|
||||||
| Updated: Wednesday, October 15, 2003 12:24 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
6 بعد تردد ذهب عبد الله إلى بيت خاله، فاستقبله في غرفة كبيرة، ضاقت على رحابتها بما حوته من مقاعد وثيرة وبسط وسجاد، وستائر على الجدران، و مروحة سقفية وأخرى عمودية، ومصابيح كهربائية .. وبراد ومذياع وتلفزيون ملوّن. وفي وسطها منقل نحاسي مزخرف، عليه دلال قهوة مرّة، كبيرة ومتوسطة وصغيرة. وفي الغرفة أيضاً .. خزانة من الخشب والزجاج، رصفت على رفوفها أباريق نحاسية و صحون وأكواب و فناجين. . عرضت للتفاخر والتباهي .. يستعمل بعضها نادراً، وبعضها لا يستعمل أبداً. فيها يستقبل رجب الصالح زوّاره وضيوفه الغرباء وشيوخ العشائر، وأصحاب القرار والنفوذ. . أما الحجرات الأخرى فهي عادية ذات فرش بسيط، للزوجة والأولاد ولـه أيضاً .. فيها يأكلون ويستريحون وينامون، ويستقبلون زوارهم العاديين. وعندما قاده إلى هذه الغرفة أيقن أنه ما دعاه إليها إلا لأمر هام. قدّم له لفافة تبغ أجنبي، وهذا ما ضاعف من يقينه، إذ لم يسبق له أن فعلها من قبل. ثم بدأ الحديث قائلاً : ـ لم تأت .. لو لم أرسل في طلبك، يا ناكر الجميل .. تلفظ بعبارته الأخيرة كما لو أنها عتاب وود من عزيز ومحب. لكن الرجل عندما وصفه بناكر الجميل فهو يعني ما يقول. وفيها تلميح لم يغب عن ذهن عبد الله . فتساءل في سره مستغرباً : أي جميل هذا الذي أنكرته يا خال؟ جميلك مع أبي يوم جاء يأخذنا إلى البيت، فوقفت في وجهه، وفرّقت بيننا وبينه ؟ أم جميلك مع أمي وقد حرمتها من حقها في الأرض، وأسكنتها في دار صغيرة وكأنك تتكرم عليها من مالك ؟ أم جميلك معي ومع أخي وأختي ؟ ومع هذا لم يهن عليه أن يقطع الخيط الواهي الذي يربط بينهما، فابتلع غصّته وقال معتذراً : ـ الظرف لم يسمح .. عاصفة الغبار، وما تركته من آثار مازالت بقاياها، وعزاء ابن خميس البدران و... ضرب بيده على فخذ ابن شقيقته، وقال ملاطفاً : ـ ها .. والآن ؟ ولما كان عبد الله حريصاً على أن لا يقطع الرباط الواهي بينهم وبينه .. ذلك الخيط الرفيع الذي يلتف حول أعناقهم ويطوقها باسم القربى، ويجبرهم على الخضوع لإرادته وتقديم التنازلات.. طرفه في يده .. يشدّه متى شاء. فإن تمسكوا برأيهم و عارضوه انقطع الخيط، ووصفهم بناكري الجميل. فقد كتم غيظه وقال وقد أطرق برأسه إلى الأسفل : ـ أنا بأمرك. ابتسم رجب الصالح وانفرجت أساريره واعتقد أن حل المسألة معه بات أمراً مفروغاً منه، ومع ذلك فقد ارتأى أن لا يطرق الموضوع مباشرة، بل يمهّد له ويبدأ من زاوية أخرى، فقال وكأنه استدرك مسألة أخرى : ـ أما كان من الأفضل لو أنك تطوعت في الجيش ؟ ثم أضاف مباشرة : ـ على أية حال، ليس هذا هو موضوعنا. ـ وماهو موضوعنا ؟ سأله وفي ذهنه إجابة يتوقعها. فتذكر تلك الحكاية الساخرة التي يرددها عامة الناس، حينما يستدعيهم علية القوم .. فقد قالوا للحمار يوماً : فلان يريدك .. لماذا؟ فضحك الحمار وقال : لماذا يريدني ! إما لنقل الماء أو حمل الحطب. كذلك هو شأن خاله، إذ قال: ـ موضوعنا يا عبد، هو زواج أختك. البنت ما عادت صغيرة، والزواج ستر وغطاء للفتاة. هذه سنة الحياة، أم أنا غلطان ؟ أجاب ببرود : ـ العفو يا خال. كلامك صحيح، وأنت لم تغلط، لكن .... قاطعه : انتظر حتى أكمل كلامي. ثم استطرد : ـ منذ مدّة تقدّم شخص لخطبتها. قاطعه ثانية : ـ شاب أم رجل ؟ تلكأ في الجواب، فقاطعه عبد الله : ـ رجل كبير في السن، متغرّب، متزوج وعنده أولاد. ـ وكيف عرفت ؟ ـ وهل في القرية أسرار تخفى على الناس ! وصلتني هذه المعلومات قبل أن أتخطى عتبة الدار. والخبر تناقله الصغار قبل الكبار .. ـ دعني أكمل. ـ هات ما عندك، تفضّل. قالها بلهجة جافة، فأضاف رجب : ـ الرجل غني ويعمل في الكويت. عنده أرض وأملاك في منطقة البوكمال . يدفع مهراً عالياً ويسكنها في بيت مستقل. فماذا تقول ؟ قال عبد الله متسائلاً بنبرة فيها شيء من السخرية : ـ بيت في الكويت ؟ رد خاله باستغراب : ـ في الكويت ؟ لا. في قريته .. في منطقة البوكمال. ـ وهـو .. ؟ ـ يعود إلى الكويت. قلت لك .. عمله هناك. لكنه يأتي إلى قريته وبيته مرّة أو مرتين في العام. ويريد امرأة تقوم بالواجب وترعى شؤون البيت في غيابه. قال عبد الله وابتسامة ساخرة تلوّن وجهه : ـ يا خال. هل هذا معقول ! كبير ومتزوج وعنده أولاد، ويأتي في العام مرّة أو مرّتين ! هل هذا زواج ؟ ما الذي يدعونا لقبول عرض كهذا؟ !. ـ لم لا .. مادام الرجل يوفر لها ما تحتاجه ؟ المسكن واللباس .. والمصروف. ـ هل هذا كل ما تحتاجه المرأة ! ردّ رجب بعصبية : ـ ما الذي تحتاجه غير ذلك ؟ قال عبد الله : ـ السجين يحصل على هذه الأشياء، والسيد يوفرها لعبده .. يا خال، يبدو أننا مختلفان في الرأي تماماً، تفكيرك غير تفكيري، وما يرضيك لا يرضيني. و لهذا لن نتوصل إلى اتفاق. ردّ عليه غاضباً : ـ ما الذي ترمي إليه ؟ قلها بصراحة ودون حياء .. قل إنك متعلم ومثقف، وخالك جاهل ومتخلف. أليس هذا هو قصدك ؟ ـ العفو يا خال. المسألة غير ذلك تماماً. و أنت الخير والبركة، فلا تغضب. كل ما أبغيه أن نتحاور بالمنطق والعقل. ـ لا تكن يابس الرأس. فكّروا بالأمر .. أنت وأمك أختك. سيعود الرجل بعد يومين أو ثلاثة. وهذه فرصة، فلا تضيعوها من أيديكم. صار الحوار مملاً، يصدّ النفس ويثير النفور، وأراد عبد الله أن يضع للحديث نهاية، فقال : ـ حسناً. الخير يقدّمه الله. عاد رجب الصالح إلى لهجته التي بدأ بها، وقال : ـ لو لم تكن ناكراً للجميل لقلت يا خالي افعل ما تراه مناسباً. أنت كبيرنا ولك حق علينا. وأنا وأمي وأختي طوع أمرك ولا نخرج عن إرادتك. ولكن.. لا .. أنتم جميعاً ناكرون للجميل. ـ يا خالي .. ـ اسكت .. لو كنت خالك ـ كما تقول ـ لما أغضبتني !. أنت لا تختلف عنهم في شيء .. مع أنك متعلم. ثم أضاف بنبرة عتاب : ـ هكذا تعارض خالك يا متعلم ! مرّت فترة صمت. ينظر كل منهما في وجه الثاني، ثم يرفع بصره إلى الأعلى محدقاً في الفراغ. قبل أن يتجرأ عبد الله ويقول : ـ يا خالي .. أنت تعرف أن خدمتي العسكرية قد انتهت، وأنا شاب .. آخذ مصروفي من أمي التي تبيع حليب البقرة بنصف ثمنه لذلك المستغل، صاحب الشاحنة الصغيرة .. ولا يعقل أن أظل بلا عمل. ابتسم خاله مزهواً إذ أيقن أن ميزان القوة قد اختلّ، ورجحت كفته لصالحه، وقال : ـ أنت أخطأت لأنك لم تتطوع في الجيش. ـ والأرض ؟ ـ أية أرض ؟ ـ أرضنا .. أقصد أرض أمي، فقد آن الأوان لكي نزرعها بأيدينا. ضحك خاله ساخراً وقال : ـ أنت تعمل في الأرض ؟ وبهاتين اليدين الطريتين !. ما نفع الشهادة الثانوية التي تحملها ؟ ما جدوى الدراسة والنفقات وضياع الوقت ! إذا كانت النتيجة أن تعمل فلاحاً مثل أي أميّ أو جاهل ؟ فكّر بعقلك يا ولد. ـ لقد فكرت .. و رأيت مهندسين زراعيين، شهاداتهم أكبر من شهادتي ويعملون في الأرض. ـ هذا كلام فارغ. الفلاح فلاح والأفندي أفندي، وإذا تبادلوا الأدوار يعم الفساد ويخرب الكون. ردّ عبد الله بهدوء وحكمة : ـ ليس أنت من عليه أن يقول ذلك يا خالي. دعه للإقطاعيين وأصحاب الملايين. أنت فلاح ابن فلاح .. هل نسيت ؟ !. قال مستنكراً : ـ أنا ؟ ـ نعم .. أنت. أنت فلاح ونحن فلاحون. أم أن هذا اللقب للاستهلاك والمناسبات فقط ؟ ألم ترشّح لانتخابات مجلس الشعب ضمن القائمة ( أ ) ؟ ـ أنا لا أفهم قصدك. ـ بل تفهم قصدي. . فلأنك فلاح تحصل على ما يزيد عن حاجتك من القروض والبذار والسماد والعلف .. ولأنك فلاح .. قاطعه بغضب : ـ خلاصة القول ؟ ـ أرض أمنا. ـ أمكم ؟ اسمع يا ناكر الجميل. هل قصّّرت في حقكم أو في حق أمكم ؟ هل نقصكم أو نقصها شيء ؟ أنا أعطيها أكثر مما يعطيها القانون .. حصة الأرض عشرة بالمائة من المحصول .. تأخذه بالتمام والكمال كل موسم. سكت لحظة ثم أضاف قائلاً : ـ هذا حقها إن كنت تسأل عن الحق والقانون. أما الشرع فلا يجيز للأنثى أن ترث .. اسأل أهل الخبرة. الأرض للذكور لئلا يدخل بينهم غريب. وعلى أية حال إذا كانت غايتكم بيع الأرض أنا أشتريها منكم. رد عبد الله مؤكداً : ـ نحن لا نبيع الأرض. بل نزرعها. فكّر رجب الصالح .. رأى أنه يخوض حرباً لا يريد أن يخسرها إذا ما لجأوا إلى القانون، فأراد أن يجرب كل الأسلحة، وأن يلجأ إلى المناورة والالتفاف، فقال : ـ تزرعون الأرض .. ؟ طيب. كلام معقول. تأخذون الأرض الفوقانية. وقبل أن يعترض عبد الله، أضاف : ـ منذ الغد، بل منذ اليوم هي لكم .. ازرعوها، احرقوها، افعلوا بها ما تشاؤون. ضحك عبد الله ساخراً .. تجاوزت ضحكته حدود الأدب التي يلتزم بها. إلا أن الموقف يدعو للضحك. فكأن خاله يخاطب جاهلاً لا يعرف قوانين اللعبة و أسرارها. ثم قال : ـ أنت تعرف جيداً يا خال أن هذه الأرض غير صالحة للزراعة، بعد أن زحفت الملوحة إليها، وحولتها إلى مستنقع آسن. . الشوك لا ينبت فيها. ـ استصلحوها .. ألم تقل إنكم فلاحون ؟ ـ لماذا .. ؟ أقصد .. لماذا نحن وحدنا ؟ أنت تعرف أن استصلاحها ليس بالأمر السهل. ويحتاج إلى أموال، وحفر قنوات تصل إلى النهر لغسل التربة وتصريف الماء المالح، وسنوات من العمل، وهذا ما يعجز عنه الأفراد متفرقين، ولا تقدر عليه إلا الحكومة. ـ جيد. والفرج قريب. فقد وضعت دائرة استصلاح الأراضي خطة عمل، ولم يبق إلا التنفيذ. هز عبد الله رأسه وقال باسماً : ـ ( هات عمر .. ) وأضاف بلهجة جادة : ـ الرأي هو أن نقسم الأرض الفوقانية والجوانية .. لنا النصف في كل منهما. هذا هو العدل والقانون. زعق به بغضب : ـ أي عدل وأي قانون ؟ أنت صرت تفهم بالقانون ؟ لا ريب أن أحدهم قد لعب بعقلك. وإلا .. متى كان للمرأة حق في ملكية الأرض ؟ تخرج من بيت أبيها إلى بيت زوجها بثوبها فقط .. حتى الثوب .. يقلعونه عنها لتأخذه أختها. وأمك حملت معها الثياب والفراش والحلي. والآن تريد الأرض ؟ بأي حق ؟ ومن أعطاها هذا الحق ؟ ـ الشرع والقانون. تفاقمت حدّة المواجهة بينهما، فرفع رجب سلاح التحدي قائلاً : ـ أمامك القانون إذاً. فكر عبد الله .. سوف يدور سنوات في حلقة مفرغة إذا ما لجأ للمحاكم. دعاوى وقضاة ومحامون ونفقات، وتأجيل واستئناف وقد يربح الدعوى لكنه سيخسر خاله بكل تأكيد. فقال بهدوء وحكمة : ـ يا خال. من المعيب أن نلجأ للقضاء والمحاكم. أصر خاله على تعنته، واستفزه قائلاً : ـ ليس لك حق عندي يا بن الراشد. ربما نسيت نفسك واعتقدت أنك من عائلة الصالح. حقك هناك، في الرواشدة، عند أعمامك .. فاذهب إليهم وخذه منهم. أثارت هذه الكلمات شجونه فردّ بهدوء : ـ أنا لم أنس نفسي، وأنت تعرف أن أبي لم يترك شيئاً. ليس له في الرواشدة شبر أرض .. حتى قبره ليس هناك. أدرك رجب الصالح أنه قد تصرف معه بقسوة جرحت كرامته، فغيّر من لهجته وقال : ـ اسكت .. ليس لك كلام معي. وإن كان لابد من الكلام فهو مع أمك فضة التي لم تُحسن تربيتك. ردّ عبد الله بأسى : ـ حاضر .. أنت على حق. مشكلتها معك أو مشكلتك معها، ويبدو أنني لم أعرف حدودي. نهض واقفاً على قدميه، وقبل أن يغادر البيت، لم يستطع أن يكتم غصة في حلقه، فقال بصوت حزين : ـ ولكن .. لا تنس أنها أمي وأنا ابنها. .............. مشى على الطريق من بيت خاله إلى بيته بخطى متثاقلة بطيئة .. في صدره ألم وحسرة، فقد قطع خاله الخيط الرفيع بينهما، وسدّ المسالك والدروب، وأطفأ بصيص النور الذي علّق عليه آماله، منذ أن كان يؤدي خدمة العلم على الجبهة، ويصغي إلى توجيهات الضابط، حين اجتمع بالجنود وقال : أنتم تدافعون هنا عن أرضكم بالسلاح، وغداً تعودون إلى مدنكم وقراكم وتدافعون عنها بالعمل ... المعركة مستمرة والنضال لا يتوقف. توقف عن السير.. راودت مخيلته أفكار وصور .. أرضنا هناك يحتلها الأجنبي وهنا .. من يحتلها ؟ زفر متحسّرا ً. لم يتغير خاله أبداً مع تقدم العمر وطول السنين، ورغم تعدد التجارب. مازال كما هو، بل غدا أكثر طمعاً وأنانية. وقبل أن يدخل البيت استدار وعاد راجعاً .. مشى بخطى حثيثة، إلا أنه لم يكن قاصداً بيت خاله. أمه وأخته تنتظران عودته بقلق ولهفة، وشعوره بالضيق والاختناق يدفعه لأن يمشي ويسلك درباً ترابياً ضيقاً ينحدر نحو النهر، وإلى جانبه ساقية قديمة انتصبت على حافتيها أشجار التوت. وعند شجرة التوت الكبيرة توقف. تحت الشجرة بقايا غراف قديم، انتزعت بعض أخشابه وسطوله، ونبتت حوله الأعشاب والأشواك، وعلى أعمدته التفت النباتات المتسلقة. هذا المكان يقصده دائماً عندما يحس بالضيق، منذ أن كان فتى .. يجلس عند جذع الشجرة أو على عموده، حين يكون واقفاً لا يدور. . يقرأ .. أو يكتب شعراً، أو يسترسل مع خيالاته وأحلامه. عشرات الغراريف كانت تروي الحقول والبساتين. ويطيب للفلاحين أن يقضوا قيلولتهم بجوارها. يستظلون بفيء أشجار التوت والغرب، يتنفسون الهواء النقي، و تنعشهم النسمات اللطيفة. . كلها أوقفت وتحولت إلى بقايا وأنقاض، أو اقتلعت واستبدلت بمضخات تعمل على المازوت. لم يفكر واحد منهم أن يحافظ عليها. لا قيمة للماضي. لا قيمة للتراث، لا قيمة للجمال في زمن انهيار القيم. عادات كثيرة تبدلت، وتقاليد اندثرت .. البساطة، الطيبة، الألفة والمحبة، السهر في الليالي على ضوء القمر أو القناديل. . الحكايات، الدبكة ومزمار الراعي، تنانير الخبز و قدور البرغل وأطباق الشعيرية والفتيات اللواتي يتجمعن لفتلها. كان الفتى يتناول رغيف الخبز من أي تنور، ويقطف حبات البندورة من أي حقل. لا حيطان عالية ولا أبواب مغلقة، قبل أن ترتفع جدران الإسمنت وتقام حواجز الأسلاك الشائكة، وقبل أن تقام الأفران الحديثة، ويصبح الخبز سلعة تباع بالنقود، ويقف الناس صفوفاً طويلة بانتظار الدور. كما يقفون أمام أبواب المؤسسات لشراء السكر والشاي والرز والزيت. صور الماضي لا تغيب عن ذاكرة الآباء والأجداد .. يطيب لهم الحديث عنها، يستعيدونها ويضيفون إليها من خيالهم ما يزيدها جمالاً ومتعة. فتمتلئ نفوسهم ألماً وحسرة على الماضي الذي ولّى و ولت أيامه ولن تعود. لماذا يحن الناس دائماً إلى الماضي ؟ هل هو أجمل من الحاضر ؟ أم أن تراكم الهموم على مر الزمن ومع تقدّم السن يزيد من تعلقنا به ؟ أم هو اليأس بعد أن تتضاءل الآمال ؟ أسئلة دارت في عقله وشغلت تفكيره . تنهّد بأسى ونظر إلى النهر الذي غزت شطآنه أشجار الزل. كانت أجمات صغيرة قليلة يجرفها الفيضان سابقاً قبل أن يلجم النهر ويكبح جماحه. ثم لم تلبث أن امتدّت واتسعت رقعتها وصارت أدغالاً. هذا النبات الجديد في المنطقة يتكاثر بجنون .. جذوره تمتد في الماء والطين وفروعه تتشابك بكثافة، وتغطي مساحات واسعة على امتداد الشاطئ. اختفت الرمال النظيفة الساخنة التي كان الصغار يدفنون أجسادهم فيها عندما يسبحون، وتحول الشاطئ إلى دغل كثيف، ومرتع للأفاعي والفئران وأسراب البعوض. وبعد تردد، اجتاز عبد الله ممراً ضيقاً بين أشجار الزل .. فتحته أقدام الناس والدواب. ولما وصل الشاطئ خلع ثيابه واندفع نحو الماء. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |