نهر بلا شطآن ـــ إبراهيم خريط

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2003

Updated: Wednesday, October 15, 2003 12:24 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

4

أمور كثيرة لا تنسى .. أحداث من الماضي القريب والبعيد .. صور طبعت في الذاكرة، تفرعـت في زواياها، وتجّذرت في أعماقها .. صارت جزءاً من الذات، وتركت آثارها على دروب الحياة.‏

وجوه أليفة لديه قريبة منه.. غابت في ظلام الأيام، وإن ظلت ذكراها لا تفارق الخيال.‏

جمال .. ابن فياض الناصر، ذاك الوافد من الشمال .. من الجزيرة، عرفه منذ سنين .. منذ أن كانا صغيرين يترافقان على طريق المدرسة، وإلى الحقل والنهر. هذا الصديق لا يراه إلا نادراً وفي أيام الصيف فقط، منذ أن التحق بكلية الطب في جامعة حلب.‏

تبدّل الأحوال يبدّل الرجال .. هكذا كان يقول في سرّه. لذلك هيأ نفسه لتقبّل الوضع الجديد، على الرغم مما أبداه الصديق من صدق العواطف ونبل المشاعر وصمودها أمام رياح التغيير. إلا أن عبد الله وقد أخذ العبرة من تجارب الآخرين ولاحظ كيف يترفع القريب عن قريبه، وكيف يختلف الأخ مع أخيه إذا ما اختلفت الأحوال، ساوره الشك في استمرار العلاقة بينهما، وإن لم يقطع الأمل ويفقد الرجاء.‏

كان يراجع نفسه أحياناً ويقول : مازال في الدنيا خير، والعالم لا يخلو من الصالحين وأولاد الحلال .‏

سمير .. ذلك الفتى اللطيف، الذي يتدفق نشاطا ً وحيوية.. طالما رافقه إلى المدرسة، وشاركه اللعب في بيادر القرية. ولأنه الولد الوحيد بين أربع بنات فقد كان مدللاً في أسرته .. ثيابه جديدة، وجيبه لا يخلو من النقود والحلوى. يحسده الفتيان على ما هو فيه من خير ونعيم. . ينظرون إليه بإعجاب، ويتمنى كل واحد منهم أن يكون هو، أو أن يكون مثله وحيداً لأبويه، علّه يتذوق طعم السعادة، ويحقق ما يتمناه.‏

وفي ليلة صيف، رافق أصدقاءه الصغار إلى حفلة عرس. . صعدوا إلى سطح البيت، وجلسوا على حافته يتفرجون على الشباب والشابات وقد تشابكت أيديهم في حلقة الدبكة .. أهازيج وزغاريد وغناء، وشاعر يعزف على الناي والمزمار ..‏

ونقود تنثر فوق رأسه عندما يجثو على ركبته أمام رجل له قدره ومنزلته، أو شاب واقع في حب صبية ويريد أن يلفت نظرها ويستأثر باهتمامها وإعجابها.‏

مناسبة سعيدة تجمع أهالي القرية .. الكبير منهم والصغير، والغني والفقير، تخفف من معاناتهم وتفرّج كربهم.‏

ارتفعت الأصوات .. صوت المزمار والمغني، ووقع الأقدام على الأرض في حلقة الدبكة، والعيارات النارية تعبيراً عن البهجة والفرح .. حذرهم بعض العقلاء : توقفوا عن إطلاق النار، لا نريد مأساة فلا تقلبوا العرس إلى مأتم.‏

من يسمع ! ومن يستجيب !‏

لا أحد .. إلا بعد وقوع الكارثة .. عندما سقط سمير من فوق السطح، والدم الأحمر يسيل منه كطير مذبوح .. انقلبت الأهازيج والزغاريد إلى صراخ وبكاء وعويل. حملوه إلى أمه التي صعقتها الفاجعة وغابت عن الوعي.‏

هكذا .. اختارته المنية من بين العشرات.‏

أسئلة كثيرة ظلّت بدون جواب.‏

لأنه الولد الوحيد لأبويه بين البنات ؟ لأنه لطيف ومحبوب ومحسود من رفاقه ؟ أم لأن الدنيا لم تبخل عليه بما شحّت به على غيره ؟‏

لا أحد يدري ..‏

لا أحد يعرف من هو قاتله. ضاع دمه هدراً، والسلاح القاتل لم يكن بين الأسلحة التي ضبطوها بعد الحادث المفجع، وقاتله ليس بين الذين أوقفوا للتحقيق.‏

عمر .. ابن المدينة، لم يعرفه عن قرب ولم يره إلا مرتين أو ثلاث .. فتى يافع في السادسة عشرة من عمره، نحيل الجسم، شاحب الوجه .. عيناه زائغتان تحدّقان في الفراغ، صامت لا يتكلم .. قاده أبوه إلى بيت الشيخ أو( السيد ) كما يلقبونه في القرية. أصيب بالفزع والذعر عندما طوّقه الحاضرون وحاصرته العيون، مثل فريسة وقعت في شبكة الصياد. وما إن رآه ( السيد ) حتى مطّ شفتيه وهزّ رأسه قائلاً دون اكتراث :‏

ـ تأخّرت كثيراً يا رجل.‏

أحبط الرجل وانهارت عزيمته، وقال بصوت واهن :‏

ـ ماذا أفعل يا سيد ؟ كنت أعالجه عند الأطباء.‏

ضحك ( السيد) ساخراً وقال بشماتة :‏

ـ عند الأطباء ! هل هذا معقول ! وهل مرضه من اختصاصهم ! يدسون أنوفهم في كل شيء. و بالطبع لم يكتشفوا علّته فسمموا جسمه بعقاقيرهم وأدويتهم. ابنك يا رجل ليس مريضاً بواحد من الأمراض التي يعرفونها.‏

سأله مستوضحاً بخوف :‏

ـ ما به يا ( سيد ) ؟ ما هو مرضه ؟ بالله عليك اخبرني فقد شغلت بالي.‏

صمت ( السيد ) لحظة كأنها الدهر .. تعلّقت عينا الرجل بشفتيه .. ثم .. عبس السيد .. تثاءب وارتعش ودمدم بكلمات غير مفهومة، ثم قال بلهجة العارف الواثق من نفسه :‏

ـ ابنك يا رجل .. معمول له عمل.‏

ـ ماذا تقول ؟‏

ـ ولكن لا تقلق .. اطمئن، هناك أمل.‏

انفرجت أسارير الرجل، وصار يهذي بفرح كالمجنون :‏

ـ الله يحفظك ويمدّ في عمرك. ما هو علاجه ؟ و ما المطلوب ؟‏

ـ تتركه هنا بضعة أيام، ثم تعود وتأخذه سالماً معافى كالحصان، بعد أن يتحرر من الجن الذي تلبّسه‏

ثم استطرد ساخراً :‏

ـ قال أطباء .. قال ..‏

ـ وماذا تأمر يا سيد ؟‏

ـ عيب يا رجل. أنا أعمل لله ولا أتقاضى أجراً ..‏

ثم تبدلت لهجته وأضاف مبتسماً : إلا إذا كنت مصرّا. أما عندما يتعافى فلن أرضى بأقل من كبش بقرنين.‏

ـ أنت تأمر يا سيد.‏

دسّ الرجل في يده مبلغاً من المال. وضعه ( السيد) في جيبه، وقال :‏

ـ بإمكانك أن تتركه الآن و تعود إلى بيتك.‏

نظر إليه الرجل، فأدرك ما يدور بخاطره، وقال :‏

ـ لا تقلق .. اطمئن.‏

فاضت عيناه بالدموع وهو ينظر إلى ابنه نظرة وداع. ولما أدار ظهره، وهمّ بالانصراف، صرخ الفتى :‏

ـ أبي .. لا تتركني يا أبي.‏

بكى الفتى بحرقة وألم .. استحلفه بالله وباسم الأنبياء والرسل والصالحين أن لا يبتعد عنه .. أن لا يرميه بين أيدي الغرباء. رجاه، توسل إليه بحياته وحياة أمه وأخيه. وارتمى على الأرض باكياً ومرّغ وجهه بالتراب.‏

إحساس غريب تملّكه في تلك اللحظة. لن يراهم مرّة أخرى. لن يرى أمه وأخاه وبيتهم بعد الآن.‏

تردد الرجل .. تقدّم خطوة وتأخر أخرى. أغمض عينيه ومشى مسرعاً دون أن يلتفت إليه. لئلا يضعف وينهار أمام توسلاته ودموعه، فيتراجع ويعود به إلى البيت.‏

نادى السيد على واحد من رجاله، وقال مشيرا إلى الفتى :‏

ـ امسك به، وقيّده.‏

وضع في قدمه طوقا ً من حديد، من تلك التي يقيدون بها الحيوانات، و ربط السلسلة إلى جذع شجرة كبيرة أمام البيت، أحكم إغلاق القفل، ونزع المفتاح ووضعه في يد السيد.‏

ثلاثة أيام قضاها الفتى مربوطاً، ينام ويستيقظ ويأكل ويدور حول الشجرة، كحيوان مشدود إلى الوتد، وعلى مقربة منه حمير وبغال وأبقار مربوطة على معالفها.‏

يقدمون له الطعام في إناء معدني يصد النفس ويبعث على التقيؤ. ويتجمع الصغار حوله في النهار .. يسخرون منه و يحقًرونه، يتلذذون بالضحك عليه وتعذيبه، يقتربون منه ويضربونه، فيرفع يده ويهجم عليهم، لكن القيد يحد من حركته و يحول بينه وبينهم .. مسافة آمنة رسموا لها على الأرض خطاً لا يتجاوزونه، وقد يغررون بطفل صغير ويدفعون به إليه، فيصرخ ويبكي هارباً ويقذفه ويقذفهم بالحجارة.‏

أما الكبار فما كانوا أرجح منهم عقلاً، ولا أفضل سلوكاً .. فهم لا يترددون في مضايقته والسخرية منه. فإذا ثار وصرخ أو استغاث، ضربه السيد بالسوط حنى يهدأ ويستكين.‏

تسلية وأية تسلية ! فرجة بالمجان .. عقول قاصرة، وضمائر ميتة .. ماتت ومات الحس الإنساني فيها.‏

انهار عقله وانهار بدنه .. تحوّل إلى شبح إنسان .. عظم تحت جلد ذابل متغضّن. وبعد أيام مات الفتى.‏

لم يشعر السيد بالذنب، ولم يكدّر مزاجه إحساس بالأسف والندم. ولم يؤرقه عذاب الضمير. بل قال ببساطة لأبيه عندما جاء يأخذه :‏

ـ انتهت أيامه وهذا هو الحد الذي يعيشه.‏

ثم أضاف وكأنه حكيم : هذا قضاء الله وقدره .. وعندما يحين أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون أخرى.‏

وضعوه في تابوت من الخشب على ظهر سيارة .. انطلقت وابتعدت فتصاعد الغبار وحجبها عن عيون القوم الذين تفرّقوا وكأن شيئاً لم يكن .‏

ما الذي يتذكره عبد الله أيضاً ؟‏

أحداث الماضي أرّقته، والصور القاتمة الكئيبة حرمته النوم في الليلة الأولى بعد عودته إلى البيت، فلم يغمض له جفن إلا بعد أن انشق الظلام وانبلج الفجر. حاول أن يطوي صفحة الماضي، ويرميها وراء ظهره .. لكنها ظلت تقفز إلى ساحة شعوره وتفرض عليه نفسها بقوة.‏

..............‏

في صبيحة اليوم التالي استيقظ متأخراً، فوجد أمامه مائدة إفطار شهية .. بيض مقلي بالسمن العربي، لبن وزبدة وخبز تنور ساخن، شدًته رائحته الزكية بعد أن حرم منها مدة غير قصيرة.‏

فتح عينيه ورأى أمه تبادره قائلة بلطف :‏

ـ تأخرت في النوم أيها الكسول .. وكأنك عريس في صباح اليوم الأول.‏

سألها بسرور وإعجاب وعيناه على المائدة :‏

ـ ما هذا كله ! أهي وليمة !‏

ردّت قائلة : هذا من بيت فياض الناصر. جاءت به ابنتهم جميلة .‏

رفع رأسه والبسمة تعلو وجهه. فقد استيقظت في ذاكرته صورة أخرى أضاءت ظلام ليله الطويل، و أحيت بصيصاً من الأمل والتفاؤل. وقبل أن ينطق بكلمة أخرى أضافت والدته :‏

