انتحار غير معلن ـــ د.حمدي موصللي

مسرحية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2003

Updated: Wednesday, October 15, 2003 12:20 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ساحة في الحي السكني الرابع، في العاصمة بون‏

الفصل الأول‏

المشهد الأول‏

الزمن : فجر يوم غائم ضبابي لطيف مصحوب بزخات خفيفة من المطر. بداية صيف عام 1981‏

المنظر : حركة غير طبيعية أمام إحدى العمارات العالية. حشد من البشر والصحفيين والمصورين ورجال الأمن، وثمة جثة ملقاة على الأرض مغطاة بغطاء بلاستيكي أسود، وعدد من سيارات الشرطة وقد أحاطت بالساحة وأحالتها بأنوارها الحمراء والصفراء المتلألئة إلى مدينة ألعاب صغيرة. صوت سيارة إسعاف يقترب من بعيد معلناً اقتراب وصولها.‏

كونغسدروف: (وهو يحدق في الجثة ويفتش جيوبها.. يحصل على المحفظة الخاصة.. يفتحها ويقلب محتوياتها يحصل على البطاقة الشخصية.. يعيد الغطاء على الجثة. يقرأ البطاقة الشخصية بصوت مسموع) مأمون الرفاعي ألماني الجنسية.. مواليد الموصل –العراق /1931 متزوج الهاتف: 877660 (يكلم الرقيب) اطلب الرقم هذا يا حضرة الرقيب (يعيد قراءة الرقم على سمع الرقيب).. أعتقد أن هذا الرقم يخص الحي‏

الرقيب : (مقاطعاً).. الحي السكني الرابع يا سيدي المحقق.‏

كونغسدروف: هل استدعيتم الطبيب الشرعي؟‏

الرقيب : (ينظر إلى ساعته) منذ نصف ساعة تقريباً.. (يتجه إلى سيارته يتناول سماعة الهاتف) منزل السيد الدكتور الرفاعي.. من معي على الخط.. السيدة وصال زوجته؟..‏

(يدور حديث على الهاتف.. بالوقت ذاته تصل سيارة صغيرة ينزل منها الطبيب الشرعي ومرافقه، ويتجهان فوراً إلى الجثة ويبدأ الطبيب بفحصها. يطلب من مرافقه أن يدون خبرته..)‏

شوماخر : ... الرأس من الناحية القفوية والجبهوية مهشم تماماً نتيجة لسقوط حر من مكان عال يزيد عن ثلاثين متراً.. (يتوقف وهو ينظر إلى العمارة المرتفعة.. ثم يتابع).. أو أربعين متراً.. النزيف من الفم والأنف والجمجمة.. باقي الجسم خال تماماً من كدمات، أو جروح أو خدوش ناتجة عن ضرب مقصود.. يوجد كسور مختلفة في الأعضاء العلوية والسفلية نتيجة للارتطام الشديد بالأرض.. حافي القدمين.. إلا من فردة جورب قدم اليسار، ولا وجود لفردة جورب قدم اليمين (يبحث حواليه)و.. الحذاء أيضاً؟.. للرقيب والمحقق معاً).. هل وجدتم الـ‏

الرقيب : (مقاطعاً) ها هو.. في كيس النايلون مع فردة الجوْرب‏

شوماخر : (يسأل).. هل كان ينتعل فردتي الحذاء وفردة الجورب؟..‏

الرقيب : لا.. بل حول الجثة على مسافة منها.. فردة الجورب كانت ممزقة من الطرف العلوي، وتبعد حوالي خمسة عشر متراً عن موقع الجثة باتجاه الغرب، وفردتا الحذاء.. فردة القدم اليمنى على مسافة ستة أمتار منها إلى الشمال، وفردة القدم اليسرى على بعد متر واحد منها إلى الشمال أقرب إلى الشرق قليلاً.. كما هو واضح من التحديد المشار إليه بخط الطباشير الأبيض والأصفر‏

شوماخر : وكيف كان وضع الجثة على الأرض؟ أقصد هل تمَّ تحريكها؟ تقليبها، أو سحبها من مكانها؟‏

الرقيب : لا.. كما هي عليه.. فقط، السيد المحقق فتش جيوبها بهدوء‏

شوماخر : (إلى رجال الإسعاف) احملوا الجثة إلى المشرحة. وكيس النايلون أيضاً..‏

(رجال الإسعاف يحملون الجثة على حمَّالة عجلات.. في الوقت الذي تصل سيارة أجرة.. ينزل منها جمع مكون من امرأة وفتاة وشاب.. يهرعون جميعاً إلى باب سيارة الإسعاف الخلفي.. فجأة وبعد لحظات تدوي صرخات قوية تهز المكان تطلقها الفتاة والمرأة تعبيراً عن مصابهما، وفي الوقت ذاته تطلق سيارة الإسعاف زمورها مبتعدة)..‏

كونغسدروف: (للطبيب بهدوء).. هل تعتقد أنه مجرد انتحار؟‏

شوماخر : (وهو ينظر إلى العمارة المرتفعة) مبدئياً.. أعتقد ذلك.. ما رأيك أنت أيها المحقق؟‏

كونغسدروف: هذا يتوقف على تقريركما، وعلى متابعة بحثنا وجمع أكبر كمية من الأدلة والمعلومات (للرقيب).. هل أنهيتما عملكما؟‏

الرقيب : تقريباً.. جمعنا ما استطعنا من أدلة، وقمنا بتصوير المكان.‏

كونغسدروف: (مبتسماً للطبيب ومصافحاً).. شكراً يا سيد شوماخر.. في صباح الغد أرجو أن يكون التقرير على مكتبي مع فردة الجورب.. (ينظر إلى طبقات العمارة المرتفعة)‏

شوماخر : لا أستطيع أن أضمن لك ذلك؟.. سوف أحاول.. إلى اللقاء‏

(إطفاء)‏

المشهد الثاني‏

الزمن : ربيع عام 1970‏

المنظر : جمع غفير من الحضور يصغي للمحاضر السيد د. مأمون الرفاعي..‏

(تنتهي المحاضرة بتصفيق الحضور)‏

رئيس الجلسة: سيداتي سادتي.. انتهت المحاضرة القيمة للسيد البروفيسور.. د. مأمون الرفاعي. شكراً له وشكراً لإصغائكم.. من يريد منكم التحدث والمداخلة لإغناء المحاضرة أو الاعتراض على أفكارها أو بعض أفكارها.. كلنا آذان صاغية والسيد المحاضر جاهز للرد..‏

محاور أول: بعد ظهور الرايخ الذي أسسه بسمارك العظيم موحد الولايات الألمانية بطريقة لم يسبق لها مثيل في التاريخ وهذا ما سجلته محاضرتكم الرائعة.. أحب أن أضيف أن القوى السياسية والاقتصادية أخذت تنمو بشكل كبير. مثلاً كان عدد سكان ألمانيا منذ تأسيس الرايخ 41 مليوناً وأصبح اليوم بعد قرابة مائة عام حوالي 70 مليوناً أو يزيد.. السؤال: ظلت أغلب الانتقادات التي وجهها (نيتشة) منذ عام 1873إلى اليوم قائمة ولم تتغير.. فما هو السبب؟‏

د. الرفاعي: برأي أن المجتمع الجديد يومذاك في أساسه كان نتاجاً مزيفاً قانعاً متفائلاً بمدرسة المتحذلقين التي خصت الثقافة بالحديث الرنان. بينما كانت تبدي اهتمامها بالرخاء الاقتصادي أكثر من أي شيء آخر.‏

محاور ثان: (يتدخل) أحب أن أضيف هنا نقطة هامة‏

د. الرفاعي: تفضل‏

محاور ثان: نتج عن ذلك أيضاً ردة غالت في إعلاء النعرة القومية وطربت لمساع فيلهلم الثاني في نبرته الحادة المزعومة.‏

د. الرفاعي: (متابعاً) وانتهى ذلك أخيراً بدفع ألمانيا وفي حماسة بالغة إلى أتون الحرب العالمية الأولى التي راح ضحيتها ملايين من الشعب الألماني وسقطت حينها كل أقنعة الزيف والخداع التي كانت تحجب الرؤية الطبيعية البشرية، وتخفي قدرتها على ارتكاب الفظائع المستمرة، وكان الرايخ الذي بدا رمزاً لتفوقها قد تلاشى في بضعة أيام مخلفاً في مكانه الفوضى، وخيبة الأمل، ومع هذا وفي بعض الأحايين نجد من يصر على إعادة عظمة ألمانيا العسكرية بأي ثمن وبأية وسيلة، وهذا ما حصل فيما بعد.. ألمانيا في عهد هتلر وما حدث للرايخ مرة ثالثة.‏

محاورة : (مقاطعة المحاضر وبانفعال واضح) السيد المحاضر.. اعذرني على هذه المقاطعة، واسمح لي بأن أسألك.. لمَ لم تشر إلى ذلك خلال محاضرتك؟‍!‏

د. الرفاعي: بكل بساطة.. تركت ذلك للحوار الذي يدور الآن بيننا‏

محاورة : لا أعتقد ذلك.. وأرى أن ما قلته اعتقاد شيوعي على الأغلب‏

د. الرفاعي: أنت حرّة فيما تعتقدين‏

محاورة : هذا مجرد رأي.. وهناك رأي آخر عندي هو أنك لم تشر إلى ذلك لأنك تشعر بالدونية.. مجرد لاجئ سياسي اكتسب الجنسية الألمانية‏

رئيس الجلسة: الرجاء الهدوء.. هذا مجرد رأي دعونا نكمل.. د. رفاعي بإمكانك الرد‏

د. الرفاعي: (بألم).. على كل حال هذا التخمين قد يكون صحيحاً ويشعر به الكثير منا نحن مكتسبي الجنسية بما فيهم أنا إزاء من يريد لنا ذلك.. أنا عالم فيزياء نووي أخدم هنا وأعيش هنا بحب وإخلاص، لكن أحب بلدي أكثر وأنا لا أُغالي، وبلدي بحاجة ماسي لي، وأحلم بأن أعود إليه، وأمد يد المساعدة له ليكون قوياً ولكن؟..‏

محاورة : (مقاطعة).. ولكن أنت هنا في ألمانيا‏

د. الرفاعي: صودرنا في أوطاننا.. هاجرنا خفافاً وثقالاً.. وحتى هذه الساعة أحلم بأن أعود إلى وطني.. أن أبني وطني الذي ولدت فيه وعشت طفولتي وشبابي فيه..‏

محاورة : (بانفعال تحاول إحراجه) اللعنة على ألمانيا التي تمنح المواطنة لناس لا يشعرون بها إلا كملاذ وأمان.. إذا لم تشعر بأنك مواطن ألماني فعد في الحال إلى وطنك‏

د. الرفاعي: أنا مواطن يا آنسة ولي حقوق المواطنة وعليَّ واجبات. أقوم كأي مواطن ألماني بخدمة الأرض التي آوتني وأعيش عليها. أما عن موطني الأصلي فهو راسخ فيَّ كشجرة السنديان في جبال الموصل؟.. بالتأكيد عندما يحين الوقت المناسب سأكون أول العائدين إليه.. الوطن غال يا آنسة.. غال.. (ينهض ويعتذر عن إكمال المحاضرة)‏

إنني شديد الأسف.. أرجو قبول اعتذاري عن إكمال الحوار.. أشعر بضيق ألم بي..‏

(تنتهي المحاضرة بخروج المحاضر ويعم الصخب ويعلوا الحوار الحاد بين الحضور)‏

(إظـــلام)‏

المشهد الثالث:‏

الزمان : صيف عام 1972 /أثناء انعقاد دورة الألعاب الأولمبية. الوقت عصراً‏

المنظر : الدكتور مأمون الرفاعي وزوجته وصال وطفلته عفاف حول طاولة مستديرة يأكلون الحلوى ويشربون الشراب البارد والساخن..‏

وصال : (وهي تبعد من أمامه صحن الحلوى) يكفي قطعة واحدة.. أنت مريض سكر وعليك بالحمية القوية‏

د. الرفاعي: (يتوسل بعفوية).. قطعة أخرى أرجوك.. وسأكتفي..‏

وصال : لا.. أنت هكذا دائماً.. ترفض‏

(الفتاة الصغيرة تسرق قطعة من أمام والدتها وتعطيها لأبيها وهي تضحك.) هه.‏

عفاف : هه.خذ بابا.. بابا هي لك.‏

د. الرفاعي: (يخطفها ويضعها في فمه بسرعة) آه.. ما أحلاها وما ألذ طعمها.. قطعة أخرى يا حلوتي ونور عيني‏

وصال : (مؤنبة) يا شقية.. ابنة أبيها (ترفض بانفعال) ولا قطعة.. حتى لو كانت بحجم حبة الحمُّص سأشكو أمرك إلى الطبيب.. أنت مريض سكر..‏

د. الرفاعي: الطبيب.. الطبيب.. (بحنان) يا زوجتي العزيزة.. يقول المثل العراقي "محروم وقع بسلة كروم" واليوم عيد الرياضيين.. ورياضيو العراق في ميونيخ وكذلك أكثر العرب في هذه الدورة مشاركون فعلينا أن نحتفل بقدومهم إلى ميونيخ.. أريد قطعة يا بنت الحلال.. اليوم عيد.. عرس العرب في ميونيخ يا وصال‏

(يصمت فجأة وبحسرة ولوعة يغني مقطع من أغنية عراقية معروفة وحزينة عن الغربة والأهل (1))‏

الأغنية (2)‏

اللـي مضيع ذهب ... بسوق الذهب يلقاه‏

واللـي مفارق محب ... هي سنة وينساه‏

واللـي مضيع وطن؟ ... وين الوطن يلقاه؟!‏

-بعد لحظات من عرض اللوحة الخاصة.. عودة لنتابع المشهد في المكان ذاته‏

وصال : (لزوجها الذي غاب عن أسرته للحظات) هيه.. يا دكتور نحن هنا‏

عفاف : بابا نحن هنا.. (تُلوّح أمام عينيه بأصابعها وهي تضحك).. نحن هنا‏

د. رفاعي : (ينتفض) نـ.. نـ.. نعم‏

وصال : نحن هنا وأنت غائب عنا..؟‏

د. رفاعي : لا.. لا مانع.. مجرد ذكريات وحنين‏

وصال : الوطن مرة أخرى.‏

د. رفاعي : مرات ومرات يا وصال.‏

وصال : نحن نعيش في ألمانيا على أحسن حال.. ونحن ألمان بالتالي‏

د. رفاعي : لا.. أنت الأقرب لأنك ألمانية.. وأنا مكتسب للجنسية‏

وصال : وأنا من أصل عربي أيضاً، وأبي من قبل اكتسب الجنسية مثلك أيضاً!‏

د. رفاعي : بل من أب عربي مصري وأم ألمانية‏

وصال : ما هذا التعصب الأعمى؟! ألا يكفي أن يكون والدي عربياً لأكون عربية؟!‏

د. رفاعي : بلى..‏

وصال : (بانفعال).. إذن؟‏

د. رفاعي : لا أقصد ذلك أبداً‏

وصال : وما الذي كنت تقصده؟‏

د. رفاعي : الشعور الذي أحسّه بداخلي هو أقوى مما تتصورين‏

وصال : كيف؟‏

د. رفاعي : أنت عربية من مصر.. الولادة في بون والدراسة في بون ولا تعرفين مصر إلا من خلال تلك الزيارات التي قمت بها إلى مصر كسائحة لشهر أو لبضعة أيام وهذه لا تكفي لتمكين الارتباط ونمو الشعور الداخلي والوجداني والانتماء والهوية..‏

وصال : أنا زوجتك وأم طفلتك التي ولدت في ألمانيا أيضاً ولدي شعور لا يقل عن شعورك أيضاً وأعرف الكثير عن مصر والعرب.. (تبكي) أنت هكذا دائماً.. قدري أن تكون أمي ألمانية ووالدي عربياً، وقدري أن أولد في بون وأن أدرس فيها.. وقدري أيضاً أن أحبك وأقبل بك زوجاً وعربياً أيضاً‏

د. رفاعي : (يخرج منديله القماشي من جيبه ويمسح دموع زوجته).. لا عليك لم أكن أقصد جرح شعورك فأنت زوجتي وأم طفلتي (يأخذ الطفلة إلى صدره) وحبيبتي.. لكن العراق وطني وحدي وأنا الغريب.. السهل والجبل والنهر والخليج والسماء والصحراء والموصل وبغداد والبصرة وكل المدن والقرى والناس والجيران وملاعب الطفولة والأطفال الذين كبروا والحارات والدروب الترابية والشوارع والمساجد والكنائس والأضرحة والتكايا والمدارس والكتاتيب والعلماء والشعراء والمقاهي والمسارح ودور السينما والخمارات وأماكن اللهو ولعب القمار ودور البغاء والعصافير وحتى الكلاب الشاردة، عواء الذئاب في براري الجنوب، وأبناء آوى وثعالب السَّواد وضواريها، ونسور وصقور وبواشق، وأفاعي جبال الموصل، ووديان الكرخ ودهوك وأربيل والسليمانية.. إنه الحزن والفرح.. إنه تاريخ من الذكريات.. إنه الماضي الذي يلقي بثقله على الحاضر ليعيد تشكيل المخيلة من جديد.. إنه الانتماء والهوية.. هذا هو وطني وهذا هو شعوري يا وصال فاعذريني‏

وصال : لن نختلف وأعذرك.. لكن العراق ليس لك وحدك.. نحن جزء منه أيضاً.. لي ولطفلتك.. اخترته عندما اخترتك، وفي أحشائي نبت وترعرع ليكون طفلة جميلة اسمها عفاف.‏

(تمد يديها لطفلتها وترفعها نحوها وتقبلها.. ينضم إليهما الأب ويقبلهما بلهفة وحنان، وعلم صغير للعراق على الطاولة أمامهم)‏

د. رفاعي : آه.. لأول مرة ومنذ سنوات أشعر بأن جزءاً من وطني معي ولم أنتبه إليه..‏

(يقرب العلم أمامه.. تتقدم فتاتان من الطاولة)‏

الفتاة1 : مساء الخير‏

الفتاة2 : بالتأكيد الدكتور مأمون الرفاعي عالم الفيزياء المشهور وعائلته‏

(ينهض الدكتور وزوجته مرحبين)‏

د. رفاعي : أهلاً بكما هذه زوجتي وصال وهذه الأمورة. طفلتي عفاف‏

الفتاة2 : (تقبل الطفلة).. طفلة جميلة سمراء.. يا لعينيها البابليتين‏

الفتاة1 : ابنة أبيها العراقي.. أعتقد أن العمر جاوز السابعة بقليل‏

وصال : (وهي تمرر يدها على شعر عفاف)‏

منذ شهر تقريباً انتهت السنة الثامنة‏

د. رفاعي : (بدهشة لفتاة1) إن لم تخني الذاكرة، فأنت المحاورة التي قابلتها قبل سنتين أثناء محاضرة لي في قاعة المعهد الحكومي في بون.‏

الفتاة1 : (بإعجاب) ذاكرة رائعة يا دكتور.. أنا التي حاورتك واختلفنا لدرجة أنك اعتذرت عن متابعة المحاضرة.‏

أنا هيلغا براون، وهذه صديقتي ايفا شنايدر، كنا معاً في المحاضرة.. كلانا أنهى الدراسة في المعهد المذكور قبل ثلاث سنوات.. أنا أعمل في بون وهي تعمل في ميونيخ في فروع المؤسسة نفسها. نلتقي دائماً في العطل الرسمية والأعياد ولم نفترق منذ تعارفنا.‏

د. رفاعي : عظيم. رائع!. تفضلا واجلسا لنحتفل معاً.. (لنادل المقهى) كرسيان إذا سمحت‏

ايفا : لا.. شكراً حان وقت الدخول إلى الملعب‏

هيلغا براون: بالتأكيد سيكون حفل الافتتاح رائعاً وعظيماً.. الحكومة صرفت عليه مئات الملايين من الماركات. أعتقد أن الدكتور والعائلة حضروا خصيصاً من أجل حضور حفل الافتتاح؟‏

د. رفاعي : هذا صحيح وأيضاً من أجل رؤية المنتخبات العربية وهي تتنافس مع الدول المشاركة‏

هيلغا براون: والعراق؟‏

د. رفاعي : (بدهشة) طبعاً! إنه وطني. والفريق العراقي هو أحد الفرق العربية المشاركة، ولهذا سأبقى طيلة أيام الدورة أرافق اللاعبين العراقيين والعرب.. خصصت نصف إجازتي السنوية لهذه الدورة.‏

ايفا : (بابتسامة) بالتأكيد ستكون العائلة معك أيضاً طيلة الدورة، وسوف تتمتعون بطيب الإقامة.. مدينة ميونيخ من المدن السياحية والثقافية الهامة.‏

د. رفاعي : العائلة ستبقى في ميونيخ يومين، وسنحاول تكثيف الزيارة، وسنزور أكثر المواقع السياحية والثقافية التي تزدهر بها ميونيخ‏

ايفا : يومان فقط،؟!.. لا هذه زيارة سريعة.. ميونيخ تحتاج أسبوعاً واحداً على الأقل‏

وصال : ابنتي عفاف في المدرسة وأنا أعمل مُدرِّسة في مدرسةٍ عربيةٍ خاصة، والامتحانات على الأبواب. زوجي سيبقى في ميونيخ طيلة أيام الدورة‏

هيلغا براون: على كل حال.. كانت صدفة جميلة سعيدة جمعتنا.. آ.. صحيح.. أريد عنوانك في بون.. قد أحتاج لسؤال ما.. فأنا أفكر جدياً في التحضير لدراسة الماجستير في الفيزياء..‏

د. رفاعي : عظيم!!.. وأنا على أتم الاستعداد للمساعدة رغم اعتقادي الكبير بأننا سنختلف كثيراً كما اختلفنا سابقاً.. (يسحب بطاقة عنوانه من حقيبته الصغيرة، ويقدمها لها).. تفضلي‏

هيلغا براون: (تنظر في البطاقة) شكراً.. عنوان المكتب وعنوان المنزل..‏

(تفتح حقيبتها الجلدية وتخرج بدورها بطاقة عنوانها).. تفضل وهذه بطاقتي أيضاً‏

د. رفاعي : (يتناولها دون النظر إليها ويدسُّها في حقيبته) شكراً.. (يتصافح الجميع)..‏

ايفا : (قبل أن تبتعد.. تقدم بطاقة عنوانها للدكتور)..‏

هذه بطاقتي أيضاً. أنا مستقرة في ميونيخ مع والديَّ وأخي.. قد نراكم في ميونيخ‏

(تلتفت نحو وصال).. آ.. صحيح أين تنزلون؟‏

وصال : عند صديق عربي.. مهندس بترول من السعودية.. كما تعلمين الفنادق في ميونيخ محجوزة منذ أشهر، وأفضلية الحجوزات للأجانب والسياح.‏

هيلغا براون: (تلوّح بيدها) وداعاً‏

ايفا : (تلوّح بيدها) وداعاً‏

أسرة الرفاعي: (يُلوِّحون بأيديهم).. وداعاً‏

المشهد الرابع‏

الزمن : اليوم الخامس من دورة الألعاب الأولمبية. الوقت: صباحاً‏

المنظر :د. الرفاعي يحتسي فنجان القهوة ويقلب موجات المذياع.. حتى يستقر على صوت المذيع المحلي..‏

المذيع : ... هنا راديو ميونيخ.. لاحقاً لخبرنا السابق فقد تأكد فعلياً أن مجموعة من الفدائيين العرب الفلسطينيين ينتظمون في منظمة قتالية لمحاربة إسرائيل يطلق عليها منظمة أيلول الأسود، قد تسللوا إلى داخل القرية الأولمبية في وقت متأخر من ليلة أمس، وهم يرتدون الزي الرياضي، ويحملون حقائب رياضية يعتقد في داخلها أسلحة وقنابل، واحتلوا جناح الوفد الإسرائيلي. في فندق القرية. عودة أخرى إلى مراسلنا في موقع الحدث.‏

مراسل الإذاعة: أيها المستمعون: كما أكدنا سابقاً، إنه بين الواحدة والنصف والثانية تماماً تسلل عدد من العرب الفلسطينيين التابعين لمنظمة فدائية تطلق على نفسها اسم /أيلول الأسود/ بالزي الرياضي المتعارف عليه إلى داخل القرية الأولمبية التي تنام فيها وفود الدول المشاركة في الدورة، وقد دخلوا إما عبر سور الملعب الرئيسي، أو بشكل عادي من الباب الرئيسي كلاعبين مشاركين ضمن الوفود التي تنزل في القرية الأولمبية، وفي الثانية تماماً سمعت طلقات رصاص رشاش صادرة عن بندقية آلية من نوع روسي الصنع.. كلاشينكوف كتلك التي اعتدنا سماع طلقاتها عبر الجدار الفاصل بين الألمانيتين وقد صدرت هذه الطلقات من جناح الوفد الإسرائيلي في فندق القرية، وقد قتل أحد المصارعين الإسرائيليين. أكد ذلك مرافق الوفد وهو ألماني أطلق سراحه المهاجمون بعد السيطرة على الجناح الإسرائيلي والتأكد من هويته.. ساعتان حتى الآن، وحالة من الخوف والترقب الشديدين تسودان المكان.. لم تصدر بعد أي تعليقات عن أي جهة أو مصدر سواء من الحكومة أو من الفدائيين.‏

قوات الأمن المركزي الآن تضرب طوقاً من الحصار الشديد حول القرية، وهي تمنع الدخول والخروج منها وإليها.. سنوافيكم لاحقاً بآخر المستجدات على الساحة.. عودة الآن إلى مركز الإذاعة في بون.‏

د. الرفاعي: (بانفعال ينهض ويغلق مفتاح المذياع).. معقول؟!.. لا أصدق؟!.. مستحيل!! ماذا سيقول الشعب الألماني عنا، وهو الذي تعاطف معنا؟ ماذا ستقول شعوب العالم عنا؟.. وأغلب دول العالم تقف اليوم معنا وتناصرنا لأننا أصحاب قضية وأصحاب حق.. ما ذنب الرياضيين الذين جاءوا للعب والمنافسة؟ (لنفسه) لا..‏

(يهرع إلى باب غرفة صديقه ويطرقه بقوة)..‏

عبد العزيز.. عبد العزيز (يبتعد عن الباب وهو يفرك أصابع يديه ببعضها) الفدائيون.. الفدائيون يا عبد العزيز فعلوها.. (يستمر الطرق من جديد ثم يبتعد كمن يفكر بقلق).. ولم لا يفعلوها؟.. إنهم أصحاب قضية وأصحاب حق.. فعلوا ذلك من أجل لفت أنظار العالم إلى حقيقة ما حدث ويحدث لشعبنا في فلسطين وفي بقية الأراضي العربية المحتلة، ومن جرائم قتل وتشريد وتنكيل وهدم للبيوت وللمدن والقرى والمزارع، وتدنيس الأماكن المقدسة من جوامع وكنائس..‏

(يقاطعه دخول عبد العزيز في ثياب النوم)‏

عبد العزيز: ماذا هناك؟.. لمّ تصرخ؟! لم ننم بعد.. عليك أن تخلد للراحة.. سنتابع الألعاب مع أصدقائنا بعد ساعات، ونتابع السهر ليلاً مع الرياضيين العرب..‏

د. الرفاعي: (بحسرة) لا.. لا أعتقد أننا سنتابع الألعاب أو نسهر بعد اليوم‏

عبد العزيز: ماذا تقول؟! هل حدث مكروه ما؟ أم الحرب نشبت من جديد بين العرب وإسرائيل؟ كل ما أعلمه أن حرب الاستنزاف على الجبهتين المصرية والسورية مستمرة..‏

د. الرفاعي: يا سيدي ما حدث هو هنا في ألمانيا وليس هناك في الجبهة‏

عبد العزيز: (يقاطعه بسخرية) لا شك أن الألمان اكتشفوا أخيراً قبر الرايخ الثالث الفوهرر هتلر‏

د. الرفاعي: (بنفور) لا‏

عبد العزيز: لا!.. هل توفي المستشار الألماني الحالي.. فقد كان مريضاً..‏

د. الرفاعي: لا.. لا..‏

عبد العزيز: (مقاطعاً) قد تكون الممثلة العظيمة رومي شنايدر ماتت بالسرطان؟‏

أو بقدرة قادر خرج بسمارك العظيم من قبره ليوحد الألمانيتين من جديد‏

(يقاطعه بغضب)..‏

د. الرفاعي: أتسخر يا رجل؟ على رسلك.. حدث أمر أخطر مما تتوقع‏

عبد العزيز: ما هو؟‏

د. الرفاعي: الفدائيون‏

عبد العزيز: (متابعا بإعجاب) عظيم.. رائع..!! أعتقد أنهم اختطفوا طائرة صهيونية جديدة وأرغموها على النزول في ألمانيا، أو في روما.. باريس.. أو في مطار اللد في فلسطين المحتلة..‏

د. الرفاعي: استمع إلى الراديو‏

(د. الرفاعي يفتح قاطع صوت المذياع)‏

مراسل إذاعة بون: .. المستشار /فيلي برانت /يرأس الاجتماع المنعقد الآن للحكومة بكامل أعضائها في بون.. سنوافيكم أولاً بأول بنتائج الاجتماع وبالخطوات التي ستتخذها الحكومة لإنهاء عملية احتجاز الرهائن.. نحب أن نذكر أن عدداً من الاتصالات تلقاها المستشار. من السيد نيكسون رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ومن السيد جورج بومبيدو رئيس جمهورية فرنسا، وكان قد تحدث مع رئيسة وزراء إسرائيل غولدا مائير، ووزير دفاعها موشيه دايان مطولاً، وأكدوا أن إسرائيل لن تخضع للابتزاز الفلسطيني وفي جعبتها أكثر من حل.. مراسل إذاعة بون... (عبد العزيز يغلق المذياع)‏

عبد العزيز: لم أفهم.. إذن هناك حدثٌ ما قد وقع؟!..‏

د. الرفاعي: نعم.. الفدائيون العرب الفلسطينيون احتجزوا اللاعبين الإسرائيليين في فندق القرية الأولمبية وقد قتل أحد الرياضيين الإسرائيليين المحتجزين أثناء عملية الاقتحام..‏

عبد العزيز: عظيم!.. وما هي مطالبهم؟‏

د. الرفاعي: حتى الآن لم ترد أخبار تتحدث عن مطالب محددة‏

عبد العزيز: أعتقد أن المطالب سوف تنحصر كالعادة بالإفراج عن عدد ما من المعتقلين في السجون الإسرائيلية الذين يتعرضون للتعذيب والتنكيل.‏

د. الرفاعي: (بعفوية يرفع يديه نحو السماء ويدعو) الله يقوُّيهم وينصرهم.‏

عبد العزيز: ولكن؟!.. كيف استطاعوا دخول القرية والفندق واحتجاز الرهائن، والحرس يملأ أرجاء المكان، ومعهم الكلاب المدربة وأحدث أجهزة الكشف عن الأسلحة؟!..‏

د. الرفاعي: بالتأكيد كل شيء مدروس وبدقة.. الفدائيون فيهم الخبراء والمختصون في الأسلحة والطب والفيزياء والعلوم واللغات والتاريخ والجغرافيا والاقتصاد والسياسة. وهم ليسوا بالناس البسطاء أو بالشبان الضائعين والمغرر بهم.. أنهم عقلاء.. أنهم أصحاب قضية‏

(ينظر إلى ساعته بتوتر..) سأخرج إلى الشارع أتمشى..‏

عبد العزيز: إلى أين؟‏

د. الرفاعي: لا أعرف ..؟‏

عبد العزيز: والموعد مع الفتاتين.. هيلغا براون وايفا‏

د. الرفاعي: (ينظر إلى ساعته).. مازال هناك أربع ساعات على الموعد.. سأوافيك عند المقهى قبل ساعة من وصولهما‏

عبد العزيز: انتبه لنفسك.. أراك بخير.. (يخرج د. الرفاعي)‏

كنت أعتقد أنه مسرور بل أشد سروراً مني.. ترى ما الذي يدور في خلده؟.. سأعرف ذلك قريباً.‏

المشهد الخامس‏

الوقت : مساءً‏

اليوم : الثامن من دورة الألعاب الأولمبية.. /بعد مرور /36/ ساعة على احتجاز الرهائن‏

هيلغا براون: ... أنتم العرب إرهابيون.. وإلا ماذا تسمي هذا الهجوم على مقر البعثة الإسرائيلية الرياضية؟‏

د. الرفاعي: لنسمِّ الأمور بمسمياتها.. ليكن هذا الفعل إرهابياً.. كما تريدين‏

هيلغا براون: لا يا سيدي.. لاكما أريد.. بل هذه حقيقة‏

د. الرفاعي: ليكن.. أنا موافق مبدئياً.. (يأخذ نفساً ويحاول أن يكون هادئاً متزناً)..‏

ماذا تسمين من أخذ بيتك بالقوة وقتل أباك وأخاك أو عمك أو خالك أو جيرانك ثم أجبرك على الهجرة إلى بلد آخر غير وطنك؟‏

هيلغا براون: إرهابي؟‏

د. الرفاعي: وماذا تسمين من دخل قريتك ليلاً وجمع الصغير والكبير في ساحة القرية وفتح الرصاص عليهم ولم ينج..أحد‏

هيلغا براون: إرهابي‏

د. الرفاعي: ماذا تسمين من دنّس واستباح حرمة المساجد والكنائس وقتل من قتل في داخلها؟.. قبل سنوات قليلة أحرقوا المسجد الأقصى.. هل سمعت عن مذابح قرى ومدن مثل.. دير ياسين.. كفر قاسم.. قبية.. نحالين، وآلاف القرى التي سويت مع الأرض ومُحيت عن الخارطة الإنسانية؟..‏

عبد العزيز: (متداخلاً) وما فعلته الطائرات الإسرائيلية عندما شنت هجوماً وحشياً على مدرسة للأطفال في بحر البقر وقتلت العشرات منهم في سيناء.. ماذا قال الإعلام في بلدكم هنا؟‏

هيلغا براون: (بانفعال) لا يهم ماذا قال؟‏

عبد العزيز: لا.. هذا تضليل للحقيقة (يلتفت إلى ايفا).. تريدين أن تعرفي ماذا قال الإعلام الألماني؟‏

ايفا : نعم‏

عبد العزيز: قامت مجموعة من الطائرات المصرية المقاتلة بشن هجوم على مدارس بحر البقر في سيناء وقتلت المئات من الأطفال المصريين على مقاعد الدراسة من أجل اتهام إسرائيل بالعدوان.‏

د. الرفاعي: (مكملاً) لا.. بل وأضاف الإعلام الألماني الذي نقل الخبر عن الإذاعة الإسرائيلية إن الرئيس أنور السادات أوعـز إلى اللجان المختصة بتشكيل لجنة تقصي الحقيقة.. لقد أكدت الصور أن الذي قام بالهجوم طائرة فانتوم إسرائيلية أُسقطت وأسر طيَّارها فوق بحر البقر، أما القنابل التي لم ينفجر بعضها فهي من صنع الولايات المتحدة الأمريكية، وقامت السفارة المصرية يومها في بون بتوزيع هذه الصور على الصحف الألمانية.. نشرتها بعض الصحف، ورفضت صحف أخرى نشرها.‏

هيلغا براون: (متجاهلة).. وأنتم العرب.. ماذا فعلتم مع إسرائيل؟.. بلد ديمقراطي متحضر مثل إسرائيل تريدون رميها في البحر.. على كل حال هذا شأنكم مع إسرائيل وهذه حربكم معها هناك، وليس هنا على الأرض الألمانية.‏

ايفا : (بانفعال) أعتقد لو لم يكونوا على حق فهم على ماذا؟ هل يوجد في العالم من تغتصب أرضه ويشتت وينكل به ويسكت؟!.. هذا جنون.. وأي جنون؟!..‏

هيلغا براون: (للرفاعي).. لا تنس أن اليهود أيضاً من الشعوب التي لها حق الحياة، وأنتم العرب لا تعترفون بهذا الحق تريدون رميها في البحر كما فعل النازيون باليهود في أفرانهم /الهولكوست/..‏

عبد العزيز: (يرفع من حدة صوته) هذه الجملة التي قالها عبد الناصر أثر هزيمة الـ 67.. أصبحت الشمَّاعة التي تعلق عليها إسرائيل حججها لتفعل ما تشاء، وهي اليوم تبتز ألمانيا، وأوربا بكذبة كبيرة اسمها الهولكوست (يعتذر).. أنا آسف لحدة الصوت الذي ارتفع‏

ايفا : (مؤيدة) أنتم العرب أدرى بحقوقكم وإلا ما معنى أكثر من 100 مليون عربي يشكلون عدة دول أجمعوا على حرب إسرائيل..؟ لا بد من سبب ما..‏

د. الرفاعي: لأن إسرائيل احتلت أرضاً ليست لها وطردت شعباً من أرضه عاش عليه آلاف السنوات، مجتمع إسرائيل شعب شتات.. من بولونيا..من الاتحاد السوفيتي.. من ألمانيا.. من أمريكا من كل أنحاء العالم.. أما الشعب الفلسطيني فهو صاحب الأرض ولم يكن يوماً من الشتات؟‏

ايفا : والفلسطينيون.. من أين جاءوا؟‏

عبد العزيز: منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة وبلا انقطاع، وهم من عرب كنعان أتوا من جزيرة العرب‏

هيلغا براون: قالوا غير ذلك: أرض فلسطين خالية من الناس.. ومن حق اليهود أن يسكنوا أرض الميعاد.. شعب بلا أرض لأرض بلا شعب..‏

د. الرفاعي: ومن قال لك إن فلسطين أرض خاوية أو صحراء جرداء لا يسكنها شعب؟!‏

إنها أرض الحضارات والديانات منذ الأزل.. أرض الإنسان الأول. كذبة كبيرة اخترعها زعماء المؤتمر الصهيوني الأول في بال وصدقها الحاخامات وأنذال السياسة والنفوذ في العالم أمثال بلفور وغيره.‏

هيلغا براون: هذا لا ينفي حقيقة ما فعله اليوم الفلسطينيون في دورة الألعاب من أنه عمل إرهابي‏

ايفا : دعونا نتوقف عن الكلام الآن على الأقل حتى تنتهي هذه الأزمة.. لنشرب شيئاً ساخناً (تنادي النادل)‏

النادل : (يسأل الجميع.. وهو يسجل الطلب في ورقة بيضاء).. شاي مع كاتو.. نسكافة بالحليب مع بسكويت.. شاي.. شاي مع كاتو.. حاضر‏

(إظـــلام)‏

المشهد السادس‏

بعد مرور حوالي /70/ ساعة على احتجاز الرهائن‏

المكان :الصالون في شقة المهندس عبد العزيز في مدينة ميونيخ..‏

الوقت : ليلاً.. عبد العزيز يقلب صحيفة ألمانية. د. الرفاعي يتمدد على الصوفاية براحة يطالع مجلة دير شبيغل الألمانية‏

-بعد فترة.. /يرن الهاتف.. يتناول عبد العزيز السمّاعة ويتكلم/‏

عبد العزيز: ألو.. أهلاً مدام رفاعي.. الحمد لله. الحمد لله.. كيف الحال؟ وعفاف الأمورة..؟ هو هو.. تمام (يضحك) هه.. هه (ينظر إلى د. رفاعي) آكل.. شارب.. نائم (يناول السماعة للدكتور.. وصال على الخط.. تفضل عيني‏

د. الرفاعي: ألو.. هلا عيني.. كيف حالكم.. الحمد لله. وعفاف.. تمام.. نائمة.. أنا تمام.. وأنا مشتاق أكثر.. كيف سير الامتحانات؟.. تمام.. يعني.. يومين على الأغلب وأكون بينكم.. أترغبين بشيءٍ من هنا أجلبه معي.. طيب.. طيب.. لا تقلقي.. مساؤكم سعيد تصبحون على خير.‏

(يفتح المذياع.. يعود لوضعيته السابقة.. يرمي المجلة جانباً ويصغي)‏

صوت المذياع: لحظات وننتقل إلى ساحة الفندق.. من هناك مباشرة يتابع مراسلنا نقل وقائع انتقال الفدائيين مع رهائنهم إلى أرض مطار ميونيخ الدولي بعد أن وافقت إسرائيل على قائمة العديد من الطلبات و منها إطلاق سراح بعض المعتقلين الفلسطينيين من سجونها.. فإلى مراسلنا في موقع الحدث.‏

مراسل إذاعة ميونيخ: مساءكم سعيد أيتها السيدات والسادة.. أنقل إليكم وصفاً حياً لم يحدث الآن.. قبل قليل وصلت عدة باصات من نوع بولمان السياحية لنقل الفدائيين الفلسطينيين مع رهائنهم إلى أرض المطار في ميونيخ..‏

قوات البوليس تبعد مسافات طويلة نسبياً عن ساحة الفندق الخارجية مكان وقوف البولمانات السياحية، وكذلك سيارات الإسعاف والإطفاء جاهزة تحسباً لأي طارئ.. أحد الفدائيين أراه يخرج حاملاً بيده بندقية آلية /كلاشنكوف روسية الصنع/ وفي يده الأخرى قنبلة يدوية.. يتلفت حوله.. يتجه نحو البولمان الأول.. صعد إليه.. أعتقد أنه.. لا.. لا أنه يتحدث مع سائق البولمان.. بدأ يفتش بين الكراسي.. نزل من الباب الخلفي.. دار حول البولمان.. عاد وتحدث إلى السائق.. الباب الخلفي للبولمان يغلق.. يتجه إلى البولمان الثاني.. يصعد إليه.. يتحدث مع سائقه.. يصرخ.. يُصوُّب البندقية باتجاه السائق لماذا؟.. أ.. يطلب إليه النزول.. السائق ينزل رافعاً يديه.. يصعد الفدائي إلى البولمان ووجهه نحو السائق تارة وتارة داخل البولمان.. يتحرك بسرعة بين الكراسي.. يهبط من الباب الخلفي.. يطلب من السائق الصعود مرة ثانية إلى البولمان.. الباب الخلفي يغلق.. الفدائي يتجه إلى البولمان الأخير.. يدور حوله.. يتجه نحو السياج القريب من البولمان بتوتر واضح.. إنه يصعد الآن البولمان.. يطلب من السائق.. ماذا يطلب يا ترى؟.. أرى عن بعد طوافة تهبط على سطح مظلة الباب الرئيسي لمدخل الفندق.. الفدائي يأخذ سائق البولمان الأخير رهينة ويتجه به نحو مدخل الفندق.. من الطوافة تنزل الشرطية السيدة شميلينغ.. الشرطية التي أشرفت على المحادثات ونقل المطالب بين الحكومة والفدائيين.. هي الآن تتجه بصحبة أحد الفدائيين إلى الداخل.‏

أيها السادة المستمعون: ما رأيكم أن نستمع مرة ثانية إلى انطباعات الشرطية السيدة شميلينغ عن الفدائيين عندما قابلتهم ونقلت مطالبهم للحكومة الألمانية والإسرائيلية معاً.‏

معكم صوت السيدة الشرطية شميلينغ المسجل على الشريط (صوت ذبذبات)‏

... إنهم أصحاب قضية.. إنهم أصحاب حق.. قال لي قائد المجموعة وهو شاب جامعي لم يتخرج بعد: والدي وأخي الكبير وزوج أختي ومعهم بعض الشباب والرجال والنساء أعدموا جميعاً رمياً بالرصاص أمام عيني.. أحرقت مزارعنا ودمرت قريتنا.. اقتلعنا من جذورنا.. لا أرض لنا لا بيت كان حظي وأنا المسيحي العربي أن أكون في دار الأيتام في كنيسة أم الفحم في الضفة الغربية، وهاهي الضفة الآن تحتلها إسرائيل من جديد وتشردنا من جديد.. لست وحدي من عانى.. هؤلاء الشباب وأنا واحد منهم فيهم المهندس والطبيب والمعلم.. جميعاً أقسموا على الثأر.. ومثلهم مئات الآلاف في طريقهم للثأر والعودة إلى الأرض مهما كانت التضحيات والدم يرخص من أجل الأرض والكرامة.. قال لي ودموعه تسبقه:‏

لو كنتِ مكاني وفقدت الغالي والعزيز والشرف فماذا تفعلين؟ لم أستطع الإجابة.. لكن بكيت وبكيت بشدة حتى جفت دموعي في محاجرها..‏

/المراسل الإذاعي يقطع البث ويعود لوصف العملية من جديد/‏

مراسل إذاعة ميونيخ: (يتابع الوصف الحي بهدوء مع المحافظة على التقطيع الزمني).. بدأ خروج الفدائيين مع الرهائن على شكل مجموعات.. واحدة تلي الأخرى وبدأت محركات البولمانات تعمل.. أرى السيدة شميلينغ برفقة أحد الفدائيين.. أعتقد أنه قائد المجموعة.. إنهما يسيران بهدوء ويتحدثان.. كما لو كانا صديقين.. يصعد قائد المجموعة البولمان.. السيدة شميلينغ تبقى على الأرض.. تتحرك البولمانات.. السيدة شميلينغ تلوح بيدها.. قائد المجموعة يلّوح لها.. السيارات باتجاه طريق المطار.. عزيزي المستمع: نعود الآن إلى دار الإذاعة.. وسوف نعود بعد فترة في بث حي من المطار.. فإلى استوديوهاتنا في دار الإذاعة‏

(د. الرفاعي: يخفض صوت المذياع يسكت المذياع)‏

د. الرفاعي: (يأخذ نفساً عميقاً) أعتقد أن الرأي العام الألماني بدا يتفهم حقيقة ما يحدث للشعب الفلسطيني‏

عبد العزيز: (متابعاً) كثيراً ما راح يتساءل عن السبب المباشر الذي دعا هؤلاء الشباب للقيام بهذه العملية الفدائية‏

د. الرفاعي: الحق الساطع لقضيتهم يا عبد العزيز.. (كمن يفكر.. بعد فترة سكوت قصيرة)‏

عقلي يحدثني أنَّ في الجو أمراً مبيتاً؟.. مؤامرة..؟ .. لا أدري يا عبد العزيز‏

عبد العزيز: ماذا تقصد؟‏

د. الرفاعي: (يتناول من على الطاولة مجلة ألمانية، ويقرأ بعض عناوينها)..‏

اسمع يا عبد العزيز ما تقوله أعظم مجلات ألمانيا الدير شبيغل /.. رئيسة وزراء إسرائيل ترسل مبعوثها للوقوف على عملية المفاوضات.. عنوان آخر.. وزير الدفاع الإسرائيلي يرافقه قائد الأركان قد وصلوا ألمانيا سراً..‏

عبد العزيز: وصول هؤلاء يعني أن كارثة ستحدث.. ما رأيك؟‏

د. الرفاعي: وأنا مثلك.. على كل حال ساعة أو أكثر وتنتهي العملية إما بسلام أو بـ‏

(لا يكمل ما يشعر به.. لعبد العزيز) من فضلك.. ارفع صوت المذياع..‏

مراسل إذاعة ميونيخ: مضى واحدة وسبعون ساعة على احتجاز الرهائن.. كل شيء هادئ هنا وحذر.. ثلاث حوامات جاثمة على الأرض المطار.. من المفترض أن تعمل.. البولمانات الثلاث تنتظم بشكل أفقي متواز في وقوفها.. لا أرى لعناصر الأمن المركزي أي تواجد.. لكن ألمح حركة غير عادية وسريعة على بعض أسطح مباني المطار.. يترجل قائد المجموعة بصحبة رهينتين باتجاه أقرب الطائرات إليه.. يصعد الطائرة. لا أدري لماذا توقف.. إنه يكلم طاقم الطائرة.. يبدو أنه طلب من الكابتن تشغيل محركات الطائرة.. كما توقعت.. صوت هدير المروحة الرئيسة والخلفية بدأ يعلو.. أقول بصراحة إني غير مطمئن.. أحس بحركة غير عادية فوق الأسطح... كما توقعت تماماً.. بدأت تظهر فوهات بعض الرشاشات المتوسطة.. لست مرتاحاً.. المجموعة الفدائية الثانية تتجه باتجاه الطائرة الأخرى وتبدأ بالصعود إليها.. المجموعة الثالثة بدأت الخروج من البولمان الثالث باتجاه الطائرة الثالثة..‏

قائد المجموعة يصرخ‏

صوت قائد المجموعة عبر الأثير : ‏

... غدروا بنا.. الكلاب غدروا بنا.. اقتلوا الرهائن وانسفوا الطائرات.. قاتلوا حتى آخر نفس.. الله معنا..‏

(يسمع دوي هائل وانفجارات متتابعة وأصوات رشقات البنادق الكثيفة.. تتعالى أصوات الفدائيين.. الله أكبر.. الله أكبر.. ينقطع البث قليلاً.. يعود البث من أستوديو الإذاعة المركزي..)‏

د. رفاعي : (يصرخ برعب) الكلاب.. أبناء السبي.. الغدر عنوان حياتكم..‏

عبد العزيز: كما توقعت.. (يتابعون الاستماع إلى المذياع)‏

صوت المذياع: (بصوت مخنوق) نأسف لانقطاع البث من أرض المطار.. ولكن لم أكن أتوقع أن الكوماندوس الإسرائيلي موجود على أرضنا هنا في ميونيخ، وهو الذي سينفذ الهجوم، بموافقة الحكومة الألمانية.. كارثة سيذكرها العالم، وسنبقى نحن الألمان لزمن بعيد نخجل مما حدث.. لا ندري كيف خُدعنا، وصدقنا أنَّ الحل آتٍ.. من الذي قَتل؟ ومن الذي قُتل؟‏

من هو الإرهابي؟.. لولا تدخل الكوماندس الإسرائيلي هل كان سيحدث الذي حدث؟ الإسرائيليون هم الذين ارتكبوا هذه المذبحة بحق مواطنيهم، وألمانيا شاركت عندما وافقت أن يقوم الإسرائيليون بارتكاب هذه المذبحة.. نحن ألمان عانينا من الإرهاب والحرب في حربين كبيرتين.. مات الملاين منا، فمن العار أن نقبل الإرهاب أو نمارسه أو نشارك به عن قصد أو غير قصد.. سيبقى التاريخ يذكر هذه الجريمة، ويذكر سفَّاحوها..‏

أيها السادة: (بصوت حزين).. أعود لمراسلنا في موقع الحدث في مطار ميونيخ ليتابع وصف المأساة.. الكارثة.. التي لن ينساها العالم.‏

مراسل إذاعة ميونيخ: (بصوت حزين) ما حدث لا يصدق!!.. إنه يوم جهنم.. انتهى كل شيء في ساعة، لكنهم قاتلوا بشراسة الجندي الألماني في الحرب الثانية.. إنهم أصحاب حق.. اثنان وسبعون ساعة مضت والعالم ينتظر.. ماذا ينتظر؟.. إنه يوم جهنم.. يوم اغتال المكر والغدر الحق والسلام على أرض ألمانيا، التي نزفت الدماء وعانت القهر والقتل التدمير في حربين عالميتين.. شعبنا يحب السلم ويقف مع العدل.. لسنا ضد أحد.. لا أعتقد من يدافع عن أرضه وشعبه وحقه في الوجود هو إرهابي.. الإرهابي هو من يغتصب الحق..‏

(يقطع حديثه).. أرى أمامي المسؤول الإسرائيلي الكبير.. أعتقد أنه قائد الأركان وبعض من رجال الكوماندوس الإسرائيلي، جثث تملأ أرض المطار.. الحوَّامات مازالت النيران تشتعل فيها.. الحصيلة النهائية للقتلى غير معروف بينهم سبعة أو ثمانية من الفدائيين وجميع الرهائن وطاقم الطائرات الثلاثة ومساعديهم.. وعدد من جنود الكوماندوس بين قتيل أو جريح.. (خفض تدريجي لصوت المذياع حتى التلاشي والسكون مع خفوت الإنارة حتى الظلام)‏

-إظـــلام -‏

(1)- يمكن للمخرج رسم لوحة إيمائية حركية لجوقة وهي تغني تعبيراً عن الحالة بطريقة / flash bake/ ..‏

(2)- أغنية من التراث العراقي.. يؤديها الآن المغني العراقي المعروف سعدون الجابر وباللهجة العراقية المحكية‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244