حارس الماعز ـــ إبراهيم الخليل

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2003

Updated: Wednesday, October 15, 2003 12:25 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

النصُّ الثاني: ظهورات السيدة الجميلة

*الظهور الأول‏

شقشق الفجر جرساً من القطن الأبيض.‏

والحارة النائمة تتململ، تترك لسكونها أن يتصدع، لتعبرها الروائح والأصوات وخطوات العابرين، وهم ينطلقون إلى غاياتهم، وكان ثمة سرب من الحمام، يهجر أعشاشه، ويحجل فوق سطح المنزل، يلتقط حباً من بقايا الأمس.‏

-يا فتّاح.. يا رزّاق.. يا عليم.‏

وأعقب الصوت نحنحة قوية، ترددت في الزقاق الضيق، وجرى كلب سائب مذعوراً فأن باب خشبي، انفتح قليلاً، ثم عاودت يد بيضاء، موشومة بالحناء إغلاقه من جديد خوفاً من اقتحام غير متوقع.‏

اهتزت شجرة السرو بإجلال خاشع في باحة الحوش، وكان الرجل بثوبه الواسع يجلس وحيداً، يشرب الشاي بالزنجبيل والقرفة، ويستمع إلى صوت صدّيقة الملاية، يتردد بلذاذة، "يا صياد السمك.. صيد لي بلطية..، وهو يرقب يمامة أنثى، تهرب من ذكرها العاشق إلى عشها في أعلى الشجرة، تياهة. مدلِّة، كشأنها وهي تمارس غرائزها الموروثة، بينما لطأ الديك العشاري بعينيه الغاضبتين وعرفه الأحمر إلى الحائط، مستظلاً بعرائش المجنونة واللبلاب من شمس غير حارقة، وقد بدت الكائنات أليفة، ومطمئنة، تعوم في هلام غامض دون أن تغرق.‏

-نون..‏

هجس الرجل بصوت أجش، وكأنه يقرأ تعويذة سحرية، ثم رشف قليلاً من الشاي، وهمه الرائس ألا يفقد هذه اللحظة، فللصباح مواكبه المقدسة، وللروح حريتها في أن تغتسل كما شاءت في أنواره اللاثغة بالأناشيد والأوراد.‏

-القلب كالعرش، والصدر كالكرسي.. فلا تبالغ في الجنون.‏

وفجأة..‏

انبثقت المرأة من الحلم، نافورة من العطر واللون والماء. أو شبطة من طرفاء الفرات، يمر بها البدو العابرون إلى مضاربهم المتناثرة في بادية الشام، يحملون التين المجفف والزبيب، والرغائب الخامرة، تفوح من أجسادهم رائحة البختري والخضيرة، والعزلة الأبدية التي لا يدرك فضائلها سوى الزاهدين والرعيان.‏

دورقت كفيها الموشومتين بالشذر الأزرق، وسقت الرجل ماء الرضا في زمن فقدنا فيه الرضا، وحافية، عارية، باسمة وقفت على رؤوس أصابع قدميها، فوسوست شنوف حجلها الذهبية، ثم اشرأبت بعنقها الأملود.‏

قال الرجل:‏

-هذا العرش لكِ.‏

قالت المرأة:‏

-هذا الكرسي لكَ.‏

-والجنة؟‏

-لأهلها.‏

وأطلق الرجل فراشاته النهمة، تلم ما زرعت شفتاه بالأمس من بنفسج وليلك مجنون على مرمرها الوردي، فازدهى الشحوب، وفاح عطر النارنج والكباد:‏

قال الرجل:‏

-من أين جاء كل هذا الشحوب؟!‏

قالت المرأة:‏

-ليس شحوباً ما تراه.‏

قال الرجل:‏

-إذن.. ما يكون؟‏

قالت المرأة:‏

-إنه خجل التفاح من التفاح.‏

ودارت المرأة حول نفسها برشاقة وعذوبة، وتوفز الديك العشاري، بينما حلق سرب الحمام في السماء الزرقاء، فعاد الباب الخشبي إلى الأنين واليد البيضاء الموشومة بالحناء تفتحه حتى النهاية، ليدخل الهواء والصوت والنهار إلى عتمة الغرفة التي طالما شهدت كوابيسها الليلية.‏

قال الرجل للمرأة حين كفت عن الدوران:‏

-يا امرأة..‏

قالت المرأة:‏

-لا تحاول تثليث دائرة الرقصة فتموت الفراشة.‏

قال الرجل:‏

-أنا عارف وبصير.‏

قالت المرأة:‏

-لا تفرط بالشذرات.‏

قال الرجل:‏

-لا تُدخلي إلى معرض الخزف ثور السماء.‏

قالت المرأة:‏

-أخذتنا البلاغة بعيداً عن المرغوب.‏

قال الرجل:‏

-رجل من سفلة الناس، افتتح "شايخانه" في زاوية من زوايا سوق الصاغة عن عمد، باع شايه الخادر للجوالين والعابرين، عشق بريق الذهب المجمر، ورائحة المكان الحافل، وببطء تسلل إلى الورشات، فعايش الصناع المهرة، وسقاهم من شايه "ببلاش"..، ليس حباً، أو حماقة، ولكنه كان يدهن أعقاب الكؤوس بالسكر الدبق، وآخر النهار يجمع ما علق بها من شذرات الذهب الذي جمعه الدبق من الطاولات، ويوماً بعد يوم تجمع لديه من الذهب ما يكفي لافتتاح محل للصياغة،... رجل حوّل الماء إلى ذهب وهي كيمياء السفلة.‏

قالت المرأة:‏

-تلك شذرات السوق.‏

قال الرجل:‏

-جاءني في الليل، دلق زيته على رغيفي، ثم رشه بالصعتر والسمسم، ومضى وحيداً مثل شمعة في رواق ظليل.‏

قالت المرأة:‏

-لا تفضح المستور.‏

ودارت المرأة حول نفسها، دارت حتى تحولت إلى شجرة نضرة، وتحول الرجل أيلاً بقرون شجرية، يلس أوراقها الخضراء قبل أن يفاجئها الذبول، فتعرى في الخريف القادم، أما الكف البيضاء فأعادت إغلاق الباب مرة أخرى، وقد اجتمع لديها فيض من الأصوات، والحركات، والخطوات المهادنة، فأصبح الزقاق أليفاً إلى صدرها المترع بالحليب والرائحة والبياض، فعادت إلى غرفتها، تشرع النافذة على نور الشمس بشجاعة تحسد عليها، ولم يك لديها شك بأن الكوابيس لا بد ستزورها قريباً.‏

*الظهور الثاني:‏

كان الرجل ذو المعطف الرمادي الفاهي‏

يعبر الحديقة كقناص على عجل، يرتجف من البرد، والوحدة، والحصار الذي يخترق عظامه الهشة، وقد أحنى ظهره حالماً بليلة سعيدة، قدّم لها بمقدمات قاب قوسين من النجاح، فلقد أشعل شمعتين لبلاهة النهار، ورقش تعويذة على جلد غزال بريشة حمام بري، ثم لونها بألوان لا يذكر من أين جاء بها؟! وفي ظل بخور أعده وفوّحه مع رائحة القهوة والهال، طلب رقماً هاتفياً لامرأة كانت مشغولة في منزلها بأيقونة سورية على زجاج معشق، تتقراها بأصابعها الرشيقة، فتتوهج الألوان معمدة بالزيت، والزيت بركة.‏

قال الرجل:‏

-متى.. يا امرأة؟‏

قالت المرأة:‏

-ماذا يا رجل؟!‏

قال الرجل:‏

-تكونين وردتي.‏

قالت المرأة:‏

-وتكون شوكي؟‏

قال الرجل:‏

-أنت يمامتي الزرقاء.‏

قالت المرأة:‏

-وأنت؟!‏

قال الرجل:‏

-كوني نبيذي.‏

قالت المرأة:‏

-ولتكن دورقي.‏

قال الرجل:‏

-لك رائحة الحبر.‏

قالت المرأة:‏

-ويلي منك، وويلي عليك يا رجل.‏

وانقطع الاتصال في لحظة، كان الرجل يعتقد أنه سوف يستمر ألف عام مما لا تعدون، يحكي ويحكي ويحكي.‏

***‏

عبر الرجل الحديقة إلى الجانب الآخر.‏

وهو يحمل في يده كيساً أسود، أودعه دورقاً من النبيذ الأحمر المز، والتفاح الأصفر، وحفنة من المكسَّرات، حين لمح في البداية ثوب المرأة الأخضر المشجّر بعروق نباتية وأزاهير، فخفف خطوه رغم إحساسه بالبرد الناغل، فرآها تقف تحت ضوء المصباح الحليبي، وكأنها ترضع ألوانه، تحمل بين أناملها باقة من الزنبق، وتتأمل ماء النافورة البعيدة، وكأنها تغسل كرز شفتيها وهمومها من أوضار الوقت، لتستعد لصلاة سرية أمام المرمر المغسول بالندى ورائحة المساء والناس والعشب الممدد كأغاني كروانات الليل.‏

اقترب الرجل منها هامساً:‏

-أنت هنا؟‏

فردت باسترسال:‏

-ستكون الصياد.‏

قال الرجل:‏

-وستكونين الغزالة.‏

وتحولت الحديقة إلى عربة فارهة، مزينة بالورد وإكليل الأكاسيا، تنطلق بامرأة ورجل إلى جهة محايدة، لكي يقيما مستعمرة لنسل جديد، ويشربا نبيذهما بحرية، ودون خوف، ويتمتعا بخلو المكان من الكراسي، والحرس المستعد دائماً لإطلاق النار على أي شبح، ثم يناما عاريين في معطف واحد حتى اليوم الآخر.‏

يقول الرجل:‏

-قهوتنا في السابعة صباحاً.‏

ترد المرأة:‏

-قهوتها في السابعة رملاً.‏

ويبدأ النعاس يرسم صورة للنوم على الأهداب.‏

*الظهور الثالث‏

فرد الرجل أصابعه العشر.‏

وفتح قلبه الكبير للخُطّاف، وعصافير الجنة، واللقالق، وهو يستلقي على رمل الفرات تحت شمس ناعمة، فدغدغ الماء باطن قدميه فعل السمك الصغير، فاغرورقت عيناه بالضحك النظيف، وغطى الرمل السافي ساقيه، فنمت أعشاب سوداء، وغرق الوقت بالحصى الرقراق، فأدغلت الحوائج بالطرائد والسلالات النهرية والأرواح، فهجس الرجل:‏

"-امرأة تطلع في لحظة نزق، تجلس أمامك على كرسي من القش، فتوسوس شنوف حجلها الفضي، المزين بالخرز الأزرق كلما حركت قدمها اليسرى تدخن، وتثرثر، وترن ضحكاتها الصافية كأجراس الماعز، وفجأة تنهض كزوبعة... تاركة لك:‏

كرسيها خالياً:‏

وعلبة دخانها فارغة.‏

وخلخالها الفضي مرمياً على الرمل، تعويذة سحرية.‏

ثمة جمار تنتظرك- أيها العاصي- لترمي بها من غابوا يوماً وقالوا: نلتقي".‏

نهض الرجل من مكانه، فاستقبلته رائحة المرأة، خليطاً من التبغ ودوار الشمس وعبق الفل، فظل مسمّراً مكانه، وعيناه تدوران في محجريهما دهشة.‏

قالت الرائحة:‏

-أطلق أبواقك أيها الصياد.‏

قال الرجل:‏

-هذا ليس موسم الصيد.‏

قالت الرائحة:‏

-أطلق أبواقك.‏

حينها امتلأت السماء بالزرازير والإوز والحبارى وسمك الشبوط والكلاب السلوقية والصيادين.‏

*الظهور الرابع:‏

كان يتدلى من أذني المرأة قرطان طويلان‏

من اليشب الأحمر البراق، وهي تجلس عارية على الكرسي، تزين شعرها الجثل بريش الهدهد والسمان، وقد كشفت عن أسنان بيضاء كبذور الشمام، فبدت غمازتان عند ملتقى الشفتين، وحول عنقها التالع لفت شالاً من الحرير الأسود الناعم نعومة قرن اليرقة.‏

وفي الجهة المقابلة وقف الرجل، يتأملها بافتتان، وأصابعه الملوثة بالزيت والألوان، تتابع حركة الريشة على القماش، واللوحة قاربت الاكتمال، بعد تعب طال عامين.‏

قالت المرأة:‏

-أنا مرهقة وخائفة.‏

قال الرجل:‏

-آن لك أن ترتاحي.‏

قالت المرأة:‏

-ماذا تعني؟‏

قال الرجل:‏

-يموت الفنان، تموت الموديل، وتبقى اللوحة.‏

قالت المرأة:‏

-ألستُ اللوحة؟!‏

قال الرجل:‏

-لا.. ولا أنا.‏

قالت المرأة:‏

-ومع ذلك ستحمل اسمي.‏

قال الرجل:‏

-ربما.‏

وببراعة وقّع في الجهة اليسرى، ثم اعتدل، وطوّح بالريشة بعيداً، وصاح بابتهاج المنتصر:‏

-قفي.‏

فقامت المرأة من مكانها. وتقدمت بثقة وكأنها على موعد، طال انتظاره فهي لم تشاهد ما يقوم به الرجل.‏

قالت المرأة:‏

-آن الأوان.‏

قال الرجل:‏

-لك الحق الآن.‏

وابتعد قليلاً، ليفسح للمرأة مكاناً، ترى منه اللوحة، لكنها حين نظرت، صعقت، فماذا رأت؟ رأت سمكة ذهبية، تسبح في نهر من الرمل والبيوت والوجوه المعذبة، فصاحت بصوت كالنباح:‏

-هذا جنون، لقد كنت تخدعني.‏

قال الرجل:‏

-لقد شاركنا معاً في الخديعة، فكفي عن العويل.‏

قالت المرأة:‏

-أنت معتوه.‏

وانطلقت في الشارع عارية كالمجنونة، وكانت المدينة نائمة، والشوارع خالية، لكن دورية الشرطة المناوبة، ألقت القبض عليها بتهمة الخروج عن الآداب العامة، وهي في المخفر ظنها الضابط المناوب سمكة فأرسلها إلى منزله مع الحاجب، ليعدها للغداء، بينما تحول الرجل إلى سرطان، يدب على الرمل، متجهاً إلى البحر، وهطل في تلك اللحظة مطر غامض من سقف الغرفة، محا البيوت والوجوه من اللوحة، فبدت كمومس عجوز، تقف تحت "الدش" عارية أيضاً.‏

*الظهور الخامس:‏

كان الرجل نصف قديس، نصف مجنون.‏

أعطاه الله موهبة، اختصه بها، فكان يخترع أسماء غريبة لكل ما يقع عليه نظره، فسمى قريته الصغيرة "صباح الخير".‏

وسمى بقرته الضخمة "نملة".‏

وسمى مخفر الدرك "معرض الجثث الفخمة".‏

وسكان القرية "أولاد الجن".‏

أما جارته الحلوة فخصّها باسم "وردة الختمية".‏

وذات يوم- لأنه عازب ووحيد- جاء بجهاز مذياع، أدهش القرية النائمة، فاستيقظت، وأصبح بيته مساء كل خميس ملتقى الساهرين القادمين من بيوتهم وقد تعطروا، ولبسوا أفضل ما لديهم، فتدار كؤوس الشاي الخادر، ويتصاعد دخان التبغ، وسط الصمت والإصغاء الخاشع لصوت المذيعة العذب وهي تقدم لهم مطربتهم المفضلة في سهرتها المعتادة.‏

وكان الرجل، وهو يجلس تحت شجرة التوت العملاقة، يحلم بالمطربة التي سماها بأحد أسمائه العجيبة "قرة العين"، وهي تشرب الشاي بالنعنع البري معه ليلاً، وتشاركه خبز "العباس" صباحاً، هذا الخبز المقدس، الذي لا يقدم إلا في المناسبات المباركة، والنذور مدهوناً بالزبدة والدبس، مخلوطاً بالسمسم وحب الشونيز، فيأكل نصف الرغيف، ويترك لها النصف الآخر، وهو يردد:‏

-ليت للبراق عيناً..‏

ولأن المخافر عين الحكومة، وذراعها الطويلة فقد رأى رئيس المخفر في المذياع تهديداً لسلطته وأهميته، فصادره، بحجة الحفاظ على الأمن، ومنع التجمعات الكبيرة، فعاد الناس خائبين إلى منازلهم، يجترون الخيبة والخوف، وقد فقدوا مسراتهم الصغيرة، وأفراحهم التي كانت تضفيها "قرة العين" كل ليلة خميس على حياتهم، بينما لزم الرجل الصمت والكآبة، يشرب الشاي مع النعنع البري تحت شجرة التوت صباحاً، وقد ترك خبز "العباس" إلى حين عودة "قرة العين" من أسرها عند الأعداء، لتقوده إلى دائرة الفرح، وقد نسي كل الأصوات إلا صوتها الساحر، الذي يسمعه في الأمسيات قادماً من المخفر.‏

*الظهور السادس:‏

قال له أبوه قبل أن يرحل:‏

-أنت وحيد وضعيف، فحذار من كلاب الدم، فهي تشم رائحة الطريدة الخائفة والوحيدة.‏

وقال له صديق عمره:‏

-لا تلعب دور الطرائد، فلم تخلق له، كن الصياد.‏

وقالت له المرأة التي تسكن في المنزل المقابل قبل أن تهجره إلى أحضان رجل آخر من نفس الحارة:‏

-لك رائحة تخيفني، ثم عيناك.‏

ومع ذلك رضي بوردة حمراء، تتركها له سيدة جميلة في نافذته، ثم ترحل دون أن تراه، أو تحادثه، فكان يحلم كل ليلة بشرفة وقمر وورد أحمر وامرأة، تغفو على صدره، فتصحو المجرات، وشبابيط الفرات، وشموس القيظ الحنّان، والمراثي التي نسيها في وحدته، وخوفه، وضعفه، وادكاراته.‏

ويوم اقتحم كلاب الدم غرفته كآخر الطرائد، توفز، ثم خار، واستسلم ملبياً نداء البوق النحاسي، وكانت السيدة الجميلة وسط الورود الحمراء تملأ الجدران، فصادروها، كما صادروا ورودها الحمراء الذابلة، واقتادوه إلى جهة مجهولة في سيارة، تحمل لوحة مؤقتة، فرأى الطرقات كما لم يرها من قبل.‏

قال له المحقق:‏

-أتعبتنا يا رجل.‏

فلم يرد، فتابع الرجل:‏

-كيف تفضّل قهوتك؟‏

فرد بصوت هامس لكنه واثق:‏

-كثيراً من البن، كثيراً من الورد الأحمر.‏

قال المحقق:‏

-يبدو أنك لا تريد العودة إلى البيت.‏

قال الضعيف:‏

-تلك حال الطرائد إذا وقعت في شرك الصياد.‏

ونام ليلته الأولى على البلاط، ومع ذلك ظلت الورود الحمراء تصله بانتظام.‏

*الظهور السابع:‏

قال الرجل لصاحبه المجتبى:‏

-هي أخطاء القلب في الصرف.‏

قال صاحبه:‏

-كيف؟!‏

قال الرجل:‏

-تحول السد إلى دس، والسعد إلى عدس.‏

قال صاحبه:‏

-زدني.‏

قال الرجل:‏

-ما تقول في النون؟‏

قال صاحبه:‏

-قل أنت.‏

قال الرجل:‏

-سراج الليل، وزيت البركة، ومؤونة الشتاء، وفرو السمور، وكستناء المترفين، وعين الحوت، وجمّار النخل.‏

قال صاحبه:‏

-أغفلت شيئاً أيها العارف.‏

قال الرجل:‏

-دع السيدة الجميلة، ترتدي فروها الأسود، وتسدل قناعها الحجري، وتعلن الاختفاء، فهذا القلب خائف، وهذا الظهور خفاء.‏

قال صاحبه:‏

-لك الأبواق.‏

قال الرجل:‏

-لي المزامير إن شاء.‏

ولملم الرجل ورده الأحمر الذابل، وخوفه الأبدي، ولبس معطفه المطري، ثم حمل حقيبته وانطلق كقناص يبحث عن طرائده، وحين نظر إلى أعلى، رأى نافذة مضاءة، وشبح امرأة، بدت جميلة وسط الغبش، فتوقف.‏

كان المطر ماتعاً، وقطراته تتساقط من أنف الرجل، وهو يفتح حقيبته، ويتناول منها بكل هدوء بندقية صيد خبأها طويلاً في القاع، ثم سدد بإحكام المحترف، لحظتها دفق الصوت من جهة مجهولة آمراً.‏

-أطلق جحيمك أيها الصياد.‏

فضغط على الزناد البارد، فسمع الحي كله دوي تحطم الزجاج، لكنه لم يسمع صوت السقوط لجسد المرأة الجميلة، والدامء تسيل منه، وفاحت رائحة البارود، تختلط برائحة المطر والورد الذابل، وتابع الرجل رحلته تحت المطر، وثمة نداء كالعويل انطلق من سيارة شرطة عابرة، لم يأبه به أحد.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244