ـ الجماعة يعرفون الأصول، ولا يقصّرون أبداً.‏

سألها باستحياء :‏

ـ هل هي هنا ؟‏

ـ من ؟ جميلة ؟ نعم .. هي في فناء الدار مع أختك نعيمة. أرادت أن تسلّم عليك لكنك كنت نائماً.‏

نادت عليها بصوت عال.‏

دخلت جميلة برفقة شقيقته، حيَّته بخجل وقالت :‏

ـ أمي أعدّت لك خبز التنور ..وقالت .. أنت تحبه، ولا شك أنك اشتقت إليه كثيراً.‏

رفع إليها بصره واختلس نظرات فاحصة، كأنه يراها للمرة الأولى. هل تغيرت ؟ أم هو الذي تغير ؟ وما الذي تغير فيها ؟‏

جميلة .. في عمر شقيقته، وهي حقاً جميلة .. اسم على مسمى. سمرتها خفيفة، سوداء العينين والشعر، متوسطة الطول، رشيقة القوام، ناعمة التقاطيع والبشرة، متوردة الوجنتين والشفتين.‏

جميلة .. ابنة فياض الناصر وشقيقة صديقه جمال .. يعرفها من قبل، منذ أن قدمت من الجزيرة، مع أسرتها الهاربة من قضية ثأر ودم، وحطّت العائلة عصا الترحال في قرية الناصرية، بحثاً عن ملاذ آمن ومورد للعيش .. بعد أن تشاجر عمها سعيد الناصر مع واحد من أبناء عشيرة كبيرة في الشمال، وقتله لما تطاول عليه وأهانه أمام الناس. ثم فرّ هارباً واختفى، ولم يعثر عليه أحد، على الرغم من جهود الأمن المكثفة وتحقيقاتهم ومداهماتهم، واستنفار رجال العشيرة وشبابها، وبحثهم الدؤوب في كل قرية، وفي كل مزرعة وبيت. وقيل انه فرّ إلى بقعة نائية، وقيل انه عبر الحدود إلى العراق أو تركيا، وانقطعت أخباره، فلا أحد يدري إلى أي أرض قذفت به الأقدار، وهل هو حي أم ميت.‏

على أثر مقتل ابن الشيخ، تشتت آل الناصر وتشردوا. تركوا أرضهم وبيوتهم، وفرّوا بعيداً عن موطنهم .. تنقلوا من بلد إلى بلد، ومن قرية إلى أخرى، قبل أن تستقر أسرة فياض في قرية الناصرية.‏

...............‏

كانت ليلة شتاء ليست كباقي الليالي .. قاسية، طويلة، عصفت ريحها واشتدّ بردها. وانهمر المطر وبلل الرؤوس والثياب التي التصقت بالأجساد الواهنة المتعبة .. عندما وقفت عائلة فياض أمام بيت المختار في قرية الناصرية. فرقّ لحالهم ومنحهم الأمان والطعام والدفء، وغرفة صغيرة يحتمون بها.‏

وفي اليوم الثاني قال فياض للمختار إنه يبحث عن عمل، وعن مكان يؤويه وعائلته. ولما سأله المختار : من أين أنتم قادمون ؟. تردد وتلكأ، ثم قال: من أرض الله الواسعة.‏

أدرك المختار أنهم واقعون في ورطة، ويعانون من ضائقة، وأن المسألة تتجاوز حدود الحاجة والمساعدة المادية .. إنها أكبر بكثير من هذا كله. ولما كان للناس أسرارهم التي لا يفضون بها للآخرين جزافاً، فقد آثر السكوت ولم يطرح عليهم أسئلة أخرى، بل قال : ابشروا خيراً، وأهلاً وسهلاً بكم. و زوّدهم بما يسدّ حاجتهم أياماً. ثم عرض قضيتهم على وجهاء القرية وسألهم تقديم العون والمساعدة. فتقدّم رجب الصالح وعرض عليه أن يعمل فلاحاً في أرضه.‏

انتقلت العائلة إلى أرض الصالح، وسكنت في كوخ صغير كان مخزنا ً للتبن والعلف، قبل أن تدخل الآلة ويتحول إلى مستودع للأدوات القديمة التي لم تعد لهم بها حاجة.‏

أرضه تراب، وجدرانه من اللبن والطين، وسقفه من الحطب والقش المغطى بطبقة من الجص الأسود. له نافذة صغيرة وباب من الخشب والصفيح، قليل الارتفاع، يرغم المرء أن يحني رأسه في الدخول والخروج .‏

عزّلوه ونظفوه ورتبوه وصار سكناً مقبولاً، وجدوا فيه الراحة بعد أن فقدوا طعمها منذ تلك الحادثة المشؤومة .. حادثة القتل التي يدفعون ثمنها دون أن تكون لهم يد فيها.‏

كان فياض الناصر نشيطاً خدوماً ودوداً، لطيفاً، حلو اللسان. يبتسم رغم ثقل الهم والمعاناة، ويضحك وهو يحبس في أعماقه أنة حزن وألم. فقد حرّم عليه أن يطأ أرضه وبيته في الجزيرة .. مهدور دمه إن فعل .. يقتل كما يقتل كلب أجرب. ولا ذنب له سوى أن القاتل شقيقه، والمقتول ابن شيخ عشيرة له هيبة وسطوة ونفوذ. لم يقبل منهم الديّة، ولم يرض بالصلح بين الطرفين. رفض وساطة الوجهاء وقال بإصرار وتصميم :‏

ـ ولدي بعشرة، و دمه لن يذهب هدراً مهما طال الزمن.‏

ظلت قصة مقتل ابن الشيخ وهرب عائلة الناصر سراً، لا يعرفه أحد. إلا أن حدس الناس وتكهناتهم تقول ذلك. . فهم لا يكفون عن السؤال و كشف الأسرار.‏

خمّنوا ثم تأكدوا عندما اعتقد فياض أن الأزمة انقضت والعاصفة مرّت بسلام، وصارت جزءاً من الماضي، وأن الزمان تغيّر وغيّر ما في النفوس، كما تغيرت أحوال أصحابها، فروى الحكاية كما حصلت، منعاً لأي لبس أو تأويل أو اتهام.‏

اشتغل بجد ونشاط، من الفجر حتى المساء، وبذل جهداً يفوق طاقة الإنسان، وكذلك فعل أفراد العائلة .. يتناولون فطورهم وغداءهم في الحقل ويشربون من ماء الساقية. لا وقت لديهم للراحة والتسلية. يسابقون الزمن. ولا يعودون إلى البيت إلا بعد أن يحل الظلام.‏

وفي سنوات قليلة تطورت أحواله فاشترى قطعة أرض صغيرة بنى عليها بيتاً، و استأجر أرضاً من أحد المالكين، واتبع طرقاً حديثة في زراعتها واستثمارها.‏

تبدّلت نظرة الناس إليه.. إعجاب وشيء من الحسد. صار مثلا وعبرةً. يستشهدون به وبإنجازه، ويحثون أبناءهم على الاقتداء بأبنائه.‏

جميلة .. ابنة فياض الناصر، تعلمت في مدارس القرية، وتركتها عندما أتمت المرحلة الإعدادية ونجحت بمجموع لا يتيح لها الالتحاق بالثانوية العامة في القرية. أما الثانويات الفنية في المدينة فمن الصعب إن لم يكن من المستحيل على الفتاة الذهاب إليها والعودة منها كل يوم.‏

أما جمال فقد أتم المرحلة الثانوية في واحدة من مدارس دير الزور .. يقطع الطريق من القرية إلى المدينة على دراجة عادية .. بضعة كيلومترات يمشيها كل يوم .. في الحر والبرد والريح والمطر، فهو أمل الأسرة، ونجاحه هدفها المرتقب.‏

ولما نجح بتفوق ودرجات عالية، حصل على بعثة دراسية داخلية، و درس الطب في جامعة حلب. وظل صديقاً حميماً لعبد الله على الرغم من أن طريق كل منهما قد اتخذ منحى مغايراً للآخر.‏

..............‏

سأل عبد الله نفسه، وهو يسرق نظرات خاطفة إلى جميلة : لماذا لم تلفت نظري من قبل ؟ كانت قريبة مني .. أكلمها وتكلمني، نضحك معاً، أضربها برفق مداعباً، أجرّها من شعرها وأخطف ما في يدها فتركض ورائي .. أمسك بيدها .. أعصرها برفق ثم أضغط عليها فتصرخ وتقول بغنج ودلال :‏

ـ كفى يا( عبد ).‏

تلفظ الكلمة وتغمز بطرف عينها. فأرد عليها :‏

ـ أنا لست عبدًا .. أنا عبد الله.‏

تشدّد على مخارج الحروف وتكرر : كفى ياعبد.‏

أضغط على يدها .. تتألم .. تتلوى، فأقول لها : قولي كفى يا عبد الله. وإلا لن أترك يدك.‏

شعور لذيذ نحسه في ساعات اللقاء. والآن أشعر أنني لا أجرؤ أن أطيل النظر إليها .. لا أقدر أن أتأمل وجهها وأدقق في ملامحها فكيف لي أن أمسك بها وأعصر يدها أو أشدها من شعرها ! أهو الحب ؟ ربما هو كذلك.‏

جمالها يأسر القلب وفتنتها تسلب اللب، ناهيك عن طيبتها وصفاء نفسها. كل ما فيها تغير .. شكلها، لون بشرتها، شعرها، صوتها. فماذا يقول وكيف يبدأ ؟‏

سألها : جمال .. ما هي أخباره ؟‏

قالت وهي تبتسم بفخر واعتزاز :‏

ـ تقصد .. الدكتور جمال ؟‏

ـ هل تخرّج ؟‏

ـ على وشك التخرج. بعث إلينا برسالة يقول فيها انه ينتظر النتيجة.‏

وأضافت : وقريباً يصبح طبيباً.‏

ـ وتصبحين أنت أخت الطبيب .‏

ابتسمت بدلال أضفى جمالاً على جمالها، وتمنى لو أنه يمسك يدها ويعصرها حتى تتأوه وتقول له : كفى يا ( عبد ). فيضغط ويضغط، حتى تقول : أنت لست عبداً، أنت عبد الله. ثم أضاف قائلاً :‏

ـ وترفعين رأسك عالياً وتتكبرين علينا ؟‏

قالت بتواضع وخجل :‏

ـ لا يا عبد الله. العين لا تعلو على الحاجب.‏

واستطردت بفرح : أحضرنا خروفاً كبيراً .. نذبحه عند قدميه عندما يأتي ومعه الشهادة.‏

قال مازحا ً بود :‏

ـ وأنا ؟ ماذا يعنيني إن نحرتم خروفاً أو اثنين ؟‏

أدركت قصده وابتسمت باستحياء، فتساءل : ترى ! ما هو شعورها نحوه؟‏

هل تحبه ؟‏

منذ اللحظة تغير طعم الحياة .. أصبح لها لون ومعنى .هذه الفتاة تثير عواطفه، وتؤجج النار الكامنة في أعماقه منذ زمن طويل. كل كلمة تقولها، كل همسة أو إشارة أو نظرة منها كالغيث تتلقاه أرض عطشى، وكما تبتسم الطبيعة للمطر ابتسم لها، فقالت :‏

ـ ولو يا عبد ! كيف تقول ذلك ! أنت أول المدعوين، ولك صدر المجلس.‏

تمنى أن يطول الحديث بينهما فقال :‏

ـ تقولين .. يا( عبد )؟ مازلت تحنّين للماضي ؟‏

ثم أضاف : أنا لا أريد صدر المجلس .. أريد ( القلب ).‏

أطرقت بحياء. هي تفهم ما يرمي إليه، ومع ذلك قالت هامسة :‏

ـ قلب الخروف ؟ القلب لك يا عبد الله إن كنت تريده ؟‏

انفرجت أساريره وخفق قلبه ولم ينطق بكلمة.‏

سادت فترة من الصمت .. كانا يتبادلان النظرات دون كلام. الصمت لغة، والإشارة عبارة تفصح عن المعاني والصور والعواطف. حديث طويل تبادلاه في لحظات الصمت .. حديث وصل إلى أمه وأخته اللتين تنظران إليهما بحب ومودّة.‏

انتبه عبد الله إليهما وقال :‏

ـ كبرت جميلة. أليس كذلك يا أمي ؟‏

احمر وجه الفتاة خجلاً وهمت بالانصراف قائلة : تأخرت .‏

وأضافت بشيء من المبالغة والمزاح : أمي ستقلب الدنيا على رأسي.‏

تابعها عبد الله بنظراته وهي تبتعد. أما أمه وأخته فقد كانتا تحدقان به وتبتسمان.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244