. فصوتك جميل.. جميل.. (الحمار ينهق).‏

قشقو: أوه.. يا سلام.. يا سلام..‏

جحا يقود حماره ويسير الجميع في رتل وأمامهم جحا ويغنون)‏

سلي لي حماري‏

سلي لي حماري‏

حشيش ما بياكل‏

عليقو غالي‏

نكشتوا مسلة‏

عنطز رماني‏

سقيتو ما ورد‏

غنى لي غناني‏

حا.. حا ‏

سلي لي حماري‏

سلي لي حماري‏

والحمير صاروا‏

أحسن شطار‏

مليونيرية‏

وأغوات الدار‏

ركبوا العربيات‏

وشفطوا يا جاري‏

حا.. حا ‏

سلي لي حماري‏

سلي لي حماري‏

حشيش ما بياكل‏

عليقو غالي‏

(يخرجون.. وتستمر موسيقى الأغنية الضاحكة خلال فترة الإظلام وتغيير الديكور)‏

المشهد السابع‏

قصر الباشا: (ديكور شرطى ومختصر، يقوم على أقواس عربية، مرآة، مقاعد فخمة، أريكة مفضضة بقطع فضة، طاولة وسط، على يمين ويسار الأريكة فازان نحاسيان، صورة الباشا معلقة في صدر الغرفة.‏

زوجة الباشا تتمدد على الأريكة وتصلح من زينتها وبيدها مرآة صغيرة ومشط، وقد بالغت في وضع المساحيق على وجهها.‏

يدخل كتخدا (وكيل الباشا ونائبه) وهو شاب أنيق جداً، ويلاحظ أن بينه وبين زوجة الباشا علاقة فهي تستحليه، وهو انتهازي يتظاهر بحبها طامعاً في أن يخلف الباشا).‏

كتخدا: هل طلبتني يا مولاي؟‏

الزوجة: بل الباشا هو الذي طلبك.‏

كتخدا: الباشا مريض ومشغول باجتماعاته، ودقات قلبي تقول إنك أنت التي طلبتني.‏

الزوجة: وهل تصدق قلبك يا كتخدا..‏

كتخدا: كيف لا وأنت بهجتي ونعمتي.‏

الزوجة: (تعتدل جالسة) أشعر بالوحدة وأخاف من الغد، وأرى أحلاماً مزعجة.‏

كتخدا: بماذا تحلمين؟‏

الزوجة: أرى في المنام هذا القصر، الجواهر والحرائر، النفائس والطنافس، المرايا والتكايا وخزائن الأموال تندلع فيها النيران.‏

كتخدا: من الغد نودع الأموال في البنوك الأجنبية.‏

الزوجة: حتى الآن الباشا هو مفتاح الأمان.. ولكنه مريض.‏

كتخدا: كثرة المحظيات تهد الحيل يا مولاي، وعلى كتخدا أن يحضر له كل أسبوع محظية جديدة لقد سئمت ذلك.‏

الزوجة: هذه مهمتك، أنت رضيت أن تكون وكيله في الشؤون العاطفية. (بلا مبالاة) مهما يكن فهذا لا يهمني، قلت لك هو مفتاح الأمان وأخشى إن مات..‏

كتخدا: فليمت.. الكتخدا موجود، (مشيراً إليها) وشمس الوجود تضيء لي درب الخلود.‏

الزوجة: (مداعبة) تطمع في الباشوية يا ملعون.‏

كتخدا: أطمع بنظرة رضى ونبضة قلب تجعلني سلطان زماني، أيتها الشمس المنيرة.‏

الزوجة: من أين تأتي بهذا الكلام، والباشا لا أراه إلاَّ وهو يأكل ويشخر وينام، هل تعلمت هذا الكلام من..‏

كتخدا: من كتاب القلب، وغايتي وسعادتي أن أزرع البسمة في قلب من أُحب.‏

الزوجة: (تسير نحو المرآة وتنظر إلى وجهها بدلال، ترد خصلة من شعرها) على ذكر السعادة والسرور (تلتفت نحو كتخدا) هل أرسلت في طلب جحا؟‏

كتخدا: بعد قليل يكون أمامك يا زهرة هذه المدينة.. ولكنني أخشى..‏

الزوجة: (تضحك) هل تخشى أن أحبه بلحيته الطويلة، إنني أحب نوادره فقط.‏

كتخدا: فعلاً.. هو نبع من الفكاهة لا ينضبّ.‏

الزوجة: وأُفكر في أمر.‏

كتخدا: بماذا يفكر القمر؟‏

الزوجة: أنت تعلم أن القاضي السابق قد مات.‏

كتخدا: إي، الله لا يرحمه، كان شديد العناد، تصوّري.. أنا كتخدا الباشا دعاني إلى المحكمة لأن فلاحاً حقيراً ادعى بأنني استوليت على أرضه.‏

الزوجة: أوه.. معقول! لماذا لم تخبرني بذلك كي أؤدبه؟‏

كتخدا: لقد أرسلت إليه من يؤدبه، هكذا (يمثل رفس القاضي) قضاء وقدراً وقع في جورة فنية حفرها رئيس البلدية أمام داره.. الشهادة لله رئيس البلدية مخلص ومتعاون وحريص على المصلحة العامة، سنحافظ عليه بعد وفاة الباشا.‏

الزوجة: لا قدَّر الله.‏

كتخدا: الأعمار بيد الله، ولكن بماذا تفكرين في أمر جحا؟‏

الزوجة: أُفكّر في تعينيه قاضياً.‏

كتخدا: ماذا؟ جحا يكون قاضياً!‏

الزوجة: ولماذا لا يكون؟ وسنحضر محاكماته الساخرة متنكرين فنضحك ونضحك وسيحكم بما نريد.‏

كتخدا: وبين الجد والهزل يصبح القضاء في قبضتنا.. مولاتي أية عبقرية في رأسك الجميل.‏

المشهد الثامن‏

(يدخل شاهبندر التجار. يغلب على لباسه الذهبي والفضي، على عمامته لؤلؤة كبيرة. على كتفه يرمي شالاً مقصَّباً. يمسك في كفه سبحة طويلة جداً بمائة حبة كبيرة أو أكثر تلامس من طولها الأرض. له لحية طويلة مضفورة جدائل تصل إلى سرِّته، يكحل عينيه ويسحب ذيل الكحل طويلاً إلى الجانبين، كما أكمل رسم حاجبيه فصارا ضخمين بالإضافة إلى خطوط بالفحم أخرى على الوجه مما يعطى وجهه ملامح القسوة).‏

شاهبندر: صباح المجد والسعادة.. أدام الله عز مولاتي.‏

الزوجة: أهلاً بشاهبندار التجار.‏

شاهبندر: أنا قلق على مولانا الباشا إنه يزداد ضعفاً وشحوباً.‏

الزوجة: إنها هموم الرعيّة.. وأنت تزيد الطين بِلة.‏

شاهبندر: أنا يا مولاتي؟‏

كتخدا: نعم أنت، الناس يتحدثون عن اختفاء الخبز والزحام على الأفران.‏

الزوجة: حبة القمح غدت أندر من الذهب. اللحم ارتفع سعره أضعافاً مضاعفة، الفواكه والخضار أسعارها مثل النار، الخيوط أسعارها في ارتفاع وهبوط.‏

شاهبندر: إننا نعمل للمصلحة العامة يا مولاتي. وبما أنكم تمثلون العامة فمصلحتهم هي مصلحتكم.‏

الزوجة: كيف..؟ هل من المصلحة العامة أن تحدث مجاعة.‏

شاهبندر: يا مولاتي.. قبل المجاعة بساعة يصدر مرسوم باشوي من الإذاعة.‏

الزوجة: الإذاعة لم تخترع بعد يا شاهبندر.‏

كتخدا: (كالمذيع) سيداتي وسادتي، أسعدتم مساءً.. إليكم البيان التالي: تلبية للإرادة الشعبية اجتمعت الهيئات الرسمية الباشوية لدراسة الأزمة القمحية وبعد دراسة الأوضاع، ورأفة بأحوال العباد، صدر الفرمان بالسماح بالاستيراد من خارج البلاد، وقد تقرر زيادة سعر الرغيف إلى الضعف وخفض وزنه إلى النصف.‏

شاهبندر: أحسنت يا كتخدا وهكذا يصبح الرغيف رغيفين.‏

كتخدا: والمكسب مكسبين.‏

شاهبندر: وبما أن استيراد القمح ومطاحن الحبوب وغلال الحقول هي لك يا مولاتي.‏

الزوجة: (مصححة) هي للشعب يا شاهبندر.‏

شاهبندر: والشعب هو أنتِ يا مولاتي (يميل نحوها ويهمس) هكذا تجنين الملايين.. وهذا مكسب شعبي وإنجاز وطني.‏

الزوجة: لقد دخلت ميدان التجارة معرضة نفسي للخسارة حتى لا تختفي البضاعة وتسود المجاعة.‏

كتخدا: لكن بعض التجار يبالغون في رفع الأسعار.‏

شاهبندر: هؤلاء يا سيدي الكتخدا ليسوا التجار وإنما بعض الدكاكين الصغار وقد شمعناها جميعاً وسجنا أصحابها وليتك تتدخل حرصاً على مصلحة المواطن المسكين.‏

كتخدا: سأتدخل وأضع أموالي إن أذنت مولاتي في خدمة الشعب، سأنهي أزمة اللحوم في الحال مثلما أنهت مولاتي أزمة الغلال.‏

شاهبندر: إذن خدمة للمواطن نحتاج إلى قرار برفع أسعار العلف كي ترخص القطعان وهكذا يكثر الذبح ويرخص اللحم، فينزل سيادتكم إلى السوق وتشترون كل الكباش والخراف والأبقار في المدينة.‏

كتخدا: الكتخدا في سوق البهائم يا حيوان.‏

شاهبندر: لا يا سيدي، المال مالك والشاهبندر أعز رجالك. أنا أشتريها لك.‏

كتخدا: وبعد ذلك ماذا أفعل؟‏

شاهبندر: أنت لا تفعل شيئاً. أنا أنزل العلف إلى السوق مرة ثانية فيرتفع سعر الكباش ثانية ونبيعها لأصحابها بأضعاف مضاعفة. مكسب حلال وتنقذون الثروة الحيوانية.‏

كتخدا: آه ملعون يا شاهبندر التجار. حتماً ستدخل النار.‏

شاهبندر: سنكون معاً يا سيدي.. مولاتي قبل أن يزجني الكتخدا بالنار أريد منك خدمة ولك فائدة.‏

الزوجة: وما هي؟‏

شاهبندر: في الميناء بضائع مكدسة محركات، آلات، عربات، بلدوزرات استوردناها ومدير الجمارك أخذ المعلوم ويريد أن يضع عليها الرسوم (في همس) قسم منها يخص مولاتي وآخر يخص ساداتي، وأنا.. الله وكيلك مالي من الجمل إلا إدنه.. خدمة للباشا والحاشية فقط.‏

الزوجة: (مداعبة وهي تمسك سماعة الهاتف) أنت لا تشبع يا شاهبندر.‏

شاهبندر: ويرزقكم من حيث لا تعلمون.‏

كتخدا: (يقترب منه) يا ابن الحرام أنا لي حصة أم لا..‏

شاهبندر: (يهزُّ رأسه مطمئناً) يرزق من يشاء بغير حساب.‏

الزوجة: ألو.. مدير الجمارك.. البضائع التي أحضرها الشاهبندر تخصُّ القصر أخرجها قبل آذان العصر.. (تعيد السماعة).‏

شاهبندر: (ينحني ويقبل يدها) أدام الله عزُّ مولاتنا.. (ينصرف).‏

كتخدا: بوس الأيادي ضحك عاللحى.‏

الزوجة: (ضاحكة) ليس لي لحية.‏

كتخدا: هذا الوغد يحالفه السعد.‏

الزوجة: أعرف، يملك أحياء سكنية بكاملها، ومليارات الدينارات ولكنه أمين ومخلص.‏

كتخدا: إيه.. يا حسرة.. ولولا أني غني بحب مولاتي لانكشف الحال.‏

الزوجة: أنت غني بجمالك وأناقتك وحب مولاتك.. وبصفقة العربات التي كسبت منها عشرات الألوف من الدولارات.‏

كتخدا: ألوف، وغيري يلعب بالملايين.‏

الزوجة: وصفقة الأعلاف والأغنام. والتعهدات التي تأخذها أنت وأخوتك من رئيس البلدية.‏

كتخدا: ومع هذا فإن هذا الوغد يا مولاتي يلاحقه السعد.‏

الزوجة: هذا الوغد يبني لنا المجد.. لا تنسَ أنه شريكنا.‏

كتخدا: مهزلة المهازل! مثل هذا الأميّ يلعب بالبلاد والأموال ويصبح أغنى الأغنياء.‏

المشهد التاسع‏

(يندفع الباشا داخلاً وهو يحمل جريدة في يده، وهو رجل تجاوز الخمسين، وله حدبة في ظهره وكتف مائل /كتف أعلى من كتف/ نظارات قديمة جداً وصغيرة على أرنبة أنفه بحيث لا تحجز رؤية عينيه، مربوطة بخيط أو سلسلة من طرف واحد والطرف الآخر مثبت في جيب سترته، يميل قليلاً على رجله اليمنى في عرج خفيف، يدخل وهو يخبط على الأرض بصولجانه المذهب، وتارةً أخرى يضعه تحت إبطه).‏

الباشا: (بغضب وهو يرتجف) مهزلة.. هذه مهزلة.. سأطعم لحمه للكلاب، سأقطّع يده من القرمة.‏

كتخدا: (بخبث) من يا مولانا الباشا؟‏

الباشا: هذا الصحفي الخنزير الذي كتب هذا المقال.‏

الزوجة: اجلس يا باشا.. أنت معك جلطة وأخاف عليك.‏

(الباشا يجلس وصدره يعلو ويهبط كأنه يعاني من ضيق تنفس. تعطيه كأس ماء).‏

كتخدا: وماذا كتب يا باشا.. (الباشا يشرق بالماء ويناول الكتخدا الجريدة).‏

الباشا: خذ واقرأ.‏

كتخدا: (يأخذ الجريدة وينظر. يُغِّير ملامح وجهه متصنعاً الدهشة والإغاظة).‏

اعذرني يا باشا.. أنا لا أستطيع أن أقرأ مثل هذه السفاهات.‏

الباشا: اقرأ بصوت عالٍ، أنا آمرك بذلك.‏

كتخدا: إنه.. (منفرداً) ذنبك على جنبك (يقرأ في إثارة ومن الواضح أن الكتخدا وراء كتابة المقال. كتخدا يقرأ تارةً مظهراً وتارةً مغمغماً.. فهو يبرز العبارات التي تثير الباشا) لقد دفعنا حرصنا على مصلحة المدينة أن نقول الحق (ثم يغمغم بكلام غير مفهوم ومتسارع) فالباشا أعزكم الله شرابة خرج، لا حول له ولا طول.‏

الباشا: (يقفز غاضباً) أنا شرابة خرج يا ابن الحرام.. اعدموا رئيس التحرير.‏

كتخدا: (يغمغم ثم يظهر) وفي عهده الميمون تفاقمت هجرة العقول من أهل العلم والأدب الفنون.‏

الباشا: ولماذا يهاجرون وأنا أرعاهم بالعيون.. عليهم اللعنة.. اعدموا كل عالم وأديب وفنان.‏

كتخدا: (يغمغم ثم يظهر) وطارت الغرابين واحتلت القرى والبساتين.‏

الباشا: عليه اللعنة، وهل للباشا أجنحة حتى يحارب الغرابين.‏

كتخدا: (كالقذيفة) وعم الإفساد والفساد وضاق الأمر على العباد.‏

الباشا: اشنقوا كل العباد.‏

كتخدا: وصارت الحال كما قال الشاعر الشعبي: (متنغماً للإغاظة):‏

الله يساعد الله يعين‏

الغلا مالو تدبير‏

لا في فلوس ولا في شغل‏

والله يساعد الفقير‏

الباشا: اقصفوا بالطائرات كل الشعراء.‏

كتخدا: أنت تخلط في الأزمنة يا باشا الطائرات لم تخترع بعد.‏

الباشا: إذن ارموهم بالرصاص.‏

الزوجة: (تخطف الجريدة من الكتخدا) هل تريد أن تقتل الباشا (هامسة) ألست أنت وراء هذا المقال؟‏

الباشا: هذه الجريدة لن تصدر بعد اليوم.‏

كتخدا: ولكنك يا باشا تنادي بحرية الصحافة.‏

الباشا: طز.. هذه سخافة.‏

كتخدا: وهذا يا مولاي ما كنت أخشاه.. أن تمنح الحرية لهؤلاء الأوغاد فتختل أمور العباد.‏

الباشا: وما العمل؟‏

كتخدا: قاض شعبي يحكم في مثل هذه الأمور، فيعقل الألسن ويعاقب من يشكك في إنجازاتنا، ويتطاول على باشاواتنا بـ.. بالقانون.‏

الباشا: وأين هذا القاضي؟‏

الزوجة: موجود، إنه جحا.‏

الباشا: جحا! جحا ما غيره!‏

الزوجة: نعم.. فهو راجح التفكير.‏

كتخدا: حاذق التدبير.‏

الزوجة: بارع التعبير.‏

كتخدا: واسع الحيلة.‏

الزوجة: حاضر البديهة.‏

كتخدا: يجعل الباطل حقاً والحق باطلاً.‏

الزوجة: يقلب الجد هزلاً والهزل جداً.‏

الباشا: أوه، أنا أحب الضحك.‏

الزوجة: أهداه جاره مرة مامونية وشعيبيات فأطعمها لحماره فقال له: لماذا فعلت ذلك يا جحا فقال: حتى يحلو صوته ويغني عالسيكا.‏

(الباشا يضحك)‏

كتخدا: إي هه يا باشا.. اضحك.. اضحك ولا تهتم (يستمر في الضحك حتى يكاد يغشى عليه)‏

الزوجة: (منفردة لكتخدا) حرام عليك، الرجل معه جلطة والضحك يقتله مثل الغضب.‏

(مع الضحك تختلط أصوات قادمة من الخارج وصوت نهيق عال)‏

الباشا: (يتوقف عن الضحك) ما هذا..؟‏

الزوجة: يبدو أن جحا قد وصل.‏

المشهد العاشر‏

(يدخل قشقو قائد الشرطة وينحني أمام الباشا)‏

قشقو: عفوك يا باشا. لم أكن أعلم أن القصر هو الذي استدعاه، وقد عاملناه كضيف عزيز.‏

الباشا: من؟‏

قشقو: جحا يا مولانا.‏

الزوجة: فليدخل فوراً.‏

قشقو: ليس وحده يا مولاتي.‏

الباشا: معه ضيف؟ فليدخل.‏

قشقو: ضيفه يا باشا..‏

الباشا: ماذا؟.. مريض؟ نحضر له الطبيب.‏

قشقو: لا.. ليس مريضاً.‏

الباشا: لا يلبس ملابس لائقة بحضرتنا؟.. نعطيه ملابس.‏

قشقو: لا.. ضيفه لا يحتاج إلى ملابس.‏

الباشا: ماذا إذن؟‏

قشقو: ضيفه أذناه طويلتان.‏

الباشا: (يتحسس أذنيه) وماذا في ذلك؟ أنا أذناي طويلتان بعض الشيء، هيه.. والكتخدا أذناه طويلتان أيضاً.‏

قشقو: ضيفه حمار.. باشا.‏

الباشا: حمار!‏

الزوجة: (تضحك) هذا حماره الشهير، لا يفارقه أبداً فليدخل هو وحماره.‏

الباشا: حمار في قصري!‏

جحا: وما أكثر الحمير في القصور يا باشا.. السلام عليكم..‏

(يدخل جحا ومن ورائه حماره وهو يلبس ثياباً مخططة عرضانياً ووراءه ساكو رتلاً كما في نهاية المشهد السادس)‏

الجميع: وعليكم السلام‏

كتخدا: وأين الرسن يا جحا.‏

جحا: الرسن للحمير التي تركب، وحماري مواطن لا يركبه أحد.. إنه فيلسوف في الحرية (يضحكون) أليس كذلك يا حماري العزيز.‏

الحمار: (يغني) أحب عيشة الحرية زي الطيور بين الأغصان/.. ها.. ها.. ها‏

الباشا: هوه.. حمار مثقف وفنان.‏

الحمار: (يرقص ويغني)‏

لما شفت الناس بتطير‏

قلت الدنيا كيف بتصير‏

لو صرت حمار‏

أنا بكيفي صرت حمار‏

لما الصغار صاروا كبار‏

وبكرة الجاية.. يا ستار‏

ويا باشا الدولاب بدور‏

وحاشيتك بدا ناطور‏

وهالشجرة بدا منشار‏

جحا: حمار مثقف أفضل من مثقف حمار.‏

الباشا: (يضحك) هذا الحمار من عجائب الدنيا قل لي بكم اشتريته؟‏

الحمار: (ينهق غاضباً) أنا لا أشرى ولا أباع، أنا حر الضمير.‏

جحا: شايف قدامك يا باشا.. عنيد.. لا يرتشي، لا يقبل وساطة، لا يسرق، لا ينهب.. حمار يا مولاي.‏

كتخدا: وما الفرق بينك وبين حمارك؟‏

جحا: الذيل.. وذيل حماري عزيز علي وعندما أقسم على أمر عظيم فأنا أقسم بذيل حماري.‏

الباشا: (ضاحكاً ساخراً) وكم شعرة في ذيل حمارك؟‏

جحا: بعدد الشعر في ذقن الكتخدا.‏

كتخدا: هذه نكتة أم إهانة؟‏

جحا: هذه حقيقة. بعض الناس يقولون وحياة دقني وأنا أقول وحياة ذيل حماري، إنه أغلى عندي من كل الذقون.‏

الزوجة: احك للباشا كيف أطعمت حمارك مامونية وشعيبيات؟‏

جحا: يا مولاتي رأيت الحمير يبنون الدور والقصور، ويركبون العربات ويفتحون الحسابات بالدولارات ويأكلون اللوز والفستق والمامونية والشعيبيات فقلت وهل حماري أقل منهم.‏

الباشا: لكن حمارك له أذنان طويلتان.‏

الحمار: (ينهق ويشير إلى جحا ويسر في أذنه شيئاً)‏

الباشا: ماذا قال لك؟‏

جحا: يقول الحمار يا مولاي.. عنترة العبسي لم يعبه سواده والمرء لا يعيبه أن يكون لـه أذنان طويلتان ولكن يعيبه أن يكون لـه أنف طويل يدسه في أمور الناس أو قرون طويلة تنبت في رأسه، أو رأس كبير ومخ فاضي.‏

الباشا: عفارم.. عفارم هذا حمار حكيم يجب أن نعينه في وظيفة كبيرة، قاضي مثلاً.‏

الزوجة: لا يا باشا.. القاضي هو جحا.‏

الباشا: والحمار؟‏

الزوجة: مستشار.‏

جحا: هل يعجبك أن تكون مستشاري يا حماري.‏

الحمار: (ينهق بلطف) أريد أن أكون محامياً لمن لا محامي له.. يدافع عن المظلومين.‏

جحا: حسن.. ستكون كاتباً ومستشاراً ومحامياً.. هل رضيت؟‏

(يهز الحمار رأسه موافقاً)‏

كتخدا: وقشقو يا باشا.. قشقو المخلص الوفي لحضرتكم، هل نسيته؟‏

الباشا: (مفكراً) قشقو.. قشقو..‏

كتخدا: خاصة بحكم كونه مديراً للعسس فهو يعرف أسرار المجرمين والنصابين والحاقدين على الحضرة الباشوية، وجحا قلبه طيب قد تفوته أمور، وحماره فيلسوف.‏

الباشا: هوه.. مفهوم.. مفهوم، ماذا ترى أن نعين قشقو؟‏

كتخدا: نائباً عاماً، فالنائب العام هو الذي يدافع عن الحق العام.‏

الباشا: هو.. و.. عظيم عظيم.. اكتب يا كتخدا.. (كتخدا يكتب)‏

فرمان‏

بأمر مولانا الباشا المعظم، ناصر الدين والدنيا، قاهر المشركين والمحتلين الغاصبين، مقيم العدل في الأرض، ورافع الظلم عن الكل والبعض، المجاهد المؤمن، والكريم المحسن، الدائم حكمه بين الحاكمين، دام عزه إلى يوم الدين.‏

يعين جحا قاضياً للقضاة، وحماره مستشاراً وكاتباً ومحامياً وقشقو نائباً عاماً على أن تكون الأحكام حسب القانون، والقانون هو سيد الجميع.‏

(يضع الكتخدا الورقة أمامه، يخرج الباشا من جيبه الخاتم، يبصق عليه، يختم الورقة بضربة قوية ترافقها ضربة موسيقية ووجه الباشا نحو الجمهور يتسمر على ملامحه المضحكة، يتلوه مباشرة إظلام).‏

-نهاية الفصل الأول-‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244