جماليات وشواغل روائية ـــ نبيل سليمان

دراسة ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2003

Updated: Monday, November 17, 2003 12:18 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ـ الفصل الثاني الرواية والتراث السردي "طوق الحمامة أنموذجاً"

بتحريض قديم من دراسة الطاهر مكي لتأثير (طوق الحمامة) في الأدب العالمي، ومن التقلب بين سيرة ابن حزم وأسباب تأليفه لكتابه الشهير، وبين أبواب الكتاب، أقبلتُ على الروايات التي رصدتُ أثراً ما لـ(طوق الحمامة) فيها، وهي: رواية (فردوس الجنون)(1) لأحمد يوسف داوود (سورية) ورواية (الباذنجانة الزرقاء)(2) لميرال الطحاوي (مصر) ورواية سلام عبود (يمامة: في الألفة والألاف والندامة)(3) ورواية (رائحة الأنثى)(4) للزاوي أمين (الجزائر). ورواية (العصفورية)(5) لغازي القصيبي (السعودية) ورواية (وراق الحب)(6) لخليل صويلح (سورية)، فبلغت المدونة ست روايات، ثلاثة من كتابها يجمعون الشعر إلى الرواية (أحمد يوسف داوود- غازي القصيبي-خليل صويلح)، وتأتي جميعاً في ذروة اشتغال التناص في الحداثي من الرواية العربية، وفي ذروة حفر هذا الحداثي في التراث السردي. وربما يقوي من مصداقية هذه المدونة توزعها الجغرافي في بلاد العرب، وتوزعها الجيلي. أما الأهم، فهو توزّع أثر (طوق الحمامة) في هذه المدونة بين الأساسي في روايتي ميرال الطحاوي والزاوي أمين، والثانوي في باقي الروايات، وبالأخيرة سأبداً.‏

***‏

تتوزع رواية (فردوس الجنون) على فصولٍ أو أبواب، دون أن تحمل هذه التسمية، وإن يكن لكل منها عنوانه الذي يخاطب بحرفيته أو بصيغته التراث السردي، ومن ذلك باب –فصل (رسالة الغفران) و(التوابع والزوابع) و(طوق الحمامة).‏

في هذا الفصل يعتزم (بطل) الرواية السوري بليغ مغادرة بيروت بعد مقامه الطويل المرير في حمأة الحرب اللبنانية. ويلتقي في كاباريه (تامارا) بزيزي التي أحبته بصمت، وتسأله الآن: "أما جاء وقت أن تناديني يمامتي مرة واحدة؟". وسيستجيب بليغ الوحيد المستوحش مثلها في هذا العالم الفاضل المرعب. وإلى بيتها سيمضيان ليعلن صباح ليلتهما الأولى أنها المرة الأولى التي يتوحد فيها مع امرأة، ولتعلن هي أنها أحبت مرتين من قبل، وفيهما فقط أعطت جسدها، وهذه هي المرة الثالثة مع بليغ، على الرغم من أنها تعمل في كاباريه. وطوال ثلاثة أيام تالية، وكما سيعبر بليغ: "كان كل منا يريد أن يطمر كل شقائه وشقاواته تحت ركام اللذة الفريدة في (أننا معاً) أننا وحيدان متحدان باستمتاعنا بكل هذه الحرية الغريبة في شقة كالزنزانة". ولأن بليغ يحسب أنه أحب زيزي أكثر مما قدر، يطلب الزواج، فترفض، وإن كانت تريد منه طفلاً: "أنا أحبكَ حب يأس لا حب اختيار، ومع ذلك فهو حب أصيل وصاف وقوي فوق ما تظن". أما بليغ فيضيف: "كلانا يحب الآخر كي لا يهلك في اليأس".‏

ولا يحضر (طوق الحمامة) ولا صاحبه إذن إلا في العنوان، إعلاناً عن قصة حب تبحث عن نسبها في باب من أبواب كتاب ابن حزم. وعلى نحوٍ مقارب يبدو الأمر في رواية سلام عبود الذي يذكر (طوق الحمامة) بين المراجع التي أفاد منها في الجانب التاريخي من روايته. وسيكون للقارئ أن يتلمس الأثر الجواني لكتاب ابن حزم مثل كتاب (مصارع العشاق) في العلاقة التي تقوم بين ابن يعيش وخولة أو بينه وبين الجارية حور، من منفاه إلى مقامه بين سبتة وأليشانة وقرطبة.‏

بخلاف ذلك سيحضر ابن حزم وكتابه في الروايات الأخرى. بل إن ابن حزم، وفي غير (طوق الحمامة) سيحضر أيضاً في رواية (العصفورية). فبطلها البروفيسور بشار الغول حصّل دكتوراه في الفقه من جامعة طومبكطاء التي تمنح الدكتوراه في كل المجالات، وكان موضوع أطروحته "اجتهادات الإمام ابن حزم الأندلسي".‏

على القارئ أن يوطن نفسه على السخرية في رواية (العصفورية) ليتابع أيضاً تبدد نظرية السببية بين الأشعري وتلميذه الغزالي وفتوحات ختم الأولياء. لكن الله "قيض لهذه الأمة بطلين، ابن حزم الأندلسي وابن تيمية الحراني، أنقذا نظرية السببية وأدخلاها غرفة الإنعاش، ولا تزال هناك".‏

ولأن البروفيسور من حزب الشقر، يؤصل تحزبه في تفضيل ابن حزم للشقراوات، وفيما علل ذلك في (طوق الحمامة) إذ قال: "إني أحببت في صباي جارية لي شقراء اللون، فما استحسنت من ذلك الوقت سواد الشعر، ولو أنه على الشمس، أو على صورة الحسن نفسه، وإني لأجد هذا في أصل تركيبي من ذلك الوقت". غير أن البروفيسور الذي لا يقرّ على قرار، يستنكر تحزب ابن حزم للشقر قائلاً: "هذا، إن سألتني، تطرف من أبي محمد، رحمه الله. ولعله كان متأثراً بمعازبيه الخلفاء الأمويين في الأندلس الذين كانوا، والعهدة عليه، مجبولين على تفضيل الشقرة (لا يختلف في ذلك مختلف). والتطرف ذميم حتى في حب الشقر. والتطرف يوجد تطرفاً مضاداً. وهذه هي الديالكتيكية التي اكتشفها هيجل السنة الفارطة". وسيذكر البروفيسور من ابن حزم أيضاً مخالفته كل الأئمة في موضوع الساحر، إذ ذهب إلى أن الساحر لا يقتل، بل يعزز.‏

على نحو ثانوي أيضاً، ولكنه أكبر، يبدو أثر (طوق الحمامة) في رواية (وراق الحب)، والتي ستتصدرها من هذا الكتاب المحاورة التي ساقها ابن حزم في كتابه: "-إذا كره من أحب لقائي، وتجنب قربي فماذا أصنع؟ - أرى أن تسعى في إدخال الروح على نفسك بلقائه وإن كره. – أنا لا أرى ذلك، بل أوثر هواه على هواي ومراده على مرادي، وأصبر ولو كان في ذلك الحتف".‏

يكتب روائي (وراق الحب) وبطلها روايةً. وفي سعيه إلى مدخل لروايته يفكر في أن يكون ذلك حكاية التاجر البغدادي الذي صادف في الشام ياسمين زاد وعشقها، فطلبت مهرها أن ينسخ لها كتاباً يحتوي أجمل ما قيل في الحب والفراق والموت. وبعد قرابة عشرين سنة عاد العاشق بقافلة من الجمال محملة بمئات المخطوطات، ومات تاركاً وصيته بحفظ الحمولة، لكن الحمولة فقدت في إحدى غزوات تيمورلنك لدمشق، سوى نسخة من (طوق الحمامة)، بدأ الراوي بالبحث عنها في المكتبة الظاهرية، متلبساً روح أمبرتو إيكو في (اسم الوردة) وهو يبحث عن مخطوط غامض في أحد الأديرة القديمة في إيطاليا.‏

عثر الراوي على نسخة من الكتاب – الكنز: (طوق الحمامة). لكن أمله خاب حين وجده أنيقاً كأنه مطبوع للتو. وعلى الرغم من قراءته للكتاب من قبل ثلاث مرات متباعدة، أثارت شهيته هذه المرة توطئة ابن حزم، فقال: "واعتقدت أنها مفتاح روايتي، وتخيلت نفسي أتجول في أحد أروقة قصور قرطبة بين أشجار الرمان، أردد قصيدة كتبتها عن الصبابة في الحب، أو عن الإشارة في العين". ولقد أغرى الراوي أسلوب الأسلاف في التوطئة، ففكر في أن يبدأ روايته كما بدأ ابن حزم كتابه، ونقل من أجل ذلك من توطئة ابن حزم ما نقل، كما نقل تعريفه للحب - وسنقرأ المنقولين بطولهما في الرواية - والأهم أنه عزم على تبويب روايته المنشودة في ثلاثة أبواب: باب الحب، باب الفراق، باب الموت، ثم اكتفى بباب الحب.‏

ذلك هو الأثر الثانوي – بالأحرى- العابر لـ(طوق الحمامة) في تلك الروايات الأربع، فماذا عن الأثر الأساسي في سواها؟‏

جاءت رواية ميرال الطحاوي (الباذنجانة الزرقاء) في ثلاثة فصول، عنوان آخرها: (طوق الحمامة). ويبدأ هذا الفصل بمقتطف من (باب الوصل) حول العطاء الذي لم يحصل عليه أحد، والحالة التي ليس في الدنيا ما يعدلها: عاشقان بلا رقيب وبلا ملل، وبتوافق في المحبة والأخلاق ورزق متاح وزمان هادئ وصحبة طويلة. ولكن أنّى ذاك لراوية الرواية وبطلتها، وهي التي تخاطب نفسها ليلة عيد ميلادها داعية الحبيب المدبر عنها، فيأتيها ابن حزم، ويترك لها في دفترها عبارته الشهيرة: "الحب- أعزّك الله- أوله هزل وآخره جد..".‏

كان (طوق الحمامة) أول كتاب في الحب تقرأه العاشقة التي تروي سيرتها. وها هي – إذ تستعيد ذلك- تخط سهاماً باتجاه التمرد والقمع الاجتماعي والتمزق الحضاري وازدواجية المثقف.. وتتربع على إحباطاتها، وتكتب أشياء، لا هي قصص ولا أشعار: "إنها فقط خدوش وجهك من أثر حادث قديم".‏

بلغة شعرية تستذكر هذه الطالبة الجامعية الولد الذي أحبها، والرجال الحمقى الذين يتغزلون بعينيها ولا يرون فمها المحاك بالخياطات. ويصل ذلك إلى انتظام الرواية على أبواب (طوق الحمامة)، وأولها (باب من أحب من نظرة واحدة)، ويتصدره مقتطف من كتاب ابن حزم، كما سيلي في الأبواب الأخرى، وكما سبق في بداية الفصل. وإذا كان ذلك الباب من (طوق الحمامة) يحكم على الحب من نظرة واحدة بأنه الأسرع نمواً والأسرع فناء، والأبطأ حدوثاً والأبطأ نفاذاً، فالرواية التي توالي استخدام ضمير المخاطب تأتي بقصة فتى الكوفة من كتاب الغزالي (إحياء علوم الدين)، ثم يصدعها صوت الحبيب: أنت حمقاء وغير طبيعية، ويصدعها صوت زميلتها أولغا: الحب خبرة حواس، وهي، الباذنجانة الزرقاء نون كما تعرف عن نفسها، عاشقة النظرة الأولى، تنشبح إلى الباب التالي في هذا الفصل الأخير من الرواية، وهو (باب الوصل)، فإذا بنصفها يعيش تجربة الوصل، ونصفها يشاهد، ثم تكتب في أوراقها عن جسد المرأة والكبت، وتمضي إلى (باب الهجر)، متابعة استذكار عشقها المقيم الخائب، والكتابة في شأن المرأة عندنا، فيما ابن حزم يصنف الهجر في بابه بين التجني الذي يقع في أول الحب وآخره، وبين "الملل من الأخلاق المطبوعة في الإنسان"، وبين القلى، ودواؤه عند ابن حزم أن يتصدى المحب لمحبوب محبوبه. لكن عاشقة رواية (الباذنجانة الزرقاء) مهجورة، وكفى، سواء أتابعت السرد بضمير المتكلم، أم خاطبت المعشوق، أم سردت يومياتها، ثم تمضي إلى (باب الغدر) ونقرأ: "قبل النهاية تقفين في كل قصصك وتمطين خيوط الحكي كي لا تنزلقي إلى الفقد". وعلى صوت ذلك الذي لا يفكر في الزواج ولا في الأطفال، ويدفع عاشقته عنه" أنا ناقص قلق"؛ على ذلك تبلغ الرواية خاتمتها في (باب البَيْن) حيث يلتقي المعشوق صديقة للعاشقة ويقول إنه لا يعرف تلك العاشقة، وإنها تافهة، فتكره العاشقة الصديقة التي تنقده، ولسان حالها ينطق بقول ابن حزم في الطاعة: "ولا يقولنّ قائل إن صبر المحب على ذلّة المحبوب دناءة في النفس". وتوالي العاشقة الانتظار، كأنما تحيا ما ساق ابن حزم في (باب البين) في كتابه، من البَيْن القصير إلى بَيْن الرحيل إلى سواهما، ما عدا بَيْن الموت، وإن يكن بالعاشقة مثل الفوْت الذي هو بَيْن الموت، بحسب ابن حزم.‏

إذا كان (طوق الحمامة) قد فعل فعلاً أساسياً في بناء رواية (الباذنجانة الزرقاء) وفي شخصيتها المحورية، فهذا الفعل سيتضاعف في رواية الزاوي أمين (رائحة الأنثى). ويبدأ ذلك بإشارة – ستبدو غامضة حتى تكاد الرواية تنتصف - إلى كتاب ابن حزم، في إعلان (حمامة) رحيلها عن وهران التي تستقبل مثقفاً اغتالته الجماعات الإسلامية.‏

ترحل (حمامة) حاملة معها مخطوطة للشخصية الروائية التي لن نعرفها إلا باسم ابن بطوطة. وتفكر حمامة بأن ما تحمل سينسيها (طوق الحمامة). وعلى هذا ينقفل أول أبواب الرواية (باب السماء). فإذا بلغنا (باب النساء) طلع (زهار) بحكاية علاقته في منفاه السوري بالعاشقة الحلبية التي قرأت (طوق الحمامة)، وأسلمت الروح مع آخر صفحة منه، ولما يقدم لها زهار الخاتم الذي قضى في صناعته 180 يوماً.‏

يتمنى زهار أن يقرأ الكتاب، ويقرأ فيه عن جحيم النساء ونار العشق وجنة الغيرة. وقبل أن ينهي الكتاب يرمي الخاتم في البحر، فتخرج امرأة لا تشبه الحلبية، من قلب الخاتم أو من البحر أو من حكايات ابن حزم. وفي مقصورته يجد امرأة تشبه من خرجت من الحكايات أو من.. وهي تقرأ فيما ظنه (منامات الوهراني) فإذا به (طوق الحمامة). وانشغل زهار بالكتاب عن المرأة التي تحتل سريره "مستلذة فضائح النساء والأمراء في كتاب قتل مؤلفه وقتل الحبية وجنّن الآلاف". وودّ زهار لو ألقى بـ(الكتاب اللعين) في البحر، فيما اقترحت حمامة اقتسام السرير والحكاية، ففكر: "عليّ أن أتجنب حكايات ألف ليلة وليلة وطوق الحمامة فكلها حكايات مؤسسة على الغواية والرغبة". وحين تشرع تحكي من (طوق الحمامة) يعتزم مقاطعتها، كيلا تنهي الكتاب فتموت، ويهجس: "دون شك، إذا استمرت في القراءة، فإنها إما تقتلني أو تقتل نفسها.. إن لعنة طوق الحمامة ستأخذ على الأقل واحداً منا كما أخذت الحلبية التي أمر فقيه حلب ومؤذنها ومغنيها في الوقت نفسه أن يدفن معها كتابها كي تأخذ لعنتها معها.. أخطأت أيها المؤذن ذو الصوت الجميل، فلعنة ابن حزم قائمة". ويتمنى زهار أن تطرد حمامة ما استطاعت شيطان ابن حزم الذي يصفه هو بالفقيه الإباحي الذي يقرأ عليها سخافاته كي يقتلها: "مازوخي.. إنها مستسلمة له، تنتظر نهايتها أو نهاية الحكاية، عليّ أن أرفع الكتاب المفتوح أو المصلوب فوق نهديها، وأن أخلصها من الهاوية".‏

صباحاً تعصف الريح في الخارج أو في الحكاية التي لم يجد لها ابن حزم غير نهاية الجنون، وأنفاس زهار وحمامة على الزجاج تلهث خلف سرب من المجانين الهاربين على أوراق كتاب (طوق الحمامة). آنئذٍ فكر الرجل في أن يسمي المرأة حمامة، وستسميه هي (زهار)، ويكون علينا أن ننتظر من الرواية (باب الغيرة) لتتابع (يامنة) الروي، فنرى حمامة تدخل في وحشة كتاب ابن حزم، وتقرأ فيه كيف يؤكل الرجال، ونرى دعوى (يامنة) أن من قتل (زهار) ليس غير ابن بطوطة، كي ينام في حجر حمامة وهي تقص حكايات (طوق الحمامة) عن الغلمان والغيرة وغبار الخيل ومآثر السحر. وسنقرأ أن حمامة بعد اغتيال زهار "لم ترفع عينيها عن كتاب طوق الحمامة لرجل اسمه ابن حزم زنديق وكافر، قضى جزءاً من حياته في المنافي والسجون، وإنه لكفره ووقاحته وأفكاره منع من التدريس في جامع قرطبة الكبير. كان يتستر بظاهر إسلامي كي يكتب عن النساء والغلمان والجنون وأسرّة الملوك".‏

تستبطن يامنة في (باب الغيرة) ما ذهب إليه ابن حزم من أن الغيرة "خلق فاضل مركب من النجدة والعدل.." ومن أن "الغيرة إذا ارتفعت ارتفَعت المحبة". لكن ذلك وسواه، وبالنسبة ليامنة أم لسواها من شخصيات رواية (رائحة الأنثى)، تغدو لـه جبلّة أخرى تخاطب جبلّة (طوق الحمامة) وتفتق فيها وتعيد تشكيلها، تأسيساً على ما تعنيه الحكاية في العيش وفي الرواية، وعلى الحفر الروائي في التاريخ وفي التراث السردي، كشهادتها على الراهن – الجحيم الجزائري- وهذا ما سيتوالى في (باب الدفن) من الرواية، حيث الطشقندي يبحث عمن يعلمه العربية كي يأكل قلب حمامة: "كي يشرب هديل حكاياتها العجيبة المسروقة من ابن حزم.." وفي (باب الحديث الشريف) حيث يحول عهد حمامة لزهار بينها وبين أن تتركه وتدخل في حكايات ابن بطوطة التي باتت تبدو لها أكثر إغراءً من حكايات طوق الحمامة. وفي هذا الباب تخشى حمامة كل المدن "ما دامت غرناطة وإشبيلية قد خدعت ابن حزم بالمنفى والسجن، وهو الرجل القلم الذي طلق المناصب والسياسة، وهام في الكتابة وقصص الحب والجنون والشر والوساوس". وفي هذا الباب أيضاً، بعدما يُرمى – يدفن زهار في البحر، ويرفع زرياب التابوت بين جناحيه إلى قرطبة أو وهران، تتساءل حمامة: "لماذا لم يتكلم ابن حزم عن زرياب؟ إن غيرة كانت تأكل قلبه، وهو الذي دوخ نساء وفتيات قرطبة وسائر الأندلس وبغداد وبلاد الشام". وأخيراً، وفي (باب عبد القادر) الذي يقفل الرواية، تعانق حمامة كتاب ابن حزم، وهي حزينة على المدينة التي يحرقها الجحيم الجزائري المتفجر منذ أكثر من عقد. ومن تمثال الأمير عبد القادر، الذي يتوسط المدينة، والذي قد يكون ممتلئاً ببعض الغيرة من الوهراني ابن بلده – صاحب المنامات - كغيرة ابن حزم من زرياب، من التمثال إلى عبد القادر الذي اغتيل – لنتذكرْ الباب الأول من الرواية - تفكر حمامة في هذا العاشق الخجل الذي انسحب من حكاية من حكايات ابن حزم، لأنه وجد فيها بعض الوقاحة أو الإباحية.‏

هكذا تبدى الأثر الأساسي لـ(طوق الحمامة) في روايتي ميرال الطحاوي والزاوي أمين. ومنذ ابن إياس (جمال الغيطاني وروايته: الزيني بركات) إلى ابن حزم في هاتين الروايتين وسواهما، بلغت الرواية الحداثية العربية ما بلغت من وعبر الحفر في التراث السردي، ولعلها ستبلغ ما هو أكبر وأهم، سواء لأنها باتت أقدر وأجدر، أو لأن كنوز التراث السردي – مثل كنوز الراهن - لا تنفد.‏

الهوامش:‏

(1)-مذكورة سابقاً.‏

(2)-دار شرقيات، ط1، القاهرة 1997، وانظر دراستنا لها في: الكتابة والاستجابة، مذكور.‏

(3)-دار الكنوز الأدبية، ط1، دمشق.‏

(4)-دار كنعان، ط1، دمشق 2000.‏

(5)-دار الساقي، ط2، لندن 1999.‏

(6)-دار البلد، ط1، دمشق 2002.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244