الخلوج ـــ محمد رشيد الرويلي

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2003

Updated: Monday, November 17, 2003 12:55 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

(3)

نام الشيخ مناور بعد خطبة ابنته نوماً هانئاً.. كان يحلم بالثروة التي يملكها الشيخ حجلان، وأكثر من ذلك مقاسمته الحكم إن لم يستطع عزله، وكان يحلم بأن تكون ابنته في قبضة فارس يقطع لسان كل من يتحدث عنها بسوء.. إنه الحلم الكبير الذي عاش لأجله طويلاً، وخطط له مراراً، وهاهو الحلم لم يكن سراباً.. لقد أصبح حقيقة وأمراً واقعاً، وسيقول لابنته:

اطلبي عرساً لم تشهده البادية من قبل.. عرساً يليق بجمالها الأخاذ وبفارس القبيلة..

أما أم نوار.. شيحة.. فقد ملأت زغاريدها مضارب الزغيب والصافي قبيلة زوجها، وقبيلة الشيخ حجلان.. كانت تحلم بوحدة القبيلتين، وهاهو الحدث السعيد سيوحدهما دون ريب، فأغاظت بزغاريدها فتيات القبيلتين اللواتي كن يحلمن بفارس القبيلة.. كانت تحلم بالخيمة الكبيرة التي يرتاح فيها الشيخ حجلان وولداه، فهي ليست كأية خيمة.. إنها ستكون لنوار ابنتها، وسيعلو شأنها، وستكون الآمرة الناهية، وستنهمر عليها الثروة انهمار المطر على الأرض الجدباء.. كانت تهمس في أذن زوجها ليلة البارحة قائلة: إنها ليلة القدر يا أبا نوار، فلنستعجل هذا الزواج، ونقطع كل الألسن التي تلوك ابنتنا بسوء..

أما نوار تلك الفاتنة الماجنة فلم تنم ليلتها.. قالت لكل من عرفتها. ومن لم تعرفها: سبق أن قلت إنَّ ضارياً سيركع، وهاهو اليوم عند قدمي.. غمرتها نشوة الفوز، فلم تفارق الابتسامة شفتيها..

كانت تردد بين الفينة والأخرى: سأكون سيدة القبيلتين الأولى، وسيكون لي الخدم والحشم، ولي الكلمة الفصل في كل القضايا، وسيقتل كل من لم يسر بركابي، وسيسمع الجميع ما أقوله، وسينفذون ما آمر به.. نام الجميع واستيقظوا والابتسامة لم تفارق شفاههم..

الشيخ مناور، بعد أن شرب قهوة الصباح تحسس تجاعيد وجهه التي تشبه الطلاسم، وهو يخط على الأرض بخنجره خطوطاً متوازية ومتعرجة أذهلت شيحة..

نادته بصوت خافت فلم ينتبه لها واستمر يخط بالخنجر إلى أن غرسه وتنهد، فصاحت به:

ـ أبا نوار.. ماذا تفعل؟

ـ أتعرفين يا أم نوار؟

ـ ماذا؟

ـ عندما كنت مع الشيخ حجلان في قبيلة الصوالحة كان هناك حديث عن تحالفات بعض القبائل ضد قبائل أخرى.. لقد أعجبني هذا الحديث، وأنا أفكر فيه كثيراً.

ـ يا أبا نوار.. قبيلتنا صغيرة جداً وفقيرة، ولولا دخولنا في حمى الشيخ حجلان لانتهى أمرنا منذ زمن.

ـ يا مجنونة.. الصغير إذا لم يكبر يموت.. زواج نوار من ضاري سيحقق لنا الكثير، وسنصبح قبيلة واحدة، وسيكون لي شأن كبير فيها، وسأفرض تحالفاً يجر لنا نفعاً لا حدود له..

ـ تتحالف. مع من؟

ـ مع قبيلة المفاليح.. قبيلة الشيخ متعب..

ـ ضد مَنْ مِنَ القبائل؟

ـ ضد الصوالحة..

ـ ماذا تقول يا رجل؟! هل فقدت عقلك؟! البارحة كنت مع الشيخ حجلان تصلح فيها، وغداً تفسدها؟ اتق الله يا أبا نوار.

ـ مجنونة أنت.. أرض الصوالحة، وأرض الفيضة، وأرض الفوارس كل القبائل تتمناها. ماؤها وفير، وحلالها كثير..

تصوري إن الشيخ مروّح شيخ قبيلة الفوارس عندما تنهب منه مائة ناقة يرسل للسارق مائة أخرى.. لكن قبيلة الفوارس بعيدة علينا، والصوالحة قريبون جداً.

ـ وإذا لم يوافقك الشيخ حجلان؟

ـ سأجبره على الموافقة.

ـ والله لن تفلح، وإذا انتزعت الموافقة سيتصدى لك الشيخ سطام فهو الرجل الثاني في القبيلة بعد الشيخ حجلان.

ـ بعد زواج نوار لن يكون للشيخ سطام أية سلطة أو رأي، وإذا تجرأ فسأعرف كيف أتخلص منه.

ـ أبا نوار.. إن الطريق الذي ستسلكه مهلك.. هذا ما يخيل إلي..

ـ لا تخافي يا أم نوار.. لقد عانينا كثيراً، وطردنا من ديارنا، وجعنا طويلاً.. لقد آن الأوان لأنتقم، واحتل المكانة التي كنت أحلم بها..

ـ ولكنك الآن والحمد لله، وبفضل الشيخ حجلان بكل خير..

ـ لن أستجدي الخير من أحد.. سأقبض عليه بيدي، وسيعرف القاضي والداني من هو الشيخ مناور..

ـ أبا نوار.. أناشدك الله أن تكف عن هذه الوساوس..

ـ ستدركين فيما بعد أنَّ ما أقوله ليس وساوس.. والآن انظري.. إني أرى غبار فارس قادم إلينا..

ـ ومن سيكون سوى ضاري؟! يا عيني عليه لم يصدّق متى يطلع الصباح حتى يرى عروسه..

اسمع يا أبا نوار.. ابق هنا لتستقبله بالترحاب، وسأذهب لأوقظ نوار من نومها، وأساعدها على استكمال زينتها بما يليق، وسنعود معاً إليك.

ـ هيا أسرعي..

وقف أبو نوار يستطلع.. إنه ما يزال بعيداً..

أخذ يتأمل العروق النافرة الزرقاء التي تمتد كالجبال فوق يديه وذراعيه، فتنهد متمتماً:

ـ لن أرتاح قبل أن أزفّ نوار إلى البيت الكبير، وسأجعل فرحها سبعة أيام بلياليها، وسأقبر الفقر والذل إلى الأبد، وأحقق كل ما أطمح إليه..

ذهل الشيخ مناور عندما تكشّف الغبار عن البلقاء وفارسها الشيخ حجلان، فهرول، وأمسك بزمام البلقاء، وعانق الشيخ حجلان بحرارة، وجلسا يحتسيان القهوة المرة..

كان الشيخ مناور ينظر بعينين كليلتين إلى عيني الشيخ المنكستين، فأوجس في نفسه خيفة من جراء صمته وحزنه المرتسم على قسمات وجهه.. أراد أن يبدد مخاوفه، فهمهم:

ـ إن شاء الله بعد زواج نوار سننقل خيامنا ورجالنا إلى خيامكم ورجالكم يا شيخ حجلان.

ـ أجل.. أجل.. وسنصبح قبيلة واحدة بإذن الله.. ولكن أين نوار وأمها؟

ـ إنهما هنا.. سأناديهما في الحال.

شيحة.. نوار.. الشيخ حجلان عندنا..

تلقف الشيخ حجلان أحلى عبارات الترحيب من نوار وأمها، ثم جلست شيحة إلى جانب زوجها، أما نوار فاقتربت من الشيخ حجلان حتى كادت تلتصق به.. قبلت يده، فقبل جبينها، وهمس في سره: يا لها من فاتنة، سامحك الله يا ضاري.. كانت نوار بعطرها وفتنتها وأنوثتها الصارخة أكبر من عمرها، وأكثر نضجاً.. وردة خزامى تشرب الريح والمطر، وتستحم بندى الفجر، تستنفر العقل، وتوقظ في النفس توقاً إنسانياً إلى الانعتاق واكتشاف المجهول خلف الأشياء المألوفة..

التفت إليها الشيخ حجلان، فالتصقت به حتى لامس نهدها مرفقه، فارتعش ارتعاشة مريعة.. وضع كفه على كتفها الغض، واعتصرها بشوق، فسرت في جسده نار ساخنة أخرجته من وقاره..

رفعت أنامله رأسها المضمخ بالعبير. فرأى سحر عينيها الرائعتين. يا الله ما أروعهما!! إنهما تحملان عاطفة مشتعلة لا تنطفئ.. حدقتاها توقظان في النفس شهية قديمة للنقاش، وتعيد إلى الحياة ذلك الجزء من عقله الذي أحاله على التقاعد..

قال الشيخ حجلان بتنهد:

ـ كيف حالك يا نوار؟

فردت عليه بغنج ودلال بعد أن أسندت رأسها على كتفه:

ـ بخير طالما أنت إلى جانبنا.

مسح الشيخ حجلان جبينه المتفصد عرقاً وقال:

ـ سأظل إلى جانبكم ما حييت.. لا تخشي أحداً أيتها الغالية.. كل ما أملك من مال وحلال وجاه بين يديك يا نوار..

تنفس الشيخ مناور الصعداء، وابتسم ابتسامة ماكرة، وقال:

ـ لِمَ لم يأت ضاري معك يا شيخ؟

ـ لا أعرف يا أبا نوار ماذا سأقول لك؟ أرى أم نوار ذهبت، ولم تعد؟

ـ إنها تهيئ لك فطوراً.

ـ نادها بسرعة.

جاءت شيحة وهي تحمل بيديها طبقاً مملوءاً بالطعام. وضعته أمام الشيخ حجلان قائلة:

ـ بيدي هاتين جهزت لك فطور الصباح. يا مرحباً بك يا أكرم إنسان في الدنيا.

ـ أدامك الله ذخراً لنا يا أم نوار. اجلسي واسمعي ما سأقوله.

ـ خيراً إن شاء الله.

ـ تنحنح الشيخ حجلان، وهمَّ بالحديث لكن الحيرة تملّكته..

ماذا سيقول لهم؟ هل يردد على مسامعهم ما قاله ضاري؟ هل ينهي الموضوع ويعود إلى ولديه؟ إن قال ذلك ماذا سيكون موقفه من وجوه القوم وعامة الناس؟ لا.. لا التصقت به نوار أكثر.. كان عطرها يتسلل كالنسيم العليل إلى رأسه.. أغمض عينيه، وهو يتنسم شذا عطرها الساحر الذي أزاح من عينيه غشاوة قديمة، وعن قلبه كل هموم السنين العجاف.. كان يسمع ضربات قلبها الصغير.. إنه يناديه بشوق ولهفة.. رباه.. رباه.. ماذا أفعل؟!

تمتم بعد لأي: اسمعوا جميعاً ما أقول:

ـ ولدي ضاري قال لي البارحة: إني أشعر شعوراً أخوياً تجاه نوار..

نكست نوار رأسها، وتضاعف خفقان قلبها، وغرست عينيها في دقائق التراب، ما لبثت قسمات وجهها أن تشنجت، فأخذت تسترجع شريط الذكرى..

كيف كان ضاري يستخف بها وبجمالها كلما اعترضته..

كل محاولاتها لاقتناصه أخفقت.. كانت رغبتها في امتلاكه تلح عليها بعد كل إخفاق ذريع تمنى به..

لجأت إلى أسلوب لم تألفه القبيلة من قبل، وهو التقرب إلى الآخرين أمامه كي يستيقظ إحساسه بها.. لقد رآها أكثر من مرة مع قاصود وزمَّار القبيلة (هواش) فصرّح باحتقارها، وكانت تزداد رغبة في اقتناصه وإركاعه بكل الوسائل..

ربما سمع ما قالته أثناء السباق من إحدى ترائبها، وربما كانت ريمة التي لا تحبها هي التي أوغرت صدره عليها؟

همست في سرها، والحقد يملأ كيانها: سأنتقم يوماً ما منك يا ضاري.. سأهدم حياتك كما هدمت كل أحلامي..

أما أنت يا ريمة، فالأيام بيني وبينك، سترين مني العجائب، وسأجعلك من حيث لا تشعرين أضحوكة أمام الآخرين..

أما الشيخ مناور، فقد آلمه وجه ابنته المتشنج، وشرودها الذي طال.. لقد خبت تلك الابتسامة الرائعة التي كانت تملأ حياته.. لقد تهاوت أحلامه.. تباً لشيحة التي تنبأت بانهيار كل خططه وطموحاته..

حوّل بصره الذي توهج إلى عيني الشيخ حجلان، فوجدهما منكستين إلى الأرض.. قال مرتجفاً:

ـ ما هذا الذي تقوله يا شيخ حجلان؟ لم أعهد فيك سوى الوفاء والكرم والشجاعة.. ماذا سيقول الناس عنك وعني وعن ابنتي؟ الرحيل من القبيلة هو خير دواء لجرحي..

ـ ماذا جرى لعقلك أيها الرجل؟ فأنا لم آت إليك على وجه السرعة إلا من أجل الخير.

ـ أي خير تعني يا أبا ضاري؟

ـ جئت الآن خاطباً نوار لنفسي، فهل تردّون طلبي؟

تنفس الجميع الصعداء، ورفعت نوار رأسها بعصبية قائلة:

ـ ولن أكون والله إلا لك يا سيد الرجال إذا وافق أبي.

تمتمت الشفاه الراجفة بأم الكتاب، وتعانق الشيخان بحرارة.

زغردت شيحة طويلاً في الخيمة وخارجها، ونهض الشيخ حجلان والفرحة تغمر وجهه اللحيم، واقترب من نوار، وهمس في أذنها:

ـ متى سيكون عرسنا أيتها الساحرة؟

ـ متى تشاء يا سيدي.

ـ سيكون عرسنا بعد سبع ليال إن شاء الله.

رد الشيخ مناور ضاحكاً: نوار تريد العرس سبعة أيام بلياليها..

ـ لها كل ما تريد يا أبا نوار، وسيكون عرساً لم تشهده البادية من قبل.

(4)

غبار البلقاء يثير الفزع وهي تسابق الريح، وتصهل صهيل غضب كلما اقترب منها سابل.. إنها تسبق دائماً الفرح والحزن، وكل افتراءات الهمس والبوح، وتحب منادمة الرؤى.. إنها تحمل على صهوتها اليوم غداً مجهولاً لم تتعود حمله على مر الأيام والشهور والسنين، فتعدو فزعة، وخطمها الوردي يئز زبداً صابونياً ينذر بالخطر..

وطئت سنابكها كل أزهار الخريف، ولوت أعناق الشيخ والقيصوم، ودكت كل مخابئ الجرذان والسحالي والأفاعي.. لم ترحم أحداً وكبت مراراً، فغضب الشيخ حجلان منها، وانهال عليها بالسوط، فانحرفت عن مسارها تعابث الريح، وتغازل أطياف الشمس المبعثرة.. صاح بها الشيخ غاضباً:

ـ أنت مجنونة مثل ولدي.. كلاكما يعرف الطريق الصحيح ويحيد عنه.. هيا..

البلقاء تعدو، والسوط ينهال عليها بين الفينة والأخرى، أرادت أن تنحرف يميناً لكن السوط فاجأها، فوقفت على قائمتيها الخلفيتين، فتدحرج الشيخ على الأرض، وصهيلها يملأ الصحراء غضباً.. حدقت في عيني الشيخ الذي كان يئن من الألم، فاقتربت منه تشمّه، وتلامسه معتذرة، فوقف الشيخ متثاقلاً، وامتطى صهوتها بصعوبة والألم يعتصره..

أدرك ضاري أن الأمر جدّ خطير، فصهيل البلقاء لم ينقطع، وهي تمشي الهوينى.. نظر إلى أبيه، فوجد ثيابه مغبرة، ورأسه منكساً حتى يكاد يلامس عرفها، فهرول إليه، لكن جزاعاً قد سبقه. أمسك جزاع لجام البلقاء بقوة، واتكأ الشيخ على كتف ضاري، وترجل عن صهوة البلقاء.

ـ ماذا بك يا أبي؟! أين كنت؟ ماذا حل بك؟

ـ لا شيء.. كبت البلقاء.. لا أعرف ماذا أصابها! للمرة الأولى ترميني أرضاً يا ولدي.

ـ وهل آلمتك يا أبي؟

ـ رضوض طفيفة لا أهمية لها.. لا تشغل بالك يا ولدي.

ـ حمداً لله على سلامتك.

ـ سلمك الله يا ولدي.

أطلقت ريمة صيحة من أعماقها عند رؤية والدها وهو يئن من الألم، فصاح بها:

ـ لا تفعلي ذلك يا ريمة.. أنا بخير.

ـ أين كنت يا أبي؟

ـ لقد ذهبت لأفسخ خطوبة ضاري من نوار، فالزواج قسمة ونصيب.

قبّل ضاري يد والده، واحتضنته ريمة قائلة:

ـ وماذا كان رد فعلهم على ذلك؟

ـ بداية أصبحت وجوههم كالأموات، لكنني لم أرتض هذه النتيجة لأنها سُبّة علي يا بنتي..

ـ وماذا فعلت يا أبي؟

ـ خطبتها لنفسي.. كان ذلك هو الحل الوحيد.

ـ لكنها لا تليق بك والله.. وامصيبتاه.

ـ ثقا بي.. أنا أحسن معالجة الأمور المستعصية..

اعتصر ضاري صدغيه بقوة خوفاً من الانفجار، ما لبث أن قال بألم:

ـ إنها حيّة رقطاء ستنفث سمومها في كل مكان يا أبي.. أنا أعرفها جيداً.. إنها لا تصلح إلا لهواش..

ـ لم يكن أمامي غير هذا الحل الذي ألجأتني إليه. سامحك الله يا ولدي.

ـ يا أبي نحن لا نخاف منهم. أتريد أن أحرق خيامهم، وأقتلهم فرداً فرداً؟ أتريد أن أطردهم الليلة؟

ـ ماذا تقول يا ضاري؟! لا تنس أنهم في حمايتي ورعايتي، ورجالهم أصبحوا رجالي، وسيحلون بيننا، وليس بعيداً عنا كما هو الآن.. كل ما أريده منكما ألا تغضباني، وأن تحسنا معاملة نوار وأهلها.

تنهد ضاري وقال بحرقة وألم شديدين:

ـ إذاً هذا هو قرارك الأخير يا أبي؟

ـ نعم "عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم.."

ـ كما تريد يا أبي.

ـ اتركاني الآن، فأنا بحاجة إلى الراحة.

اسودت الدنيا في عيني ضاري.. الأمل تلاشى كسراب.. حتى البلقاء آلمها فعل الشيخ وقراره، فاحتجت عليه بطريقتها الخاصة وتمتم: أما أنا فكيف أحتج؟ وماذا أفعل؟

كان ضاري يسير مع أخته بعيداً عن والدهما.. أمسكت ريمة يد أخيها قائلة:

ـ ماذا ستفعل يا ضاري؟ هل سنرضخ للأمر الواقع؟ لا بد من فعل شيء يمنع تحقيق حلم نوار.

ـ وماذا تريدين أن أفعل؟ وقد سمعت أبي يطلب منا عدم إغضابه؟

ـ يا ضاري يجب أن تنتهي هذه المهزلة بأي ثمن.. إن زواج أبي من نوار يسيء إلينا وإلى القبيلة بأسرها.

ـ قلت لك يا أختاه لن أغضب أبي.

ـ اذهب إلى الشيخ مناور.. هدده، أو أمسك نوار عند الغدير، واقتلها، أو أحرق خيمتهم بمن فيها قبيل الفجر وخلّصنا من شرورهم وآثامهم.

ـ يا أختاه لست عاجزاً عن فعل ما ترغبين، وأنا أعرف أن أبي لن يستطيع إرواء شبق امرأة مجنونة كنوار، ولن يستطيع كل شيوخ القبائل أن يعيشوا مراهقتها ومجونها.. لكنني لن أغضب أبي.

ـ يا ضاري إن تركت نوار حيّة فستنتقم منك ومني، وستدمر أبي.. إن انتقام الأنثى يدمّر قبيلة بأكملها.

ـ لا تخافي يا أختاه، فأنا سأكون بالمرصاد، ولن أرحمها وقتذاك، وسأرد كيدها إلى نحرها..

ـ سنرى يا ضاري.. سنرى..

الليالي السبع كوابيس مرهقة تنيخ بكلكلها على ضاري وريمة، كلما جلسا في مكان كانا يسمعان أنيناً يمزق القلوب والأكباد.. انتفض ضاري، فضحكت ريمة..

ـ لم تضحكين؟! ألم تسمعي؟

ـ اسمع جيداً.. إنها الخلوج تبحث عن وليدها الذي ذبحه جزاع ذات يوم.. إنها تبحث عنه في كل مكان..

ـ هي تبحث عن وليدها، ونحن سنبحث عن أبينا بعد أيام، فلا نجده.. سيكون أنيننا أقوى من أنينها يا أختاه..

صمت ضاري واعتصر صدغيه بقوة، وأخذ ينشج بصمت.. فزعت ريمة، وتمتمت بصوت متقطع: ما بك يا أخي؟ رفع رأسه بتثاقل قائلاً:

الخاطر معكّر وماني مرتاح

والناس ترقص على رنات وأنغام

جني بماتم والحولي فراح

نسل السقايط كيف ينام

عايش بضيجي والطبع رحراح

واطلعت من طوري وعضيت الإبهام

أشكي لربي والصبر مفتاح

لحين تضحي النوايا والهم ينقام

ـ لكنك أنت السبب يا أخي، والآن ماذا تريد أن تفعل؟

ـ لا شيء يا أختاه، سأطلب من جزاع أن ينصب خيمتنا عند هذه الأكمة، وأرى أن تقيمي عند العمة حليمة.

ـ العنود عندها يا أخي، وأفضّل البقاء إلى جانبك.

ـ ريمة.. أريد أن أسألك سؤالاً، وتجيبي عنه بصراحة.

ـ والله ما تعودت أن أكتم سراً عنك يا أخي، فسل ما شئت.

ـ ما رأيك أن نعيد المياه إلى مجاريها؟

ـ ماذا تقصد يا أخي؟

ـ ابن خالك فهيد، فأبوه الشيخ مشعان شيخ قبيلة (المرادّة) سمعت أنه سيأتي ثانية من أجلك.

ـ ابن خالي فهيد شاب طائش وشرير، وقد سمعت عنه العجائب، لا أحب رؤيته، ولا أتمنى أن يكون زوجاً لي.

ـ لكن أباه هذه المرة سيغضب إذا لم توافقي، وربما يؤدي غضبه إلى إزعاجنا، أو التحالف ضدنا.. أرجو أن تفكري بالأمر جيداً.

ـ لا تخف يا أخي، سأعرف كيف أرد على طلبه.

سمع ضاري صياح جزاع، فهبّ واقفاً، وهاله ما رأى.. كانت الخلوج تجر جزاعاً إلى الأرض، وتطؤه بمناسمها..

صاح بها ضاري، فلم تأبه له، فأطلق عليها بضع رصاصات أردتها قتيلة..

ذعرت ريمة من هول ما حدث، وتجمّع الرجال والنسوة، وانتشلوا جزاعاً من بين قوائمها، فجرّه ضاري بقوة قائلاً:

ـ ماذا جاء بك إلى هنا؟

ـ كنت أفتش عنك.. لكن الخلوج قاتلها الله كانت تتبعني أينما اتجهت.. إنها تأتيني والله حتى في أحلامي.

ضحكت ريمة قائلة:

ـ حمداً لله على سلامتك.. أرأيت يا جزاع وفاء الخلوج؟ إنها منذ ذبحت وليدها وهي تتربص بك.

رد جزاع لاهثاً:

ـ لقد صدقت والله لم أكن أدري أنها كذلك.

قال شيخ من الحاضرين:

ـ اسمع يا ولدي.. لقد رأيت بأم عيني خلوجاً لم تعرف من ذبح فصيلها.. كانت تشم الأرض طوال يومها إلى أن وجدت دماءه التي لم تجف، فبركت عليها، وأخذت تئن أنيناً يفتت الصخر إلى أن ماتت.. لم يقل لي أحد هذا.. لقد رأيته بعيني هاتين، وأشار الشيخ بإصبعين راجفتين إلى عينيه الغائرتين الدامعتين، وسار، وهو يتمتم )ولله في خلقه شؤون..(

قال ضاري:

ـ لم تقل لي يا جزاع لمَ تفتش عني؟

ـ الشيخ حجلان يريدك على الفور.

ـ ألا تعرف السبب؟

ـ لا ولكني رأيت عنده الشيخ مناور.

ـ اذهب إليهما وقل لأبي سأحضر في الحال.

هرول جزاع، وكان بين الفينة والفينة يلتفت وراءه مذعوراً، وكأن شبح الخلوج يطارده.

قالت ريمة لأخيها:

ـ ترى ماذا يريد منك أبي؟

ـ لست أردي، ولكن وجود مناور يثير قلقي.

ـ اذهب يا أخي.. وإن تحدث ذلك اللئيم بكلمة تسيء إليك ردّ له الصاع صاعين..

ـ يا ريمة بوجود أبي لا يمكن أن أخرج عن المألوف. ابقي هنا وسأعود إليك بعد قليل.

كان الشيخ مناور يتحدث إلى الشيخ حجلان، والشيخ حجلان يضحك ملء فيه..

هذا ما رآه وسمعه ضاري عن بعد، وعندما وصل إليهما اصطنعا الوقار.. ألقى التحية، وهو بعيد عنهما، فقال له أبوه:

ـ أما تصافح عمك الشيخ مناور؟

ـ يعذرني الشيخ مناور لأن يدي ملوثة بدماء الخلوج.

ـ إذاً أنت من قتل الخلوج؟

ـ لو لم أقتلها لقتلت جزاعاً.

ـ بارك الله فيك يا ولدي اجلس بجانبي..

ـ اعذرني يا أبي، فإن بعض الفرسان بانتظاري لأمر هام، وقد وعدتهم منذ الصباح أن ألتقيهم عند الشيخ سطام.

ـ وماذا يريدون منك؟

ـ إنهم يريدون مني أن أسمح لهم بتأديب عدد من لصوص قبيلة الشيخ مناور.

ـ لكن الشيخ مناور قد جاء إلى هنا طالباً العفو عنهم، وكما تعلم أن أبا نوار لا يُردّ له طلب، وأنا أتحمل كل ما سرق من حلال الشيخ سطام؟

ـ القرار قرارك يا أبي، وأتمنى أن يجلب الرضا للشيخ سطام.

ـ لا عليك يا ولدي، أنا أرضي الشيخ سطام، والآن عمك الشيخ مناور اقترح علي دعوة عدد من الشيوخ إلى هنا لحضور العرس، فما رأيك؟

ـ أرى أن يتم الأمر بدونهم، وأنت تعرف السبب.

تجهم وجه الشيخ مناور، وقال بعصبية:

ـ ماذا تقصد يا ضاري؟ أوضح لي كلامك..

ـ وأنت تعرف السبب أيضاً يا مناور لا داعي لأن نرجع إلى الماضي.

هاج الشيخ مناور، ووقف منتفضاً، قائلاً للشيخ حجلان:

ـ أسمعت يا شيخ حجلان ما قاله ضاري؟

وقف الشيخ حجلان، واقترب من ضاري، وعلائم الغضب مرتسمة على محياه، وقال:

ـ ماذا كنت تقصد من كلامك هذا يا ضاري؟

ـ أقصد يا أبي بأن كل العرب قد علمت بالخبر الذي نشره رجال مناور، فالذي يحبك ويحب مناور سيأتي بلا ريب، ولا أعتقد من الحكمة بمكان أن أرسل فرساني كي يزفوا هذه البشرى ثانية.

سكن غضب الشيخ مناور قليلاً، لكنه كان يدرك دخائل ضاري، وما يرمي إليه، فأضمر له كل ما قاله، وقال للشيخ حجلان:

ـ أرى أن تأخذ برأي ضاري، وأرجو أن تسمح لي بالذهاب إلى أهلي.

تشبث الشيخ حجلان بالشيخ مناور، لكن الأخير أبى، فودعه ضاري قائلاً:

ـ أرجو يا أبا نوار أن تبلغ تحياتي إلى (هواش)

لكز الشيخ مناور جواده، وهو يفكر بما قاله ضاري في البداية والنهاية، وما علاقة هواش بالأمر؟ وهل الذي يقصده ذلك الشاعر الذي يلهب كل دبكة يحضرها؟ ولمَ أسلم عليه؟ سأعرف آجلاً أم عاجلاً سرّ هواش، وسأرد لك يا ضاري كيدك في نحرك.. فأنا الشيخ مناور.. البادية تعرف دهائي، وقوة حيلتي.. صحيح لم يحالفني الحظ في المرات السابقة، لكنه الآن بيدي، ولن أدعه يفلت مني هذه المرة، وسأجعلك مثلاً وعبرة.. أمهلني يا ضاري.. غداً العرس، وسأطلق الرصاصة الأولى إيذاناً ببدء هزيمتك.

كان الشيخ مناور في حالة يرثى لها من الهم والتفكير.. كلمات ضاري ترن في أذنيه، وقد حجبت عنه رؤية زوجه وابنته، وتساؤلهما عما يشغله.. صاحت به شيحة بغضب:

ـ ماذا دهاك يا رجل؟ ألم تذهب إلى الشيخ حجلان؟

حدق في عينيها طويلاً، ورشق ابنته بسهام عينيه المتقدتين قائلاً:

ـ ما علاقتكما الحميمة بهواش؟

ارتجفت نوار، وقالت بعد لأي بعدما مطّت شفتيها القرمزيتين:

ـ بدأت المعركة إذاً..

تقدمت شيحة من زوجها قائلة:

ـ أهذا جزاء من يخدمنا ليل نهار؟ أهذا كل ما عند ضاري من اتهامات باطلة؟ اسمع يا رجل: هواش أنت تعرفه، بل أنت الذي جلبته معك.. قلبه لا يعرف الحزن أبداً.. إنه ينثر الفرح في كل مكان، ولا يمكن أن يسيء إلينا، وسيظل بيننا ما دام ضاري حياً، فلا تأخذ بك الوساوس مأخذاً.

ـ أنا يا امرأة لم أفكر بما تعنينه أبداً.. لكن ضارياً عندما قال لي (سلم على هواش) أمام أبيه والآخرين اعتقدت أنه قد اكتشف سراً خطيراً قد أودعته أنت وابنتك إياه..

ـ لا تخف يا أبا نوار.. لم يحدث مثل هذا قطّ.

ـ إذاً ماذا كان يقصد؟

ـ كان يقصد إهانتنا بأننا من مستوى وضيع.

ـ هكذا إذاً؟! الأيام بيننا يابن حجلان..

ـ وهل قلت للشيخ حجلان ما اتفقنا عليه؟

ـ لقد أفسد ضاري كل مخططاتنا يا شيحة.

ـ كيف؟ ولمَ لمْ تتشبث برأيك؟

صاحت نوار غاضبة:

لا يا أمي.. لا تقلقي، فأنا أيضاً لست مع رأيكما بدعوة شيوخ القبائل إلى العرس منذ البداية. إنني أريده أن يصغر في عيونهم جميعاً، وسيحتقرونه لأنه لم يوجه الدعوة إليهم، وهذا ما يسعدني، ويسهّل لي ولكم ما عزمنا عليه.

غداً العرس، وسيعزف هواش كل ألحان العتابا والعشق البدوي، وسأغيظ ضارياً، ولن أدع النوم يتسلل إلى عينيه..

(5)

نحرت الخراف، وزغرد الرصاص طويلاً، وتشابكت الأيدي في حلقة الدبكة بحميمية لا مثيل لها.. تماوجت الصدور، وارتجفت بنشوة عارمة..

المزمار يعزف بصخب كل ألحان العشق البدوي، وشدو الحسان يتحدى عنفوان الشباب وحكمة الشيوخ..

هلا هلا بك يا هلا

 

لا يا حليفي يا وله

 

ضميني تا يزول البرد

 

والضمه رفيجة غلا

 

هلا هلا بك يا هلا

يالريجج زلال النبع

 

وملقاج يغني عن الشبع

 

يا حلم روحي نجتمع

 

وسبع المثاني مرتلا

 

هلا هلا بك يا هلا

بالظلمة إنتي فانوسي

 

ولا أمل من شوفج وجلوسي

 

ردتج لعمري عاروسي

 

بقربج حياتي مدللـه

 

هلا هلا بك يا هلا

حجلان يا شيخ الشيوخ

 

يا خوفي بالدنيا تدوخ

 

كلفه على الشامخ ينوخ

 

منهو نجا ومنهو ابتلا

 

هلا هلا بك يا هلا

(الدّحة) يقود زمامها (هواش) و(الحاشي) يرقص بالسيف.

غبار الدبكة يتعالى، وأصوات الفرح تعلو فوق كل صوت..

سعادة الشيخ لا توصف.. كان يرى في قرارة نفسه أنه امتلك جوهرة فريدة، وكان يرى كل شيء من خلال عيني نوار التي ترف له بها من آونة لأخرى.. اختفى الشيب، وفرَّ الوقار، وعيون الشيوخ ما تنفك تحملق كل هنيهة في الصدور والأعجاز، والهمس في الأذان يتحول إلى لغط وتأوهات وأمنيات..

عينا نوار تجوسان المكان بعمق وروية، تبحثان عن ظل لطالما تمنت أن تتفيأ فيه دون جدوى.. همست في أذن الشيخ تسأل عنه، فهمس في أذنها ألا تذكر اسمه الآن، قالت: وأين سينام؟ فأشار إلى أكمة ليست بعيدة، فهزت رأسها.. كان الشيخ حجلان رغم سعادته يفكر بولده، فيطول شروده في بعض الأحايين، ويعود إلى الواقع بلكزة من نوار التي كانت تراقبه وتعرف دخيلة نفسه، تسأل عنه، ثم تقول له:

-لا تخف عليه.. انظر.. كل العيون ترنو إليك.. هيا ابتسم، وسننزل بعد قليل إلى الدبكة معاً.

ابتسم الشيخ حجلان، وردّ بتكلف على تحيات الحاضرين..

أشارت نوار برفة من عينها إلى هواش، فوقف أمام الشيخ حجلان يعزف ألحانه الصاخبة، وجرَّه من يده، فنزل الشيخ ونوار تشبك يده بقوة إلى حلقة الدبكة..

لم يصمت المزمار إلا بعد الغروب، واستمر الهمس حتى الهزيع الأخير من الليل.. دفن الشيخ حجلان كل سنين الحرمان بعد أن احتضن بكل اللهفة فاتنة تجيد فن القنص والعشق..

تلاشت غيوم الكآبة كومضة برق في أول قبلة غرسها على شفتي نوار.. كان رضابها بلسماً لكل جراحاته، وكانت تأوهاتها وتنهداتها وكل صدى الكلمات فن فرضه الحقد والانتقام، فلطالما تمنت أن تنام على ساعد فارس القبيلة ضاري في الحلال أو الحرام، لكنه أبى، واستعصم، فكان إباؤه جرحاً في قلبها لمّا يندمل بعد.... قالت له بغنج ودلال:

-أتحبني كثيراً؟

فأجابها، وقد أسكره عطرها وذوّبته تأوهاتها:

-أحبك يا نوار حباً ملك عقلي وكل حواسي..

-أكثر من حبك لولديك؟

-حبك يا نوار عبادة، وحبهما سعادة..

أدركت نوار حينذاك أنها لن تستطيع أن تحتل كل قلبه، فهمست في سرها: بيني وبينكم الأيام..

نام كل من في الخيام المتناثرة وما حولها، فلم تعد تسمع لا نباح ولا ثغاء ولا رغاء.. الليل خيّم بعباءته السوداء، وثمة نجوم تختزنها بعض الغيوم، فتفلت من عقالها تارة لتتلقفها غيوم أخرى، وكان ضاري وحيداً يراقب لعبة الغيوم والنجوم، فتمتم بتنهد:

هي سنة الحياة، وإرادة القدر.. اللهم لا نسألك رد القضاء، بل اللطف فيه.

شعر ضاري أن يداً تلامس كتفه، فتلفت ذاهلاً..

لقد كانت أخته ريمة.. نظرت إليه بتوسل قائلة:

-قم يا أخي إلى فراشك.. أرجوك.

لبى ضاري نداء أخته وتوسلها، فسار يجر جسداً منهكاً ورأساً متصدعاً.. استلقى على فراشه لكنه لم يستطع النوم.. أنين خافت يتسلل إلى مسامعها، وتمتمات لم تفهم معناها تقذفها شفتاه من آونة لأخرى.. رفعت رأسها قائلة.

-ما بك يا أخي؟

فرد متثاقلاً: إنه أمر الله شئنا أم أبينا.

-أنت السبب يا ضاري. كان عليك أن تقتلها، أو تتخلص منها بأية وسيلة، ستجلب علينا العار والدمار.

-سيقتلها الله يا ريمة..

-لكن أبي سيكون في محنة بعد أيام وسترى.

-لا تخافي عليه طوال وجودي إلى جانبه.

-أنت لا تعرف مكائد النساء يا ضاري.

-لنصبر قليلاً يا أختاه.

كان ضاري على حذر شديد من كل أساليب نوار. لم يقرب الخيمة الكبيرة منذ ليلة عرسها، وهذا ما أقلقها، وزاد في حنقها. رأته يوماً في خيمته وحيداً، وكانت ريمة عند عمتها حليمة، فتسللت إليه متمايلة:

-ضاري.. لم لا أراك؟

-أنت تعرفين السبب يا نوار، ويعز علي نومك في فراش أبي.. أنت لا تستحقين إلا القذر هواش.

-أنت تظلمني يا ضاري، وتهينني.

-نوار... اسمعي ما أقوله.. أنا أعرفك جيداً.. صحيح أنني كنت مفتوناً بك يوماً ما، لكنني عندما رأيتك أكثر من مرة في أحضان الآخرين احتقرتك..

-لكنني كنت أقصد إغاظتك.. ليس إلا.. وأقسم على ذلك.

-كفى.. وقتذاك كنت أنظر إليك كحشرة حقيرة لا تستحق العيش.. كنت قادراً على إنهاء حياتك، ووجودك أنت وأهلك، وتعرفين جيداً إنني أستطيع فعل ذلك، ولكن تركتك لتموتي غيظاً.

-أقسم لك إنني كنت أحبك ولا أتمنى غيرك.

-كل ما أريده منك الآن أن تخرجي من هنا، ولا تعودي أبداً.. لا أريد أن أرى وجهك الكريه.. هيا اخرجي..

-أتطردني يا ضاري؟!

-لو كان الأمر بيدي الآن لطردتك من القبيلة كلها.

-ستندم يا ضاري، وسنرى من الذي سيُطرد، سنرى..

-قلت لك اخرجي، ولا تعودي أبداً، وأقسم إن رأيتك ثانية لن أرحمك مهما كانت النتائج.

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244