جماليات وشواغل روائية ـــ نبيل سليمان

دراسة ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2003

Updated: Monday, November 17, 2003 12:18 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

القسم الثاني: ـ الفصل السادس التعبير الروائي في فلسطين عن مقاومة الاحتلال

مقدمة‏

تُعقّد الجغرافيا السياسية النظر في الحركة الثقافية الفلسطينية، ابتداءً بما أسفرت عنه الحرب العالمية الأولى من تشظية الفضاء السوري أو الشامي، ووصولاً إلى ما أسفرت عنه حرب 1967 من أمر الضفتين.‏

باعتبار ذلك، وبتحديد النظر في الرواية الفلسطينية، يبدو أن ولادة هذه الرواية قد جاءت في اللحظة الفاصلة التي أهلّتْ بها ستينيات القرن الماضي على الرواية العربية، والتي باتت تعرف باللحظة الحداثية، وصنعها من باتوا يعرفون بجيل الستينيات: صنع الله إبراهيم وعبد الحكيم قاسم وهاني الراهب و.. وغسان كنفاني. ولكن القول بذلك لا ينبغي أن يبخس الرواد الفلسطينيين حقهم، مثل محمد العدناني وكامل نعمة وعارف العارف وسواهم، في أربعينيات القرن الماضي.‏

لقد بلغت المدونة الروائية الفلسطينية خمسين رواية بين 1960-1970. ونافت هذه المدونة خلال العقود الثلاثة الماضية على مئتي رواية. وتقدم عدد من كتابها إلى صدارة المشهد الروائي العربي في لحظته الحداثية، على رأسهم جبرا إبراهيم جبرا (صدرت روايته الأولى: "صراخ في تاريخ طويل" عام 1955) وغسان كنفاني (صدرت روايته الأولى: "رجال في الشمس" عام 1963).‏

عبر ذلك كله كان السؤال الأكبر هو سؤال المقاومة، أياً تكن تلك المقاومة. ولئن تعلق السؤال في روايات عديدة بالحدث أو التأرخة أو الشهادة أو- اختصاراً - بما يعني الموضوع مرة والمضمون مرة، فالأهم والأعم هو ما يتعلق من سؤال المقاومة في الرواية الفلسطينية بتحرير المعنى، في غمرة تضبيبه وأدلجته، وصولاً إلى الحديث عن أفوله، وهذا ما يعنيه تشكيل الرواية الفلسطينية للمعنى، ما يدفع بإشكاليات شتى، ليس أولها ولا آخرها ما بين السياسة والفن.‏

والفيصل هنا ليس أن يقال: المقاومة هي المعنى، أو: المعنى هو المقاومة. ففي مثل هذا القول قد تستوي- مثلاً- رواية (الطريد- 1966) لنواف أبو الهيجاء مع رواية (ما تبقى لكم- 1966) لغسان كنفاني. بل الفيصل هو التشكيل الروائي للمعنى، والذي غدت فيه المقاومة عملاً فدائياً أو حجراً أو وعيا نقدياً أو عملاً سياسياً أو كتابة أو تعليماً أو غرساً لزيتونة أو انتفاضة أو مفاوضة أو حباً أو خصوصية فنية أو مغامرة إبداعية. وعندما يؤخذ الأمر هذا المأخذ فستصغر المدونة. ومع ذلك، لا أطمح هنا إلى النظر إلا في أمثلة محدودة، مما يتوخى فيها سطوع الدلالة على ما تقدم.‏

إميل حبيبي: إخطية:‏

أما المثال الأول فهو رواية إميل حبيبي (اخطية)(1) التي تعمق ما كان الكاتب قد قدم في تجربته الثرة الفريدة من استثمار التراث السردي، ومن استثمار العيش الشعبي في القاع، ما أسفر عن بناء روائي، لعله نسيج وحده، ينهض على تشغيل خاص للغة وللسخرية، كما ينهض بالخبرة في الشأن الصهيوني والشأن الفلسطيني، وبالحس الإنساني العميق والدافق والفاجع.‏

عبر ما تسميه الرواية بالسكتة القلبية أو بجلطة المواصلات في شارع هحالوتس، تشتبك إشارات وعناصر المعنى، إذ يستعيد الراوي الواقعة التي خلخلت الكيان الصهيوني، بعد عشر سنوات من زمنها. فهل تسبب بالواقعة مخلوق من الفضاء الخارجي؟ أم هو من شاهدته سائقة السيارة العجوز بلومنتا: "شاهدتْ مخرباً فلسطينياً شاباً متلثماً بكوفية فلسطينية، يتأبط كلاشين ويمر مسرعاً بين السيارات المنجلطة"؟.‏

يتفتق الاحتمالان كما تشاء المخيلة الساخرة، فيتوالى جلاء واشتباك عناصر وإشارات المعنى- المقاومة. وأول ذلك هو: الزمن. فكما في لغز الأمير الفاضل الذي تبتدئ به الرواية، سيكتشف الراوي بعد عشر سنوات من جلطة هحالوتس أن (الزمن) هو مفتاح اللغز: إنه مفتاح المقاومة ورافعتها والفيصل في الجلطة - خلخلة الكيان الصهيوني، أي إنه الحاسم في الصراع الفلسطيني الصهيوني.‏

تأتي الرواية في ثلاثة دفاتر، (شخوص- اخطية- وادي عبقر). ويتوزع كل دفتر على فقرات معنونة. ويشتغل التناص فيها جميعاً مع الشعر التراثي العمودي، ومع التراث السردي، وبخاصة منه (مروج الذهب) للمسعودي، و(ألف ليلة وليلة)، حيث المناط هو الفانتاستيك الذي يفجر المخيلة فيما هو فوق الطبيعي أو غير الطبيعي، لتعود الرواية به إلى واقع محدد في زمن محدد: الفلسطيني في مواجهة الصهيوني. ومن العلامات الفارقة في هذا البناء ما يمكن تسميته بالصراع على الاسم. فإذا كان شكسبير قال في روميو وجولييت "ماذا يهم الاسم"، فالاسم هنا هو صراع الأرض والتاريخ مع العدو الصهيوني، هو صراع على الوجود. ذلك أن الدولة - إسرائيل لا تني تحل الأسماء العبرية محل الأسماء العربية، فيما السخرية - المقاومة الروائية، تعري ذلك. ويكفي أن نمثل بشارع الصهيونية الذي يوهم بالنسب الجديد للمكان الذي هو أطلال عائلة بيت صهيون الحيفاوية العريقة.‏

وإذْ يعدد الراوي ساخراً أسماء صناديق القمامة في هذا الشارع (الصهيونية 13- الصهيونية 1..) فكأنما يرمي في هذه الصناديق بوهم الاسم الجديد. وإذ يتابع الراوي ساخراً السوابق واللواحق- البدايات والنهايات المجتزأة من اسم أمريكا، وهي (أم)، في أسماء الشركات، فكأنما يشخص العلاقة العضوية بين أمريكا وإسرائيل. كذلك نقرأ: شركة (أم بال) أي: (أمريكا بالستاين) أو شركة (إسرام) أي: (إسرائيل- أمريكا). ولا توفر السخرية الفلسطيني والعربي، حيث من يفضل الاختصار والتصحيف في أسماء الحركات السياسية، فتغدو- في مصر- الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني: حدتو، كما تغدو في فلسطين: حمير شوارع فلسطين: ح.ش.ف. وتتدافر العبودية في عشرات أسماء العلم العربية المركبة، فكلنا "عبد وعبده"، والرواية تسرد من ذلك عشرات الأسماء الحسنى.‏

من جهة أخرى، وعلى مستوى الاسم الروائي، نرى إميل حبيبي في هذه الرواية كما في رواياته الأخرى، كثيراً ما يبدو أنه يعود إلى الزمن الذي كانت فيه أسماء الشخصيات غير معنية بالكينونة المنفردة. وكما هو معلوم، ففيما قبل الرواية كانت تؤثَر الأسماء اللاشخصية. أما مع الرواية فقد بات الاسم معيناً على تحقيق الفردانية، وليس على تنميط الشخصية. غير أن إميل حبيبي، وهو يسمي بعض شخصياته الروائية، يبدو كمن يقلّب في ارتباط الذاتية الفردانية بالمنزلة المعرفية التي تحتلها الأسماء، إذْ تستحضر- حسب تعبير هوبز- مدلولاً واحداً، في حين أن الكليات تستحضر مدلولاً من مدلولات. والمآل إذن في لعبة إميل حبيبي باسم الشخصية هو تركيب الفرداني بالمعرفي، والذاتي بالموضوعي، والشخصي بالعام. وغاية ذلك تأتي في عنوان هذه الرواية- وهو عنوان الدفتر الثاني منها - حيث تتراوح الكلمة العامية الفلسطينية العربية (إخطية) بين اسم لطفلة في عامها الأول، واسم للفتاة التي اعتُدي عليها فولدتْ كسيحاً، واسم للخطيئة التاريخية التي يعبر عنها قيام دولة إسرائيل، واسم لما اغتصبت الصهيونية من فلسطين، واسم لأي من الخطايا - الهزائم في الصراع العربي الإسرائيلي، واسم لأي من الخطايا المشابهة في تاريخ البشرية. هكذا نقرأ: "هل أنت إخطية الأولى أم الثانية أم الثالثة أم.. العاشرة"، ونقرأ: "خطيئة إخطية وقعت قبل نصف قرن"، وإذ نبلغ نهاية الرواية، نقرأ: "ذهب الذين أحبهم وبقيت إخطية".‏

وفي لحظة من اللحظات، في شارع من شوارع حيفا، المكتظة بالسابلة وبالسيارات، خرجت العفاريت من الصدور، والتقت في وادي عبقر في رابعة النهار: كلُّ يسأل عن إخطية: كيف تركها، ولماذا تركها، وكيف حالها من بعده؟" اخطية الكسيح لولا سروة. أخطية الخرساء لولا.. لولا عبد الرحمن".‏

في رواية سميح القاسم (إلى الجحيم أيها الليلك ـ 1978) تشع شخصية حسن الكسيح بالدلالة على الكساح الفلسطيني فيما اغتصبت الصهيونية من فلسطين. لكن هذا الكساح ليس مؤبداً، لا في رواية القاسم ولا في رواية حبيبي، حيث يزداد عبد الرحمن تعلقاً باخطية بعدما ولدت كسيحاً: لو لم يكن الجبل كسيحاً لكرهناه. ولو لم يكن البحر كسيحاً لأغرقناه. ولا تتألق اخطية إلا لمن يحبونها".‏

من تشغيل الذاكرة، إلى ملاعبة ضمير المخاطب (لعبد الكريم في الدفتر الثاني) إلى التوقيع بهذه العبارة في الدفتر الثالث (ذهب الذين نحبهم)، تشبك رواية (اخطية) عناصر المعنى ـ المقاومة، كما تشبكك السخرية بالفاجعة، والزمن الفلسطيني بالزمن الصهيوني وبالزمن العربي وبالزمن الكوني، وكما تشبك استثمار التراث السردي بوعي الرواية لذاتها، من بين عناصر اللعب الحداثي المعاصر، حيث نقرأ أخيراً مخاطبة الروائي لمحمود: "كذبتُ عليك، يا محمود، كذبة بيضاء، كما الذاكرة، حين أبلغتك بأنني انتهيت من كتابة هذه الرواية، وأتممت نقمتها عليكم، فإني أجدها الآن، ما إن تشرف على النهاية، حتى تشرف على حديقة جديدة أو شاطئ جديد، فلا تستعجلوا عسى أنْ لا يتعجلنا البين.‏

إن حالي فيها كحال الوالدة حين كانت تفك الكنزة الصوفية العتيقة التي خلّفها لنا زوجها الراحل، والدنا، خيطاً خيطاً".‏

أحمد حرب: الجانب الآخر لأرض المعاد:‏

ليس المعنى الفلسطيني منذ قرن غير المقاومة للمعنى الصهيوني. ولئن كانت رواية (اخطية) حددت من عناصر المعنى الفلسطيني عنصر الملثم ـ مثلاً ـ أو عنصر الفضاء الحيفاوي، فالتخييل شبكهما وسواهما بعناصر الزمن العربي وأمريكا والمؤسسات الإسرائيلية، في كتابة تتطوح بين الفانتاستيك والسيرية، كما سيلي في رواية إميل حبيبي: (سرايا بنت الغول ـ 1992). أما في المثال التالي فسنرى رواية أحمد حرب (الجانب الآخر لأرض المعاد)(2) تشتغل على العناصر عينها، وعلى سواها، ولكن في لحظة فاصلة من لحظات الصراع، هي الانتفاضة الأولى التي انطلقت عام 1987.‏

هذه الرواية هي الجزء الثاني من رواية أحمد حرب (إسماعيل ـ 1987). وراويتها كاتب يحمل الدكتوراه من جامعة أمريكية ويدرّس الأدب الإنكليزي. وليست تلك بالشيات السيرية الوحيدة في الرواية التي يمتد زمنها منذ الحرب العالمية الثانية، ليرتكز في السنتين الأوليين من الانتفاضة الأولى.‏

حملت الرواية عنوان فصلها الثالث الذي ينأى عن التعبير التوراتي عن فلسطين (أرض الميعاد). وتقوم الرواية على شبك عدد من القصص الفرعية، ابتداءً بقصة أبي قيس التي ترسم صوراً من التاريخ الفلسطيني، وقصة المحامي يعقوب أبو تايه الذي يكتب القصة والرواية، ثم قصة اليهودية اليمنية أرنونا التي تتزوج من هادي، وتُسْلم وتتسمى بإيمان. وثمة أيضاً سيرى الراوي (وحيد) نفسه. ويأتي سرده هذه القصص وشبكها على إيقاع يوميات الانتفاضة. حيث تتفجر الأسئلة الحارقة، وأولها سؤال المثقف والالتزام في زمن الانتفاضة. فالراوي المثقف وحيد الذي لم يتعود على المواجهة، يواجه دعوة أبي قيس لـه إلى العمل، بالقول: "اتركني وشأني أكرس قلمي لخدمة هذا الشعب. أنا أكتب عن الحدث ولا أشارك في صنعه". وبينما يصدعه أبو قيس: "أنتم المثقفون هكذا. يقتلكم خوفكم وتقتلكم حساباتكم"، يقرع الراوي نفسه أيضاً: "أنا أعيش الآن على فتات التاريخ بعد أن جف قلمي وانكسر معولي وربط لساني". إنه يحيا ازدواجية قاتلة، سيتخفف منها بعد استشهاد شقيقته وديعة، وانتقاله إلى قريته (العين) وانخراطه في يوميات الانتفاضة في هذه القرية.‏

تمور الرواية بأسئلة المعنى الفلسطيني، وأولها سؤال الوطن. فإذا كان المحامي يقول لإسماعيل المبعد عن فلسطين: "لا شيء يعدل الوطن" فإسماعيل يتفجر في هذا الاشتباك الحواري: "ما فائدة العيش في وطن محتل؟ شبعت وأتخمت من هذا الكلام. اقتلوهم بأظافركم وأسنانكم وعصيكم.‏

أظافرنا مقلمة وأسناننا مثلمة وعصينا ليست عصا موسى. حجركم صار كلاشينكوف. حجارتنا قطع جيرية لا توجع. النار النار من غزة لجبال النار. نارنا صارت دخاناً ورماداً. اصمدوا، صمدنا وتعذبنا واكتوينا بنار الذل والهوان. أرجوك يا صديقي لا تنصحني نصيحة الأغنياء للفقراء. الوطن أحمله معي. في قلبي وعلى كتفي. أحمله في حقيبتي. أحمله وأنا مسافر، وأنا نائم، وأنا منصوب القامة، وأنا أمشي أنا لن أعود إلى هناك. قل لي، ما قيمة العيش في وطن محتل؟ ما قيمة العيش تحت سوط الجلاد؟ جلاد هنا وجلاد هناك. جلاد في الأرض وجلاد في السماء"؟‏

يتشكل سؤال الوطن هنا مما يرسم سمات كبرى لأسلوبية الرواية، فالحوارات تتدفق بلا فواصل بين الأصوات التي تشتبك وتتمايز بلغاتها ورطاناتها، مثل المتناصات مع الهتافات الشعبية والأشطار الشعرية المغناة وغير المغناة. وهذا ما ينضاف إليه في مواقع أخرى عديدة متناصات من الشعر العمودي والحديث والكتب المقدسة والأمثال الشعبية والأهزوجات والأغاني الشعبية في الأعراس والطهور وجنازات الشهداء. وستتعدد اللغات والأصوات أيضاً بالخطابة (خطاب أبي قيس مثلاً في تشييع شهداء قرية العين) وفي الحوار ـ الاشتباك بين الجنود الإسرائيليين وضباطهم وبين الراوي وسواه، على الحواجز ونقاط التفتيش وفي المظاهرات والصدامات والتحقيقات، حيث يأتي نطق العربية مشوهاً بعبرية لغة المحتل.‏

أما سؤال الوطن فيظل لإسماعيل لوعته الكبرى، لذلك يكرر على مسمع وحيد في عمان عندما أرسلته المنظمة (فتح) إلى هناك في مهمة، فنقرأ أيضاً: "قتلتني يا وطني المحتل، قتلتني، لم يبق لي الآن إلا أغنية". وبالمقابل، فسؤال الوطن بالنسبة للسياسي هو ما يسمع وحيد في مكتب المنظمة في عمان: "يجب أن يعرف أبو قيس والشباب أن الوطن ليس حجراً أو زجاجة مولوتوف. الوطن قضية سياسية". ولأن الوطن هو كذلك فالسياسي يخطط لهجوم سلمي على إسرائيل.‏

لا يقوم سؤال من أسئلة المعنى الفلسطيني بمفرده، لا في هذه الرواية ولا في سواها، بل بالاشتباك مع سؤال أو أكثر، إن لم يكن مع الأسئلة جميعاً. فسؤال الوطن يتشكل أيضاً عبر سؤال الانتفاضة أو سؤال الزمن أو سؤال السلام، وأولاً وأخيراً، تتشكل الأسئلة جميعاً بسؤال الفن.‏

فالزمن ـ مثلاً ـ كما يحدث المحامي: "كالكرة أينما تضع إصبعك تكون نقطة الارتكاز". وعندما يستعيد أبو قيس قول المحامي على مسمع من وحيد، يبدل كلمة الزمن بكلمة التاريخ، مضيفاً: "ونحن ضربنا كرتنا بيد حائرة جبانة، وارتدت عن حجر صوان، وطارت بعيداً كأنها باز تحرر من سيطرة صاحبه".‏

أما الانتفاضة فهي بالنسبة للراوي ثورة بيضاء، والنجاح في معياره هو في إجبار العدو على خوض المعركة بشروطنا. أما بالنسبة لهادي صاحب مكتب الجسر للصحافة والإعلام، والذي تزوج من اليهودية اليمنية أرنونا، فالانتفاضة ليست للقضاء على الطرف الآخر (الإسرائيلي)، بل وسيلة لتحقيق المساواة معه، وقوتها هي باحتفاظها بصورة جوليات أمام داود.‏

من الانتفاضة الأولى إلى الانتفاضة الثانية الآن، يتصادى السؤال، ليس في التعبيرين السابقين وحسب، بل فيما يمايز بين ماجد القائد الفتحاوي في العين، وبين الراوي وحيد. فبالنسبة للأول: " الانتفاضة حياتنا. إذا ماتت متنا وإذا نجحت نجحنا". أما وحيد فيقول: "عشنا قبل الانتفاضة، وسنعيش بعدها سواء نجحت أم فشلت"، ويضيف، ولكن ليس على طريقة هادي داعية الجسر بين الشعبين، أن الانتفاضة "ليست إلا مرحلة من مراحل النضال يمكن أن تفشل كغيرها، ولكنها ستبقى إضافة نوعية إلى المخزون الثوري الفلسطيني". وإذا كان سؤال السلام يتشظى فيما تقدم، ولم تكن أوسلو قد أسفرت بعد، فهو على الطرف الآخر من الجبهة المحقق الذي يمثله ضابط المخابرات الإسرائيلي (أبو النمر) كما هو الخديعة التي يمثلها يوسي في استمالته لوديعة وجهارة دعواه: "السلام كالحب، يجب أن ينبع من داخلنا ولا يفرض بالقوة من قبل السياسيين". لكن يوسي يتكشف عن عميل للمخابرات الإسرائيلية، توسل حب وديعة والزواج منها ليخرق التنظيم، ويؤدي دوره في إجهاض الانتفاضة.‏

تجلو الرواية ما تجلوه من الماضي وبخاصة من حاضر الانتفاضة، عبر حيوات شخصياتها، ولتتدفق أسئلة المعنى ـ المقاومة في الحياة اليومية، فأبو قيس يحمل من ماضيه العبارة التي صفعته بها المرأة الروسية في تشرنوبل، عندما كان يحارب في صفوف الألمان: "أنا لست ضحية ولن أقبل الاستسلام". والشيخ عبد الله ضد الانتفاضة لأنها ليست على طريقته الإسلامية، على العكس من الشيخ محمد الذي كان يحب وديعة مثل ماجد. وهنا نعود إلى واقعة يوسي التي أرادت أن تكرر زواج هادي من أرنونا. فإذا كانت المخابرات الإسرائيلية أو سواها قد أجهضت حمل إيمان المسلمة ـ أرنونا اليهودية السابقة - من هادي، ثلاث مرات، كيلا ينجب زواج السلام هذا، فماجد الذي لم تستجب لـه وديعة، بسبب خبرها مع يوسي، يرفع الخيار بين الخيانة وحكمها (الإعدام) وبين تنفيذ وديعة لعملية ستؤدي إلى استشهادها، وهنا تترجع عبارة هادي الذي استنكر عملية قرية العين ضد العدو: "ما أسهل أن نتهم أحداً بالخيانة في هذه الأجواء المشبعة بالدم والكراهية والغاز المسيل للدموع".‏

هل أرادت الرواية أن تقول إن المرأة تدفع الثمن دوماً، وفي الأرضين: أرض الميعاد وأرض المعاد: وديعة مثل أرنونا؟‏

تلك هي تعقيدات الانتفاضة، لأنها تعقيدات البشر. فالجاسوس محمد الوهدان يُقبل منه ما لا يُقبل من وديعة على الشبهة والاحتمال. أيكون ماجد ينتقم منها لرفضها لـه؟ وماذا إذن عن العلاقة الحرة بين أم إسماعيل الملقبة بـ(أم الشباب) وأبي قيس، على مرأى من قرية العين، وبخاصة الشيخ عبد الله؟‏

إذا كانت الانتفاضة تعيد تشكيل البشر، فهي بخاصة قد أعادت تشكيل شخصية الراوي وحيد. فهذا الذي كان يردد: "لا أقدر على الالتزام"، لا بالتنظيم ولا في الأدب، هذا الذي خرج من السجن وآب إلى حي الروازن من قريته، بعد استشهاد شقيقته، مردداً: "أنا سجين: انتقلت من سجن إلى آخر، من دهاليز ذاتيتي إلى دهاليز العين"، هذا المثقف سيستجيب لأبي قيس في تحويل رواية غسان كنفاني (رجال في الشمس) إلى مسرحية. وستُعْرَض في المغارة، ووحيد ينخرط في تدبير الفخ ليوسي. وهو الذي يخطط لإفشال نسف الإسرائيليين للمغارة التي هي الماضي والحاضر ـ فلنتذكر مغارة يحيى يخلف في روايته (تفاح المجانين ـ 1982) ـ حيث يسفر المفصل في تحول وحيدة، بعدما تراكمت الخطى السابقة، وإذ بوحيد يعمل مع (فتح) مع أنه ليس منظماً فيها، ويأخذ بنظرية أبي قيس (الأدب في خدمة الثورة)، ويشارك ـ لأول مرة ـ في مظاهرة.‏

من قبل أهدى وحيد إلى أبي قيس لغته المكسرة، فهو كاتب يكسّر اللغة، كما يكسر أبو قيس الحقائق. يقول: "عربيتي ليست عربيتي. عربيتي تكسرت تحت جنازير الدبابات في عام الهزيمة". لكن الزمن فعل فعله فيما بين هزيمة 1967 وشباب وحيد، وبين الانتفاضة وكهولته. وها هو يعيد كتابة الإصحاحين الثالث والرابع من السفر التوارتي (راعوث)، ليتابع ما ابتدأه هادي بعدما أخفق جسره، وراح يكتب التوراة من جديد، مبتدئاً بالإصحاح الأول والثاني من ذلك السفر الذي يروي قصة إيمان التي تسمت هذه المرة بخديجة، فإذا بنا في زمن شارون ومكتب الجسر ولغة روائية أخرى، تنضاف إلى ما عددنا من لغات هذه الرواية التي تنكتب على مرأى من القراءة، ولا تخفي اللعب عنها. فمنذ البداية، يسجّل وحيد في مفكرته أنه وجد في قصة أبي قيس موضوعاً عظيماً لرواية عظيمة، وذلك في 1987/12/25 أي في مستهل الانتفاضة. أما تصور الرواية، فهو: "تبدأ الرواية من نقطة غامضة يجري استكشافها من خلال قصص حلزونية. دع صاحب النقطة واجلس أنت بعيداً، وقلّم أظافرك كإله جويس". وعلى وقع حكاية الأنفاق في قاع وادي قرية العين، يكتب وحيد في مفكرته أيضاً، عازماً على أن تكون الرواية أنفاقاً وجيوباً غامضة.‏

ولقد جاءت الرواية متصادية بقوة مع هذا التصور، سوى موقع الراوي، الذي لم يكن دائماً بعيداً كإله جويس، ولم يكن التصادي الذي جهر به الكاتب، مع رواية (لماذا نحن مباركون) لكوي آرمة، بأفضل حالة.‏

متابعة:‏

إذا كان المثالان السابقان يجلوان تشكيلين جماليين مختلفين للمعنى الفلسطيني، أي للمقاومة بما هي جسد وحجر وسلاح وسياسة وكتابة وأرض.. كما أسلفنا، ففي المشهد الروائي الفلسطيني تشكيلات أخرى، كثيرة متفاوتة، لعنصر ـ إشارة أو أكثر من عناصر ـ إشارات المعنى. ومن ذلك أذكر الشخصية الروائية: ابتداءً بالأم، من (أم سعد ـ 1969) في رواية غسان كنفاني التي تحمل هذا الاسم، إلى (أم الروبابيكيا) في (سداسية الأيام الستة ـ 1969 أيضاً) لإميل حبيبي، و(أم محمود) في رواية (العشاق ـ 1977) لرشاد أبو شاور، و(أم أمير) في رواية (الصورة الأخيرة في الألبوم ـ 1980) لسميح القاسم، و(أم الشباب: الست زكية) التي هي أم الجميع ومستودع الأسرار في رواية (باب الساحة ـ 1990) لسحر خليفة ـ وللتو رأينا أم إسماعيل التي حملت هذا اللقب في رواية أحمد حرب ـ و(أم عارف) في رواية (البدد ـ 1999) لنعمة خالد...‏

وهذه أيضاً شخصية البغي التي تسمت بخضرة في رواية سحر خليفة (عباد الشمس ـ 1980) وبسنيورة في رواية يحيى خلف (نشيد الحياة ـ 1985). وهذه شخصية الشابة المثقفة الثورية التي تسمت بشهد الصمادي في رواية ليانة بدر (بوصلة من أجل عباد الشمس ـ 1979) وزينب في رواية رشاد أبو شاور (الرب لم يسترح في اليوم السابع ـ 1979) وندى في رواية (بوابة الجنة ـ 1998) لحسن سامي اليوسف.‏

في التشكيل الروائي لكل شخصية من هذه الشخصيات ينبض المعنى الفلسطيني ـ المقاومة، من رشق الجنود الصهاينة بالحجارة إلى هتك القيم الذكورية، من الحب إلى الجنس إلى زغرودة الشهيد الزوج أو الابن أو الأخ أو الحبيب، إلى الاستشهاد، كما رأينا مصير وديعة. وإذا كان التشكيل الروائي لشخصية الفدائي قد كابد من ضغط الأيديولوجي على الجمالي، فقد تبدل الأمر مع الانتفاضة الأولى بخاصة، ليتابع ما أبدع أميل حبيبي في شخصية الملثم في رواية (إخطية)، وحسبي أن أذكر هنا الملثم حسام في رواية (باب الساحة).‏

لقد تواتر اشتغال الرواية الفلسطينية على القرن العشرين الفلسطيني، وتمفصل ذلك الاشتغال على المفاصل الفلسطينية الحاسمة في هذا القرن: من ثورة القسام (رواية وليد أبو بكر: الحنونة ـ 1985) مثلاً، إلى حرب 1948 (رواية يحيى خلف: بحيرة وراء الريح ـ 1991، روايتا رشاد أبو شاور: أيام الحب والموت ـ 1983 والعشاق 1977، رواية حسن حميد: السواد ـ‏

1988، رواية محمود شاهين: الأرض الحرام ـ 1983) إلى حرب 1967 (بوصلة من أجل عباد الشمس والعشاق أيضاً، رواية أفنان القاسم: الكناري ـ 1993، ثلاثية نبيل خوري: حارة النصارى ـ 1969، رواية توفيق فياض التسجيلية: المجموعة 778 ـ د.ت)...‏

وما دام الغرض هنا ليس التدقيق في ذلك الاشتغال الروائي، فلنعجلْ إلى الحرب الفلسطينية الإسرائيلية، إلى الانتفاضة التي أعطت لدعوى التخمر والمسافة عن الحدث في كتابة الرواية، معنى جديداً هو الامتلاء، فنجا أغلب ما جاء من الكتابة عنها روائياً مما وقع فيه أغلب ما جاء من الشعر، وكان ـ بالتالي ـ للرواية قول آخر في معنى الشهادة أو الكتابة عن زمن الكتابة والكاتب.‏

فبالإضافة إلى رواية أحمد حرب، تلك هي رواية عزت الغزاوي (الحواف ـ 1993) ورواية ادمون شحادة (الطريق إلى بيرزيت ـ 1989) بحدود ما توفر لي من الاطلاع على ما صدر في الداخل الفلسطيني ـ ورواية حسن سامي اليوسف (بوابة الجنة). ورواية يحيى يخلف: (نشيد الحياة)، وفي الصدارة: رواية (باب الساحة) لسحر خليفة التي رسمت منذ رواية (عباد الشمس ـ 1984) بنت أبو سالم وهي ترشق الحجر في المظاهرة، كما رسمت من يرى في ذلك عاراً وشناراً، ومن يقول "بعد شرف البلد والأرض لا قيمة لأي شرف".‏

في هذا الاشتغال على المفاصل التاريخية الحاسمة، قامت التعبيرات الروائية عن عناصر جمة، من اليهودي والصهيوني (رواية سميح القاسم: إلى الجحيم أيها الليلك، رواية حسن حميد: جسر بنات يعقوب ـ 1996، والمثالان اللذان فصلنا فيهما لإميل حبيبي وأحمد حرب) إلى استثمار العامية الفلسطينية (روايات سحر خليفة بعامة كمثل فاقع) إلى استثمار التقوقع الفلسطيني إزاء الفضاء العربي (طيور الحذر إبراهيم نصر الله مثل ثلاثية نبيل خوري) إلى المكان الذي هو كالعامية: وشم، وسواء أكان مخيماً في الداخل كما في الشتات، أم سواهما في الوطن.‏

خاتمة:‏

كل ذلك وسواه مما فاتنا، ومع التوكيد على محدودية التمثيل التي ضربنا، يؤشر بقوة إلى أن تحرير المعنى هو قوام الرواية الفلسطينية في فورتها الحداثية خلال العقود التي راد لها جبرا إبراهيم جبرا وغسان كنفاني، ليرفد الجمالية التي أبدعها المشهد الروائي العربي، ولاقى بها في مطلع القرن الحادي والعشرين، الرواية العالمية، أياً يكن شأن عقد الصغار والترجمة وسواهما من العقد التي تحكم مصيرنا كصراعٍ مع الصهيونية.‏

الهوامش:‏

(1) منشورات بيسان برس، ط1، قبرص 1985.‏

(2) دار الأسوار، ط1، عكا 1990.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244