حارس الماعز ـــ إبراهيم الخليل

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2003

Updated: Wednesday, October 15, 2003 12:25 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

النصُّ الثالث: فســـاد الملــــح

« هذه الحكايات نيئة لا يربطها سوى الراوي والمكان.. ولا تكتب إلا بهذه الطريقة وهي مع ذلك نصٌّ واحد. »‏

1-الدوَّارة:‏

من أين جاءت فضة العلاوي؟‏

لا أحد يعلم، فكل ما يذكره الناس من أهل البلد، أنها قدمت أواخر الأربعينات من الشرق وحيدة مع ابنتها الصغيرة وابنها الشاب الوسيم، وسكنت حارة الشراكسة في منزل بسيط يطل على سرير النهر، ويجاور الثكنة التي رحل عنها جنود الاحتلال، مخلفين وراءهم مهاجعهم ذات السقوف القرميدية الحمراء، ومكاتبهم التي نهبها الأهلون، وذكريات لا تنسى.‏

ولم يكن معها ما يهم أو يلفت النظر من الأثاث سوى ماكينة خياطة حديثة، فذاعت شهرتها كخياطة بارعة، تقصدها العرائس الصبايا وزوجات الوجهاء وكبار الموظفين.‏

كانت فضة جميلة وأنيقة، لكن أحداً من الجوار لم يجرؤ أو يحاول التقرب منها، فقد وضعت سوراً من الصمت حول ماضيها، وكان لها من قوة الشخصية والحضور ما جنبها مواقف تحرجها، فهي تهتم بعملها أكثر مما تهتم بالثرثرة على عادة الخياطات، بل العكس كانت تستمع إلى ثرثرة الصبايا وهمومهن دون أن تعلّق.‏

أما الابن فعشق النهر، وصيد السمك، والليل الساحر، ولم يصدر عنه ما يؤذي فاستراحت العائلة إلى هذا النوع من الحياة الهادئة، والعلاقات المتوازية، وخطبت الأم لوحيدها فتاة جميلة، رأت فيها زوجة مناسبة للابن، ومساعدة لها في البيت.‏

-لا أريد أن أموت قبل رؤية أولادك.‏

قالت له.. فأجاب:‏

-يومي قبل يومك.‏

فشهقت وقد لابت عيناها في محجريهما.. وصاحت:‏

-لا تقل مثل هذا الكلام مرة أخرى.‏

ثم أردفت:‏

-إن شاء الله "عدوِّينك".‏

وليلة العرس قتل الابن، فجنَّ جنونها، فالقاتل مجهول، والسبب غامض، فمن أين جاء هذا العدو؟!‏

ومنذ ذلك اليوم..‏

كانت فضة العلاوي تخرج صباحاً، بثيابها السوداء، وشعرها المقصوص، وأسنانها المصبوغة بالأزرق، تحمل بيدها اليمنى كتاب الله، وبالأخرى السيف، ومن خلفها ابنتها، تحمل هي الأخرى ثوب أخيها الأبيض وقد مزقته طعنات الخنجر الغادر، وصبغته الدماء، وقد فاحت منه عطور العرس الذي لم يكتمل.‏

وتدور فضة في الأسواق.‏

تدور في الأزقة والحارات، وتقف أمام الجوامع تستحلف الخلق بالقرآن كتاب الله، وبالسيف سيف علي، من رأى أو سمع أو عرف شيئاً عن القاتل أن يقوله وإلا فسوف يكون الله خصمه يوم القيامة.‏

تدور فضة، تضرع، تبكي، ونداؤها الحزين يتسلل إلى النفوس، وحين تصل إلى مزار "أويس القرني" تسند رأسها إلى حائط المزار الحجري، وتسترسل في مناجاة طويلة لصاحب المزار تطلب الثأر لدم ابنها المطلول.‏

وآخر النهار، تعود فضة إلى بيتها حزينة، مرهقة، تستعد لدورة اليوم القادم بكثير من الدموع والكلمات التي لا تجد صدى لها في قلوب القتلة الحجرية.‏

2 - دَيْن صغير:‏

-يا جدي.. مات جدي فأنت جدي بعده.‏

قال خليل للقبر الحجري الصامت، وقد أحس بالأمان، يتسلل إلى روحه القلقة، لوجوده تحت سقف بعد تشرد ونوم تحت الأشجار أو في الخرابات، وقد يكون الأمر معقولاً في الصيف أما في الشتاء فهو الموت.‏

ونام خليل ليلته الأولى في المزار وكان خائفاً من الظلمة والسكون الغامض ومرور الريح، فأشعل شمعة من شموع جده، فسكن روعه، فقرأ ما يحفظ من أوراد وقصار السور.‏

ويوماً بعد يوم.‏

ظل خليل يأوي إلى المزار، وذات ليلة اكتشف أن بعض الزائرين ترك بضع قطع نقدية في طاسة النذور الصدئة، فهاب أن يمد يده إليها، لكنه مع الجوع واليأس تناولها، وقد وقف يقسم أما القبر:‏

-أقسم.. سأردها يا جدي.‏

ثم أردف بعد صمت قصير:‏

-سأعتبرها ديناً.‏

ويوم أعيد خليل إلى بيت العائلة، وانتهت رحلة التشرد والخوف، ظل يزور جده في المزار، وتوالت القروض، وهو يقسم أن يردها، وعُيّن خليل موظفاً صغيراً ثم كبر سناً ومرتبة، وبقي دين جده في عنقه، يذكره لحظات السكر، فيبتسم، ثم يدمدم:‏

-أنت جدي.. والجد لا يطالب حفيده بمال أو دين.‏

3- رجل مستقل:‏

حين يخرج جعفر سليمان خاسراً‏

بعد كل لعبة قمار، يدخل أول "ميخانه" يصادفها في طريقه، فيشرب حتى "يتطرمخ" على حد تعبيره في تسمية الأشياء، وتتعدد الأنخاب:‏

فالنخب الأول لكل النسوة الجميلات في مضارب الغجر.‏

والنخب الثاني لكل الذين هزمهم في حياته.‏

والنخب الثالث محبة لأنها للبشر أما "صحة" فللثيران.‏

والنخب الأخير لكل من هزموه.. لأنهم يستحقون.‏

ثم يخرج جعفر سليمان في طريقه إلى البيت، وقد كظم الغيظ، وحين يقابله أول جدار، يبدأ في نطحه حتى يسيل الدم من رأسه، فإذا أسرع إليه الحارس الليلي أو أحد العابرين.. صرخ في وجهه:‏

-الرأس رأسي والحائط للبلدية.. فلا يتدخل منكم أحد.‏

وعند الفجر يغفو مثل طفل معفراً بالتراب والدم.‏

4-حمير سعدو البكاري:‏

يزور العيادة سعدو البكاري أحياناً‏

فهو مغرم بزيارة الوجهاء والأماكن الفخمة، والظهور بمظهر الرجل الهام، وكأنها جزء حيٌّ من ممتلكاته المهابة، ومع ذلك يطل منه فقر قديم، وحاجة تنم عنها حركاته في التسلق والتزلف، لبناء مكانة موهومة، ورأسماله انتماؤه إلى مدينة مثل حلب أكثر عراقة ومعرفة بالتجارة والسماع.‏

وسعدو رجل جاوز الستين من العمر، دائم الشكوى من السعال وسرقات العمال في متجره الكبير، وكأنه وسواس قهري، يرتدي قمبازاً من الحرير المفتوح وطربوشاً عثمانياً وداسومة حمراء، وقد برقت في أصابعه الخواتم الذهبية وهو يردد باستمرار:‏

-مال لا يدفع صاحبه الزكاة مصيره الحريق.‏

وسعدو البكاري عمل عتّالاً في أسواق حلب، يتلقط رزقه كالدجاج من مزابل التجار الكبار، ثم بائعاً دوّاجاً على حمار في قراها القريبة، وقد هاله الثروات العريضة والقصور الفخمة، والحمامات والوجوه الوضيئة، فأيقن أن حظه في مكان آخر. فباع كل ما يملك- وما يملكه قليل حتى الزهد- ثم توجه مع زوجته العروس إلى الشرق.‏

-الغني بين قرباط أفضل من الفقير المتعوس بين تجار حلب.‏

قال لزوجته متأسياً- ثم تابع:‏

-المصاري يا فطوم هي التي تصنع الجنة والنار اليوم..‏

ولما حط في هذا البلد.‏

اكترى غرفة ومطبخاً وساحة ديار في الأطراف بسعر زهيد، ولم ينتظر، اشترى حماره الأول، وبدأ تجارته المتواضعة وحيداً، يرحل إلى القرى القريبة ستة أيام، وفي اليوم السابع يعود وسخاً، يأكله القمل، والحاجة إلى لقمة نظيفة وحمام ساخن وامرأة تملأ فراشه، فبارك الله تجارته، فاشترى حماره الثاني، وهو يجمع القرش على القرش، يذهب بالمرايا والكحل الأسود والسكاكر والصابون والخرز، ثم أضاف البيلون والأمشاط ويعود بالقطن والصوف والحنطة والبيض حسب المواسم.‏

وتوسعت أعمال سعدو، فاشترى حماره الثالث والرابع، وحين بلغ عدد حميره عشرة، بدأ يؤجرها إلى باغة فقراء، ويكفلهم عند أصحاب المخازن مقابل نسبة معينة، وآخر الأسبوع يحاسبهم، فزادت أرباحه، وتطورت أحواله فافتتح دكاناً صغيرة لبضائع يحتاجها شركاؤه الصغار.‏

ومع الأيام تطورت أحواله، وتوسعت أعماله، فباع الحمير لشركائه، واستثمر رأسماله المتواضع في شراكات (عظم) مع الغنامة حيث السمن والصوف وتجارة اللحم، وكبر متجره وأصبحت له أسهم أخرى في زراعة القطن والقمح، فلمع اسمه كالذهب بين البدو الغنامة ومزارعي الريف القريب فظن أنه حقق ما يريد.‏

ويوم احترق مخزن سعدو البكاري، اهتزَّ السوق، لكن أحداً لم يندهش وكأنهم ينتظرون ذلك، فتذكر سعدو أنه نسي كل هذه السنين دفع الزكاة فعض إصبعه ندماً، ولم يعد إلى الشكوى مرة أخرى من سرقات عماله، لكن السعال لم يفارقه.‏

5-مجنون الجسر:‏

ملَّ خلف بن شيحان البرية.‏

ملَّ رعي الأغنام ومعاشرة الشُّعبان، فاتجه إلى البلدة، وهو اليتيم المقطوع من شجرة، ولم يجد صعوبة في إيجاد عمل، فالتحق بعمال بناء الجسر، وقد هاله ضخامة البناء، وحركة الناس، والتحدي الكبير الذي يبديه المهندسون الانكليز أمام النهر الجبار.‏

-يا الله.. هؤلاء ليسوا بشراً، فمن يقدر على النهر؟! لا بد أنهم من جن سليمان.‏

صاح بدهشة وانبهار.‏

وتابع حمل الرمل والحصى والإسمنت والحديد حتى كلَّ كاهله، وكونه بلا منزل يأوي إليه، أو قريب يحتمي به، نام إلى جانب النهر، فأوكل إليه المهندس المشرف الحراسة ليلاً، فاستراح من التعب، وأحب المكان، فالجسر يرتفع، ويمتد كوحش خرافي من الإسمنت والحديد.‏

-سيكون أقوى من النهر.‏

ردد وهو الذي تعلم أن ثلاثة لا يقهرون في عالمه: النار والدابّ والنهر، وها هو النهر يستسلم، يكسر ظهره هذا البناء القوي.‏

وانتهى بناء الجسر، رحل الانكليز، وعاد الفرنسيون، وظل خلف بن شيحان في وظيفته يحرس الجسر، ويشعل الفوانيس للعابرين ليلاً، يأكل، ويشرب وينام هناك، يرقب الماء وأنوار المدينة البعيدة.‏

ورحل الفرنسيون، ولم تعد هناك حاجة لخدمات خلف الذي نسي عمره ولم ينسَ الجسر، لقد تحول إلى جزء منه ومن تاريخه، وظل يحرس الجسر بلا أجر أو تكليف من أحد، ينام في المحارس الإسمنتية التي تركها جيش الاحتلال.‏

ولم يتزوج خلف أو يفكر بالعودة إلى البرية، فلمن يترك إيقاد الفوانيس وحراسة الجسر إذا عاد؟!‏

6-حرص:‏

حين سمع العم حمود السجيع العجوز من جيرانه أن خطوط شركة البترول الانكليزية العابرة في الأراضي السورية، قد نسفت احتجاجاً على العدوان الثلاثي على مصر، وتعطل الضخ، وربما ينفقد البنزين من المحطات، لعب الفأر في عبه، وساوره القلق، فما عاد يهدأ، أو يستقر في مكان خوفاً على قداحته الجديدة.‏

فالعم حمود اشترى منذ أيام قداحة حديثة من نوع- جق مق- تعمل على القطن والبنزين بدل قداحة الفتيل، لها لهبة ذهبية رائعة حين تشتعل، ولها صوت عذب وخافت حين تشتعل، وكأنها تهمس:‏

-جق مق.. جق مق.‏

لذا أسرع إلى أقرب محطة، ليملأ قارورة من البنزين، سدها بحرص وحذر، ثم أخفاها عن عيون العائلة، وكأنها كنز ثمين.‏

ومرت الأيام، ثم أصلحت الأنابيب، ومع ذلك لم يفرط العم حمود بكنزه الثمين وهو يردد:‏

-الاحتياط واجب.‏

7-مشكلة:‏

يأتي محمود الموسى إلى العيادة‏

وشكواه الوحيدة الدائمة وجع الرأس، فالأولاد صداع، وثرثرة النساء صداع، وكثرة طلباتهم صداع، فيخيره الطبيب بين أمرين: أن يبسط يده قليلاً أو حبوب الأسبرين دواء، فيختار الأسبرين لأنه الأرخص، ولكنه لا يكف عن سؤاله الدائم:‏

-كيف لشيء يذهب إلى معدتك أن يشفي رأسك يا دكتور؟‏

فيضحك الطبيب بصفاء ثم يجيبه:‏

-هذه من أسرار ربك.‏

-جلّت قدرته.‏

يردد باستسلام، ثم يمضي إلى أقرب صيدلية ليشتري دواءه، وهو يلوّح بعصاه الأنيقة، والابتسامة لا تفارق شفتيه.‏

8-الديْن ممنوع:‏

أسفل عيادة الدكتور حمدي حمودة.‏

افتتح مصارع الصالح دكانه، ولم يكُ الرجل معنياً بالأشياء أو البضاعة المهم عنده أن يدخن نرجيلته، ويستقبل أصدقاءه يتمازح معهم أو يروون له حكاياتهم الطريفة، ثم يحصي خطوط بائع السوس الذي يمر عليه يومياً يقرقع بصناجاته النحاسية، ويردد أوراداً عن المشروب أقرب إلى أناشيد الصوفية، وهو يرسم على خدّة الباب عدد طاساته.‏

نحاس يرن، وقماش يرتاح على الأرفف، وزبائن عابرون، يسألون عن زرازير الوقت الضائع، وهو يبادل الدكتور حمدي السلام والتحية بمودة عالية، ويضحك ساخراً من مرضاه، ويعلن عابثاً مثل سلوقي مرح، أمامه بمودة صادقة:‏

-من عاشر المرضى يمرض.‏

ثم يتابع:‏

-دواؤهم الوحيد الضحك يا حكيم.. فصفه لهم.‏

وتكررت بعد ذلك زيارات مصارع الصالح إلى حلب بحكم عمله، فذاق طعم الكباب عند "آكوب" الأرمني، ورائحة المال، وأبهة الثراء، فداخ، ثم عاد يحمل معه لوحة مكتوبة بخط أنيق "الدين ممنوع" وكأنها تعويذة سحرية تجبي الأموال وترسم الحدود بين البائع والمشتري، وتوقف نزيف الدين الموسمي المائت.‏

ويوم جاءه أول صديق يطلب جلابية- كالعادة- ديناً اعتذر باللوحة القائمة كحارس أبدي في صدر المكان، وتتابع الأصدقاء والعذر واحد والجواب واحد:‏

-الدين ممنوع.‏

وتابع مصارع تدخين النرجيلة غير عابئ بما يجري، وقد خف الأصدقاء، واختفى بائع السوس، وقرقعة صناجاته النحاسية، فأحس بالتعاسة والوحشة فلجأ إلى الصلاة.‏

وذات مساء جاءه عابر سبيل، لم يره يوماً، سلم كالدراويش وسأله كوفية بيضاء ديناً، وحين أشار إلى اللوحة، ضحك الرجل وقال:‏

-اعتبرها هبة أو زكاة.‏

فرد بحسرة:‏

-قلبي لا يطاوعني.‏

-هذا القلب خربان.‏

-وما أدراك بالقلوب؟!‏

-لأنه يطاوعك على أن أظل بكوفية وسخة وهريانة.‏

-اغسلها يا مسلم.‏

-صارت مثل الحلاوة، إذا غسلتها ذابت.‏

-ماذا تريدني أن أفعل؟!‏

-تصرّف.‏

-لن نكون تجاراً مثل الحلبيين، فالحياء يأكل نصف حقنا، والقرابة تأكل النصف الباقي.. أمري إلى الله.‏

-آخذها؟.‏

-لا.‏

قال.. ثم استدار إلى الخلف وهو يدخن ويضحك بصفاء متابعاً:‏

-اسرقها يا رجل.. اسرقها، فوالله سرقتها أحلى من العسل على قلبي. ثم قام إلى اللوحة يدوسها بقدميه.‏

ولم يمت مصارع الصالح من الجوع، على العكس ظل يدخن بشراهة، ويضحك بشهية، وكلما يئس من استيفاء دين من ديونه كتب إلى جانبه في "خزائن الله".‏

وبعد الاختفاء الذي لم يفهمه أحد للوحة، عاد بائع السوس بصناجاته النحاسية وقلمه الثخين الذي يضعه وراء أذنه، وامتلأ الدكان بالأصدقاء وأنفاسهم التي افتقدها مصارع طويلاً.‏

9-أسلاف:‏

كان أسلافه ثلاثة أخوة.‏

أكبرهم عمل خازناً للأسرة، تصب أموالهم في جراره الفخارية، فلا ترى النور إلا لأمر جلل، فورَّث نسله البخل والبلاهة وحب الرنين، واعتنى الأوسط بالقهوة المرة والمضافة، والجلوس إلى الناس، فنزر نسله، وقلوا، ولم تفارقهم العنجهية وحب الوجاهة، والتقرب من المسؤولين، وذوي المناصب العالية.‏

أما الأصغر‏

-حليلة الأسرة، وزيرها، فقد علق بعشق الخيل الأصائل والنساء والسماع في مجالس الطرب، فكان منه أجواد الأسرة، ومجانينها، وقد زاد عليه الأحفاد هواية الصيد.. فقل ما بيدهم من المال.‏

عالم الأسلاف هذا، قد مضى، ولن يستعاد.‏

...‏

ملاحظة : وجدت هذه الورقة في كتاب قديم باعه الورثة.‏

الكاتب‏

10ـ ثورة في خان:‏

أبو عزيز من الظرفاء المميزين في حارتنا.‏

له عادات غريبة ولطائف عجيبة، يتحفني بها في لقاءاتنا المتفاوتة، فهو يعرف مدى حبي لسماع الحكايات وكتابتها، وله تعليقات ساخنة أحياناً على ما أكتب.. كأن يقول:‏

ـ حكاياتك عن فلان بهاراتها كثيرة.. يا أستاذ.‏

أو يقول:‏

ـ نحن لسان، وأنت لسان وقلم.. لهذا أنت الرابح.‏

ـ أنت البركة "أبو عزيز".‏

ـ هذا تطييب خواطر أستاذ.‏

ويمضي ضاحكاً في السوق، يمارس هوايته الأثيرة، فيشرب كأساً مثلجاً من "العيران" عند البيراوي، ثم يتابع طريقه، وكلما وجد قطعة من الحديد، رماها على أول سطح بناء يقابله، وإذا لم يجد حديداً، تناول أيَّ شيء أمامه وطوَّح به عالياً، فحربه المقدسة هذه قائمة. ولا نهاية لها.‏

ويوم ورث الرجل قطعة أرض قريبة من "بازار الأغنام".‏

بناها قاووشاً مستطيلاً من اللبن والتبن، ثم سَبَطَهُ بأغصان الشجر وأعمدة التوت وسماه "خان أبو عزيز"، وقد فرح به كثيراً، وحوَّله إلى مستودع لخردة الحديد، وزاد، فجاء بزوج من الأرانب، تكاثر بجنون، ولأنه يحب كل شيء رخص ثمنه جاء بالإوز والدجاج والخراف والماعز، فأصبح للخان شهرته، فبات يضرب به المثل، وأبو عزيز ماهر في تصريف بضاعته لزبائن فقراء، يربح منهم مالاً، ولذَّة كبيرة، هي لذة التجارة.‏

ثم حدث بعد ذلك ما حدث.‏

فلقد انفجرت ثورة عاصفة في الخان، اقتتلت فيها كل مخلوقاته، حتى تحوّل المكان إلى مسلخ دامٍ، فنفق معظم الأرانب والخراف والإوز والدجاج، وكانت الأصوات تصل إلى أطراف البلد، دون أن يأبه بها أحد، أو يهتم لها مخلوق فالخان لا بدَّ تسكنه الجن.‏

وقيل سبب ذلك حصان أودعه صاحبه عند "أبو عزيز" فجن جنونه في الليل، وقيل كلب سائب دخل الخان فأثار الحيوانات، وكان سبباً في تلك المجزرة المروّعة، وقيل سببه طاووس جاء به من الشرق، وقيل.. وقيل.. ومع ذلك ظلَّ أبو عزيز، يذكر تلك الثورة بحزن سرعان ما يتحول إلى سخرية مريرة.. قائلاً:‏

ـ المهم ما زال الخان موجوداً، والحديدات موجودة، والباقي من السهل تعويضه.‏

ثم يعقب:‏

ـ ما لي وللحصان والطاووس!! الأول مجنون والثاني مغرور مثل إبليس.‏

وقبل وصوله إلى البيت، يتوقف قليلاً ليتناول كسرة خبز يابسة، يقبلها بحب واحترام، ويمررها على جبهته، ثم يضعها على مكان عالٍ، حتى لا تطأها الأقدام.. فالخبز مقدس.‏

11ـ رأيت غجراً غير سعداء أيضاً:‏

في أواسط الخمسينات.‏

وخلال الانتخابات الأخيرة إلى المجلس النيابي، اخترع أحد المواطنين الخبثاء مواطنين حدداً، استطاع الفوز بأصواتهم في معركته الانتخابية دون عناء، وبأقل التكاليف المادية، فالمدعو طارق أبو ربيع رجل من أسرة ثريّة، لكن ليس إلى حد البطر، ولأنّ أسرته قليلة العدد أمام تحالفات العشائر التقليدية، لا تسمح لأمثاله باختراقها، وإلا دفع ثروته وثروة العائلة دون جدوى، فأطلق حكمته:‏

ـ من خانه العدد لا يخونه العقل.‏

من هنا ولدت فكرته، فإذا كان بعض شيوخ العشائر يشتري الصوت بخمسين ليرة، فهو يستطيع شراء أصوات أناس بعشر ليرات، والصوت في الانتخابات صوت سواء كان لشكري القوتلي أم لعتال في سوق الأغنام.‏

ـ ولكن أين يجد مثل هؤلاء الناس؟!‏

وبالتواطؤ مع قائد فصيل الدرك ومأمور النفوس، استطاع طارق أبو ربيع تسجيل غجر البلدة وقرباطها وكاوليتها في السجلات الرسمية كمواطنين ـ كانوا مكتومين ـ فاستلموا هوياتهم ومع كل هوية عشر ليرات جديدة تذبح الديك، ثم انصرفوا بعد الإدلاء بأصواتهم، في تجمع أدهش الناس وأصاب المرشحين بالفزع.. فصاحوا:‏

ـ لقد فعلها ابن ربيع..‏

وبعد شهرين من فوز الرجل بكرسي النيابة.‏

بدأت دعوات السوق إلى خدمة العلم، تتوالى على الشباب لمن هم في سن التكليف، أو دفع البدل النقدي الباهظ بالنسبة إلى أمثالهم من الفقراء.‏

وجُنَّ جنون الغجر.‏

ففارقتهم السعادة، وليالي السهر الطويلة، وساقهم عسكر قساة إلى مراكز التجمع والتدريب في حلب، وبدؤوا بشتائم طالت قائد الفصيل ومأمور النفوس، والنواب، والبلد الذي خدعهم وغشَّهم، ومع هذا لبسوا ثيابهم العسكرية، وتسلموا البنادق بعد أن حلقوا رؤوسهم، فظلّوا كلما سمعوا اسم طارق أبو عزيز، ينقزون كالملسوعين، مطلقين شتائم لا تنتهي.‏

12ـ من حكايات قُوَّام المقام:‏

* الحكاية الأولى:‏

إبَّان الاحتلال الفرنسي‏

عيَّنت حكومة الاحتلال قائمقام على البلد، وكان الرجل مدمناً على الشراب لا يصبر عليه، ولا يستطيع فراقه، ولأنَّ المستشار الفرنسي أسبق منه في المنطقة، وأكثر خبرة ومكراً، علمه حيلة يحقق بها مرامه، دون حرج أو خوف.‏

فقد اتفق في سهراتهم الليلية مع صاحب مطعم المنتزه الأرمني، الذي يفدان عليه، وهو الوحيد في البلد، أن يقدم لهما الويسكي المفضل عند القائمقام في إبريق شاي من الصيني، يسكبه في الفنجان فيظنه الناس زهورات، وقد سأل الزبائن جوزيف منكلو صاحب المطعم عن سرّ الزهورات هذه، قائلين:‏

ـ ألن يشفى البيك من الزكام؟!‏

فردَّ هامساً:‏

ـ يقولون إن زكامه لا شفاء منه، لكنه لا يعدي.‏

ولم يستطع جوزيف منكلو إخفاء السر، فباح به لبعض الوجهاء المأمونين فكانوا يهمسون في أذنه:‏

ـ هات لنا من زهورات القائمقام.‏

فيضحك.. ثم يردد ساخراً.‏

ـ كنت أظنَّ أن زكامه لا يعدي.‏

فيبتسمون بخبث، وقد لمعت عيونهم كالأرانب.‏

* الحكاية الثانية:‏

حين جاء لطفي بك بذّة قائمقام على البلد‏

أواخر العهد العثماني، كان الرجل مغرماً بركوب الحمير، فهو يكره الخيل لسرعتها وجموحها، والبغال لعنادها وطباعها السيئة، والجمال لخلقتها الهائلة.‏

وكونه رجلاً عجوزاً، لحيماً في الستين من عمره.‏

اشترى حماراً "شهرياً" من بعض الصلُبة الذين اشتهروا بتربية هذا النوع من الحمير الفارهة، وقد زيّنه، فاشترى له "جلالاً" فاخراً من الجلد والمخمل، وركاباً مفضّضاً.‏

وفي الصباح، ينطلق الرجل بحماره نحو دار الحكومة "السراي"، منتصب الصدر، منفوخ الوجه، بطربوشه الأحمر ونياشينه، وحين يصل إلى مسافة قريبة من السراي، يطلق الحمار صوته بنهيق صاخب، فيستعد الحرس، ويتقدم براكبه، وسط المراسم المعتادة، فيتوجه القائمقام إلى مكتبه، بينما يقود سائس خاص الحمار إلى أصطبله.‏

* الحكاية الثالثة:‏

مصطفى بك قائمقام غريب الأطوار‏

له فلسفة خاصة، لا يبوح بها إلاَّ للخاصّة.. فيقول:‏

ـ الحكاية في هذا البلد خبز الفقراء، وصديقة لياليهم الطويلة، وفاكهة تعلولاتهم، يتفنن العجائز في سردها، وأسطرتها، وتخريفها كأمهر الرواة، يأكلونها "أداماً" مع الخبز، ويشربونها مع اللبن الرائب، ويضجون بالاستحسان حين يشاركون في الخديعة، إنها حديقتهم السرية وكذبتهم المبررة والمفضَّلة دائماً.‏

لذا لم يكن مغرماً بشيء قدر إغرامه بهذا النوع من الكذب ورواية الحكايات الخيالية، التي يختار لها مسرحاً في الهند أو الصين، قرأ رحلة ابن بطوطة وحكايات ألف ليلة وسواها.‏

ولأنّ البلد يقفر من السكان في الربيع، كان يرحل معهم إلى النجعة في البادية وفي الليل يبدأ حكاياته التي يكون دائماً بطلها، والساهرون في المجلس، يرمقونه بإعجاب ولذة وسط دخان التبغ ورائحة القهوة وضوء القناديل، وكأنه كائن من عالم آخر.‏

وفي الصباح.‏

يعترف لهم بكل صراحة، أن كل ما رواه لهم لا أصل لـه، فيهزّون رؤوسهم غير مصدّقين، مطالبين بالمزيد، فالحكاية الساحرة لا يهم صدقها من كذبها المهم أن يكون الراوي موجوداً.‏

13ـ فساد الملح:‏

آخر النهار يعبر المارّة.‏

من عمال مياومين عائدين، وماسحي أحذية صغار، ويتابع مربّو الحمام طقوسهم اليومية في مراقبة حركة الطيور، وكأنهم في مهرجان للألوان والريش والمناقير المقدسة والخرز الملون.‏

ويبدأ جابر الحامدي نفثاته التي ظلت آخر ما يتحرك فيه، هي القلب من ذلك الماضي الذي عاشه.. يندفع قائلاً:‏

ـ كل صيف من كل عام، كانت قافلة الملح تنطلق، باتجاه بحيرة الجبول، تباري الفرات حتى لا تموت عطشاً، مجموعة من الرجال القساة، في فورة شبابهم، وذروة تألقهم، تبدو الخشونة في حركاتهم، والرجولة في سواعدهم وأصواتهم، يحملون أسلحتهم، وأكياسهم الفارغة، على ظهور أباعرهم القوية، ويمضون في طريق وعرة، يهتدون بالنهر والنجوم، يسمونها بأسماء ورثوها عن أسلافهم، فهذا درب التبانة، وذاك مسحال الكبش، ونجم سهيل، وعند المساء، يختارون تلعة مفردة، أو نشزاً من الأرض، يوقدون نارهم ويتقاسمون طعامهم الشحيح من إقط جاف وتمر أو صميل، وهم شاكرون، ثم يتناوبون الحراسة، وقد أرخوا لخيالهم العنان ذاكرين حبيبات بعيدات أو زوجات عاشقات، وهم يصيخون السمع لكل نأمة أو حركة، خوفاً من تسلل عدو غادر، أو لص فاتك، أو دابّ، والدروب تتشابك ثم تفترق كأصدقاء لا يلوون على شيء، ولكي يخففوا من وطأة الطبيعة، وقسوة الصمت، تتردّد أغانيهم الحزينة على ضفاف الفرات، تدخل أدغال الغَرَب والطرفاء، وتلوذ بالجروف العالية، أو أقراط السوس البنفسجية، وقد تختلط بطمي الماء الأحمر، وحول النار لا يجدون غير حكايات الرجال وأيام القبائل والثارات، يقتلون بها الوقت والغبار والخوف والشمس التي تشوي البيضة، وتُسقِط مخَّ العصفور بنيرانها التي لا ترحم. رجال ملثَّمون على أباعرهم القويَّة، يخلفون النهر وراء ظهورهم، ويستقبلون الحماد معرّضين للنهب أو الموت، وحلمهم الوصول إلى بحيرة "الجبُّول" حيث الملح، ونهاية المطاف، ليملؤوا أكياسهم بالذهب الأبيض وسرَّ الحياة، ويرجعوا إلى ديارهم غانمين، غير عابئين بكائن، فالحياة بلا ملح لا طعم ولا معنى لها، ثم انتهى كل ذلك.‏

ـ وكيف انتهى؟!‏

سأل الشاب الجالس أمام جابر الحامدي.. فردّ:‏

ـ كما تنتهي كل الأشياء الجميلة.‏

ـ لا أفهم.‏

ـ بالموت.‏

ـ الموت؟!‏

ردّد الشاب.. فتابع الحامدي:‏

ـ نعم.. فالزمان يموت، والمكان يموت، والإنسان يموت، والفرات الذي تراه سيأتي يوم ويموت فيه هو الآخر.‏

ـ أنت تقول كلاماً غريباً.‏

ـ اسمع.. يوم جاء التجار من حلب، وفتحوا مغازاتهم ومتاجرهم مات ذلك الزمن الجميل، حيث توقفت القوافل عن الرحلة، فالملح يأتيك إلى بيتك... فعلامَ الرحلة؟! أولاد الحرام قتلوا ذلك الزمن.. وقبلنا بذلك.‏

وسكت جابر الحامدي.. والمكان يتحول إلى زمان سائل لا طعم له، ثم هبَّ واقفاً، وسار نحو المخرج.‏

14ـ بطل من هذا الزمان:‏

كان يحب الثرثرة.‏

ويجيد اختراع القصص الطريفة عن قريته، ويجيد الانحناء والتلوّي كذبابة ماهرة، دأب على ذلك، حتى تحصَّل على وظيفة هامة، فاستكبر على مَنْ هم دونه، وتضاءل أمام مَن هم أعلى منه، ولأنه ظن نفسه بطلاً من هذا الزمان، تباهى، وفاخر، حتى خافه الأدنون قبل الأبعدين، ثم أعلن عن مكتبة من العطر وربطات العنق والأقلام الذهبية.‏

ويوماً فاجأه مجيء المدير العام، فاستعد له، فرسم ابتسامة خاصة، ألصقها على شفتيه، ثم اختار أكثر الألوان صخباً في ثيابه، فبدا مثل ببغاء مكسيكي ساخر فرّ من قفصه، أو مهرج يمثل دوراً مضحكاً في مسرحية هزلية، يمارس فيها الثرثرة والدوران.‏

وجاء المدير العام وحيداً في سيارته، لأنه كان يؤمن بالعزلة وعدم الاختلاط بالناس، ولا رفيق له سوى كلبه المدلل، يستمع إلى نباحه اللطيف طوال الطريق، وهو يربت على رأسه، ويشكر الله على نعمة الشراسة التي يحملها في دمه.‏

ـ تغيب طويلاً؟!‏

سألته زوجته.. فردّ:‏

ـ حسب الظروف.‏

قال لها، ثم انطلق.‏

ولأن الطريق كان طويلاً، وصل الرجل المهم متوتراً، وحاقداً على المهمة والبرد والبلد، فاستقبله مرؤوسه بحرارة، عدَّها رفع كلفه وقلة تهذيب، فازداد هياجاً، وتمالك نفسه، ولم ينتظر، فقد قرر ألا يضيع وقته، فدعا الرجل إلى الانطلاق معه في مهمته، التي جاء من أجلها فالنوم في حلب سيكون أكثر راحة له.‏

وانطلق الرجلان في طريقهما إلى المشروع لمعاينته، وقد جلس الموظف إلى جانب المدير العام، والكلب في الخلف، ومثل سيل اندفع الموظف المذكور في ثرثرته، وحكاياته السمجة. فالتفت إليه المدير العام قائلاً بنزق وهو يوقف السيارة:‏

ـ عجل في كلامك، فالكلب يشعر بالبرد، ويجب أن يأخذ مكانك.‏

ـ أمرك سيدي.. فلا أريد أن يمرض كلبك بسببي.‏

وفتح الباب ليعود إلى المقعد الخلفي، بينما قفز الكلب إلى جانب، وساد الصمت في الداخل إلاَّ من نباح الكلب الخفيف، وأصابع المدير تربت على رأسه، وقد عادت الابتسامة إلى شفتيه.‏

15ـ حكاية حبّ ساذجة:‏

في الحارة سكن عروسان شابان عاشقان.‏

عرفت بحكاية حبهما الحارة، كان الرجل يدعى عارف، والمرأة "دونا"، وكانت طبيعة عمل الرجل، تتطلب الغياب أياماً عن البيت، فهو بائع دوّاج، يرحل ببضاعته الرخيصة إلى القرى، يقايض ما يحمله من بضاعة على حماره بالصوف والسمن والقطن.‏

ـ عارف.. لن تغيب طويلاً؟!‏

ـ ستظل روح عارف تحرسك.‏

حوارية قصيرة تدور بين عاشقين.‏

وبمكر المرأة الخالد، اكتشفت نسوان الحارة حكاية الحب، فإذا ما طال غياب الرجل عن بيته، وبدأت دونا بالقلق، والارتجاف كسعف النخل.. رددن بصوت واحد مثل كورس يوناني:‏

ـ عارف مات.. يا مسخّمة يا دونا.‏

فتنخرط "دونا" في بكاء طويل، فالطرقات خالية، واللصوص كثيرون، وليس لها أحد سوى عارف، فهو دنياها، وعالمها الصغير، فإذا ذهب، ذهب كل ذلك.‏

وتشبع النسوة من السخرية المرَّة، وهنَّ المقهورات أكثر من "دونا" والعاتبات على القدر، لأنهن محرومات أكثر منها من نعمة العشق.‏

وحين يطرق عارف الباب، تهرع "دونا" لتجد رجلها أمامها بلحمه وشحمه، ضاحكاً من جنونها، فيختلط الضحك في البكاء كالماء والتراب، ليكون الطين.‏

ورغم تكرار الحالة، ظلت دونا تصدق ما تقوله نسوان الحارة وكل ذلك سببه أن دونا صغيرة تصدق كل ما يقال لها.‏

16ـ درس في الحساب:‏

خالد البطران شاب من بلدتي..‏

وكأيّ فراتي شرب من ماء النهر، وتمرّغ جسده المعافى بالرمل والحصى، ولد ليكون رجلاً، مسكوناً بالشمس والشماس، وهو من عائلة ورثت قديماً تجارة الخيل، وتربية الخيل، والمعرفة الحجّة بأنسابها وسلالاتها الأصيلة، ليس لي قريباً قرابة دم، ولا صديق طفولة، فأنا أكبره سناً ـ وإن كانت لي معرفة بحكم العمل بأبيه وأعماله ـ ومع ذلك توثقت عرى الصداقة بيننا، والسبب عشقنا المشترك للنهر، وساعات الغروب الساحرة، فقد كنت ألقاه مساء مع حصانه الأشهب، يشرف على غسله من العرق، وتنظيفه مما علق به، يقوم بذلك في شبه خشوع، فتدور بيننا أحاديث عابرة، أغلبها حول الخيل، وطباع كل سلالة منها.. فيؤكد لي وهو يهزّ رأساً مثقلة بالأفكار:‏

ـ الأصيلة إذا عثرت رجعت، يستحيل أن تكمل سيرها، وإذا مات خيّالها قد تموت بعده، فهي أوفى من النساء.‏

ـ دائماً؟!‏

ـ إلاَّ إذا خالط دمها دم هجين، حينذاك تفسد طباعها وطباع سلالتها من الذكور والإناث.‏

وبعد حصول خالد على شهادة "البريفيه" بصعوبة، أعلن نهاية مشواره العلمي، فقدَّم طلباً للعمل في دائرة المعارف، ولأنَّهم أحدثوا مدرسة ريفية متطرفة عن المدينة، قُبل طلبه معلماً وكيلاً في المدرسة، وكان نصيبه تعليم مادة الحساب التي تلائم إمكاناته وقدراته.‏

وقد انبهر التلاميذ ـ ومعظمهم من الأطراف ـ بشخصية المعلم الجديد، الذي يقدم صباحاً على حصانه الأشهب، ومسدسه الحربي على خاصرته، قد برز كعبه، ولانعدام وسائل الإيضاح في المدرسة المحدثة، أصبح مسدس المعلم الجديد وسيلة الإيضاح الوحيدة، فالرصاصات الموجودة في المخزن، استخدمها في الجمع والضرب بسهولة، أما الطرح فلجأ إلى طريقة مبتكرة، خاصة وسقوف المدرسة من أغصان الشجر، فقد كان يخرج مسدسه كالحاوي، ويبدأ في إفراغ مخزنه... قائلاً:‏

ـ الآن لدينا ست رصاصات.. قلنا كم؟؟‏

ـ ست رصاصات يا أستاذ.‏

ـ إذا طرحنا منها رصاصتين.. يبقى؟‏

ويملأ المخزن بالرصاصات الست.. ثم يستدير شاهراً، ويطلق رصاصتين، فيملأ الدوي فضاء المدرسة التي اعتادت ذلك، وحين يعود المعلم ليواجه التلاميذ الصغار، لا يجد أحداً على المقاعد، فقد لاذوا كالأرانب المذعورة تحت المقاعد، خائفين، مذعورين، شاحبي الوجوه، وينتظر حتى ينهضوا، فيتابع:‏

ـ يبقى إذن أربع رصاصات.‏

ويوم جاء المفتش من دير الزور، وحضر درس الحساب لم يكن هناك مسدس أو رصاصات مع خالد البطران، ومع ذلك حين قال لهم كالعادة:‏

ـ يبقى؟!‏

وتقدم نحو السبورة، لتثبيت الجواب، صعق مفتش الحساب المسكين، عندما شاهد التلاميذ يختفون تحت المقاعد، وكأن صاعقة سوف تنزل عليهم، ولم يفهم في البداية شيئاً، وحين فهم، أوقف المعلم عن العمل. فعاد خالد البطران إلى النهر والخيل سعيداً.. وكأنه ربح العالم.‏

17ـ ندى للصباح الشاحب:‏

تخطيطات أوليَّة لقصة لم تكتب بعد .‏

***‏

* أبدأ بألقابك ولا أسميك.‏

* أنت سيدة هذا النهار، وأزهار الليلك، والعزلة، والنار، والرغبة المواربة، والليل، والدلافين المرحة، والتأويل، والرؤيا، والأبواق الملكية، وأباريق الذهب.‏

* سيدة الزمان والمكان..‏

* وشاح هذه السيدة يمتُّ بصلة نسب إلى النار، بينما يمت جيدها بصلة نسب إلى الثلج، فمن آخى بين الثلج والنار؟!‏

* أشمُّ من شعرها رائحة الحناء وأزهار النارنج قبل أن تأخذ إلى حرم النصّ المقدس.‏

* بيدي زينتها بزهر الأرغوان الأحمر، وفرشت لها سريراً من الشمشاد ورعلات الكرمة والزيزفون..‏

* تقول بعد الكأس الثالثة:‏

ـ مولَّهة أنا سيدي.‏

* أقول بعد الكأس الرابعة:‏

ـ مدلَّه أنا سيدتي..‏

* تقول:‏

ـ في أيِّ مقام نحن؟‏

* أقول:‏

ـ بعد كل كأس مقام.‏

* تقول:‏

ـ كيف؟!‏

* أقول:‏

ـ سكر، ثم محو، ثم سهو، ثم صحو، ثم صعق وهو المشتهى وتمزيق الحجب، وقد وجب.‏

فتغمض عينيها سادرة.‏

* في دير المجوس دعاني الديَّار، فجلست إلى جام ألاَّق، وشفتي لاظية، أسرّح لغتي بمشط من العاج والسهو، فيتهدل شعرها كرفرف أثيث يغطي ثلج صدرها، فيهدل الحمام الناهض.. ويزقو.. فتهمس:‏

ـ الخدر أنساك النص.. فحاذر.‏

* رجل ينتظر في أحد معابر النص ندى لصباحه الشاحب.. ليبدأ.‏

* موتيقات للنص:‏

ـ امرأة تنام في ضلوع الرجل مثل برد الشتاء.‏

ـ امرأة… دورق من نبيذ.. وسمكة في صحن.‏

ـ شبطه من الطرفاء وحيده تبوح بأملاحها للنهر.‏

18ـ نقرات الدفّ:‏

كانت جموع العابرين كثيفة ذلك العام.‏

بدو قادمون باتجاه بادية الشام، بدو قادمون من الجزيرة العليا، صْلُبَة، وكوجر محيرو الأصل على حميرهم الشهريَّة المعروفة، قرباط ونَور، كلهم عبروا مع كلابهم وقطعانهم وعائلاتهم، لم يكن لبثهم طويلاً، كانوا يتدافعون على عجل، وهم يصيحون، ويصخبون، ويلعونون، ويلتهمون كل ما في طريقهم كالجراد، مخلّفين وراءهم الخراب والدمار والخسارة.‏

ـ هؤلاء البدو غير معقولين، حيثما مرّوا تركوا الدمار.‏

قال أحد الفلاليح، وهو يرقب بحزن حقله الذي تحول إلى مجزرة خضراء لسيقان الذرة والقطن.‏

ـ إنهم لعنة من الله، وغضب على العباد.‏

قال عساف الأشعل، وهو يحصي خسائره، ويكاد يبكي من القهر والمرارة.‏

ـ لصوص وسلالة إبليس هؤلاء البدو.‏

قال عثمان الساير، وقد هاله الدمار الذي لحق بكوخه الذي ينام فيه ليلاً ليرتاح بعد السقاية، وينطر منه الزرع. ثم تابع بألم:‏

ـ حتى هروش الخيار والبطيخ أكلوها.. شرار ونار في بطونهم.‏

ومضى العابرون، فركد العجاج والغضب، واستسلم الأهالي لقدرهم، فعادوا يصلحون الخراب بصبر وعناد، ولكن المفاجأة التي كانت تنتظرهم وجود شاب مريض، خلّفه العابرون مع ناقة وفراش رث، تحت شجرة غرب عجوز عند ضفَّة النهر.‏

وحار الأهالي، واختلفوا، ثم اتفق بعض العقلاء، فعرضوه على طبيب، وصف له بعض الأدوية، ثم اتفق الشاب المريض مع أحد الفلاليح الفقراء للعناية به، فإذا مات فالناقة له.‏

ونسي الناس أمر الشاب في زحمة مشاغلهم، ثم انتبهوا إلى وجوده حين أوقد ناراً عالية، رآها الرعيان والفلاليح، وبدأت تتجاوب في الأمسيات نقرات دف كان معه، فيتحول المكان إلى دنيا من الأناشيد والمشاعر، فتهفو النفوس ـ مهما كانت جاسية ـ إلى السماع والخشوع وربما البكاء من الداخل، للتطهير والعودة إلى الهدى.‏

ويوم مرّ بعض الحاج الأتراك في طريق عودتهم به، تحدثوا إليه طويلاً، وتسامروا ليلتهم، يستمعون إلى نقرات الدف، ويرددون أناشيد غامضة بلغتهم، وبعد رحيلهم، ظلَّ الرجل في مكانه أياماً لا يتكلم، ونقرات دفه تتردّد على ضفاف الفرات.‏

ويوم قرر الرحيل لأسباب، لم يفصح عنها، دفع للرجل العجوز الذي أشرف على خدمته ديناراً ذهبياً، ثم ركب ناقته ميمماً صوب بادية الشام.‏

ومنذ ذلك اليوم سكتت نقرات الدف، والأناشيد الصوفية، وظلت شجرة الغرب تنتظر قادماً آخر، يحمل دفاً أو خنجراً.. لا فرق.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244