مدينة من قش وفانتازيا الجنون ـــ عبد الفتاح رواس قلعه جي

مسرحية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2003

Updated: Wednesday, October 15, 2003 12:19 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

فانتازيا الجنون :

-الشخصيات‏

الكاتبن: نموذج مجرد لقوى طاغية كبرى تتحكم بمصائر شعوبها والعالم.‏

المهرج: فنان يجيد السخرية من الآخرين وحتى من نفسه.‏

المرأة: زوجة المهرج: ثم تأخذ أدواراً أخرى وفق مسارات الأحداث والشخصيات. ثم تتجرد وتصبح رمزاً عاماً.‏

أنطونيو: القائد الروماني التاريخي. ويمكن للمخرج تشظيته وإظهار تناسخاته التي تتناول علاقة مثل هذه الفئة بالمرأة وتأثيرها على شعوبها.‏

عمر أبي ربيعة: شاعر محور العالم لديه ذاته والمرأة.‏

البواق: القاضي الذي يعيش على محاسبة الآخرين ومحاكمتهم، وعندما لا يجد من يحاسبه يسقط في جحيمهم.‏

زائر الفجر: القَدَر الوضعي.‏

الزمان: منتصف الليل وحتى الفجر.‏

الأحداث: مجرد لعبة مسرحية كوميدية معاصرة.‏

(يسود المسرح جو غرائبي، بضعة قبور موزعة وبأشكال مختلفة غير تقليدية، أحدها على شكل طائرة شبح وشاهدته مسلة عليها كتابات، ثان على شكل هرم، وثالث رسم على جداره قناعا المسرح، والرابع رجوم من الأحجار وعلى الشاهدة نقرأ كلمة الفاتحة.‏

يمين المسرح سلم يؤدي إلى ممر يختفي خلف الستارة الخلفية، وفي عمق المسرح جذوع حطب ونار تتوقد، وسط المسرح شجرة سوداء جرداء تتدلى من أغصانها ثمار غريبة ذات أشكال سوريالية كأنها رؤوس الشياطين والأفاعي. في الركن الأيمن من المقدمة غرفة اتصالات مزودة بهاتف، وفي الأيسر برج يظهر منه نافخ البوق بين الحين والآخر.- الحركة الأولى‏

(الظلام يسود المسرح تماماً ويسمع صوت سقوط المطر. يرتفع ضوء خفيف على الممثلين وهم يتحركون على الخشبة إيمائياً ويقومون بأعمال مختلفة. أحدهم يغرس شتلات في الأرض، آخر يعمل في مصنع بشكل آلي، مسؤول يخطب وراء ميكروفون فتاة ترقص.. الخ..‏

إضاءة مركزة على البرج، يبرز نافخ البوق ببوقه الكبير وهو يقف في وضع جانبي بحيث لا تظهر ملامحه وينفخ في البوق، يعم الصوت أرجاء الصالة ويتبعه تردد الصدى مرات إيحاء بانتقال الصوت عبر المسافات والقارات. مع تردد الصدى يتلوى الممثلون على الخشبة تباعاً ويسقطون ميتين.‏

يعم الظلام المسرح ويختفي الأشخاص وتبرز القبور بالضوء الفسفوري ويسود الصمت لحظات. يبرز نافخ البوق ثانية وينفخ النفخة الثانية ويتردد الصدى. يختفي نافخ البوق ويسود المسرح ظلمة كثيفة تجرحها التماعات كالبرق وقصف هو مزيج من انفجارات قنابل وزلازل ويشتد صوت المطر. يسود الظلام والصمت ثانية، ثم تبدأ أنوار المسرح العالية بالارتفاع تدريجياً ولا شيء على الخشبة سوى القبور والصمت.‏

الحركة الثانية‏

(يتصدع القبر الذي على شكل طائرة، وتسقط جوانبه وتبقى مسلته منتصبة، يستوي جالساً من داخله ضابط كبير بأوسمته ورتبته العسكرية وعلى عينه اليمنى عصابة).‏

الكابتن: (يتمطى) أوه.. تيبس ظهري من طول ركوبي على هذا الحصان المجنح (مشيراً إلى القبر) كيف سمحت لنفسي أن أغفو ولديَّ أعمال كثيرة يجب أن أنجزها؟ مازالت أمامي مهمات قتالية مقدسة في أنحاء من العالم، ولكن هكذا الفارس الحقيقي ينام على ظهر جواده (يبحث عن القبعة) أين وضعتها؟ (يجدها) هاهي (يقرأ عبارة مكتوبة على محيط القبعة) حرية، عدالة، ديمقراطية، في عالم موحد (يمد يده داخل القبعة ويستخرج رسالة) آه.. هذه رسالتها (يفتحها ويقرأ) حبيبي أنا في انتظارك الساعة التاسعة ليلاً في المكتب، لدي مفاجأة ممتعة لك، لا تتأخر، التوقيع: العاشقة المتدربة (ينظر في ساعته) مازال لدي وقت (ينهض خارج القبر وينفض الغبار من على ثيابه) من أين جاءني هذا الغبار؟ (يضحك باستعلاء وإعجاب) هذا غبار المعارك التي خضتها! يقولون إن أميراً عربياً كان ينفض الغبار عن ثيابه بعد كل معركة حتى صنع من غبار المعارك حجراً وضعه تحت رأسه عند موته.. هه.. من يكون هذا البدوي؟ إنه لا يصلح أن يكون جندياً من جنودي (يقف أمام المسلة) أوه.. شكراً هكذا تخلد الأمم عظماءها، على هذه المسلة حفرت بطولاتي (يقرأ ويهز رأسه معجباًُ بنفسه بعد كل عبارة يقرؤها) معارك الشرف الرفيع والأشراف وبطولات بلا ضفاف (باتجاه االجمهور وهو ينشد مستظهراً بطريقة أطفال المدارس)‏

لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم‏

(يتابع قراءة ما على المسلة) الاقتصادي الأول ومنجزات اقتصادية في دول الشطار والمكارية والحرامية.. (يتناول قطعة حجر من القبر ويحك الكلمات الأخيرة) هذه الكلمات أضافتها أحزاب المعارضة.. سأقطع يد من أضافها (يتابع) رائد الثقافة والإبداع و.. لو حرف امتناع لامتناع.. عظيم، فعلاً كلمة لو، لم تكن موجودة في قاموسي السياسي (يتابع) حقوق العمال والفلاحين في عصر إمام التقدميين المهتدين.. هذا رائع، لو أنهم أضافوا المهدي المنتظر ( يتابع) الفن والرقص والغناء في عهد البناء (باتجاه الجمهور) كنت أقاتل بيد وأبني باليد الأخرى (يتابع) دوري كرة القدم وحياة بلا ألم.. أوه من هذا الشاعر الذي خلدني بهذه القصيدة؟ (يغني)‏

سلطان أهل الوفا والجود ملكنا‏

كاسر جيوش العدا في الحرب ملكنا‏

باريس لندن مرابط خيل ملكنا‏

عطشان ما اشرب سوى من خمر ملكنا‏

(يتلفت حولـه) أحس بالعطش، ألا يوجد ماء هنا؟ (يدور باحثاً عن الماء، يقف أمام الشجرة) أية شجرة مخيفة هذه؟.. كأنها تسقى من بول العفاريت.. أوه.. أنا عطشان.. آه.. تذكرت (يخرج من داخل معطفه زجاجة خمر) كنت في اتخاذ القرارات الصعبة أتقوى بجرعة من هذا الدواء (يشرب) بجرعة من هذا الدواء قصفت هيروشيما وناغازاكي وبغداد وبلغراد وأنا على حصاني المجنح (ينتحي جانباً).‏

الحركة الثالثة‏

(تتصدع جدران القبر الذي رسم عليه قناعا المسرح، تبرز منه أربع أيد تحاول أن تتمسك بجدران القبر المتهدم)‏

صوت المهرج: (من داخل القبر) دعيني، أريد أن أخرج.‏

صوت المرأة: (من داخل القبر) رجلي على رجلك، أنا أولاً.‏

المهرج: (يبرز من القبر بلباس مهرج وعلى رأسه طرطور) أف مصيبة.‏

المرأة: (تبرز من القبر في لباس مهرج بحيث لا تخفي أنوثتها) عيب عليك، النساء أولاً، هل نسيت الإتيكيت؟‏

المهرج: وهل أنت من جنس النساء، لسانك مثل مقص الإسكافي.‏

المرأة: طبعاً، الحق لسانه طويل.‏

المهرج: (يقفز من القبر كمن يحاول الهرب منها) اللعنة، كيف تسللت إلى غرفة النوم وقد أقفلتها بالمفتاح؟‏

المرأة: (تقفز من القبر وفي يدها المفتاح) معي نسخة ثانية من المفتاح، بيننا حساب، يجب أن أصفيه معك.‏

الكابتن: (منتبهاً إلى الحديث) أنا لا أفهم شيئاً، لعلهما يمثلان مشهداً مسرحياً، يبدو أنني اليوم في حاجة إلى الشراب أكثر من أي يوم (يشرب)‏

المهرج: حساب! عن أي شيء تريدين أن تتحدثين؟‏

المرأة: بالطبع لن أتحدث عن الطقس.‏

المهرج: أوه.. فعلاً الطقس حار جداً هنا (المرأة تبدأ بخلع بعض ثيابها) ماذا تفعلين؟‏

المرأة: أتعرى (مقلدة إياه) الطقس حار جداً هنا.‏

المهرج: عيب، نحن لسنا في البيت.‏

المرأة: وهل كنت أفعل ذلك في البيت، كنت تأتيني طينة آخر الليل وروائح العطر الرخيص عالقة بثيابك.‏

المهرج: فنان من غير كاس وعلاقات عاطفية مثل كاتب من غير..‏

المرأة: قلم‏

المهرج: كلا.. ما حزرت، مثل كاتب من غير سكسوكة وغليون (يضحك)‏

المرأة: ذكرتني بأيام السيرك.‏

المهرج: كنت تلعبين دور الأميرة التي لا تشبع.‏

المرأة: وتلعب أنت دور العاشق المتيم.‏

المهرج: تجلسين وراء نافذة تأكلين الموز، تقشرينه وترمين القشور على أرض الشارع.‏

(تجلس المرأة وراء النافذة متخيلة تقشر الموز وترمي القشور على أرض الشارع)‏

المرأة: وجئتني ذات يوم بسكسوكة وغليون ووردة حمراء لتغريني.‏

(يتقدم المهرج نحوها وهو يمثل المشهد حاملاً الغليون والوردة في حركات راقصة متكلفة تثير الابتسام، فجأة يدوس على قشرة موز فيتزحلق ويسقط على الأرض، وكلما نهض انزلق مرة أخرى. الفتاة تضحك)‏

المرأة: (تتقدم وتمسكه من يده وتنهضه) ثم شكلنا ثنائياً مسرحياً نقدم مشاهد من الفودفيل والأغنيات المشتركة الراقصة.‏

المهرج والمرأة: (يؤديان معاً الأغنية الكوميدية الراقصة)‏

بس بس نو آه يا بس بس نو‏

دلوعة وعمّالة تحلو (1)‏

آه يا بس بس نو‏

قطط الناس جلاجلها حديد‏

وأنت في لبس الفضة وحيد‏

آه يا بس بس نو‏

ماما ولدتك في ليلة العيد‏

دلوعة وعمالة تحلو‏

آه يا بس بس نو‏

(بعد انتهاء الأغنية ينفصلان ويبتعدان)‏

المرأة: وأحب البسُّ البسَّة وتزوجا.‏

المهرج: بل كان زواجاً فنياً، مضى شهر العسل وجاء بعده شهر البصل فغرقت البسَّة في الطبخ والنفخ.‏

المرأة: وصار البسّ ينط على أسطحة الجيران ويأتيني بعد منتصف الليل تفوح منه روائح الخمرة والعطر الرخيص.‏

المهرج: أنت ألجأتني إلى ذلك، على المسرح كنت لهلوبة المسرح، تلهبين العقول والقلوب، وفي البيت كنت امرأة شرقية رائحة الطبيخ تفوح من ثيابك. وكنتِ جبلاً من الثلج لا تذوبه شمس تموز.‏

الكابتن: ما هذا؟ طبيخ وفسيخ وروائح منكرة، أنتما لستما في المطبخ. احترما المكان الذي أنتما فيه ومن أنتما في حضرته.‏

المهرج: (ساخراً) ومن هذا الذي نحن في حضرته؟‏

الكابتن: أنتما في مكتب القائد الأعلى.‏

المهرج والمرأة: (في انحناءة ساخرة) الأعلى! (يغنيان معاً ويرقصان)‏

ما طار طير وارتفع‏

إلا كما طار وقع‏

المهرج: (يضحك) يبدو أن صاحبنا وقع على عينه فانفقأت (المرأة) طول حياتي وأنا أكره العسكر، حتى عندما أمثل دور ضابط كنت أكره نفسي (للكابتن) الفنان هو الأعلى يا كابتن.‏

الكابتن: (يشهر مسدسه) سأعلمك الأدب يا قليل الأدب.‏

المهرج: (يختبئ خلف المرأة) يخرب بيتك الشيطان ما مات.‏

المرأة: (للرجل) عيب تتخبا ورا النسوان‏

المهرج: ألا ترين أنه مجنون.‏

الكابتن: هل تتهمني بالجنون؟ إياك أن تلفظ هذه الكلمة مرة أخرى. هل تعني حقاً أنني مجنون؟‏

المهرج: ليس تماماً.. أنا أقصد مجنون ليلى، مجنون إيلزا، مجنون مونيكا.‏

الكابتن: آ.. أنا لا أعرف ليلى ولا إيلزا.. أعرف مونيكا.‏

المهرج: عظيم.. ما يهمنا هو الجنون، ربما لو خلعت هذه الملابس الكريهة تبدو إنساناً في منتهى العقل واللطف.‏

المرأة: ولكنني أحبه بهذه الملابس، انظر كم هو جميل بهذه السترة الأنيقة والنجوم البراقة (تقترب من الكاتبن في إغراء) أوه أنت رائع يا كابتن.. هل تذكرني؟‏

الكابتن: بالطبع، ولكنني لست كابتن، أنا (بزهو) جنرال يا معبودتي.‏

المرأة: (تتحسس جسمه) إذن أنت جنرال يا كابتن.‏

المهرج: (منفرداً) أوه.. هذه المرأة ما تزال تركب لي القرون.‏

الكابتن: (للمرأة) حبيبتي، إذا كان يعجبك اسم كابتن فأنا مستعد أن أنزع نجومي من على كتفي وألقيها في المرحاض.‏

المرأة: هكذا تكون التضحية (المهرج) هل ضحيت أنت من أجلي مرة واحدة؟ (للكابتن) حبيبي أنت لا تنزع. أنا التي أنزع. (تخلع قبعة المهرج) ثم تخلع بلوزة وتنورة المهرج فتظهر بثوب وردي تحته)‏

المهرج: (يتابع ما تفعل مندهشاً) كفى.. كفى يا امرأة (يغطي عينيه بكفيه) معقول؟‏

المرأة: (للكابتن) هل أتابع أم هذا يكفي؟‏

الكابتن: هذا يكفي. علماً بأن لديك الحرية الكاملة في أن تتعري تماماً.‏

المهرج: كابتن، من الأفضل أن تنتبه إلى رأسك وليس إلى كتفيك، نجومك ستطير وتصير قروناً.‏

المرأة: دعه يا كابتن إنه متخلف (تقترب من الكابتن بإغراء) لماذا تضع عصابة على عينك؟‏

الكابتن: لأن عيني صيابة أيتها الفاتنة، ما وجهتها نحو امرأة إلا وطلقت زوجها وتركت أطفالها وتبعتني وقلبها يشتغل فيه الحب، وما وجهتها نحو مدينة إلا واشتعلت فيها النيران.‏

المهرج: هذه صفات الأعور الدّجال تماماً؟‏

المرأة: (تشير إلى المسدس) وما هذا الذي في يدك؟‏

الكابتن: هذا مسدس يطلق أشعة قاتلة، اختاري أي مدينة في العالم: بابل، ماري، تدمر، أريحا، أصفهان، بكين.. حتى أطلق عليها أشعتي القاتلة وأفنيها من الوجود.‏

المرأة: (تسحب يده وتضع فوهة المسدس على صدرها) بل أطلق علي.. اقتلني بأشعتك القاتلة.‏

المهرج: يا سيدي، اقتلها وخلصني منها.‏

الكابتن: لا.. الجنرال إنسان حضاري، حتى الحيتان الجانحة، والكلاب الضالة، والقطط الشاردة نحن نساعدها، فكيف أفعل ذلك بهذه القطة الجميلة؟ (يقصد المرأة) أنا مستعد أن أفني نصف العالم ولا أمس شعرة منك بسوء.‏

المرأة: (للرجل) أي هه.. هكذا يكون الكلام يا متخلف، لم أسمع منك كلمة لطيفة طول حياتي.‏

المهرج: أنا متخلف لأن ضميري لا يسمح لي بإفناء نصف العالم، ولأنني لم أترك لك الحبل على الغارب لتعيشي حسب أهوائك؟‏

المرأة: خنقتني في البيت، عيب.. حرام.. ممنوع.. لا يظهر شعرك للناس.. ثوبك قصير.. أُف.. يا.‏

الكابتن: (يجذب المرأة إليه، يحيط خصرها بذراعه ويوجه المسدس إلى المهرج) أصولي متعصب، ومثلك لا يفهم معنى الحرية.‏

المرأة: تحيا الحرية.. تحيا الديموقراطية.‏

الكابتن: من أجل الحرية والديموقراطية أحمل هذا الكتاب المقدّس (مشيراً إلى المسدس) نحن القطب الأوحد في عالم نعيد تشكيله، عالم بلا حدود ولا قيود (للمرأة) كل هذا من أجل عينيك أيتها الفاتنة.‏

المهرج: هذا عالم بلا مفاهيم ولا أخلاق. تظن نفسك المهدي، تتشدق بعالم ديموقراطي حرّ لا جور فيه ولا فساد وما أنت إلا الأعور الدجال.‏

الكابتن: هل تسمعين ما يقوله عني يا مونيكا؟ لقد ربطت عيني لئلا أُسبب للناس الأذى.‏

المهرج: الفساد في القلب وليس في العين.‏

الكابتن: (يجذب المرأة إليه من خصرها) حبيبتي أنت خير من يعرف قلبي.. (يشير إلى القلب)‏

المهرج: هذه مقبرة وليس قلباً. ارفع يدك عن خصر المرأة، عيب عليك.‏

المرأة: تصور يا كابتن هذا الذي يتحدث عن الأخلاق يتعرى عندها هناك ويمنعني من فتح الشباك في البيت كي أتنفس!‏

المهرج: كي تتنفسي أم تقفي موديلاً على النافذة أمام جارنا الرسّام الفاشل الصايع؟‏

الكابتن: تعالي يا آنستي إلينا، تستطيعين أن تتعري، تعملي استربتيز، ترقصي في الشارع تصيري موديلاً، تشتغلي عارضة أزياء، تمارسي الجنس كما تمارسين السياسة تماماً، كل الأشياء تكتسب مشروعيتها من الحرية والمنفعة.‏

المهرج: (منفرداً) وهل كنتم غير هذا.. ذرائعيون، نفعيون، ومحرفون في كل شيء.‏

المرأة: حرية المرأة (للمهرج) هل سمعت عن حرية المرأة ومؤتمرات السكان أم أنك تعيش في العصر الحجري؟ (تضع على رأسها غطاء فرعونياً) بهذه الحرية أشعر بأنني ملكة.‏

المهرج: ما شاء الله، كنت تغسلين لي جواربي والآن تريدين أن تصيري كليوباترا!‏

المرأة: (تتقصد إغاظته) نعم أنا كليوباترا، وهذا هو أنفي، أمام هذا الأنف سجد يوليوس قيصر وأنطونيو.. آه ما من عاشق مثل أنطونيو، لو أنه يجيء الآن لتتعلم منه كيف يكون الحب.‏

الحركة الرابعة‏

(يتصدع القبر المبني على شكل هرم ويخرج منه أنطونيو في ثياب رومانية والسيف على جنبه وعلى كتفه يرخي وشاحاً طويلاً)‏

أنطونيو: (مغنياً) كليوباترا.‏

أنا أنطونيو.. وأنطونيو أنا.‏

(بإلقاء عادي) ها قد جئت يا كليوباترا لقد أيقظني صوتك من الرقاد.‏

المهرج: يا حبيبي، وزاد في الطنبور نغماً، غسالة الجوارب تصير ملكة، لا بدَّ أن القيامة قد قامت.‏

المرأة: وهل الرميكية زوجة المعتمد أفضل مني؟ كانت غسالة جوارب المعتمد فصارت زوجته.. صارت ملكة على الأندلس.‏

المهرج: وبين حانا ومانا ضيعنا لِحانا‏

المرأة: دعني من الأمثال وأعطني الأقوال.‏

المهرج: (ينحني ساخراً) يا سيدتي غسالة الجوارب، بين المعتمد والرميكية ضاع الملك وضاعت الأندلس حتى انطمست الهوية.‏

أنطونيو: كليوباترا (يستل سيفه غاضباً) من هذا المصري الحقير الذي شغلك عني؟‏

المهرج: (ملتجئاً خلف المرأة) أنا حقير يا عبد شهواتك.‏

المرأة: دعه يا أنطونيو. لا يشغلك اليوم عن فرحة لقائنا أحد (تتقدم نحوه في ترحيب ودلال في مشهد كوميدي).‏

المرأة: (تغني) أنطونيو، سيدي، هل نحن في حلم؟‏

أسالم أنت، لا أسر ولا عار؟‏

أنطونيو: (يغني) أسر!؟‏

وهمت كليوباترا‏

أتظفر بي أيدي الكماة وفي كفي أظفار؟‏

لو كنت شاهدتني والحرب جارفة‏

والصف تحتي بعد الصف ينهار!(2)‏

المرأة: كان قلبي معك وأنا في مقصورتي المطلة على بحر الإسكندرية، كنت أراقب هزيمة أوكتافيوس.‏

أنطونيو: آه (يضع يده على قلبه في شكل مثير للابتسام) لولا هذا القلب لكان غضبي عارماً على ما فعلتِ في معركة أكتيوم يا كليوباترا.‏

المرأة: وماذا فعلت يا حبيبي في هذه المعركة؟ أقسم أنني كنت أصلي لإيزيس وآمون وأدعو لك بالنصر، سأزعل منك إن أصغيت إلى أقوال الوشاة.‏

أنطونيو: تعلمين أنني لا أصغي إلى أقوال الوشاة، لقد رأيت بعيني ما فعلتِ في المعركة.‏

المرأة: وماذا فعلت أنا في المعركة يا حبيب القلب؟‏

أنطونيو: يغني‏

تسللت بأسطولك‏

من غمرتها الحرى‏

فقلت انسحبت ضعفاً‏

وقال الناس بل غدراً‏

ولو كان لهم قلب‏

كقلبي التمسوا العذرا(3)‏

المرأة: خسئ العاذلون والمبغضون (في إغراء) لقد تسللت إلى مخدعي لأتزين لك، فالمعركة بسيطة ولا تستحق أن أُقاسمك شرف النصر فيها.‏

المهرج: (منفرداً) إن كيدهن عظيم، المرأة غلبت الشيطان فكيف لا تغلب هذا المجنون؟‏

المرأة: (تضع يديها حول عنق أنطونيو) كنت أستعد لمعركة أخرى معك يا.. يا أنطونيوني الجميل.‏

المهرج: استحي يا امرأة (للكابتن) هل يعجبك ذلك يا كابتن، لقد خطفها منك أما عندك نخوة؟ أين مسدسك؟ كان الرجل من أجل إهانة أقل من ذلك يطلب خصمه للمبارزة.‏

الكابتن: هذا تخلف، المرأة يجب أن تعيش حياتها كيفما تريد.‏

المهرج: ولماذا لا تعاملون الشعوب كما تعاملون المرأة وتدعونهم في حالهم يعيشون كما يريدون؟‏

المرأة: لأنه ليس للشعوب سيقان (تضحك ضحكة مجلجلة).‏

المهرج: معك حق (يمد ساقه ساخراً) للملكات فقط سيقان.‏

المرأة: تفوه.. ساق عنز أجرب.‏

المهرج: إنهما أجمل من ساقي كليوباترا.‏

المرأة: أنطونيو.. ألا تسمع ما يقول؟‏

أنطونيو: (كمن يفيق من غفلة) ها.. عم يتكلم؟‏

المرأة: عن ساقي كليوباترا.‏

أنطونيو: (متغزلاً. يركع أمام ساقيها) آه.. كانا مثل عمودين من المرمر، من أجلهما تركت روما وراء ظهري، وحاربت صديقي أكتافيوس، كانا عقيدتي وقوميتي وانتمائي.‏

(ينهض) هل كنت مخلصاً لهما يا كليوباترا؟‏

المرأة: كنت فارساً حقيقياً، فارساً مغواراً تجيد الركوب، وحق لجنودك أن يفخروا بقائد كهذا.‏

المهرج: أمن أجل هذا حاربت يا أنطونيو؟ أين تلك الشعارات التي حشوت بها رؤوس الجنود في خطبك: مجد روما، حرية البلاد ووحدتها، العيش الرغيد لأبناء روما، الديموقراطية وإرادة مجلس الشيوخ العليا. (يخطو نحو الكابتن) ما الذي تبدل بعد ذلك يا كابتن؟ شعارات وبيانات انتخابية مخادعة، وهرطقات في الحرية والديموقراطية (يخطو نحو أنطونيو) وحاكم يحكم نصف العالم (يشير إلى ما بين ساقي أنطونيو) وهو محكوم بنصفه الأسفل (يقهقه).‏

أنطونيو: (يسحب السيف مهدداً) إخرس، لعبة السياسة ليست لعبتك يا مهرج.‏

المرأة: (تحمي المهرج) لا تغضب أنطونيو، أهون على أن ينطفئ النور في منارة الإسكندرية من أن تنطفئ البسمة في وجهك (أنطونيو يغمد سيفه ويتبسم).‏

الكابتن: عد إلى السيرك يا مهرج.. وأنت يا أنطونيو هل كانت خطبك تتضمن ذلك حقاً؟‏

كنت أظن أن مفاهيم الحرية والديموقراطية والعالمية لم تكونوا تعرفونها، وأن ما كان يحرككم هو الغرائز وحب السيطرة والفردية وأن حروبكم كانت مجانية.‏

أنطونيو: مجانية! هل كليوباترا مجانية؟ كليوباترا كانت رمزاً.. وهي القيمة العليا للحرب والسلام.‏

المهرج: (ساخراً) يا سلام، ما أجمل هذا الكلام، وحروبكم يا كابتن هل كانت نظيفة أما كانت تحرككم غرائز من نوع آخر، غرائز اقتصادية وتدميرية وعولمية.. كانت هناك مصالح الشركات والتروستات.. والمونيكات.. وكانت شهوة القتل والسيطرة.. أما نحن فلم نكن غير مجرد روبوتوات.‏

الكابتن: (يندفع نحوه ويمسكه من قميصه ويجذبه) بالع راديو.. لسانك الطويل هذا يعكر مزاجي، لن تخرج من هنا حيَّاً.‏

المرأة: ‏

(تتدخل) دعه يا كابتن، ما يهمك من لسانه ولديك هذا المسدس (الكابتن يتركه فيبتعد ويتوارى خلف المرأة) ليكن مزاجك رائقاً، ورد على الكلام بالكلام فمثل هؤلاء لا يجيدون غير صنعة الكلام.‏

الكابتن: حسن.. من أجلك يا سيدتي سأكون مسالماً.‏

المرأة: (للمهرج) أريد أن تفهم أن المرأة هي التي تصنع السلام.‏

المهرج: سلام طروادة وهيلين ذات العيون الواسعة أم سلام الفوكلاند والمرأة الحديدية؟‏

الكابتن: (للمرأة) ألا تسمعين، هذا الذي تدافعين عنه (للمهرج) قل لي من أنت؟ وباسم من تتكلم؟‏

المهرج: أنا فنان أتكلم باسم الجميع، أتكلم باسم الشعوب التي فرضتم عليها الحصار فجاعت، والمدن التي حملتم إليها الدمار فبادت.‏

الكابتن: هؤلاء كانوا في قائمة الإرهاب.‏

المهرج: (ساخراً) أهلاً.. أنتم آخر من يحق له الحديث عن الإرهاب، حدثني يا كابتن عن الذين رميتموهم في السجون حتى تعفنت أجسادهم.‏

الكابتن: من؟ نحن؟‏

المهرج: أنتم أو.. عملاؤكم.‏

الكابتن: هؤلاء كانوا خونة، مجرمين، رجعيين.. ومخربين.‏

المهرج: أ لأنهم خالفوكم في الرأي؟ حسن أنا أتكلم أيضاً باسم الجنود والبسطاء والعامة الذين خدعوا بمعسول الكلام فسخرتموهم وضحيتم بهم من أجل نزواتكم وأمجادكم الشخصية فجاع من جاع ومات في الفتن والحروب من مات.‏

الكابتن: انتبه إلى ألفاظك، هؤلاء ليسوا أمواتاً، إنهم شهداء، لقد منحناهم شرف الشهادة.‏

المهرج: (يصفر بفمه) هم يستشهدون وأنتم تكرشون.‏

الكابتن: أيها المهرج، لا معنى للحياة بدون الشهادة، الشهادة قيمة عليا نبيلة، هذه فلسفة لا يفهمها مهرج، ونحن نحافظ على القيم السامية، ولما جاء عصر الاستنساخ كرسنا هذه القيمة فعملنا نسخاً كثيرة من الشهداء.‏

المرأة: كابتن، ألم تستنسخوا أنفي هذا، فهو قيمة مطلقة في الجمال؟‏

الكابتن: (يقترب منها ويفحص أنفها) أوه.. دعيني أتذكر.‏

أنطونيو: ماذا تفعل يا جاهل؟ أهنالك من لا يعرف أنف كليوباترا؟‏

المهرج: لست بحاجة إلى التذكر، ما زال أنف كليوباترا يشعل الحروب، والحروب عزيزي الكابتن تحتاج إلى.. (ساخراً) شهداء.‏

الكابتن: ونحن حفاظاً على الجنس البشري من الانقراض استنسخنا أجيالاً للشهادة (يقترب منه) أنت مثلاً نسخة غير أصلية، إلى أي جيل مستنسخ تنتسب؟‏

المهرج: أنا نسخة غير أصلية أيُّها المزيف المجنون؟‏

الكابتن: (يشهر مسدسه في غضب وتكتسي عيناه نظرات الجنون) إياك أن تلفظ كلمة مجنون مرة أخرى.. إنها تثير أعصابي.‏

المهرج: (يختبئ خلف المرأة خائفاً) ألجميه، ألا ترين، قد يفعلها، إنه مجرم.‏

المرأة: أنت الذي أثرت غضبه. ماذا يمكنني أن أفعل؟‏

المهرج: قولي لي أي شيء، قولي لـه لقد تركتمونا بلا ذاكرة، بلا ماض ولا حاضر ولا مستقبل، رمونا مثل قمامة خارج الزمن.‏

المرأة: ما هكذا يكون الكلام (تدفع الكابتن إلى الخلف بلطف وإغراء وتخفض له مسدسه) كابتن، دعنا من ذلك قل لي هل صنعتم نسخاً من العشاق؟‏

الكابتن: بالطبع، مؤسسة دوللي للاستنساخ كانت أعمالها واسعة جداً وتلبي جميع الطلبات.‏

المرأة: وهل كانت تردكم طلبات كثيرة؟‏

الكابتن: جداً. ومن الغريب أن دولاً تطلب استنساخ علماء ومفكرين، ودولاً أخرى تطلب استنساخ نجوم سينما وتلفزيون ومغنين وسلاطين، هل تريدين أن أذكر لك أسماءها؟‏

المرأة: كلا.. أنا أعرفها جيداً، ولكن ما دمنا نتحدث في الحب، هل استنسختم نسخة من مجنون ليلى؟‏

الكابتن: من مجنون ليلى؟‏

المرأة: مجنون ليلى مثل مجنون كليوباترا.‏

أنطونيو: إن كان حبك يا كليوباترا جنوناً فأنا لا أخجل من هذا الجنون.‏

المهرج: اسكت أنت، إنهما يتحدثان عن مجنون ليلى وليس عن أهبل روما.‏

أنطونيو: أنا أهبل يا من لا تحلم أن تكون فأرة في سفينتي. (يهدده بالسيف فتشير له المرأة بالهدوء).‏

المرأة: (لأنطونيو) اهدأ حبيبي ألا ترى أننا نتحدث في الشعر (للكابتن) يا كابتن مجنون ليلى شاعر من صحراء العرب هام في البراري وجن في حب ليلى.‏

أنطونيو: وهل كانت ليلى جميلة؟ هل هي أجمل منك يا كليوباترا.‏

المرأة: يقال إن ليلى هذه كانت مثل العنزة الجرباء، قصيرة قبيحة وأنفها أفطس.‏

المهرج: أعوذ بالله من لسانك. كأنها ضرتك.‏

المرأة: (تمدُّ للمهرج لسانها مغيظة ثم تلتصق بالكابتن في دلع) حدثني يا كابتن عن أعمالكم في الاستنساخ.‏

الكابتن: في الحقيقة وصلتنا طلبات كثيرة للاستنساخ من بلدان في العالم الثالث تريد استنساخ ممثلين وممثلات ومغنين ومغنيات وراقصين وراقصات.‏

المهرج: (يغني ساخراً)‏

الفن مين يعرفه‏

غير اللي عايش في سماه‏

الكابتن: كما عقدنا على شبكة الإنترنيت صفقات لاستنساخ زعماء وملوك وسلاطين، كانت الطلبات كثيرة وملحة وكلها تقول:‏

الجميع: (يرددون معاً في إيقاع غنائي ساخر) بناءً على رغبة الجماهير العريضة، وصوناً للوحدة الوطنية، ومتابعة لمسيرة النضال، نطلب منكم عمل طبعة ثانية من جلالة مولانا السلطان مع رجاء تكرار الطبعة باستمرار كلما أصبحت الطبعة السابقة غير صالحة للاستعمال؛ وذلك تحقيقاً للخلود والأبدية لمولانا سلطان البرية.‏

المرأة: وكيف كانت الأسعار لديكم؟‏

الكابتن: كنا نعمل حسب قانون العرض والطلب، ومثل هذا الطلب الذي ذكرت طلبنا فيه سعراً عالياً، لكن كانت هنالك مشكلة.‏

المهرج: وما هي هذه المشكلة؟‏

الكابتن: المشكلة هي أنهم ما كانوا يرسلون لنا خزعة من أجسادهم فكنا نضطر إلى استنساخهم من بولهم.‏

المهرج: (يضحك ويتشقلب) يخرب بيتكم، أي سلاطين وليتم علينا؟‏

المرأة: أوه.. لا تثر قرفي يا كابتن، دعنا من الملوك والسلاطين، لقد سألتك عن مجنون ليلى؟‏

الكابتن: أعطني الاسم والكنية.‏

المرأة: قيس بن الملوح.‏

الكابتن: (يدخل غرفة الاتصال، يبحث في الحاسب عن الاسم، المرأة تقف وراءه تراقب)‏

قيس بن الملوح، لا يوجد أحد بهذا الاسم، لعله شخصية خيالية.. أوه لحظة.. عثرت على بدوي آخر اسمه قيس بن ذريح، لعله هو.‏

المرأة: كلا.. قيس بن ذريح هو صاحب لبنى، وهو الذي أحب لبنى حتى الجنون وعندما تزوجها سرعان ما طلقها.‏

الكابتن: ولماذا فعل ذلك؟‏

المرأة: خلافات تافهة بين الحماة والكنة، أرجو ألاَّ تكونوا قد استنسختم منه عشاقاً أدعياء.‏

الكابتن: هؤلاء راكبو الجمال مجرّد عواطف بلهاء يا مونيكا، لا يعرفون كيف يعيشون الواقع (يخرجان من غرفة الاتصال) هل تذكرين أيام السعادة؟‏

المرأة: كيف لا أذكرها!؟ وأنا أذكر معها تلك الفضيحة المجلجلة التي أشعلت حرباً بعدها.‏

المهرج: (ساخراً يغني لازمة موشح ابن زهر الأندلسي):‏

هل تستعاد أيامنا في الخليج وليالينا‏

أو يستفاد من النسيم الأريج مسك دارينا‏

الكابتن: هذا الصوت بالرغم من قبحه يذكرني بالغناء الذي كنت أسمعه في الخليج.‏

المهرج: الخليج الذي حولتم فيه المواويل إلى عويل.‏

الكابتن: إنها الحرب.‏

المهرج: بل إنها المرأة. هيلانه أشعلت حرب طروادة، وقتل قابيل أخاه هابيل من أجل امرأة وسراويل مونيكا قصفت مدن السلام!‏

المرأة: (تدور حول نفسها في زهو باسطة ذراعيها ثم تنحني في مواجهة الجمهور) اسجدوا لي جميعاً.. أنا التي أشعل القلوب والحروب. أنا نجم الحب والحرب والحياة والتاريخ.‏

المهرج: الله.. الله.. أصبحت غسالة الجوارب سيدة النجوم! هذه العنزة المجنونة تظن نفسها الثريا.‏

المرأة: مت بغيظك.. أنا الثريا في الأرض والسماء.‏

الحركة الخامسة‏

(بقعة ضوء على قبر يتصدع ويبرز منه رجل يرتدي الكوفية والعقال وعباءة أنيقة من الخزّ والديباج، وعلى رأسه ريشة هي رمز للكتابة والسيادة).‏

عمر: من ذكر اسم الثريا فأفسد عليَّ توبتي وأيقظني من رقادي؟ (ينهض، يخرج من جيبه زجاجة عطر ويتعطر، يتقدم نحو المرأة بحركة عاشق تثير السخرية وينشد).‏

وذو القلب المصاب وإن تعزى‏

مشوق حين يلقى العاشقينا(4)‏

المهرج: من هذا البدوي المأفون؟‏

المرأة: إذا لم يكن النسخة الثانية أو الثالثة فهو عمر ابن أبي ربيعة.‏

المهرج: أهو واحد من عشاقك أيضاً يا امرأة؟‏

المرأة: إذا كان النسخة الأصلية فهو العاشق، أنا لا أعشق النسخ المكرورة (للكابتن) كابتن هل هو النسخة الأصلية؟‏

الكابتن: لا بد أن آخذ خزعة من جسمه لأتأكد (يبحث في جيوبه عن سكين) ليس معي سكين، أعطني سيفك يا أنطونيو. (عمر يتابع الحوار مندهشاً مستغرباً).‏

عمر: ول.. ول.. الويل لكم.. هل ستأكلون لحمي يا هالربع.. (ينشد)‏

فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم‏

وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجداً‏

المهرج: (للكابتن) أصبح من الضروري أن تأخذ خزعة من جسمه؛ فهذا الشعر ليس له.‏

عمر: أنا لم أقل إنه لي، لكن هل تريدون أن أطعمكم لحمي من غير أن أنشد بيتاً واحداً من الشعر؟‏

المهرج: لماذا أنت خائف هكذا، ولماذا تعتقد أن لحمك لذيذ؟ إنهم يريدون أن يأخذوا منك خزعة يا فزعة. (للكابتن) هيَّا يا كابتن أم أنك نسيت مهنتك الأساسية كجزار للشعوب؟‏

الكابتن: قلت لك أعطني سيفك يا أنطونيو.‏

أنطونيو: لا.. الروماني يتخلى عن زوجته ولا يتخلى عن سيفه.‏

المهرج: بالطبع أنت معتاد عليّ ذلك، ألم تتخلَ عن زوجتك الطاهرة أوكتافياً من أجل تلك المغناج!؟‏

أنطونيو: أوكتافيا كانت قديسة، كانت كتمثال من حجر على جبل الأولمب، وأنا لا أحب القديسات.. أحب المرأة كنهر النيل تجري الحياة صاخبة في جسدها.‏

المهرج: (ساخراً) وأنت تسبح من الشاطئ إلى الشاطئ فوق الأمواج (يمثل بيديه حركة الجسد الأنثوي).‏

عمر: أنا لا أجيد السباحة، ولكنني أجيد الطواف، المرأة كعبة الإبداع تطوف حولها بقوافيك.‏

المهرج: وهكذا شغلتك الكعاب عن الكعبة، إلى جهنم وبئس المصير.‏

المرأة: كفاكم تلاحياً وثرثرة، أكل هذا من أجل خزعة من هذا الرجل (مشيرة إلى عمر) حسن أنا أختبره بنفسي، سآخذ خزعة من أقواله (تقترب من عمر) إن كنت فتاي فأعطني كلمة السر.‏

عمر: كلمة السر: وهل يخفى القمر.‏

المرأة: صحيح (للكابتن) إنه النسخة الأصلية (لعمر) وأذكر قولك لنا ونحن مجتمعات.‏

قالت الكبرى: أتعرفن الفتى‏

قالت الوسطى: نعم هذا عمر‏

عمر: (متابعاً الإنشاد):‏

قالت الصغرى وقد تيمتها‏

قد عرفناه، وهل يخفى القمر(5)‏

المرأة: أنا هي الصغرى يا عمر.‏

عمر: لا.. أنت الثريا، أقسم لك أنني لم أحب واحدة منهن، هن اللائي كن معجبات بي ما ذنبي أنا؟‏

الكابتن: أوه تذكرت، (لعمر) لقد نسخنا منك طبعات كثيرة كان آخرها شاعر شامي يسمى نزار قباني.‏

المرأة: كان كلاكما كنرجسة على شاطئ نهر، عاشقاً لذاته.‏

عمر: (للكابتن) هذا يسرني ولكنه لا يشبهني (للمرأة) أما زلت غاضبة مني يا ثريا (تجدل شعرها ضفيرة كنساء البدو) ألا تذكرين قولي لك:‏

من رسولي إلى الثريا فإني‏

ضقت ذرعاً بهجرها والكتاب‏

أبرزوها مثل المهاة تهادى‏

بين خمس كواعب أتراب‏

ثم قالوا تحبها قلت بهراً‏

عدد النجم والحصى والتراب(6)‏

المهرج: (يصفر) عدد النجم والحصى والتراب! يخرب بيتك ما أكذبك، "والشعراء يتبعهم الغاوون. ألم ترهم في كل واد يهيمون. وأنهم يقولون مالا يفعلون"(7).‏

المرأة: فعلاً.. أنت تكذب يا حبيبي. أنت ما أحببتني يوماً، كنت تنتقل في غزلك بين النساء كمن يفصص البزر.‏

المهرج: (يصفق، يقوم بحركات ساخرة) والبزر ملهاة الشيطان.‏

المرأة: حتى رملة يا عمر، رملة ذات الأنف الضخم كالبطيخة تغزلت بها! كنت نرجسياً لا تعشق غير نفسك.‏

عمر: أنا يا ثريا؟‏

المهرج: (مقلداً في سخرية) أنا يا ثريا..؟ نعم أنت، تربية فاسدة، أفسدك العز والمال والدلال.‏

عمر: اسكت أنت، قولي شيئاً يا ثريا.‏

المرأة: أنت لست كأنطونيو الذي ضحى بروما وبنفسه من أجلي.‏

عمر: أنا لا أملك مفاتيح روما كي أهديها إليك، ولكنني أملك مفاتيح مملكة الشعر، وقد أهديت إليك أجمل قصائدي.‏

المهرج: المرأة تطلب أن تنام في فراش، لاأن تنام في قصيدة يا غبي.‏

عمر: المرأة تبحث عمن يتغنى بجمالها يا مهرج.. فالغواني يغرهن الثناء.‏

الكابتن: لا تغلط.. هذا الكلام ليس لك إنه لشاعر استنسخناه خصيصاً لخديوي مصر. وقد بايعوه أميراً للشعر اسمه على ما أذكر أحمد شوقي، هكذا دائماً بضاعتنا رائجة، وصناعتنا نفيسة.‏

المهرج: معلوم، سلاطين الشعر شعراء السلاطين.‏

أنطونيو: شعراء المرأة هم أمراء الشعر، ليتني كنت شاعراً، ما أروع أن يكون المرء شاعراً يكتب قصائده في امرأة، المرأة جحيم الرجل ونعيمه كانت كليوباترا قيامتي وجنتي وناري ولكنني لم أستطع أن أعبر لها عن حبي وإخلاصي إلا بسيفي.‏

المرأة: (لعمر) هل تسمع؟ تعلم كيف يكون الحب، كانت المرأة بالنسبة لك مجرد دمية.‏

الكابتن: المرأة هي الدمية فعلاً، دمية في لعبة كبيرة اسمها الجنس.‏

عمر: بل اسمها الحب وأنا أحب اللعب بالدمى.‏

المرأة: وكنت تجيد اللعب.‏

المهرج: ذلك لأنه شاعر يلعب بالكلمات، الشعر لديه مجرد لعبة.‏

المرأة: وكان يغش في اللعب (مخاطبة عمر) أحدكم إما مأفون كقيس يهوى الظلال ويترك الأشياء، أو ملاعب مثلك لا يؤمن بالمرأة إلا بمقدار ما يؤمن بلعبة يلهو بها.‏

المهرج: يا حضرات أنا مهرج لا أفهم في الفلسفة، وما أظن المرأة موضوعاً للتفلسف، فمن يحدثنا عن المرأة، مع العلم بأن هذه المرأة نكدت لي عيشي؟‏

(يأخذ كل منهم وضعاً كاريكاتورياً خاصاً ويفكر كفيلسوف)‏

أنطونيو: أنا إنسان جسمي في الغرب وقلبي في الشرق، ومن خلال تجربتي ومعرفتي أرى أن المرأة هي الصراط، إما أن ترميك في نار جهنم أو ترميك في نارها، وأنت محترق لا محالة.‏

عمر: وبما أنني لا أحب السير على الصراط فإنني أرى المرأة مجرد موضوع شعري للوصف كالناقة والفرس والأطلال والليل.‏

المهرج: آه.. تعجبني هذه التشبيهات، ولكن نسيت أن تشبهها أيضاً بالثور الوحشي كما فعل شعراؤنا القدماء المحترمون، الثور الذي يحتاج إلى مجموعة من كلاب الصيد المدربة لاصطياده.. المرأة أيُّها الزملاء المفكرون هي أطلال سعادة منقرضة.. والمرأة هي الليل (لعمر) حقاً إنك لشاعر تجيد صياغة العبارة، (الكابتن) وأنت ما عندك في المرأة؟‏

الكابتن: المرأة هي المادة في تكنولوجيا اللذة، والصراط هو المرأة، نعبرها إلى عالم جديد باللذة الشهوية: شهوة الاقتصاد وشهوة السياسة وشهوة الجنس وشهوة الحداثة والثقافة التكنولوجية.. وبهذه النظرة العالمية الجديدة والواقعية.‏

المهرج: بل الحيوانية أيُّها الزميل الأبيقوري المكيافيلي.‏

الكابتن: سمها كما شئت، ولكن بهذه النظرة تسود العالم، أن تؤمن بغير هذا فأنت كنافخ في الرماد.‏

المهرج: حقاً لقد حولتم العالم إلى رماد. عليكم اللعنة، بهذه النظرة الغريزية يعم الظلام العالم.‏

أنطونيو: (في أداء شاعري) في الظلام تشع المرأة كمنارة الإسكندرية جذوة مشتعلة تتوقد.‏

(تخبو أنوار المسرح وهم ينشدون. المرأة تبرز بالضوء الفوسفوري وترقص مع الإيقاع رقصاً تعبيرياً).‏

في هذا الكون المغلق‏

المرأة نصف العالم‏

وسيبقى النصف المجهول‏

إن كان منيراً عَشَّت عينيك الأنوار‏

أو كان عتوماً أخفى عنك الأسرار‏

أنت بحاجة‏

كي تكتشف المرأة‏

أن تخرج من دائرة العتمة والنور‏

الحركة السادسة‏

(يطلُّ من البرج نافخ البوق، وينفخ فيه نفخات متتاليات ترقص على إيقاعها المرأة مقتربة من عمق المسرح حتى تقف وسط النيران، تظلم مقدمة المسرح والمرأة تستمر في الرقص باسطة ذراعيها حتى تبدو تحت الأضواء كمعبودة من نار ثم تختفي بين الحطب المشتعل، تضاء مقدمة المسرح).‏

الكابتن: يا نافخ البوق كنا نتناقش فلماذا أزعجتنا ببوقك؟‏

البواق: ألم تصحوا من نومكم بعد؟‏

أنطونيو: وهل كنا نياماً؟‏

البواق: الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.‏

المهرج: هل تعني أننا كنا أحياء ثم ذقنا الموت. (يحاول أن يسخر فيضع إصبعه على فمه ويذوقها) ليس للموت طعم.‏

البواق: ستحس بطعمه بعد قليل عندما تهوي من الصراط إلى الجحيم (إضاءة مركزة على السلَّم والصراط) تحت هذا الصراط تمتد وديان جهنم تأكل الأجساد وتقول هل من مزيد؟‏

الجميع: (يتجمعون ويمدون رؤوسهم نحو النار المشتعلة) هوو.. وو.. هل تخوفنا بالجحيم؟‏

البوّاق: الجحيم هي التي تخوفكم، هذا هو الواقع.‏

الكابتن: يعجبني منظر النار والحرائق المشتعلة. إنَّها دليل حياة ووجود، أنا أشعل النيران، أنا أحرق، إذن أنا موجود.‏

أنطونيو: لعله بركان فيزوف، يا للروعة ياله من منظر شاعري جميل.‏

عمر: بل لعلها نار القرى أيُّها البواق، فنحن نشعل النار في الصحراء ليهتدي إليها التائهون فيجدوا عندها طعاماً ومأوى.‏

البواق: بل إنها الجحيم مأواكم وأنت اليوم طعامها.‏

المهرج: (يفرقع بالضحك ويصفق بيديه فرحاً) يا هلا.. يا هلا بالجحيم إن كانت تخلصني من زوجتي ومن لسانها الأثيم. الجحيم هو المرأة.‏

عمر: لماذا تندب حظك دائماً؟ لو أحسنت الاختيار لعرفت أن النعيم حيث تكون المرأة. بشرط أن يكون الرجل صياداً ماهراً.‏

المهرج: في الحقيقة هي التي صادتني، عندما التقينا أول مرة ألقت أهدابها شباكاً في بحر جوعي، ومثل عرائس الماء سحرتني وجذبتني إليها بحديثها وغنائها، وبما أنني لم أذب الشمع في أذني، ولم يربطني أهلي إلى سارية السفينة كما فعل أوذيس فقد ساقني قدري إليها.. هكذا تحطمت سفينتي على شواطئها الصخرية.‏

أنطونيو: كليوباترا سحرتني أيضاً بحديثها وغنائها حتى تحطم أسطولي في بحر الإسكندرية، لعلها كانت أغنية مشتركة، هل تذكرها؟‏

أنطونيو والمهرج: (يغنيان ويؤديان رقصة إيقاعية معاً)‏

تعال حبيبي‏

تعالى إليَّ‏

تعال وخيّم‏

على شاطئيّ‏

فصوتي عذبٌ‏

وثغري طبٌّ‏

وقلبي ذهب‏

تعال فإني‏

لبست المبَرَّج‏

وعطَّرت جسمي‏

بعطرِ البنفسج‏

تعالى إليّ‏

تعالى إليّ‏

أنطونيو: ‏

وجئت إليها على فرس بيضاء وسفينة مطهمة.‏

المهرج: أما أنا فجئت إليها عليّ حمارة عرجاء، فكان ما كان، والعبرة لمن اعتبر.‏

أنطونيو: ألم أقل لكم المرأة هي النعيم والجحيم؟‏

الكابتن: ما دخل النعيم والجحيم؟ المرأة هي المرأة.‏

المهرج: (يأتي بحركات بهلوانية حتى يصل إلى البواق وينفخ في بوقه نفخات منفرة) المرأة بوق، إذا نفخت فيه أصدر أصواتاً مزعجة، أليس هذا صحيحاً أيها البواق؟‏

البواق: كفاكم ثرثرة.. ما هذه المسخرة، ألا تشعرون بالخوف؟ أنتم الآن في اليوم الآخر.‏

المهرج: (في سخرية غير عابئ) هل تقصد أن القيامة قد قامت ونحن نثرثر؟‏

البواق: (في جد وصرامة) نعم.. لقد قامت القيامة، وبعثر ما في القبور.‏

الكابتن: كيف ونحن لم نسمع أصوات طائرات تخترق جدار الصوت، ولم نقصف الأرض بقنابل هيدروجينية، بالعكس كنا نتحدث في السلام.‏

المهرج: ويا سلام سلم الحيطة بتتكلم.. (الحديث موجه إلى الكابتن) تفضل سيدي وحدثنا عن السلام الذي حولتم باسمه مدن الحضارات إلى ركام.‏

البواق: هيه.. صمتاً، لقد انتهت الحروب، اليوم يسود السلام العالم.‏

المهرج: (للكابتن) أسمعت.. لقد قامت القيامة وجاء السلام أخيراً، يا كابتن انتهت الحروب ولم يعد لك عمل، ابحث لك عن عمل آخر تعيش منه.. عامل تنظيفات مثلاً.‏

الكابتن: كلا، إن كنت هناك قيامة فإنها تقوم بأمرنا نحن، سأتصل بالرئيس (يدخل غرفة الاتصال).‏

البواق: مجنون، يعتقد أنه يستطيع أن يدمر الحياة الآخرة بعد أن دمر الحياة في الدنيا.‏

المهرج: (لأنطونيو) وأنت.. بوي فرند سيئ، غير مخلص، ألا تتصل بفتاتك سمراء النيل، أم أنك تفضل أن ترسل لها رسالة بالبريد الإلكتروني؟ ألا تريد أن تطمئن عليها؟‏

الكابتن: (من غرفة الاتصال) ألو.. ألو.. القائد العام يتكلم.‏

أنطونيو: يا نافخ البوق ما فعل أوكتافيوس بعدي؟‏

البواق: ومن هو أوكتافيوس؟‏

المهرج: في الحقيقة هو يريد أن يسألك عن كليوباتر عشيقته.‏

البواق: ومن هي كليوباترا، هناك كثيرات بهذا الاسم مسجلات في قوائم الآخرة؟‏

أنطونيو: يا جاهل، ليس غير كليوباترا واحدة هي ملكة مصر.‏

البواق: ملكة! ماذا تعني هذه الكلمة، يوم القيامة تبقى الألقاب في القبور تحت التراب وتبعث الأجساد وحدها.‏

المهرج: دعه يا أنطونيو ألا ترى أنه من الغباء بحيث لا يفهم معنى ملكة (أنطونيو يعجبه كلام المهرج فيصغي إليه) أنا أقول لك ما فعلت كليوباترا بعدك.‏

أنطونيو: وما فعلت بعدي؟ أنا متأكد أنها ظلت مخلصة لي، ولعلها انتحرت حزناً عليَّ.‏

المهرج: لقد حاولت محبوبتك المغناج إغراء أوكتافيوس بعدك فكشفت له عن صدرها وساقيها ورقصت أمامه، لكنه رفض أن يكون حماراً مثلك، فانتحرت.‏

أنطونيو: (مستلاً سيفه) تكذب، كليوباترا أطهر من لحيتك.‏

المهرج: (مبتعداً) مهلا ًيا رجل، كأنني أنا الذي خنتك، لقد قرأت هذا في الكتب.‏

البواق: أغمد سيفك، في هذا اليوم لا يفيدك إلا أعمالك النبيلة.‏

أنطونيو: وهل هنالك من عمل أنبل من العشق؟‏

المهرج: هذه سفسطة، أنتم أيها السفسطائيون لديكم القدرة على طرح شعارات خادعة بمضامين فاسدة.‏

الكابتن: ألو.. ألو.. القائد العام يتكلم، سيدي الرئيس (تصدر عن الجهاز أصوات مشوشة)‏

البواق: (للكابتن) تعال يا صاحب القدم الضخمة، أنت لن تستطيع الاتصال بأحد، أنت في كون آخر، الأرض أصبحت كتلة ملتهبة، (للجميع) ألا تسمعون صوت هطول المطر الناري؟.. انظروا.. (يظلم المسرح).‏

الحركة السابعة‏

(تنار الخلفية حيث النار المتأججة، المرأة تنهض من بين النيران وترقص، يعود صوت تساقط المطر، يطل الكابتن من الغرفة ثم يندفع إلى الأمام وينظر، يعتلي بعضهم درجات من السلّم ويتطلع إلى المنظر).‏

البواق: ارقصي يا روح الأرض المعذبة ارقصي، أما أنتم يا من دمرتم هذا الكائن الجميل، ألا تشعرون بالعار؟‏

(ينحدرون ويتراتبون مشكلين تنيناً رأسه القبطان وذيله المهرج، يدورون كما الثعبان على إيقاعات الرقص والموسيقى ويؤدون السرد الحكائي جماعياً بإيقاع هادئ يتصاعد شيئاً فشيئاً وبطريقة الحكواتي).‏

الجميع: كان يا ما كان، في سالف الأيام وغابر الأزمان، إنسان وثعبان، وكانت الأرض روضة من رياض الجنان، وكان الإنسان يعيش مع الإنسان عيشة حب واطمئنان، إلى أن دخل الثعبان، فأشعل فيها النيران، ثم جاء الطوفان يغسل وجه الأرض، فعاد الخصب إلى الحقول، وأزهر النخيل، لكن الثعبان الذي اختبأ في السفينة عاد ينفث النار في الديار، فاشتعلت الحرائق، وعمت المصائب، وكسفت الشمس وخسف القمر، ثم تجمعت غيوم خضر حبلى بالوعد إلى أن أمطرت السماء هدى ونوراً، وأورق السلام في مدن السلام، لكن الثعبان، عاد من فوهة البركان، ينفث النار والدخان، وأثمرت في كل مكان أشجار الزقوم، ونادى المرهقون، من أعماق الجب الأسفل يا حي.. يا قيوم.‏

(تنهي المرأة رقصتها، تتلاشى أنوار المسرح الخلفية وبقعة ضوء على البرج)‏

البواق: يا للعار، ألا تخجلون؟ لقد أعلنتم القيامة قبل أن يحين موعدها، الآن وقد قامت القيامة أنتم لا تصدقون ولا ترعوون.‏

(تضاء مقدمة المسرح، فجأةً يرن الهاتف فيندفع الكابتن نحوه ويرفع السماعة).‏

المهرج: (مشيراً إلى الكابتن) الثعبان سيتصل بعائلة الثعابين. كانت أنيابه تمطر الناس سمُّاً زعافاً.‏

البواق: يوم القيامة تخلع أنياب الثعابين.‏

المهرج: ما الفائدة؟ هل علينا دائماً أن ننتظر؟ لا ينفع غير الكلاّب لنزع الناب.‏

الكابتن: ألو.. ألو.. لا فائدة انقطع الخط.‏

البواق: ألم أقل لك: كل الخطوط مع الأرض مقطوعة.‏

عمر: إذن نحن معزولون.‏

البواق: تماماً.‏

المهرج: (ينظر حوله) ومحاصرون.‏

البواق: نعم.. أنتم محاصرون.‏

أنطونيو: (يستل سيفه) هذه مكيدة، لقد وقعنا في كمين.‏

البواق: لن تفيدكم المقاومة، أنتم أسرى في قبضة جبار قوي.‏

المهرج: أيها السادة، كنتم تقودون الجيوش والمعارك، الآن جاء وقتكم، هيا ابحثوا لنا عن مخرج.‏

أنطونيو: (يدور باحثاً) هذه النافذة الصغيرة لابد أنها تؤدي إلى طريق للخروج (يفتح النافذة فيندفع منها لسان من اللهب، يغلقها بسرعة).‏

البواق: (يقهقه) هذه النافذة تطل على واد في جهنم.‏

المهرج: هذه النار التي كنت تحرق بها السفن والمدن (لعمر) جرب حظك يا صاحب الثريا.‏

عمر: (يبحث) لابد أن النافذة الأخرى تطل على الفردوس (يفتح النافذة الثانية فتندفع منها رؤوس أفاع فيغلقها بسرعة).‏

البواق: هذه النافذة تطل على وادي الأفاعي.‏

المهرج: (لعمر) هذه شياطين شعرك يا صديقي (للكابتن) وأنت يا كابتن ألا تبحث لنا عن مخرج؟‏

(الكابتن يشهر مسدسه، يلعب به على طريقة الكاوبوي ويتقدم بحذر من نافذة ثالثة يفتحها فيندفع منها وجه بقناع جهنمي مخيف، ويدان مزودتان بظافر طويلة تمسكانه من كتفيه، وصوت صرخة مفزعة من صاحب الوجه. الكابتن يخلص نفسه بصعوبة ويغلق النافذة لاهثاً).‏

البواق: (يقهقه) هذا واحد من زبانية جهنم أيها المغتر بنفسه.‏

المهرج: لماذا لم تستعمل هذا المسدس الذي كنت تدمر به العباد والبلاد؟‏

عمر: أكاد أختنق، من يحررنا من هذا المكان.‏

الكابتن: لو أستطيع الاتصال بالرئيس، لابد أن يرسل قوة لتحريرنا.‏

البواق: إذا أردتم أن تتحرروا فعليكم أن تأكلوا من هذه الشجرة، وتصعدوا السلم، وتعبروا الصراط.‏

الكابتن: من أنت حتى تأمرنا بأن نأكل من هذه الشجرة الشمطاء؟‏

البواق: لا يعنيك من أكون، وهذه الشجرة هي شجرة أعمالكم.‏

المهرج: هل أنت جاد فيما تقول؟‏

البواق: كل الجد.. استعدوا أنا قادم. (يختفي داخل البرج).‏

الحركة الثامنة‏

أنطونيو: لا أحب السير على هذا الصراط بعد أن كان جسدها الرائع صراطي.‏

المهرج: (ينحني ساخراً أمام السلم) سيدي القائد الروماني العظيم أنطونيو، هلا تفضلتم بالمرور، لقد مددنا لك كورنيشاً على شاطئ البحر لتتنزه مع محبوبتك. وهذه كليوباترا صراطك اليوم تدعوك إليها.‏

(المرأة في خلفية المسرح وسط النار ترقص مشيرة إلى أنطونيو).‏

عمر: (يمرر إصبعه على ثمرة من الشجرة) أف، طعمها مرٌّ كالعلقم.‏

المهرج: هل تتوقع أن تثمر لك شفاهَ الثريا، إنها شجرة الزقوم أيها الشاعر، إنها واحدة من قصائدك التي فضحت بها نساء المدينة.‏

(المرأة تنهي رقصتها بوضعية تشبه حواء وهي تقدم لآدم التفاحة وتجمد)‏

حواء تقدم لك تفاحة الخلد يا عمر، هيا لماذا أنت واقف كالأهبل؟‏

عمر: وهل أنا آدم حتى تخدعني امرأة‍‍!؟ (تظلم خلفية المسرح وتختفي المرأة بين جذوع الحطب، وعمر ما يزال يقف بجانب الشجرة) قرأت عن الشجرة، ما كنت أتصور أنني سأراها.‏

المهرج: كيف وأنت الذي نظمتها ووضعت لها القوافي الماجنة، ألست القائل (ينشد):‏

إذا زرت نعما لم يزل ذو قرابة‏

لها، كلما لاقيته يتنمر(8).‏

هل تريد من أبيها أو أخيها أن يسمحا لك بزيارتها ليلاً ويركِّبا في رأسيهما القرون؟‏

عمر: وأنت ألا تخصك هذه الشجرة، ألن تأكل منها؟‏

المهرج: أنا أستطيع أن ألتهمها من جذورها، إنها ليست أكثر مرارة من لسان زوجتي. (ينتبه إلى الكابتن) هيه.. ألن تكف عن محاولاتك؟‏

الكابتن: (يحاول الاتصال) لو أستطيع الاتصال بالقاعدة الجوية كي يرسلوا لي حوامة.‏

المهرج: (ساخراً) لتعبر بها الصراط أم لتقصفه بالقنابل، هل تظنه جسراً على دجلة أم على الدانوب؟ مضى زمن القصف والدمار يا كابتن، الصراط في داخلك فهل أنت قادر على عبوره؟‏

الكابتن: في داخلي انفجارات وحرائق.‏

المهرج: في داخلك شعوب ابتلعتها ولم تستطع هضمها، أعتقد أن معك عسر هضم.‏

الكابتن: في داخلي أحزان لا تنتهي.‏

المهرج: (للكابتن) كيف تتحدث عن الحزن وأنت ما أحببت أحداً يوماً؟‏

أنطونيو: لا يعرف الحزن والفرح إلا من أكل من شجرة العشق.‏

المهرج: أحسنت يا أنطونيو صرت صوفياً، لو أن كليوباترا كانت تستحق هذا الحب، أنا أرثي لك، وليس لك الآن إلا أن تمضغ آلامك وأحزانك القديمة.‏

الحركة التاسعة‏

(يدخل نافخ البوق وهو يسير بقائمتين طويلتين تجعل طوله غير عادي، ويضع قناعاً ويحمل سوطاً، ويعلق البوق في عنقه).‏

البواق: يرفع الحزن يوم القيامة كما يرفع الكتاب، الأحزان لا تفديكم اليوم.‏

المهرج: لا تتكلم بصيغة الجمع أيها البواق المقنع. مثلاً أنا سعيد بوجودي هنا أما هذا (للكابتن) فله ضمير من فولاذ لا يعرف الحزن أبداً.‏

عمر: الأحزان من اختصاص الشعراء.‏

المهرج: كذاب، كنت تنام على وسادة من الذهب، وتلبس الخز والديباج، منعماً مرفهاً، فمالك وللحزن؟ وكنت مشغولاً بفتياتك والأحداث تعصف بالمدينة. كنت عنّيناً أعمى (بسخرية مُرة) مثقفون مخصيّون.‏

(نافخ البوق يفرقع بسوطه فتعم المسرح التماعات ضوئية ويترنح الجميع)‏

البواق: كفاكم ثرثرة، تتجادلون وتتصرفون كأنكم في الحياة الدنيا ولم تدركوا بعد أنكم في الآخرة، ما الذي يخيفكم يا بني الإنسان وهذا هو الصراط أمامكم؟ هيا اصعدوا الواحد تلو الآخر. عليكم أن تعبروا هذا الصراط (للكابتن) أنت أولاً.‏

الكابتن: (يشهر مسدسه) لا أحد يملي أوامره علي.‏

البواق: ارم من يدك هذه اللعبة.‏

الكابتن: لعبة! هذه الآلة جهنمية إن برمجت تقتل فرداً إن شئت، أو تدمر مدينة بأسرها. سترى.‏

(الكابتن يحاول أن يطلق فيتبين أن المسدس مجرد لعبة تنفث الماء، ينفجر الجميع بالضحك) ساحر.. أنت ساحر حقير (للجميع) لماذا تضحكون؟ كانت آلة فعالة، خير ما أنتجته التكنولوجيا الحديثة، لكن هذا الرجال عطلها بسحره، إنها مجرد خدعة ساحر.‏

المهرج: (للكابتن) الله أكبر، سحرك اليوم لا ينفع أيها الأعور الدجال، جاء ساحر أقوى منك.‏

البواق: قلت لك ارم هذه اللعبة من يدك قبل أن أحولها إلى قنبلة موقوتة تنفجر بك. (الكابتن يرمي المسدس أرضاً) انزع هذه الأوسمة المزيفة والنجوم والقبعة.‏

الكابتن: وما الذي يتبقى مني إن فعلت ذلك..؟ كلا لن أفعل.‏

البواق: بل ستفعل.‏

(يفرقع بالسوط فتملأ المسرح التماعات ضوئية وأصوات يهتز الكابتن لها ويدور حول نفسه ثم يسقط مصعوقاً، تتوقف عملية الصعق، الكابتن ينهض مكرها ويبدأ ينزع النجوم والأوسمة والقبعة ثم الرداء والحذاء العسكري، تصدر موسيقى إيقاعية كالتي ترافق فقرات التعري، يبدو الكابتن مضحكاً، يتحلق الجميع حوله ويغنون).‏

المهرج: (والمجموعة تردد بلحن الأغنية التراثية التي تقال في الأعراس):‏

شلح الشراطيط‏

خلع البرانيط‏

عريسنا الكابتن‏

عين الله عليك‏

قلع نجومو‏

وما حدا بلومو‏

عريسنا الكابتن‏

عين الله عليه‏

خلع بسطارو‏

وسحل سروالو‏

عريسنا الكابتن‏

عين الله عليه‏

طالع من باريز‏

عامل استربتيز‏

عريسنا الكابتن‏

عين الله عليه‏

(المهرج يحمل أغراض الكابتن ويتجه نحو عمق المسرح حيث تنار الخلفية. يرمي الأغراض تحت قدمي المرأة).‏

المهرج: (وهو يزن بيده الحذاء العسكري) يخرب بيته كم هو ثقيل، حذاء أبو القاسم الطنبوري أخف وأشرف منه، بهذا الحذاء طغى في البلاد، وداس العباد، ونشر في الأرض الفساد.‏

البواق: (للكابتن) هيا اصعد السلم وسر على الصراط.‏

(الكابتن يصعد على السلم والمجموعة ترافقه بالغناء).‏

المهرج: (يغني والمجموعة تردد):‏

درجة درجة اطلاع يا كابتن‏

وفي العلالي أحلى فرجة‏

وفي العلالي تلقى الغالي‏

ما تقول مالي مالك فرجة‏

(يختفي الكابتن وراء الستارة ويسمع صوت سقوط مدو)‏

الجميع: (في أسف يثير السخرية) يا حرام.. سقط الكابتن!‏

البواق: سقط في الجحيم الذي صنعه للآخرين.‏

المهرج: إه.. الله لا يرحمه. شعارات حزبية وسجون ومعتقلات وجرائم وتطهير عرقي وتأليه.. قالوا لفرعون مين فرعنك قال ماشفت حدا يردني.‏

عمر: تعلم كيف يصعد ولم يتعلم كيف يهبط.‏

المهرج: فلنحتفل بهذا الحدث العظيم، كأسكم يا شباب (يرفع يده كمن يحمل كأساً)‏

أنطونيو: (لا يرفع يده) أنا لا أرفع كأساً إلا لكليوباترا.‏

البواق: (لأنطونيو) أنت جاء دورك، ارم هذا السيف واخلع الوشاح.‏

أنطونيو: (يستل سيفه مهدداً) القائد الروماني يموت ولا يرمي سلاحه أو يخلع وشاحه.‏

البواق: أمازلت تعتقد أنك في الحياة؟ (يفرقع بالسوط فتصدر التماعات ضوئية ويدور أنطونيو حول نفسه مترنحاً ويسقط منه السيف).‏

المهرج: (يلتقط السيف ويجذب الوشاح من على كتف أنطونيو) اخلعه يا أنطونيو، إنه مجرد خرقة ملطخة بالدم، ويدك اليوم ما عادت تستطيع حمل هذا السيف.‏

(ينزع أنطونيو الوشاح ويصعد السلم، المهرج يحمل الوشاح والسيف ويرميها تحت قدمي المرأة).‏

عمر: (يدور متفحصاً المكان) هذا المكان مغلق بإحكام، لا أحد يستطيع الخروج.‏

المهرج: لا يوجد غير طريق واحد يتجه إلى الأعلى (مشيراً إلى السلم، ثم موجهاً كلامه إلى أنطونيو) تشجع يا أنطونيو، كليوباترا في انتظارك، ستسقط في أحضانها بعد قليل.‏

أنطونيو: (في أداء كوميدي استعراضي متكلف) كليوباترا.. يا نعيمي وجحيمي.. كليوباترا‏

ردي على هامتي الغار الذي سلبت‏

فقبلة منك تعلوها هي الغار(9)‏

(يتابع حتى يختفي وراء الستارة، ثم يسمع صوت سقوط قوي).‏

المهرج: (يندفع، يصعد بضع درجات من السلم، يطل حيث سقط أنطونيو)‏

يا للجحيم! اللهم قنا عذاب النار (يمعن النظر) أوه.. إنه هناك، لقد سقط في أحضانها (يطلق ضحكة قوية) وهي تغمره الآن بالقبلات (ينزل) مسكين طوني، لقد غرق الأهبل في جحيم الإسكندرية (يتجه نحو عمر وينحني أمامه ساخراً) حضرات السادة العشاق لقد جاء دوركم (عمر ينهره فيبتعد) لا تغضب، نار العشق تدعوكم (للبواق) انفخ له بالبوق يا.. يا نافخ البوق.‏

البواق: (يشير إلى عمر بالسوط) أنت.. اصعد.‏

عمر: من.. أنا؟‏

المهرج: ولو.. وهل يخفى القمر؟‏

عمر: لم أكن ملكاً ولا أميراً ولا جاداً في الحب حتى ألقى المصير نفسه.‏

المهرج: ولكن كنت أميراً في مملكة الشعر، وتبعك الغاوون والغاويات، أغرقت المدينة بالمسلسلات من قصائدك وأخبارك ومغامراتك، ألم يكن في المدينة غير النساء، ألم يكن فيها بؤساء؟‏

عمر: من أنت حتى تحاكمني؟ هذه حياتي الخاصة.‏

المهرج: حياتك الخاصة! لقد استنسخوا منك وزراء للإعلام وكتاباً وشعراء وخطباء أغرقونا بالبيانات والشعارات والخطب والمسلسلات التافهة.‏

البواق: انزع هذه الريشة من على رأسك، واخلع عباءة الخز.‏

(ينزع عمر الريشة ويخلع العباءة فيخطفها منه المهرج ويرقص ويغني)‏

نزع الريشة‏

لبس الخيشة‏

عموري الغاوي‏

عين الله عليك‏

(المهرج يتابع الغناء بكلمات ولحن القد الحلبي عموري وهو يدور حول عمر ويؤدي حركات راقصة وكوميدية).‏

عموري يا عموري يا عمير الخي‏

يا خدودك ورد الجوري رابي عالميّ‏

عموري يا ريتك وردة في بستاني‏

لارعاها بعيني يا أحلى السمراني‏

(عمر يصعد السلم والمهرج يتابع الغناء):‏

حلفتك بالله لا تروح وتنساني‏

يا أغلى على قلبي ونور عيني‏

(عمر يقف في أعلى السلم متردداً).‏

المهرج: تشجع يا رجل، اليوم تلقى هناك جميع المتسكعين من أمثالك الشعراء (يهم عمر بمتابعة السير) غير معقول أن تفارقنا قبل أن تنشدنا شيئاً من شعرك.‏

عمر: (ينشد):‏

وذو القلب المصاب وإن تعزَّى‏

مشوق حين يلقى العاشقينا(10)‏

المهرج: سلامة قلبك يا صاحبي.‏

(المهرج يضع أغراض عمر تحت أقدام المرأة، عمر يتخطى الستارة ويختفي خلفها ثم يسمع صوت سقوط، تعتم خلفية المسرح).‏

المهرج: الآن يلتقي جميع العشاق.. هيه (يقوم بحركات بهلوانية، يصعد درجات من السلم ويطل) لقد ابتلعته شهوة الشعر (يضحك) أراه يشوى على نار من قوافيه (ينزل ويتحسس جسمه) الحمد لله على السلامة.‏

البواق: (للمهرج) والآن جاء دورك، هيا.‏

المهرج: أنا.. ما دخلي أنا.. أنا لست سلطاناً ظلم العباد، ولا أميراً نهب البلاد، ولا شاعراً ضلل السواد، أنا فنان (ينط، يقوم بحركات بهلوانية).‏

البواق: (في إصرار) اصعد يا مهرج.‏

المهرج: أوه.. أرجوك، صحيح ألفاظك، أنا فنان.‏

البواق: هل تظن أن الحياة كانت بحاجة إلى مهرج؟‏

المهرج: (مصححاً) فنان، يا أخي فنان، أنا أغني، أرقص، أنتقد.. كوميديان. الكوميديا فن نبيل.‏

البواق: هذا صحيح، الكوميديا فن نبيل، ولكنك جعلت من الفن النبيل تجارة رخيصة وبذاءة ومسخرة، وآخرون من أمثالك كانوا للسلطان طبالين وزمارين. اصعد أيها المهرج ولا تضطرني إلى إجبارك على ذلك (يهم بأن يجلده بالسوط).‏

المهرج: لا.. أرجوك، سأصعد، ولكن بالله عليك ادفعني بيدك إلى الجحيم لئلا أقع في أحضان زوجتي ولسانها الطويل.‏

البواق: هات قبعتك فالجحيم ليست بحاجة إلى مهرجين (يعطيه القبعة فيرميها تحت أقدام المرأة).‏

المهرج: كنت أظن أنني سأنجو برأسي إذا صرت مهرجاً (يصعد السلم) جولييت أنا قادم.‏

البواق: من جولييت هذه؟‏

المهرج: هذه إحدى شخصيات شكسبير المسرحية أحبت روميو لكن شكسبير لم يزوجهما.‏

البواق: ولماذا لم يزوجهما؟‏

المهرج: لأنه كان عنيداً، وكان يتلذذ بقتل النساء، حتى ديدمونة الطاهرة اتهمها بالخيانة وقتلها بسيف عطيل.‏

البواق: أراك تدافع عن المرأة، لو كنت مكان هذا الرجل شكسبير ماذا كنت تفعل؟‏

المهرج: لو كنت مكانه لكنت زوجت روميو من جولييت لأجرعه سما أشد من الذي شربه. هل تسمح لي أن أمثل مشهداً من المسرحية؟‏

البواق: افعل ما تريد.‏

المهرج: (بحركة استعراضية ساخرة يمثل مشهداً من روميو وجولييت)(11) فليقبضوا علي يا جولييت، وليحكموا علي بالموت، فذلك يسعدني إن كنت تريدين ذلك، هلم أيها الموت، إني أرحب بك.. هذه مشيئة جولييت.‏

(يختفي وراء الستارة ويسمع صوت سقوط، يسود الصمت وتخبو الإضاءة في مقدمة المسرح، ثم يعلو قليلاً صوت موسيقى حزينة موحشة).‏

البواق: (يدور في المكان ويتلفت حولـه) جميعهم رحلوا، فني الكون، أشعر بالوحشة والحزن، ماذا يفعل نافخ البوق إذا بقي وحده؟ ولمن ينفخ في البوق إذا رحل الجميع؟‏

(يصعد السلم وعندما يصل إلى الأعلى يتجه إلى الجمهور وينفخ في البوق ثم يخطو وراء الستارة ويسمع صوت سقوط).‏

الحركة العاشرة‏

(يظلم المسرح، بقعة ضوء على شخص في أقصى الركن الأيسر من المسرح يلبس معطفاً أنيقاً وهو يولي ظهره إلى الجمهور ويجري اتصالاً بهاتف خليوي).‏

زائر الفجر: هالو سوسي، آسف أيقظتك من النوم.. الوقت الآن الفجر، أردت فقط أن أخبرك بأنني حجزت لغدائنا في مطعم وردة السلام، وللعشاء في مطعم الركن الديموقراطي.. أوه نمرتك أمس كانت رائعة، رقصة جديدة تمثل الحداثة والتراث في آن واحد.. طبعاً، هزُّ الوسط ضروري، هذه محافظة على الأصالة وعلى شخصيتنا وهويتنا، وإلا كيف نحارب أعداءنا إذا لم نحافظ على تراثنا الثقافي وهويتنا القومية‍!؟‏

تقولين إنك متعاقدة اعتباراً من الغد مع ملهى الحرية، طبعاً سأحضر، الحرية شيء مقدس عندي. آسف لا أستطيع زيارتك الآن، عندي مهمة وطنية شديدة الأهمية والخطورة، ولكنني أعدك بأن نسهر غداً.. بالطبع سأحضر معي شريط بورنو وزجاجة معتقة، طبعاً أنا من أنصار حماية المدينة القديمة بقلعتها وأسوارها وأسواقها وبيوتها.. وخوابيها ودنانها أيضاً.. تصبحين على خير.‏

(يغلق الهاتف، تختفي بقعة الضوء لتتوضع ثانية أقصى يمين المسرح حيث نجده يرفع الهاتف الخليوي ويجري اتصالاً).‏

زائر الفجر: ألو.. لا يا سيدي لم نعثر بعد على أحد، تقول اتصلت عدة مرات على الخط الأرضي..آ.. كان الخط مقطوعاً، الشبكة قديمة وبعد المطر خطوط الهاتف كلها تصبح مشوشة أو مقطوعة. حاضر سيدي.. تقول إنكم نشرتم رجال الأمن في كل مكان. نعم.. نعم.. اتصلت بمدير المشفى وهو يؤكد أنه ليس هنالك ما يدعو إلى القلق.. إنه جنون الفن.. أو فن الجنون.. بالضبط.. فانتازيا الجنون.‏

الحركة الحادية عشرة‏

(يظلم المسرح، ثم يضاء القسم الخلفي حيث تبدو النيران مشتعلة والفتاة ترقص وسطها على صوت الموسيقى رقصة النار. تشير الفتاة بيدها فيبرز الكابتن من وراء الستارة في رداء أبيض، تتابع الرقص وهي تمسك بيده وتسير في حركات إيقاعية حتى مقدمة المسرح، ثم تعود لتشير بيدها من جديد فيبرز شخص آخر في رداء مماثل، ويتكرر ذلك حتى يتكامل ظهور الجميع بما فيهم البواق، يتسارع الرقص والموسيقى المصاحبة ليتحولا من التعبيرية إلى رقصة دبكة جماعية حديثة بحيث يؤدي قائد المجموعة- المهرج- الشطر الأول من الأهزوجة وتردد المجموعة الشطر الثاني).‏

المهرج: البحر زاد‏

المجموعة: عبد الله (12)‏

(يتابعون):‏

والظلم ساد‏

عبد الله‏

وعنتر شداد‏

عبد الله‏

ترك البلاد‏

عبد الله‏

الفتاة: وحدوه‏

اصح من النوم‏

يا نايم‏

جاييلك يوم‏

يا نايم‏

ما بيرحم قوم‏

يا نايم‏

وما بينفع لوم‏

يا نايم‏

الفتاة: وحدوه‏

ما نَّا مجانين‏

يا ريس‏

ها الغلبانين‏

يا ريس‏

وها الجوعانين‏

يا ريس‏

بكره ثايرين‏

يا ريس‏

الفتاة: وحدوه‏

شدة وتزول‏

غضب الله‏

بالنار تزول‏

غضب الله‏

ما عاد مقبول‏

غضب الله‏

الليل يطول‏

غضب الله‏

الفتاة: وحدوه‏

الحركة الثانية عشرة‏

(يدخل زائر الفجر فيصمت الجميع)‏

زائر الفجر: يخرب بيتكم، مجانين وتريدون أن تشعلوا ثورة، كيف هربتم من المستشفى؟ بحثنا عنكم في كل مكان ولم يخطر ببالنا أنكم ستتخذون من هذا المسرح المهجور في طرف المدينة مكاناً لكم. (يتفحص المكان).‏

ما شاء الله.. وعملتم مسرحية (يتجول بين القبور) قبور.. وصراط غير مستقيم.. وإسرافيل ينفخ في الصور.. الله.. الله.. وجهنم أيضاً! إذن هي القيامة (يتقدم نحوهم مهدداً فيتجمعون ويتراجعون خطوات) عن أية قيامة تتحدث مسرحيتكم؟ كنا نظنكم مجانين ولم نكن نعلم أنكم إرهابيون.‏

(يقومون بحركة مفاجئة للهرب فيشهر مسدسه ويطلق طلقة منه) مكانكم.. لا يتحرك أحد منكم (يبتسم بتكلف وخبث) هيا، اقتربوا، لن أمسكم بأذى، ستذهبون معي لتمثلوا مسرحية أخرى.. تريدون أن تعرفوا أين؟ هناك في بيت خالتكم (يقصد السجن)، لقد حانت قيامتكم.. إرهابيون وتدعون الجنون (يدور ويحصرهم أمامه وهو يصوب مسدسه إلى ظهورهم) وبما أننا رحماء جداً.. وديموقراطيون جداً.. ونرعى الثقافة والمثقفين، والفن والفنانين، ونثمن عالياً الإبداع والمبدعين فإنني سأسمح لكم بتحية الجمهور قبل أن تذهبوا معي إلى بيت خالتكم، خاصة وأن سفرتكم ستكون طويلة.. طويلة جداً (يطلق رصاصة أخرى في الهواء) هيا.. تحركوا.‏

(يتقدمون باتجاه الجمهور وينشدون في‏

إيقاع بطيء).‏