|
||||||
| Updated: Monday, November 17, 2003 12:18 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
ـ الفصل الثالث التجريب الروائي في تونس مقدمة وسم التجريب اللحظة الروائية العربية منذ بدايتها، فجاءت ريادة فرنسيس مراش ونعمان القساطلي وزينب فؤاد ومحمد حسين هيكل، بين نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، تجريباً في كتابة تختلف أو تقطع مع موروثها في السرد واللغة، بفعل فواعل شتى، ثقافية وغير ثقافية. بعد عقود قليلة شرع السبيل يتباين بين رواية تقليدية ورواية حداثية، وشرع التجريب يغدو علامة فارقة للحداثة الروائية. ولئن كان ذلك بدأ بقوة في ستينيات القرن الماضي في مصر وسورية بخاصة، فقد بدا بقوة أكبر في تونس، ولكن منذ ثمانينيات القرن الماضي، بعد التوكيد على الريادة التجريبية الحداثية التي كانت من قبل لمحمود المسعدي (حدث أبو هريرة – السدّ) ولعز الدين المدني (الإنسان الصفر)، وحيث يمكن تشخيص العلامتين الكبيرتين اللتين ستسمان التجريبية الروائية في تونس، وأعني: البحث في التراث السردي واستثماره (المسعدي) والانفجار الشكلي وتفجر الذاتية (المدني). هكذا تواترت روايات مصطفى المدايني (الرحيل إلى الزمن الدامي –1981) وهشام القروي (ن-1983، أعمدة الجنون السبعة-1985) وعروسية النالوتي (مراتيج- 1985، تماسّ- 1985) وفرج الحوار (النفير والقيامة –1985) وسواها. إبان ذلك كان التأزم يعاجل الحداثة الروائية العربية، من الفخامة والصخب إلى التتقين واختزال الراهن ونرجسية الذاتية والغنوصية.. وإبان ذلك أيضاً كان قد غدا للحداثة الروائية منجزها الكبير، من تهشيم العمود السردي إلى التلاقح مع الفنون (السينما والتشكيل والغناء والموسيقى) ولعب الضمائر والأزمنة والتهجين اللغوي والنصّي..(1) وفي الأمرين معاً: أمر المنجز وأمر التأزم، كان التجريب علامة فارقة، فماذا كان للرواية في تونس منهماً؟ السيرة النصيّة: استيعاءً للمنجز الحداثي العربي وغير العربي في الشكل الروائي، بما يعنيه ذلك أولاً من تفجير للمنجز التقليدي، وبما يعنيه من سؤال الذات المبدعة، أخذت الرواية في تونس تمعن في مسائلة شكلها، وبالتالي في الانكتاب في العراء أو على المكشوف، أي في ممارسة اللعبة الروائية أمام القارئ، وكل ذلك مما أدعوه بوعي الذات المبدعة، أو بوعي الذات الروائية، كما يتجلى في كتابة النص لسيرته. من ذلك أذكر ما جاء في رواية كمال الزعباني (في انتظار الحياة)(2)، حين يختفي الصحافي عيسى الشرقي تاركاً للفنانة التشكيلية فادية ظرفاً فيه من مراسلاتها، وفيه – كما نقرأ- فقرة من رواية أو سيرة ذاتية وخواطر أسفار وتأملات فنية أو فلسفية متنافرة، ومذكرات شخصية غير مؤرّخة، ونص أو عدد من النصوص المتداخلة تقدم تفصيلات عن سمية وعائشة.. تغوي الرواية بأن يراها القارئ في محتوى الظرف نصاً هو – كما نقرأ- جملة المقاطع المتفاوتة التي لم تستطع فادية ربطها إلا اعتماداً على لون الخط وحجمه، وعلى الورق، فيما يتراوح النص بين سرد أحداث قريبة، واستحضار مشاهد وصور وحالات من شخص يتماهى مع الكاتب حيناً، فيأخذ النص شكل سيرة ذاتية قائمة على الاعتراف والتداعي، وينفصل عنه أحياناً، فتتحول الكتابة إلى ضرب من التحليل أو التخييل الروائي. يحتوي الظرف العتيد على رسالة يوصي عيسى فيها فادية بتسليم الظرف إلى كمال الزعباني، وبألاّ تحاوره، لأنه سيحاول إقناعها بأنه كاتب الرواية "وبأننا نحن جميعاً، لسنا سوى كائنات وهمية اختلقها خياله المريض خلال عزلته شبه الكلية التي امتدت أربع سنوات..". وستلتقي فادية بجار كمال الزعباني في سعيها خلفه. وستصفه الرواية بالكاتب العنكبوتي الذي ينسج ذلك التعقيد. وفي المحصلة، لن تفتأ الرواية تجرب في تقنية الكابوس والتقرير والسيناريو وفي السرد الكثيف وملاعبة الإيقاع والذاكرة والمتناصات الشعرية والغنائية، حتى ينهض بنيانها أمام القارئ وبمشاركته في اللعب، موهمة بـ/ ومستثمرة ومعرية للسيرة الروائية ولقدسية وباطنية الكتابة. وفي رواية محمد الباردي (حوش خريّف)(3)، تجريب آخر لكتابة السيرة النصيّة، يقوم على الحضور المباشر للسارد، والمسافة التي يجلوها بينه وبين الشخصيات الروائية، بينما الرواية لا تفتأ تجرب في تقنية الوصف والتشذير والتقرير والتصوير الفوتوغرافي والسينمائي. ففي فصل (شذرة- فقرة): (ارقصي ع الرنّة)، وحيث يصوّر فتحي الأرتيست في معرض الأزياء التقليدية، وبحضور فضيلة وهاجر، يخبرنا السارد أن تحت القطع الخارجية من اللباس، والتي تلتقطها عين فتحي، ثمة قطعتان داخليتان لا يمكن أن يرسمهما إلا "سارد متطفل مثلي يريد أن يكون محايداً ولم يفلح". وفي عنوان فصل سابق نقرأ: "فصل من تقرير خبير اليونسكو نقله إلى العربية سارد لبيب". وفي فصل تال هو (ما خفي من خبر سارة حوحو) يتابع السارد أحوال هذه المغنية، ويتوحد بالكاتب وهو ينفصل عنه، فنقرأ: "ولكنني في هذه اللحظة، وأنا أصوغ كتابي هذا، وأتخيل الصورة كما رسم ملامحها رواتي، لا أستطيع أن أحدد تحديداً دقيقاً في أية زاوية كانت تجلس السيدة، فلماذا؟". لأن الرواة كما يخبرنا السارد لا يعرفون التفصيل، ويختارون التعميم "ولذلك فأنا أسعى إلى تركيب المشهد، وأتخيل الزاوية التي يمكن أن يقف عندها الرائي ليصف ما يرى". وفي الفصل نفسه، يقدم السارد لما يورد من المتناصات الشعرية بأنه ليس من الحفّاظ "على الرغم من أن شعر العرب رتيب ووزنه، سهلٌ حفظه، ولكن رواتي سجلوا لي هذه الأبيات..". ويلعب السارد هذه اللعبة أيضاً في فصل (عرس النار) فيقول: إن ما استطعت أن أدركه من أخبار سارة حوحو من خلال نتف الجرائد والصور الشخصية والأخبار المقطعة، متشابه، ولست مستعداً الآن لأن أتحول إلى إسكافي يرتق الوقائع ويصل بين ما تقطع، فلأمضينّ في اللعبة الخطيرة، ولأبلغنّ منتهاها". وفي هذا الفصل يصارح السارد قارئه بأن علاقته بحوش خريّف وبسارة حوحو قد تحوّلت إلى علاقة شبقية غريبة. كما يصارح بما عاش وبلغ من كتابة هذه الرواية، حيث رواته وخياله، و(أسطورة) الحوش التي جاء ليعقلنها، عقلنة العالم الخبير، فإذا بها تبلعه وتدخله في منطقها الخاص. ومحمد الباردي يعدُّ روايته هذه – كما نقرأ على غلافها - نقلة نوعية في كتابته، تتبنى مشروع بحث عن رواية المكان، ويكفي منها وفيها أنها (رواية تجريبية). ومهما يكن من قراءة الكاتب لروايته، فالباردي في (حوش خريّف) لا يجرب فقط لعب السارد على المكشوف، وبالتالي تقديم شطر من سيرة النص، بل هو يجرّب أيضاً السخرية والتشذير واستثمار الغناء والرقص. وتلك هي أيضاً رواية إبراهيم الدرغوثي (الدراويش يعودون إلى المنفى)(4) التي تبدأ بهذه العبارة: "لم أكن أريد قبل هذا اليوم كتابة هذه الرواية". ويعلل الراوي ذلك بخوفه القلم والقرطاس منذ حرقِ كتب ابن رشد إلى منع (ألف ليلة وليلة) في القاهرة قبل سنوات معدودات. لكن درويشاً يهدد الراوي: "إن لم تكتب هذه الرواية سأقتلك شر قتلة"، والرجل ليس غير كاتب هاو، حاول في القصة القصيرة والمقالة ما لم يلتفت إليه نقاد الدرجة الثالثة. وهكذا يتعاور الراوي ودرويش على اللعب، فالدرويش سيتولى الإملاء، والراوي الذي يستشير القارئ "ما رأيك صديقي القارئ.." سيتولى النسخ وهو يعود كل حين إلى القارئ: "قد يقول بعضكم ما هذه بالرواية" لأنها تفتقد الرابط وتخبط، لكنها حقيقة الحقيقة، كما يؤكد راويها –كاتبها، وهو – هي- يمعن في اللعب على المكشوف. السيرة الروائية: بالإضافة إلى وشائج وتباينات السيرة الذاتية والرواية، تواتر وتنامى وتعقّد سؤال الذات الكاتبة في الرواية، تحت وطأة النبذ المؤسّسي للمثقف إلى الهامش، والعوامل الثقافية والاجتماعية التي غذت الفرادني وعقّدته. وباشتباك ذلك مع المغامرة الحداثية، شرع كتّاب يجربون في سيرة روائية مختلفة، أمثّل لها بما راد لـه غالب هلسا منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، وتابعه فيما تلا حتى وفاته، وأعني حضوره باسمه الصريح في الرواية، أي حضور الكاتب كشخصية روائية، مهما يكن من اعتماد المروي على السيري، وهو ما جرّبته في رواية (المسلّة- 1980) فقط. ومن آخر – وربما أفضل - ما أشير لـه في هذا الصدد رواية حليم بركات (طائر الحوم) ورواية خليل النعيمي (الخلعاء). أما في تونس فقد مضت الرواية سريعاً وبعيداً في تجريب السيرة الروائية، عن مألوفها الذي نراه – مثلاً- في رواية عروسية النالوتي (مراتيج). هكذا جاءت رواية حسونة المصباحي (هلوسات ترشيش)(5)، وحيث اكتفى الكاتب بإشارتين، أولاهما هي التصدير المقتطف من كتاب (المسالك والممالك) حول تسمية مدينة تونس بترشيش، والثانية هي الإهداء، (إلى أمي التي مضت دون أن تتذكر موضع مولدي). فإثر ذلك، وفي السطور الأولى من الرواية، تشير الأم إلى الفضاء مخاطبة ابنها: "وضعتك هناك"، وهي لا تذكر بالضبط، وهذا ما يعذب راوي الرواية الذي يتوسل ضمير الغائب، كما يليق بالرواية غير السيرية، كي يستذكر ويستذكر، والذاكرة عتلة الرواية السيرية والسيرة الروائية بعامة. وقد يجد قارئ في تسمية الكاتب لبطل روايته (قمح أفريقيا)(6) لحمدي رجب – والاسم الثلاثي للكاتب هو محمد رجب الباردي – تكأة للسيرية، لكن صلاح الدين بوجاه لا يكتفي بمثل هذه التكأة، مهما تلاعب بالضمائر أو غامر في التخييل والتركيب. ففي رواية (التاج والخنجر والجسد)(7) ثمة صاحب المخطوط الذي يكشف السارد خفايا لعبة السرد لديه. وصاحب المخطوط- كما يقول السارد للقراء في فصل: السيف- "قيّمٌ على أمري وأمركم جميعاً". وفي فصل (هبة المغرب إلى أفريقيا) نقرأ ما ورد في "كتاب (حمام الزغبار) الموروث عن الأجلّ الأكبر أبي يسر صلاح"، والكتاب من مؤلفات صلاح الدين بوجاه، والنص إذن وهو يلعب، يكتب سيرته أو منها، مما سنجده أكبر وأجلى في رواية بوجاه (النخاس)(8). تقوم هذه الرواية على سفر الكاتب تاج الدين – هل يحق لنا أن نشير إلى الوزن مع الاسم الأول المركب للكاتب: صلاح الدين؟ - بحراً من مدينة القيروان – مدينة الكاتب - إلى جنوا. وعلى السفينة تتفرع الحكايات، ومنها حكاية الإسبانيولية التي علمت تاج الدين النخاسة، ولعبا معاً لعبة (التاج والخنجر والجسد). وفي حقيبة تاج الدين التي توصف بالجنون، وتتكدس فيها مخطوطات هي من مؤلفات صلاح الدين بوجاه: المستجاد في أخبار الجموع والآحاد – أسفل خط الجحيم - حمام الزغبار. هل للقراءة إذن أن تمضي إلى الكاتب من الكاتب النخاس في الرواية، الجوال أبداً، الذي يتخذ ألف شكل وشكل، الحلزون التائه والزاحف في دنيا الناس؟ وهل الذي يجريه الكاتب في بناء الرواية كما تأتي الإشارة في الرواية (النخاس) إلى (المستجاد..) كطلسم مرصود يرتق فتق المدينة الرابضة كالمومياء، غير قادرة على الانبعاث، وغير موقنة من قوتها؟ اللغة بين التتريث والتهجين: يندر أن وقعت لغة الرواية في تونس في مزلق الشعرية – نسبة إلى الشعر- كما شهدت الحداثة الروائية في مصر وسورية، منذ بديع حقي إلى حيدر حيدر وإدوار الخراط، حيث يترامى المزلق من فيض اللغة على المتطلبات السردية إلى الإصاتة. وبالمقابل، تنتأ تأثيرات لغة المسعدي في اللغة الروائية لخلفائه من الكتاب التونسيين. ومن هنا، أو بدونه، ينتأ حضور التراث اللغوي الفصيح المتعالي في روايات تجريبية شتّى، حتى ليغدو ذلك ميسماً للغة صلاح الدين بوجاه وللغة فرج الحوار التي مضت إلى مضارعة اللغة القرآنية، حتى في الفواصل بين الآيات، مما نجده في روايته المخطوطة (طقوس الليل)، وهي التجربة التي نراها أيضاً في الرواية القصيرة – أو القصة الطويلة - (رؤيا) للكاتب الأردني هاشم غرايبة. يرفد هذا التجريب لدى بوجاه والحوّار قاموس الرواية اللغوي بمفردات وصيغ شتّى، على الرغم مما ينأى بها عن لغة العصر نحو المبالغة في الحفر اللغوي في التراث، أي نحو: التتريث، الذي نجده لدى بديع حقي وإميل حبيبي أيضاً. غير أن التهجين اللغوي الذي يمارسه بوجاه والحوّار وحبيبي ينزل بالتتريث اللغوي من عليائه ونخبويته واستفاضته، فتظل للشخصية الروائية حيويتها وخصوصيتها، بينما يغلّ التتريث هذه الشخصية في رواية محمود طرشونة (المعجزة)(9)، كما غلّها في روايات بديع حقي، على الرغم مما يجربه طرشونة في تعدد الأصوات، وفي التهجين النصّي وملاعبة الضمائر. وفي سبيل آخر تمضي اللغة الروائية لمحمد علي اليوسفي ومحمد الباردي وكمال الزعباني وإبراهيم درغوثي وظافر ناجي وحسونة المصباحي وسواهم، حيث تنشط الفصحى غير المتعالية أو النخبوية، بقدر ما ينشط التهجين بالعامية التونسية، وأحياناً بالفرنسية وسواها، هنا أو في روايات بوجاه والحوّار. على أن الأهم بصدد التهجين ليس ما يتعلق بالعامية التي قد تستغلق على قارئ غير تونسي، بل هو ما يوفّره تعدد الرطانات المهنية أو الاجتماعية، مما يخصّص لغة الشخصية الروائية، فيخصصها هي. وهذا ما قد يشتبك مع التتريث، لتنتسج البلاغة الروائية التي كثيراً ما يجري خلطها بالبلاغة الشعرية. التتقين: استجابة لما يتفجّر في الذات وفي الآخر – من الجار التونسي إلى العدو الصهيوني- واستجابةً لتفجير الشكل الروائي التقليدي، والشكل الروائي الحداثي أيضاً، يتوالى التجريب في بناء روائي مختلف، منه ما سبق في لعبة السيرة النصية، وما سبق في التهجين، ومنه استثمار التراث السردي العربي، الرسمي والشفوي، والأسّ في ذلك كله هو ما يسمح به مفهوم الرواية من المغامرة التجريبية التي لا تنتهي وهي تبدع شكلاً فشكلاً. وهنا تأتي استراتيجية الكتاب التي تناجز مفهوم الرواية لدى فرج الحوار في روايته (التبيان في وقائع الغربة والأشجان)(10)، حيث يجبهنا منذ البداية هذا التحذير: "هذا الكتاب خيال قحّ". والاستراتيجية عينها نجدها عند صلاح الدين بوجاه، وإن كان كل كاتب يفعّلها بطريقته. فرواية بوجاه (النخاس) يتصدرها مقتطف من كتاب ابن النديم (الفهرست) يومئ إلى ما يروم الروائي من أن يكون في روايته أخبار الأمم ومصنفيها، ومن الاكتفاء بالكلمة الدالة. وفي نهاية فصل (عودة القرش وطير النوء..) نقرأ: "هذا فهرست ليلتنا"، ثم يلي فصل الفهرست الأول "في أخبار النخاسين الغرباء..". وستأتي هنا لعبة الفهرست – اللفافة ذي الصفحات العشرين. وسيعنون الفهرست فصلاً آخر من الرواية هو (الفهرست الكشاف في أخبار العرب..) وفيه وصف للفهرست الذي عثر عليه كافينالي في غرفة تاج الدين. وتتعنون نهاية رواية (النخاس) بـ(أطراف الكتاب) كما تعنونت بدايتها بـ(صدر الكتاب). وكما يظل السؤال في النهاية معلقاً (هل تتم الروايات أبداً؟) فإن ضفر البداية إلى النهاية يعلن المرام في أن تكون الرواية كتاباً، بما يعني ذلك من عصيان على التجنس، ومن أمداء التجريب. ها هنا يخرج التجريب بالبناء الروائي عن أليفه التقليدي والحداثي، فنراه يترجرج أو يتفجر. ولعل ما جاء في رواية بوجاه (القاع) عن هيئة الدار، أن يرسم مقاربة أخرى للبناء الروائي، حيث تتكاثر الأشكال في تعاريج الرسوم ورائحة الدبق، فيدعو بعضها بعضاً، وحيث سيرك خفي ومتوثب، فيه الدائرة، والدائرة المنفتحة، والشمس، والشمس التي تتفرع أشعتها كي تنتهي بصليب أو هلال، والشمس المنقوطة، والشمس الفارغة، والمثلثات المتكافئة، والنجوم الخماسية والسداسية، وفيما بعد يتصادى لغو الجن والتخاريف والأحلام والطلاسم والهلوسة. يستدعي التتقين تفعيل التقنية، سواء أكان ذلك بمهارة وسلاسة أم بتمحّل وتكلف. وفي روايات فرج الحوار بعامة ينحو التتقين هذا المنحى، فرواية (التبيان في وقائع الغربة والأشجان) – مثلاً - تتعنون في مفتتحها وفي ختامها بـ(في البدء)، وتراها وهي تروم الحفر في المقدس التاريخي والراهن، تتشذّر. واستراتيجية التشذير كاستراتيجية الكتاب، تناديان التراث. والأولى، فيما يبدو، مغوية جداً للتجريب الروائي في تونس، فعليها تقوم وبها تتصل الحكايات في رواية محمد علي اليوسفي (شمس القراميد)(11) والتي نقرأ فيها للراوي: "أخرجُ من زمن الأسلاف أولاً، لأخرج من تربتهم لاحقاً، وأروي على لساني كل ما جرى بشأني". واستراتيجية التشذير هي أيضاً ما يصدعنا في رواية إبراهيم الدرغوثي (الدراويش يعودون إلى المنفى)، وبدرجة أدنى في رواية محمد الباردي (حوش خريّف). خاتمة: بالطبع، لا يستوفي ما تقدم في السيرة النصية والسيرة الروائية والتتريث والتهجين والتتقين تجريبية الرواية في تونس. فثمة أيضاً توزيع المستويات السردية بالاستعانة بنوع الحرف الطباعي، كما فعل فرج الحوار في رواية (التبيان..) حيث خصّ بالأسود ما يتصل بالعلوم والتكنولوجيا – هل هذا ما يصلنا بعصر ما بعد الحداثة؟ - ومونولوج المحظورات، والكتل السردية الكبيرة والكثيفة التي تلخص تجربة الصحراء الدائلة مقابل البحر. وثمة أيضاً في هذه الرواية الرسائل التي تصل الحفر في تاريخ المقدس – كما فعلت رواية رجاء عالم: (حبّى) – بحرب الخليج الثانية. وفي أية رواية تقريباً تأتي لعبة الضمائر الثلاثة، وبالتالي لعبة الأزمنة الثلاثة. وإذا كان المرء يفتقد هذه اللعبة الصوفية المتفشية في التجريب الحداثي الروائي العربي بعامة، ففي رواية (شمس القراميد) لفحة من ذلك، وتتصل بذلك من طرف أو آخر استراتيجية الغرائبي أو العجائبي أو الفانتازي التي لا تكاد تغيب عن رواية تجريبية في تونس. وهذا كله وسواه، وكده هو في القاع الاجتماعي، وفي الذات المهمّشة والمعصوبة. غير أن ناقداً مثل عبد الحميد عقّار، يرى أن التجريب لدى الكتاب وبعض النقاد بلغ في تونس خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي درجة من السعة والامتداد تجعل منه حركة نظيرة لما يشبه حركة الطليعة أو النزعة العصرية في الأدب. ويعد عقّار من بين مؤشرات هذا المنحى "حدة التمرد المعلن على القوالب والأشكال القائمة، وما يكتنف الكتابة أحياناً من غموض مبالغ فيه يكاد يتحول إلى ما يشبه الاستيحاء السوريالي دون سياق مقبول"(12). وإذا كان عبد الحميد عقّار يتلمس في ذلك صدى عز الدين المدني وكتابته الريادية عن الأدب التجريبي، فإنني أرى أن قول العقار ينسحب من ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، إلى فورة الرواية في تونس في العقدين التاليين. ولقد كان ذلك – فضلاً عن العجز عن الإحاطة - سبب اختيار المدونة هنا من نصوص العقد الماضي، لعله يساعد على تبيّن ما بلغت تجريبية الرواية في تونس، وما تومئ إليه، كفاصل من فواصل الحداثة الروائية العربية في راهنها وفي أفقها، وهي تتأزم وتروم منعطفاً جديداً يستثمر ما أنجزت الرواية العربية وغير العربية، ويجرب في تجاوزه. ( الهوامش: (1)-انظر: نبيل سليمان، بمثابة البيان الروائي، مذكور سابقاً. (2)-تونس 1998. (3)-سراس للنشر، ط1، تونس، 1997. (4)-دار رياض الريس، ط1، لندن-بيروت 1992، ودار سحر، ط2، تونس 1998. (5)-دار طوبقال، ط1، الدار البيضاء، 1995. (6)-دار الحوار، ط1، 1992. (7)-دار سعاد الصباح، ط1، القاهرة، 1992. (8)-سراس للنشر، ط1، تونس، 1999. (9)-دار الجنوب، ط1، تونس، 1996. (10)-دار الجنوب، ط1، تونس، 1996. (11)-دار الجنوب، ط1، تونس، 1997. (12)-عبد الحميد عقّار: الرواية المغاربية: تحولات اللغة والخطاب، ط1، شركة النشر والتوزيع، الدار البيضاء، 2000، ص84. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |