|
||||||
| Updated: Wednesday, October 15, 2003 12:24 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
5 لم يذهب عبد الله إلى منزل خاله، ولم يقابله في ذلك اليوم، فقد حرص على أن تدوم اللحظات السعيدة التي تذوق طعمها في الصباح، عندما التقى بجميلة. فلا يفسد متعتها ولا يعكّر صفاءها وروعتها حديث قد يؤدي إلى نزاع حول مسألة الأرض أو جدال بشأن زواج شقيقته من الرجل الغريب. أمر آخر أدى إلى تأجيل اللقاء بينهما .. ليس إلى ما بعد ذلك اليوم فحسب، بل إلى ما بعد أيام عدّة. إذ هبت عاصفة من الغبار عند الظهيرة، واستمرت إلى منتصف الليل. كان النهار في أوله صيفياً عادياً .. سماء صافية زرقاء وشمس ساطعة .. هواء نظيف ساكن، وحرارة عالية تلفح الوجوه وتدفع الكائنات الحية نحو الظل. ثم .. حدث كل شيء بسرعة. أقبلت عاصفة رملية صفراء وحمراء حيناً، وسوداء حيناً آخر .. جاءت من جهة الجنوب كسيل جارف وليل حالك السواد. رآها بعض الأهالي تتقدّم من بعيد. فتعالت أصواتهم محذرة منذرة. ترك الناس أعمالهم وهرعوا إلى بيوتهم. نادوا على صغارهم وساقوا دوابهم إلى حظائرها. أوصدوا الأبواب وسدوا المنافذ. ومن كان منهم بعيداً عن داره التجأ إلى أقرب بيت أو احتمى بأي ساتر .. وساد صمت وخوف وترقب. رفعوا أيديهم إلى الأعلى، واستغفروا الله ورددوا الدعوات. كانوا ينتظرون كمن يرى أمامه قنبلة أشعل فتيلها والنار تسري فيه، ولا يستطيع الحراك. عاصفة هي أم كارثة ! توقعوا أنها ستقتلع الأشجار وتخرب الحقول وتهدم البيوت وتحولها إلى أنقاض فوق رؤوس ساكنيها، وساورهم شعور بأن هذه هي نهاية الدنيا، فقال بعضهم : ـ هذا غضب من الله. وعقّب آخرون مؤيدين : طبعاً .. لأن البشر يستحقون الجزاء عقاباً لهم على ذنوبهم وفساد أخلاقهم .. انظروا إلى بنات المدن ـ اللهم اعف عنا ـ لا حياء ولا شرف. وجوههن مطلية بالأصباغ والألوان، و يتبخترن في الشوارع شبه عاريات. والمصيبة أن الرجل صار يغض النظر عن سلوك ابنته وأخته و زوجته. علّق أحدهم وقد وجدها فرصة ليفرغ ما في جعبته : ـ أعان الله الرجل .. يركض نهاراً وليلاً وراء لقمة العيش، ولا وقت لديه لتربية ابنته وتلبية رغبات زوجته. صدرت هذه الأحكام وأخرى غيرها من أفواه الكثير .. نطق بها عديمو الشرف .. المحتالون والنصابون والكذابون والسارقون والمتملقون، قبل أن ينطق بها الشرفاء والصالحون وأهل الخير. أطلقتها ألسنتهم، أما عيونهم فقد كانت تراقب العاصفة من وراء زجاج النوافذ وهي تزحف نحوهم. بعض الصغار .. خرجوا من بيوتهم في غفلة عن ذويهم .. دفعهم الفضول وحب المغامرة والاستكشاف لرؤيتها بصورة أكثر وضوحاً. المسافة الفاصلة بينها وبينهم تتضاءل، ومدى الرؤية بات محدوداً. وحركة ذوائب الأغصان وتطاير الأوراق يشير إلى بدايتها. ولما صارت على مشارف القرية صاح بعضهم : وصلت .. وصلت .. تكسّرت الأغصان، واقتلعت قطع الصفيح، و تدحرجت البراميل. انقطعت أسلاك الهاتف والكهرباء ومالت أعمدتها أو انتزعت من الأرض. توقفت السيارات عن السير، وأوقفت مضخات الماء عن العمل. أضيئت البيوت بالشموع والقناديل. والتجأ الأطفال إلى أحضان أمهاتهم بعد أن أمسى النهار ليلاً ألا ينذر هذا بقيام الساعة ؟ هكذا تصوروا وكذلك يعتقدون. أضرار جسيمة وخسائر فادحة لحقت بهم، لم يقدروا حجمها إلا في اليوم الثاني، بعد أن هدأت العاصفة، و صفت السماء بعد أن أمطرت رمالاً وغباراً يوماً بطوله. خرج الناس من بيوتهم كما لو كانوا يغادرون الملاجئ بعد غارة جوية وقصف وتدمير. . صدورهم ملأها التراب ... حلوقهم، عيونهم، أنوفهم، مسـامات جلودهم .. لونهم بلون التراب، ونفوسهم منقبضة كئيبة. تفقدوا الأضرار والخسائر .. أسقطت الأشجار ثمارها وتكسّرت أغصانها .. طارت سقوف التوتياء والصفيح، تناثرت أكوام الحطب والتبن والقش، ونام الزرع على الأرض تحت طبقة من التراب كأن أقداماً ثقيلة سحقته. غابت الألوان .. كل شيء بلون التراب .. الوجوه والثياب وجدران البيوت والأثاث والحقول وماء النهر والسواقي .. لون رمادي كالح حزين .. ومشاعر متناقضة في نفوس البشر .. مشاعر اليأس والأمل، والكفر والإيمان، والاستسلام والتحدي. منذ الصباح قام الناس الذين اعتادوا مواجهة الأحزان ومقارعة الصعاب وبدأوا وبصورة آلية، ينفضون الغبار وينظفون البيوت والأثاث والأواني والثياب. كانت هذه هي مهمة النساء. أما الرجال فقد انطلقوا إلى الحقول .. ينفضون الغبار عن مزروعاتهم بقطع من القماش وفروع الأغصان الطرية، أو بالهواء الضغوط من آلات الرش التي يحملونها على ظهورهم، فتتطاير ذرات الرمل والتراب عن النباتات بعد أن ذبلت أوراقها وتساقطت أزهارها، و جفت براعمها. محاولات وعزم وتصميم، وصراع بين الإنسان والطبيعة التي لم تكفّ يوماً عن تحديها له. وفي أحلك الظروف وأشدها قسوة، يميل الإنسان إلى الضحك والابتسام، والتندّر باستعادة مواقف وتصرفات صدرت عن بعض الناس. أهي وسيلة دفاع عن الوجود والبقاء ؟ قد يكون الأمر كذلك. ينظر أحدهم إلى الآخر، ويرى الغبار وقد غلّفه بلون رمادي، فيشير إليه ويقول ضاحكاً : صرت مثل( الغريري ). فيرد عليه الثاني : وأنت ؟ ألم تنظر إلى نفسك ؟ أنت تشبه السعدان. ثم يضحكان معاً. تنصّل الناس عن مواقفهم أو تناسوها، وعادوا إلى طبعهم وطبيعتهم. من قرر أن يتراجع عن الخطأ ويعود إلى الصواب، لم يلتزم بقراره. ومن تعهّد أن يبرئ ذمته و يدفع للناس حقوقهم، عاد إلى التأجيل والمماطلة. ومن فكّر أن يعدل بين زوجاته ولا يفضل الصغيرة على الكبيرة صرف النظر عن الموضوع تماماً. إلا أن أوقات الفرح والمرح وساعات السعادة المسروقة، قليلة جداً. . عمرها قصير كعمر الزهور، فهم يتوجسون شراً كلما ضحكوا ويخشون أن ينقلب الضحك بكاء والفرح حزناً .. هكذا علمتهم التجربة، وعلى ذلك اعتادوا وتطبّعوا، فهم يقولون بعد كل ضحكة أو فرح : اللهم اعطنا خيرها و جنبنا شرها. الفرح يعقبه الحزن، والضحك يتبعه البكاء، و لحظة السعادة ما هي إلا بداية المصائب. هكذا توجسوا، وتوجسهم هذه المرة لم يكن خطأً أو مبالغة. فقد حدث ما توقعوه. سمعوا أصواتاً عالية اختلطت بصراخ وعويل، فأدركوا أن مصيبة قد وقعت. تركوا بيوتهم وهرعوا من حقولهم .. ركضوا صوب النهر وراء من سبقهم، وهم يسألون : ما الأمر ؟ ماذا جرى ؟ جاءهم الرد : سلوم بن خميس البدران .. وجدوه غريقاً عند الشاطئ. سألوا : كيف ؟ ومتى ؟ كان الفتى عند أقاربه في الجانب الآخر من النهر.. وهذه ليست المرة الأولى، فقد اعتاد أن يقطع النهر سباحة إليهم كلما أراد، وفي بعض الأيام يعبره مرتين أو ثلاث، لاسيما وأن سد الفرات روّضه و حدّ من جريانه. فاجأته عاصفة الأمس أثناء عودته إلى القرية، وأحس كأنما السماء أطبقت على الأرض. أمواج النهر تعصف بها الريح العاتية فتعلو وتهبط، ويداه تضربان الماء تارة وتهويان في الفراغ تارة أخرى. اندفعت موجة إلى الأعلى ثم هوت فوقه فغاص في الماء .. تكاتفت عليه قوى الطبيعة .. النهر الهائج وماؤه الذي يقذف به عالياً ثم يشدّه نحو الأسفل .. العاصفة والغبار .. والظلام الذي شمل الكون وحجب الأشياء والصور. . بدأت قواه تضعف ثم تنهار وتتلاشى. أقاربه في الجانب الثاني للنهر يعتقدون أنه قد وصل بسلام، سيما أنه غادر قبل العاصفة، وأهله يظنون أنه آثر البقاء وظل عندهم لما أحس بقدومها. وعندما كان يصارع شبح الموت و يناضل وحيداً من أجل الحياة، ساورته مشاعر شتى، تصوّر نفسه يغوص في الأعماق، دون أن يراه أحد، ولا يحس بفقده إنسان، فشعر بالخوف والفزع، وأدرك أن نهايته باتت قريبة. بحث بعينيه عن الشاطئ، فلم ير له أثراً وسط العاصفة الهوجاء .. أحس كما لو أنه يسبح في نهر بلا شطآن. اندفع مرّة أخرى، عبثاً يحاول أن يبلغ الشاطئ. بعد أن ضيّع الجهات، وأثقلت جسده الطحالب والأعشاب المائية، ووقف حاجز الزل في طريقه. استرخى وترك جسده المنهك للأمواج تتقاذفه كريشة تعصف بها الريح. كان متعباً واهناًً، وقد بدأ اليأس يراوده، بعد أن استجمع البقية الباقية من قواه دون جدوى. غابت الصور .. تلاشى الأمل، وغرق الكون في الظلام والصمت والسكون. وعندما قصدت فتاة من القرية نهر الفرات لتملأ صفيحة الماء، انكفأت فزعة مذعورة، بعد أن رأت جسداً عارياً، وقد علق بالطين والطحالب وعيدان الزل التي نمت بكثافة واحتلت الشاطئ .. جذورها تمتد في الرمل والطين وتحت الماء، وفروعها ترتفع إلى الأعلى وتتشابك، لتشكل حاجزا ً يفصل بين الماء واليابسة. فصرخت بهلع تنادي وتستغيث. هرع إليها الناس، فأشارت لهم بيدها بعد أن أخرس الهلع لسانها .. سحبوه إلى الشاطئ، وغطوه بعباءة، ثم نقلوه إلى البيت. كان ماء النهر عكراً يميل إلى الحمرة . استرجع عبد الله ما رواه الصبية أول أمس، لحظة وصوله إلى القرية، عن النهر وضحيته في كل مرة يتعكّر فيها ماؤه. قد يكون الأمر مصادفة، فإذا تكررت تحولت إلى ظاهرة تلفت الانتباه وتثير التساؤل، فتنسج حولها الحكايات والأساطير، وترسخ الاعتقادات، وتغدو في نظر الناس حقيقة مطلقة لا ريب فيها. في صباح اليوم التالي، عاد ماء النهر صافياً رقراقاً، يعكس زرقة السماء وخضرة أشجار الغرب. والذين أصيبوا بالفزع يوم أمس يشعرون اليوم بالراحة والطمأنينة. يردون إلى النهر، ويشربون ويسبحون ويتطهرون. تدور الأيام دورتها الرتيبة، تشرق شمس وتغرب .. تنصرم ساعات العمر كما يتسرب الماء في أرض رملية .. تطحنهم الحياة برحاها الثقيلة .. عيونهم مسكونة بالصمت، وفرحهم مثل ألق اللحظة الأخيرة. في الذاكرة صور قاتمة، وعلى البال سؤال : ترى .. من الضحية في المرة القادمة؟ هل هو واحد منا؟ من يدري ! مرّت الأزمة، وانقشعت الغمامة. عادت الأمور إلى طبيعتها، ودفنت الأحزان مثلما دفن الفتى. وقبل أن يجف الطين فوق قبره، جفّت الدموع في المآقي، وعادت الابتسامات تلوح على الوجوه. رفاقه يلعبون بمرح، وأهله يزاولون أعمالهم اليومية المعتادة، كأن المصيبة حادث عابر لم يغيّر شيئاً في نفوسهم، ولم يرفع من مستوى تفكيرهم واهتمامهم. أبوه يصرخ في وجه زوجته، لا لأنها لم تطعم أطفالها الجائعين، بل لأنها تأخرت في تقديم العلف للبقرة. وأمه تمنع الحليب عن صغارها لئلا تنقص من قيمته ليرات قليلة. أما أخوته فقد تناسوه وكأنه لم يكن واحداً منهم. ما إن مضى يوم واحد، بعد أن اقتلعوا أوتاد خيمة العزاء , ورفعوا البسط والوسائد ونقلوها إلى بيوت أصحابها، وحملوا دلال القهوة المرّة والفناجين إلى مكانها في ديوان المختار .. حتى فوجئ عبد الله في الصباح بطرق عنيف على الباب، فسأل : ـ من هناك ؟ جاءه الصوت : ـ افتح يا عبد الله، افتح .. أنا أبو صارم. أثار قدوم الرجل قلقاً في نفسه، فتساءل : ما الذي جاء به في وقت مبكر من النهار ؟ ثم اطمأنت نفسه وابتسم، عندما استطرد قائلا ً وكأنه يردد كلمات أغنية : ـ أنا أبو صارم .. خيال المهرة. و أبو صارم هو جدوع ولقبه قنيفذ .. واحد من أبناء القرية، نشأ يتيماً فقيراً، وعاش على ما يتصدقون به عليه من طعام ولباس ومال، لقاء خدمات يكلفونه بها .. رجل تجاوز الأربعين من العمر، قصير القامة، قصير اليدين والقدمين، وقد غاص رأسه بين كتفيه كأنما ليس له رقبة. وقد شبهوه بالقنفذ الصغير فحمل هذا اللقب، ولم يعرف إلا به . وهو بسيط ساذج ومحط سخرية الناس وتهكمهم وتسليتهم، بمن فيهم من الفتيان والأطفال، الذين يتبعونه، وهو على ظهر حماره الصغير، ويصفقون ويهتفون : قنيفذ مال .. قنيفذ مال .. وما إن يسمعهم حتى يفقد توازنه، فيميل يمينا ويساراً، ويقع على الأرض فيضحكون ويهربون قبل أن يلحق بهم. يسكن في كوخ صغير من اللبن والقش والطين. لا يفارق حماره أبداً، ولا يترجل عنه ويمشي على قدميه إلا نادراً، مهما كانت المسافة قصيرة. كانا متلازمين دائماً، لا يفترقان، يقوده خفية إلى حقول القمح والقطن فيأكل العشب الأخضر حتى يشبع، وفي موسم الحصاد يجمع التبن والشعير مؤونة له في فصل الشتاء. يرتدي سترة عسكرية قديمة، يعود تاريخها إلى سنوات الحرب العالمية الثانية، فضفاضة، طويلة تصل إلى مادون ركبتيه. يهتم كثيرا ً بتلميع أزرارها الصفراء. يتأبط عصا غليظة، يستعين بها في طرق الأبواب، وطرد الكلاب، والتلويح للأولاد الذين يلحقون به ويسخرون منه. عندما فتح له الباب، أدى تحية عسكرية، فقال عبد الله : ـ لماذا هذه التحية يا أبا صارم ؟ أنا لم أعد في الجيش. تبدلت ملامحه ومطّ شفتيه الغليظتين، ونظر إليه باستخفاف قائلاً : ـ هذا يعني أنك صرت مثلنا. رد عبد الله مبتسماً : نعم. ـ يعني .. لم تعد لك هيبة. . والله لا هيبة ولا عظمة للرجل إلا بالبدلة العسكرية والرتب والنياشين. . عبّر عن رأيه وقناعته، وهو يمسح أزرار سترته ويلمّعها بيده. سأله عبد الله : ـ ما الأمر يا أبا صارم ؟ رد جدوع أو قنيفذ كما يلقبونه ـ يا سيدي .. خالك .. أبو فواز، شيخ المشايخ، أرسلني إليك .. يريدك في الحال، عجلاً سريعاً. ـ لماذا يريدني ( عجلاً سريعاً ) ؟ قال متأففاً بنزق : ـ لم أسأله عندما أرسلني إليك بالأمس. ـ و كيف يريدني حالاً وهو أرسلك بالأمس ؟ قال جدوع بنبرة عسكرية : ـ هذه هي الأوامر .. نفذ ثم اعترض. ضحك عبد الله وعقّب قائلاً : ـ تتكلم وكأنك عسكري، مع أنك لم تخدم في الجيش مطلقاً. زفر قنيفذ متحسراً، وقال : حظي سيئ. وكما يقول المثل .. من ليس له حظ لا يتعب ولا يشقى. رغب عبد الله أن يمازحه ويتسلى معه، فسأله : ـ ألم تتزوج يا أبا صارم ؟ أجاب : من ؟ أنا ؟ قريباً إن شاء الله .. ثم أضاف : لو أنك تسعى لي بالخير عند وضحة الحمود. ـ من ؟ الطامح ؟ ـ هي بعينها. وهل من واحدة أخرى غيرها ! ـ مازلت تلف وتدور حولها ؟ ـ عنيدة يا عبد الله , عنيدة .. ـ لأنها طامح، و الطامح لاتقبل إلا برجل على مزاجها. ـ والله .. لو توافق، أقيم لها عرساً لم تشهد القرية مثله من قبل .. دبكة ومزمار وشاعر .. لا تقل إلا عرس ابنة الشيخ . ـ يا أبا صارم، كبّر عقلك، هذه تقدّم لها شباب ورجال فرفضتهم، لأنها طامح. ألا تفهم ؟ ـ ماذا تعني ؟ هل تقصد أنهم أفضل مني ؟ سامحك الله يا عبد. قال عبد الله ملاطفاً : ـ لا يا أبا صارم .. أنت فيك الخير والبركة. المشكلة هي أنها لا تعطي قدرك حقه، وأنفها مرفوع أكثر من اللازم. رد قنيفذ متباهياً بثقة : ـ والله .. إن صارت من نصيبي لأكسره لها، وأروّضها كما تروض المهرة الشموس. وأنا أخوك .. أبو صارم، خيال المهرة ثم امتطى ظهر حماره، وكرر قائلاً : ـ لا تنس أن تذهب إلى خالك .. أنا بلغت وما على الرسول إلا البلاغ. قال له عبد الله مستدركاً : ـ لكنك لم تدخل البيت، يا أبا صارم. ردّ عليه : عندي شغل. ـ أنت دائماً عندك شغل ! قال بغرور واعتزاز : ـ نعم، أنا دائماً عندي شغل، لأني لست مثل بقية الناس. وقبل أن يبتعد، التفت إلى عبد الله وقال بنبرة حادة : ـ هات خمس ليرات. ضحك عبد الله وهو يقول له : كنت ترضى بليرة واحدة. ردّ عليه : هذا صحيح، عندما كانت علبة الدخان بليرة. أما الآن، و بعد هذا الغلاء، ماذا أعمل بها ؟ أشتري (سيجارة ) ؟ ولا هذه تشترى بليرة. ناوله عبد الله خمس ليرات. فحياه وانصرف. على مقربة منهما وقف صبية وأطفال ينظرون وينتظرون. ولما مرّ بهم هتفوا قائلين : قنيفذ مال، قنيفذ مال. فاختل توازنه، مال ووقع على الأرض، وتعفّر وجهه بالتراب، .ثم نهض وركض وراءهم .. رشقهم بالحجارة و شتمهم، ولعن آباءهم الذين لم يحسنوا تربيتهم. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |