نهر بلا شطآن ـــ إبراهيم خريط

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2003

Updated: Wednesday, October 15, 2003 12:24 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

7

كان قرار آل الراشد بشأن زواج نعيمة من ذلك الرجل الغريب قراراً قطعياً لا رجعة فيه. . الرفض التام. لا إغراء، لا مساومة أو تنازل، لا رضوخ للضغط والإكراه، مهما كانت العواقب. ومع هذا فقد رحّب به عبد الله عندما فاجأهم بالزيارة برفقة خاله الذي لم يقطع الأمل تماماً.‏

هذه هي العادات والأعراف. وهذا ما تفرضه شيم الأخلاق، حتى وإن كان الزائر عدواً أو مطلوباً بثأر ودخل بيت طالبه مستجيراً به.‏

استقبلهما في غرفته المتواضعة التي ينام فيها و يستريح ويستقبل الضيوف. وظلت أمه وأخته في الغرفة الثانية.‏

وبعد أن شربوا شاياً وقهوة، تنحنح رجب الصالح وبدأ الحديث قائلاً :‏

ـ الرجل يطلب القرب، وقد جاء لما سمع بعودتك إلى القرية، وهاهو أمامكم .. ترونه ويراكم، وتسمعون منه ويسمع منكم.‏

صمت برهة ثم أضاف :‏

ـ صحيح انه متزوج، وعنده امرأة وأولاد. ولكن هذه ليست مشكلة .. أولاده شباب ولهم أعمالهم .. ما عادوا يحتاجون إليه، بعد أن رباهم وأعطاهم وكفاهم، وامرأته عندها ما يكفيها. باختصار .. لا ينقصهم شيء. والرجل قادر، ويريد الزواج. وهذا أمر حلله الله وما يحلله الله لا يحرّمه البشر.‏

تكلّم الرجل .. قدّم عرضه .. مهر عال، مال، فلوس .. ردد كلمة فلوس كثيراً. يعتقد أن كل شيء يشترى بالفلوس، فإذا توفرت الفلوس لم تعد هناك مشكلة .‏

هكذا يفكر، وهذا ما يعتقد. يتكلم باستعلاء، يتصرف بتصنع، ينظر إلى ساعته الثمينة بين آونة وأخرى، يتناول لفافة تبغ أجنبي ويشعلها بقداحته المذهبة.‏

وعلى إيقاع حبات مسبحته الرتيب تظاهر عبد الله بالإصغاء .. هكذا بدا من عينيه ونظراته، أما فكره فقد ذهب بعيدا، وهو يتأمل شكله ومظهره وسلوكه الذي يدفع إلى السخرية والاستهجان.‏

لم يتبدّل رأيه، ولم تغير الإغراءات والوعود قراره. القضية هي قضية مبدأ. صحيح أن كثيراً من الناس بدّلوا مبادئهم أو تنازلوا عنها وركضوا وراء المنفعة والمصلحة، إلا أن الخطأ لا يعتبر قاعدة .، والمبادئ لا تراجع عنها .. لا بيع، لا تنازل، لا مساومة .. هكذا تعلّم، وعلى هذا نشأ، وذاك هو نهجه ولن يحيد عنه أو يرضى عنه بديلاً.‏

هكذا فكر. ولما ساد الصمت وتطلعت العيون إليه بعد أن أفرغ الرجل ما في جعبته، قال :‏

ـ المسألة غير ذلك تماماً. أهلاً بك كضيف حلّ علينا، أما بشأن الزواج فلا نصيب لك عندنا. .‏

اكفهر وجه الرجل وتبدل لونه من الأسمر إلى الأحمر فالأصفر، جحظت عيناه .. فتح فمه دهشة واستغراباً، وسأل باستجداء :‏

ـ لماذا .... ؟‏

ردّ عليه بثقة :‏

ـ لأننا مختلفون في كل شيء.‏

انتفض خاله، وقال بغضب :‏

ـ ما هذا الكلام ؟ هل أصابك الجنون ؟‏

كرر الرجل : لم تقل لي لماذا.‏

أجاب عبد الله ببساطة ساخرة لينهي الجدال ويقطع عليه طريق العودة :‏

ـ لماذا .. ؟ هكذا. لست بالرجل المناسب.‏

أحس الرجل أن كرامته قد طعنت، فهب واقفاً وقال مخاطباً رفيقه :‏

ـ هيا. قم قبل أن نسمع المزيد من الإهانات.‏

ثم أضاف موجهاً الكلام إلى عبد الله :‏

ـ اسمع يا عبد .. لولا خالك وكرامته ومنزلته بين القوم ما طرقت بابكم. أما من ناحية الزواج فالنساء أكثر من هم القلب، وألف واحدة تتمنى، والفلوس تفعل كل شيء.‏

وقف خاله وقال معاتباً بغضب :‏

ـ لا يا بن الراشد. ما هكذا يكون الرجال .‏

ـ يا خال. . افهمني...‏

ـ اسكت .. اسكت. لا تفتح فمك بكلمة أخرى .‏

شيعهما عبد الله حتى الباب. وحاول أن يبين لهما أنه لم يقصد الإهانة والتجريح، وإنما أراد أن يقول رأيه ويعبر عن موقفه. إلا أنهما لم يصغيا إليه.‏

دمدم خاله بكلمات خشنة فظة، وقبل أن يبتعد ويلحق بالرجل، التفت إليه وقال بلهجة لوم وعتاب :‏

ـ نكّست رأسي يا بن فضة، ووضعته في الطين.‏

وأضاف مهدداً وهو يشير بسبابته :‏

ـ اسمع يا بن الراشد وتذكر كلامي جيداً .. لن أنسى هذا الموقف أبداً .. والأيام قادمة.‏

ابتعد الرجلان .. غابا في ظلام الدرب الترابي المتعرج. وعاد هو إلى الدار وفي ذهنه سؤال يحيره : ماذا يبغي خاله من وراء هذه الصفقة ؟ المال ؟ الدعم في الانتخابات القادمة ؟ لاشك أنه يسعى لهذه الغاية، ومن أجلها يفعل أي شيء .‏

هرعت إليه أمه وأخته. سألته أمه وقد سمعت صراخ شقيقها وتهديداته :‏

ـ لماذا غضب خالك ؟ هل أسأت إليه ؟‏

ـ أخوك غاضب علينا دائماً، وأنت تعرفينه جيداً. لم يبق إلا أن أترك له البيت وأمشي.‏

ردّت أمه جزعة :‏

ـ تمشي ؟ مثلما فعل أخوك ؟ لا يا بني .. لا، واحد يكفي، كفاني ما لقيت منكم ومنه.‏

اختنقت بعبراتها، وسالت دموعها. رفعت يديها إلى السماء، وقالت بصوت متهدّج حزين :‏

ـ لماذا يا رب ؟ لماذا أتحمل كل هذا العذاب !‏

تفجر الحزن في صدرها أنيناً، بكاءً، حشرجة، وهي تقول :‏

ـ منذ أن كنتم صغاراً لم أعرف الفرح، لم أضحك، لم أشعر بالسعادة مثل باقي النساء. خالكم من جهة، وأنتم من جهة أخرى. لماذا ؟ أين أذهب ؟ ومن يواسيني ؟ من يخفف حزني ولوعة قلبي ؟ من .... ؟ ماذا فعلت يا رب حتى يكون هذا جزائي ؟.‏

بكت وناحت مرددة قصيدة تنز عباراتها قهراً و حرماناً. أثارت عاطفة ابنها فدنا منها طالباً السماح، وقبّل رأسها ومسح دموعها. ثم صار يمازحها ويلاطفها ويشد من أزرها.‏

...................‏

بعد أن غادر الرجل برفقة خاله بيت الراشد، توافدت إليهم نساء وصبايا. دفعهن الفضول لاستطلاع الخبر ومعرفة ما انتهى إليه الأمر. تحلّقن حول المرأة وابنتها، وفتحن آذانهن وأفواههن وأصغين إلى كل جملة وكلمة.‏

هززن رؤوسهن مؤيدات .. و وصفن الرجل بفاقد العقل والمتصابي والدنيء .وقالت إحداهن : هذا حال الرجل عندما يكثر المال في يده، إما أن يتزوج وإما أن يقتل أحداً. .‏

قالت كل واحدة منهن ما عندها. صدر الكلام من طرف لسانها، أما في قرارة نفسها فثمة أمنية تراود فكرها .. ماذا لو أن الرجل تقدّم لها ؟ ولماذا لم يفعل ؟ أم أن الدنيا حظوظ، والخير من نصيب من لا يستحق. والحلاوة تعطى لمن ليس له أضراس .‏

واحدة منهن ظلت صامتة، تنقّل بصرها بين المرأة وابنتها، وتسرق نظرة خاطفة نحو عبد الله، وهو يدخل غرفته ويخرج منها .. يبادلها النظرة ويدور في عقله ما يدور في عقلها. . ففي أحلك الظروف وأشدها ضراوة وقسوة، حيث تتأزم المواقف، وتكثر الحواجز، وتضيق الدروب، ويشعر المرء أنه غارق في دوامة الأحداث، تائه في بحر من الظلمات ..لا شاطئ ولا ميناء. ويصل به اليأس إلى حافة الانهيار.. يلمع في الأفق البعيد بصيص نور يهدي من ضلّ الطريق، فتهدأ النفس المضطربة، وينتعش الأمل .. ترتسم على الشفتين ابتسامة، ويخفق القلب المتعب كجناحي عصفور صغير يهم بالطيران.‏

هذه هي الحياة، وهذا سرها. لا تغلق باباً إلا لتفتح آخر، ولا تشتد الأزمة إلا لتنفرج.‏

فبعد أن خرجت النساء و البنات من بيت الراشد، قامت جميلة لتلحق بهن، كانت تتسحب بخطى بطيئة، ثم وقفت ونظرت إليه باستحياء وحيته بصوت ناعم خجول، فردّ على تحيتها ونظر إليها بحب وشوق.‏

كانا عاجزين عن الكلام .‏

ولجا دائرة الصمت .. تذكر تلك اللحظات السعيدة، حيث كان يمسك يدها ويشدّ شعرها فتتأوه وتتلوى. كم كانا بسيطين وبريئين ! مثل طفلين يلعبان بكرة معدنية عثرا عليها، دون أن يدركا أنها ما هي إلا قنبلة موقوتة، تنفجر بفعل الشد والضغط والحرارة فتكويهم بسعيرها وتحرقهم بنارها.‏

كم يتمنى أن يمتلك الجرأة، فيحطم جدار الصمت، ويحرر أشواقه وعواطفه من سجنها، ويعبر لها عن حب جامح عقد لسانه، وجعل منه طفلاً عاجزاً عن التعبير !‏

سأل نفسه : كيف يبدأ ؟ وماذا يقول ؟‏

كلمات الحب والشوق واللهفة، مرارة الفراق وعذوبة اللقاء .. تسمعها الأذن كل يوم عشرات المرات، من الصباح إلى الصباح، وكأن الناس لا عمل ولا شاغل لهم إلا الحب. يرددها المغنون في أغانيهم، والشعراء في قصائدهم .. في الإذاعـة والتلفزيون والسينما .. في الكتب والمجلات. في أهازيج الفلاحين في حقولهم، وفي مجالسهم وليالي أنسهم وسمرهم. فيطربون لها، و تصل بهم النشوة ذروتها، يترنحون ويطوحون بأيديهم و رؤوسهم ويصفقون لمغنيها ومنشدها ..‏

هذا أمر مألوف في عرفهم مرغوب لديهم، لا ملامة عليه ولا اعتراض. أما أن يقولها حبيب لحبيبته أو زوج لزوجته فهذا أمر مستهجن مرفوض، لا تستسيغه آذانهم، ولا تتقبله عقولهم .. حتى لو كان همساً، وراء أبواب مغلقة وستائر مسدلة .‏

لذلك يلجأون إلى الرمز والتلميح والإشارة. والإشارة تفصح أكثر من العبارة .‏

رؤية جميلة أطفأت نار الغضب، وألقت ستاراً على خشونة المواجهة بينه وبين خاله، وأعادت الراحة والهدوء إلى نفسه المتعبة.‏

.............‏

دارت الأيام دورتها الرتيبة، بعد أن توترت العلاقة بينه وبين خاله. كان كل منهما يتجنب الآخر في الطريق أو يصدّ عنه متظاهراً بأنه لا يراه. ومع ذلك ظل عبد الله متمسكاً بطرف الخيط الرفيع، أملاً بانقشاع الأزمة وزوال التوتر، والعودة إلى الحوار والتفاهم. حيث ظلت المسائل الكبرى معلقة .. وأهمها مسألة الأرض والبحث عن عمل يعيل أسرته ويريح أمه من عنائها.‏

وفي يوم .. أقبل جدوع على ظهر حماره، يلكزه بساقيه القصيرتين .. يلوّح له بالعصا ويحثه على الجري. لا هرباً من الأولاد الذين يضايقونه ويسخرون منه، ويوقعونه على الأرض كلما صادفوه، بل ليسبق سيارة صغيرة تلحق به، اضطر سائقها للسير وراءه على مهل، ليقوده إلى بيت الراشد.‏

وكعادته قرع الباب بعصاه قائلاً :‏

ـ افتح يا عبد الله افتح، أنا أبو صارم.‏

أدى تحية عسكرية وابتسم لما فتح له الباب، ثم بادره قائلاً :‏

ـ جئتكم بضيف.‏

لما رأى عبد الله السيارة البيضاء، ذات اللوحة الكويتية. ساوره شعور بالغم والانقباض .. فكأن الصورة تتكرر ثانية، صورة خاله والرجل الغريب بسيارته البيضاء. فهمس في أذن جدوع بلهجة جافة ساخرة :‏

ـ أنت مثل طير ابن نبهان. لا تأتي إلا بالأخبار السيئة، فما وراءك يا جدوع ؟‏

كشّر جدوع وقال معاتباً :‏

ـ لا يا بن الأكارم، ليس هذا ما أرجوه منك، أنت آدمي و متعلم، فكيف تحكم قبل أن تعرف من هو الضيف، ولماذا جاء ؟‏

ثم أضاف : هذه المرة .. عليك واحدة‏

أحس عبد الله أنه قد تسرّع في الحكم، وأساء إلى الرجل الذي اعتاد أن يسمع كلاماً جارحاً من الكبار قبل الصغار. فقال :‏

ـ على أية حال، أهلاً وسهلاً بك وبالضيف يا أبا صارم.‏

تبسم جدوع وانفرد ت أساريره عندما لقّبه بأبي صارم، وقال :‏

ـ نعم. هكذا يكون الكلام بين الرجال يا بن الكرام.‏

في تلك الأثناء كان صاحب السيارة ينزل منها، ويغلق نوافذها وأبوابها. فدسّ عبد الله في يد جدوع ورقة نقدية من فئة الخمس ليرات. فقلبها بيده قائلاً :‏

ـ لا والله. هذه المرة لن أقبل بأقل من عشر .. فالرجل جاءكم بالخير، كما أنك أخطأت بحقي وشبهتني بطير ابن نبهان.‏

وضع الليرات العشر في عبه وانصرف. لم يدخل مع الضيف، لأنه وكما يقول دائماً عنده شغل. وقبل أن يبتعد كان الفتيان يلحقون به ويقولون: مال قنيفذ، مال قنيفذ. وظلوا يهتفون حتى مال وسقط عن ظهر الحمار.‏

حمل إليهم الضيف القادم من الكويت بعض الهدايا الصغيرة الرخيصة ، ورسالة من جاسم، حمّله إياها لما علم أنه يمر في طريقه بقرية الناصرية.‏

فتح الرسالة، وبعينين اتسعت حدقتاهما التهم سطورها وصفحاتها التي تجاوزت الثلاث .. قرأها بصمت أولاً، بينما كان الضيف يشرب الشاي. كانت تعابير وجهه تتغير، ما إن تنفرج حتى تنكمش فتزول الابتسامة، وتعلوها تجاعيد الكآبة.‏

بعد أن انصرف الضيف، هرعت أمه وأخته، وقد كانتا تنتظران بلهفة، وسألتاه عن مضمون الرسالة.‏

أعاد قراءتها بتمهل وإمعان ...‏

حملت الرسالة آلاف التحيات، لهم وللأقارب والأصدقاء والجيران، وجميع أهل القرية الذين لم يغيبوا عن فكره أبداً. ولم ينس أن يهدي تحياته إلى خاله وأفراد عائلته ... هذا الخال الذي كان وراء رحيله وغربته.‏

ضمّن الرسالة أشواقه وحنينه وشعوره بالغربة .. هذا الشعور الذي لازمه منذ أن سافر، والذي يدفعه كل يوم وكل ساعة لترك العمل، والعودة إلى الوطن والأهل. لكنه عاجز عن تحقيق ما يريد، فهو مدين بثمن بطاقة السفر للرجل الذي يستغله ويقاسمه ثمرة عمله وتعبه وشقائه. ولا يسمح له بالعودة إلا بعد أن يسدد قيمتها .. إنه يحتجز جواز سفره، وما من طريقة لفك الأسر والعودة إلا بدفع النقود، وهي غير قليلة.‏

كانت الرسالة، رغم بساطة لغتها وأسلوبها تضج بالبلاغة والقهر والمرارة .‏

فهو يسكن مع بعض العمال .. وفدوا من مناطق مختلفة، في غرفة واحدة، لا تصلح زريبة للبهائم .. صغيرة، ضاقت بهم فلا يقدر أحدهم أن يمدّ ساقيه عندما ينام. يعمل ورفاقه منذ الصباح حتى المساء، كالآلات أو الدواب، في منطقة صحراوية، أرضها رمل وهواؤها حار .. قرية الناصرية تعد مصيفاً أمامها.‏

لا شجر ولا نهر، لا شيء إلا الحرارة ورطوبة البحر الخانقة... ظروف العمل قاسية جداً، لا يحتملها إنسان، لولا الحاجة التي تجعله يغمض عينيه ويبتلع الغصة، ويتجرع كأس العلقم ومرارة الحرمان.‏

ويتذكر في رسالته تلك الأوقات الرائعة التي قضاها في القرية .. يتذكر النهر والساقية وأشجار التوت والغرب، وأعشاش الحمام والعصافير .. خضرة الحقول وليالي الصيف المقمرة .. السهر والسمر وألعاب الطفولة .. حتى عواصف الغبار يشتاق إليها. والناس وقد جمعتهم الألفة والمحبة، وربطت بينهم العلاقات الاجتماعية برابطة افتقدها في غربته.‏

ويضيف في الرسالة : هذه لم نعرف قيمتها إلا حين فقدناها. ثم يؤكد على أمنيته في العودة .. إلا أنها لن تكون قبل أن يجمع ثمن ( الفيزا ) ويدفعه للرجل الذي يتاجر بالناس كالعبيد.‏

كان يكرر بعض الجمل والعبارات في رسالته، بحيث تفصح بوضوح تام عن مدى المعاناة والأوقات العصيبة التي يمر بها. ثم ينهي الرسالة بالتحية والأشواق والسلام على الجميع فرداً فرداً. ويقول أيضاً : أنا بخير، طمئنوني عنكم.‏

ابتسم عبد الله ساخراً لما قرأ هذه العبارة، وتساءل : أي خير هذا بعد الذي ذكرته !.‏

ثم أضاف بحزن وألم :‏

ـ يبدو أنه واقع في ورطة، أو هكذا يشعر. مع أن كثيراً من الشباب يقولون غير ذلك.‏

أراد أن يخفف من أثر وقع الرسالة على أمه وأخته فقال :‏

ـ الأيام والشهور الأولى صعبة دائماً. هذه هي المشكلة. وغداً يتبدل حاله ويأتينا بسيارة وهدايا وجيب مليء بالنقود.‏

كانت أمه وأخته تصغيان عندما قرأ الرسالة، والدموع تنحدر من عيونهما غير عابئتين بالسيارة والهدايا والنقود. وعندما انتهى من قراءة الرسالة، قالت أمه وهي تنشج وتمسح دموعها، وتستعيد ذكرى زوجها الذي هاجر منذ سنين طويلة، ومات في الغربة : المهم أنه حي .. المهم أنه حي.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244