|
||||||
| Updated: Wednesday, October 15, 2003 12:25 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
10 حزن قاتل في بيت الناصر، وليل حالك السواد .. لا الليل ليل ولا النهار نهار .. لا يعرفون للنوم طعماً، يقضونه مؤرقين ذاهلين. ينفرد فياض الناصر بنفسه ساعات طويلة، ويغرق في دوامة الصمت والأسى، يعاني من مرارة القهر واللوعة .. تنفر الدموع من عينيه، ويسأل مستغرباً مستنكراً : جمال .. ؟ لماذا ؟ لماذا يضيع منا هكذا ؟ أ صحيح أننا فقدناه إلى الأبد، ولن نراه ثانية ؟ صورته مطبوعة في الذاكرة، محفورة في القلب، لا تغيب عن الوجدان لحظة واحدة. عيناه المفتوحتان بدهشة .. نظرة الذهول والاستغراب، تلك النظرة لن ينساها أبداً. دمه المسفوح المتدفق من العنق والصدر والفم .. بقعة حمراء. كم هي واسعة كبيرة !. هدر الدم رخيصاً واختلط بتراب الأرض. . ثم وطئته الأقدام ومسحت أثره. لماذا .. ؟ لماذا؟ يضج السؤال في أذنيه، فيرد الصدى .. لماذا .. لماذا .. .؟ ويظل السؤال بلا جواب. أهالي الناصرية كلهم يسألون. أينما التفت وتوجّه. أفراد عائلته الذين كانوا يتلهفون للقائه. صديقه عبد الله، غرفته وكتب الطب المكدسة، ملاعب الطفولة، ومرابع الصبا والشباب .. البيوت والسواقي، أشجار التوت والغرب، والنهر الذي لم يتوقف عن اغتيال الناس. يناديه بصمت .. يناجيه، يهمس همساً ناعماً. وعندما يتفجر الحزن يصرخ باسمه عالياً، ثم يبكي كطفل صغير. يتظاهر بالصبر والجلد أمام الناس، وما إن يخلو مع نفسه حتى يتحول إلى شبح إنسان مهزوم، مسحوق حتى العظم. الأم والأخت غارقتان في السواد .. تذويان كشجرتين تساقطت أوراقهما، وسرى الجفاف في فروعهما .. تذوبان يوما ً بعد يوم، تبكيان بحرقة وألم. بكاؤهما يمزق القلوب ويدمي العيون. شاخت أمه بسرعة، تقوس ظهرها، وبرزت عروق يديها وتجاعيد وجهها، كأنها كبرت سنين عدة. وفقد وجه شقيقته جماله ونضارته. لا شيء يعوضهما عنه .. كل ما في الكون لا يعادل خسارتهما. عبد الله هو الآخر، فاجعته كبيرة، وحزنه بلا حدود. لازمه الحزن منذ طفولته، وفي صباه وشبابه .. كبرا معاً. لم يعرف طعم الفرح منذ أن فرًق خاله بينهم وبين أبيه .. لحظات السعادة القصيرة، التي سرقها في غفلة من الزمن انقضت، وانطفأ بريق الأمل الذي أضاء ظلام حياته عندما أحب جميلة. لا وقت للحب، لا وقت للفرح والسعادة .. هذه محظورات لا يجوز انتهاك حرمتها .. طقوس وثنية يقام الحد على من يحاول أن يتسلق أسوارها، ويرجم من يمارسها. عالمها أغلقت دونه الأبواب، وسدّت المنافذ. ما الذي بقي له ؟ العلاقة المتوترة الجافة بينه وبين خاله، والعمل الذي قلّت فرصته، والحبيبة التي أقامت الفاجعة بينه وبينها حاجزاَ من الحزن والألم ... مساحات واسعة مقفرة، فراغ كبير .. وهو وحيد غريب بين الناس هكذا يشعر. كل من أحبهم يغادرون .. أبوه الذي بهتت ملامحه، أخوه، صديقه، وحبه الذي وئد قبل أن تتفتح براعمه. ضاقت به الدنيا .. محاصر هو أينما اتجه. هدّ الحزن جسده. يقضي معظم أوقاته وحيداً شارداً هائماً في بحر من الخيالات والأوهام .. يذهب صوب النهر ويندفع نحو الماء، يطفئ النار في أعماقه، يسترخي، وعندما تهدأ نفسه يعود إلى البيت. قالت له أمه : ـ أنت تقتل نفسك حزناً يا عبد الله. جمال صديقك وأنت تحبه، ولكن .. انظر إلى نفسك في المرآة. ألا ترى كيف أصبحت ؟ إن لنفسك عليك حقاً. صمت عبد الله .. ماذا يقول لها ؟ هل يقول أن حزنه ليس على صديقه جمال وحده. بل على كل شيء ؟ على نفسه، وعليهم، وعلى الدنيا بأسرها. كيف يوضح لها أن القهر يتجاوز حدود قريتهم، ويمتد شرقاً وغربا ً وشمالاً وجنوباً، بعد أن استوطن القلب وأجهز عليه !. وكيف يشرح لها أن كأس المر صار شرابه الوحيد في هذا الزمن !. أضافت أمه : ـ عندما نأخذ نصيبنا من أجرة الأرض نبني غرفة أخرى. وقبل أن ينطق، استطردت : ـ لا تقل شيئاً. الحياة أخذ وعطاء، يوم لك وآخر عليك. مات جمال وموته ليس علينا بهين. ومع هذا فإن الحياة لا تتوقف .. سيأتي يوم نزوجك ونفرح بك. همّ أن يقاطعها، فاستطردت تقول : ـ لا تقل شيئاً. هذه سنة الحياة. وجميلة لك. صحيح أن الوقت الآن غير مناسب، ولكن .. بعد شهور، بعد سنة. لن تبقى الصبية بدون زواج إلى الأبد. وقبل ذلك يجب أن تكون لك غرفتك الخاصة .. بيتنا ضيق، وقد يعود أخوك في أي وقت .. لذلك سوف نبني غرفة أخرى. .............. وصلت رسالة من جاسم .. جاءت متأخرة. كان الصيف في أواخره، وعبد الله منصرف إلى إنجاز الغرفة الجديدة .. يشرف على العمال ويساعدهم .. يقدم لهم الطعام والشاي وعلب التبغ، بعد أن اشترى الحديد والإسمنت من السوق السوداء .. فالبناء بدون ترخيص، ولا يحق له أن يشتري المواد من مؤسسة العمران بالسعر النظامي، هذا إن استطاع تجاوز العقبات والعراقيل. كان مع العمال عندما جاءه جدوع على حماره، والفتيان في إثره، ينادون عليه. وقال له : ـ المختار يسأل عنك. يريدك في الحال. ثم أخذ الليرات الخمس وانصرف. وجد لدى المختار رسالة له من أخيه أرسلها بالبريد وتأخر وصولها. قرأ سطورها وكلماتها .. العبارات والتحيات والأشواق ذاتها، و وعد بإرسال مبلغ من المال في مّرة قادمة. في اليوم التالي كتب له رداً على رسالته، وراح يودعه البريد في المدينة. ولما عاد إلى القرية، فوجئ بالغرفة الجديدة، وقد هدمت جدرانها، وتناثرت حجارتها على الأرض. أمه وأخته ذاهلتان جامدتان، صعقهما وقع الحدث .. شاحبتان كأن الدم جفّ في عروقهما، وبقايا دموع تسيل على وجهيهما. سأل هلعاً : ـ ما ذا جرى ؟ من فعل هذا؟ ردت أخته : ـ عمال البلدية .. جاؤوا وهدموها. ـ كيف ؟ ولماذا؟ ـ يقولون إن القرية تخضع للتنظيم، والبناء تم بدون ترخيص. قال بغضب : ـ البيت كله بدون ترخيص .. بيوت القرية جميعها بدون ترخيص. القصور والفيلات بدون ترخيص. فما معنى أن النظام لا يطبق إلا علينا فقط ! ثم .. إن القرية خاضعة للتنظيم منذ سنين، والمخططات مازالت قيد الدرس.. كلما سألنا قالوا : انتظروا. إلى متى ننتظر ؟ وأضاف بسخرية تنضح مرارة : ( هات عمر ). قالت نعيمة : لاشك أن أحداً بلّغهم. وبصرخة غضب قال : ـ هو لا أحد غيره، رجب الصالح، أخوك يا أمي . قالت أمه وقد رأته يخرج عن طوره : ـ لا تظلم الرجل. خالك لا يفعلها. ـ بلى. هو. من غيره إذاً ؟ ـ أولاد الحرام كثيرون. لم يسكت عبد الله بل ظل يصرخ في ثورة غضبه : ـ هل وصلت المسألة إلى هذا الحد ! و الله لن أتركها له. همّ بالخروج، فتعلقتا به وأكّدت أمه أن شقيقها لا يمكن أن يقدم على عمل كهذا، فقد جاء إليهم عندما سمع بالخبر، وأبدى استياءه وغضبه، وقال لها : لماذا لم ترسلي في طلبي ؟ كنت أتدارك الأمر لو أنني علمت به قبل وقوعه. قال عبد الله وهو يشعر بالهزيمة والخذلان : ـ كل يوم تبنى في القرية غرف وبيوت .. لماذا نحن من دون الناس جميعاً ؟ لماذا..؟ أجابت أمه : ـ أهلها يا بني .. يدفعون، كما يقول خالك. بالمال يسدون الأفواه، ويغلقون العيون. لو أنك كنت موجوداً تدبرت الأمر معهم. أما نحن فلم نعرف ماذا نفعل، وقد غاب عن ذهني أن أستدعي خالك. تهالك عبد الله على الحجارة المتناثرة، وأطرق برأسه إلى الأرض. وبعد فترة من الصمت هبّ واقفاً وقال بنبرة حادة : ـ سأعيد بناءها، وسأعرف كيف أتصدى لهم في المرة القادمة. . حتى لو دفعت حياتي ثمناً لها بعد الظهيرة صارت الشمس كرة نارية .. أواخر الصيف ترتفع درجة الحرارة فوق المعدل أحياناً. والناس الذين تحرقهم بأشعتها، يطمئنون أنفسهم قائلين : الصيف يودع. لكن الوداع قد يطول ويمتد أياماً وأسابيع. وقبل أن يغادر عبد الله البيت، نظر إلى الحجارة المتناثرة وقد شغلت حيزاً من فناء الدار. أمه تخشى من أنه مازال حاقداً على خاله، شاكاًَ بضلوعه في مسألة التبليغ والهدم، فسألته : ـ إلى بيت خالك ؟ قال : لا. أشعر بالاختناق .. أشم الهواء قليلاً وأعود. ـ والغداء ؟ ـ لن أتأخر عليكم. ........... كلما ضاقت به الدنيا يذهب صوب النهر. وهذا اليوم يشعر أن الدنيا قد أطبقت عليه بكل همومها. أعوام خلّفها وراءه .. سنوات جدب وجفاف. لم يعرف للسعادة طعماً، يقتات بالفتات ويعيش على البقايا، رغم التعب والبذل والعطاء. تعلّقت بثيابه أشواك تحاصر الطريق .. فروعها تطاول قامته، وتمتد إلى كل الجهات. وإلى جانبها ذوت شجيرات صغيرة ذابلة. حدّث نفسه : الأشواك قوية دائماً، وهذا زمن القوة. سار على حافة الساقية العالية، ومرّ بالغراف القديم الذي نخر السوس أخشابه. توقف عند شجرة التوت الكبيرة وقد جفّت بعض فروعها. رفع رأسه إلى الأعلى .. ثمة غربان سوداء وقفت على أغصانها. لوّح لها بيديه، قذفها بحجر. ظلت في مكانها ولم تتحرك. راقب الظلال التي تمسح الطريق وتجتاز المسافات .. صور تسكن الذاكرة .. رسوم حفرت بسكين على جذع شجرة. والشجرة تنمو .. تتفرّع، تتشابك أغصانها .. وكذلك الذكريات، لا يمحوها الزمن، ولا يطويها النسيان. أيتها الظلال الرمادية .. يا لون الماضي والحاضر .. يا طعم البؤس المتغلغل في مسامات الجلد والخلايا .. يا عقد النفس .. هل أنت قادرة على مسحها ؟ انحدر نحو النهر .. مساحات كبيرة من الشاطئ غزاها الزل بسرعة عجيبة، وعرشت عليها الأعشاب المائية والطحالب. خلع ثيابه وخطا نحو الماء، فأثارت خطواته رواسب الشاطئ .. تعكّر لونه وفاحت منه رائحة كريهة. حرارة الشمس تدفعه نحو الماء، والنار التي تستعر في صدره تشدّه إليه. تراجع خطوة أو خطوتين ثم تقدّم وقذف بجسده في أحضان النهر. شعر برعشة وبشيء من النشوة .. يغريه الماء بالابتعاد عن الشاطئ، شوق جامح يدفعه للسباحة عكس التيار وتحدّيه وقهره. ضرب الماء بيديه بقوة .. أراد أن يفرغ شحنة الغضب والقهر والحرمان. عام على بطنه وظهره .. غاص في الأعماق ثم طفا على السطح. ابتعد وابتعد، وعندما توسّط المسافة بين الشاطئين أحس بوخزات من الألم تضرب القلب .. تهاجم الصدر واليد اليسرى. فأدرك أنه قد تجاوز الحد، ودخل منطقة الخطر. منذ سنوات لم يبتعد عن الشاطئ كثيراً. لم يسبح في مياه عميقة، فهو لم يعد يافعاَ كما أن للنهر طقوسه ومحرماته، ولا يجوز انتهاكها. في صغره كان يعبر النهر سباحة إلى الجانب الآخر مرة أو مرتين. أما اليوم فقد ارتكب خطأً لم يقدّر عواقبه. أحس بخوف ورهبة .. استدار إلى الوراء .. الشاطئ بعيد، وتيار النهر يدفعه بقوة يعجز عن مقاومتها .. ألم القلب هذا أحس به أول مرة، عندما كان يرفع أكياس الإسمنت والحجارة إلى الأدوار العليا في المدينة. إلا أن الألم هذه الساعة يهاجم بقوة، يضرب الصدر ويعصر القلب ويشل حركة اليدين. والشاطئ بعيد، وتيار النهر جارف لا يقاوم. قاوم الألم وقاوم التيار .. كان وحيداً أمام خصمين قويين. في الماضي كان هو والنهر صديقين .. سنوات العشق و الألفة بينها تجاوزت عقدين من الزمن .. والآن انقلبا إلى عدوين. ولما أحس أنه سيغلب ارتسمت في ذاكرته صور الناس الذين أحبهم والأصحاب الذين فارقوه .. أبوه، أخوه، صديقه الغالي بعينيه المفتوحتين بدهشة، وقد استقرّت رصاصات غدر في عنقه وصدره، والدم الذي يسيل من فمه، والسؤال الذي ظلّ بلا جواب. وفي لحظة اليأس تساءل : هل هذه هي النهاية ؟ ما زال قوس صغير ينقص الدائرة، و وجود بأكمله ينقص الوجود. صوّب بصره نحو الشاطئ .. البيوت تتوارى .. حجبها عن ناظريه دغل الزل وأشجار الغرب. ضرب الماء بيديه .. بذل ما استطاع من جهد وقوة. ومع كل حركة يقوم بها يتصاعد ألمه ويطبق على صدره. الصور تتلاشى أمام ناظريه. ما عاد يرى سوى قطرات الماء المتطايرة أمام وجهه , ومع هذا ظل ّ يقاوم. وعندما اقترب من الشاطئ منهكاً، التفت حوله الأعشاب والطحالب، وقيدته كسمكة في شبكة صياد. شدّته إلى الأسفل .. حاول أن يتعلّق بأي شيء دون جدوى. قلّت حركته، ثم توقفت تماماً. لقد غلب التيار لكن الطحالب والأعشاب غلبته. أراد أن يتحرر منها لكنها أحكمت حصارها حوله. المكان فضاء واسع .. لا أثر لكائن من بني البشر .. شهق مرتين أو ثلاث، ثم غاص إلى القاع. وعلى السطح ظهرت فقاعات صغيرة من الهواء، لم تلبث أن انفقأت وتلاشت. وعاد الماء ساكناً تغطيه الأعشاب والطحالب. بعد الظهيرة شاهد بعض الفتيان ثياباً مرمية على الشاطئ، ولم يروا أحداً يسبح في النهر. فهرعوا إلى القرية يصرخون ويستنجدون. هب أهل القرية مذعورين .. جاؤوا من كل صوب، يركضون فزعين غير عابئين بالأشواك التي تخز أقدامهم .. بعضهم جاء حافياً، والآخر بثيابه الداخلية، والنساء سافرات حاسرات الرؤوس. قفز الشباب وبعض الرجال إلى النهر .. غاصوا في الماء وبين الطحالب والزل. قلوب الواقفين تخفق بهلع، وعيونهم تنظر بقلق وخوف .. رفع أحد الرجال رأسه من الماء قائلاً : وجدته .. هيا ساعدوني. جرّوه إلى الشاطئ. تهامسوا بهلع : عبد الله .. ما أكبر مصيبة أمه وأخته! حملوا الجسد المسجى على الدرب الترابية صعوداً إلى القرية، وابتعدوا عن النهر الذي عرّش الزل على شاطئه و غطته الأعشاب والطحالب، ولم ينتبهوا إلى لون الماء الضارب إلى الحمرة. عمّ المكان سكون ما بعد الظهيرة في يوم صيفي قائظ. وعلى شجرة التوت الكبيرة، المحفورة من الداخل، حطّت غربان أخرى .. كانت تقف متراصة على الفروع التي امتد الجفاف إليها .. تلوي أعناقها وتنظر نحو الماء بصمت. دير الزور في 1 / 1 / 2003 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |