|
||||||
| Updated: Monday, November 17, 2003 12:18 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
ـ الفصل الثامن نحن والآخر في الخطاب الروائي "سويسرا أنموذجاً" مقدمة اقترنت سيرورة الرواية العربية منذ البداية بالاشتغال على ما سميته منذ عام 1985 بوعي الذات والعالم(1)، أي – بحسب كثيرين- وعي النحن والآخر. وإذا كانت الرحلة والسيرة هما الحامل الأكبر لتلك السيرورة، فالعلامة الكبرى كانت ولا زالت كما شخصها للتو معجب الزهراني: غياب أو ضعف الخطاب الحواري الروائي، والمتصل بهشاشة وهامشية الفكر الحواري في ثقافتنا، هذا الفكر الذي يجمله الزهراني بأشكال وعيٍ يوجه الأفراد أو الجماعات لمعاينة الاختلافات فيما بينهم، أو بينهم وبين الآخر، من منظور إيجابي يساعد على التفاعل(2). ولقد شخّصتُ في تلك السيرورة الروائية، حتى منتصف العقد الثامن من القرن الماضي، تنوع الآخر الذي ظل لعقود فرنسياً أو إنكليزياً، فبات يشتمل على ما كان يعرف بالغرب الاشتراكي (روايات صنع الله إبراهيم: نجمة أغسطس، حنا مينة: الربيع والخريف، سميح القاسم: إلى الجحيم أيها الليلك- مثلاً) أو حلقات أخرى في السلسلة الأوروبية كألمانيا (رواية محمد عيد: المتميز) وسويسرا (رواية عبد الحكيم قاسم: محاولة للخروج). كما شخصتُ الفضاء الروائيَ الجديدَ لإشكالية وعي الذات والعالم، أي اللقاء في مركز النحن، كما في رواية عبد الحكيم قاسم المذكورة، ورواية سليمان فياض: (أصوات). ومن المهم في هذا السياق أن بطل الرحلة أو صاحب السيرة صار بخاصة المثقف المهمش في وطنه، أو المنفي إلى أوطان الآخر، وأن الكاتبة دخلت على الخط (سميرة المانع- حميدة نعنع). وفيما تابعتُ من بعد، أخذ تنوعُ الآخر يتواتر ما بين أمريكا (رواية طائر الحوم لحليم بركات مثلاً) والصين (رواية المغامرة الأخيرة لحنا مينة)، كما توطدَ انتسابُ هذه السيرورة الروائية للتجربة الحداثية الروائية العربية، بعجرها وبجرها. على ضوء ما تقدم، وفي غمرة الصخب المتعلق بحوار الحضارات وصراعها، ستنظر هذه المحاولة في النصوص الروائية التالية التي تتعلق بالآخر الأوروبي المتميز في الأنموذج السويسري(3). 1.بهاء طاهر: الحب في المنفى تكتفي رواية بهاء طاهر (الحب في المنفى)(4) من تعيين فضائها بما يؤكد أنه بقعة أوروبية. وعلى المرء أن يعول على سيرة الكاتب الذي أقام في جنيف طويلاً، وعلى تأويل ملامح مدينة (ن) التي ترسمها الرواية، ليصح القول بالفضاء السويسري، مع التشديد على أن لا علّة بادية لذلك إلا أن تكون تقية استدعتها السيرية. وكما يليق بالرواية السيرية، تتمحور (الحب في المنفى) حول راويها بضمير المتكلم، وهو المصري المسنّ الذي يراسل صحفية مصرية، بعدما طردته القاهرة إلى الغربة في (الشمال)، أي: الغرب. وتبدأ الرواية بالمؤتمر الصحفي الذي تعقده لجنة الأطباء الدولية لحقوق الإنسان حول انتهاكات حقوق الإنسان في شيلي، حيث نتعرف على الشخصيات الأساسية في الرواية: الدكتور مولر الذي تهمه مدينة (ن) لأنها ملتقى دولي، والذي شارك مع الجمهوريين في الحرب الإسبانية، وبريجيت شيفر المترجمة (عن الإسبانية) النمساوية الشابة، والتي كان الدكتور مولر صديق والدها وعشيق أمها، والصحفي المصري الماركسي الحالم المبعد إلى بيروت والقادم منها إلى المؤتمر: إبراهيم المحلاوي، والصحفي السويسري، المناصر للقضية العربية: برنار. حمل المحلاوي إلى المؤتمر ملفاً عن خطف إسرائيل – بمساعدة جيش سعد حداد- لفلسطينيين ولبنانيين، وتعذيبهم واختفاء بعضهم. والمحلاوي يرى أن أوروبا هي – رغم كل شيء - الأمل، ولا يعني بذلك العلم أو الحضارة، بل الإنسانية. كما يرى المحلاوي مكتب الحزب الشيوعي أوروبا الحقيقية. ومثل صديقه (بطل الرواية) يقع في حب بريجيت، لكن جسده يعجز عنها، وسنراها تحب بطل الرواية الذي لا يرى فرقاً بين يمين ويسار في هذه المدينة - البلاد، كما يرى أن الناس فيها لا يحبون الأجانب ولا يختلطون بهم. إلى السيرية، تقوم هذه الرواية أيضاً على الوثائقي. فشهادة التشيلي بيدرو إيبانيز (ضحية التعذيب) في المؤتمر الذي تبتدئ به الرواية، هي وقائع بتصرف، وإن يكن اسم بيدرو وشقيقه فريدي حقيقين، كما سيوضح بهاء طاهر في ذيل الرواية. وشهادة الممرضة النرويجية عن مخيم عين الحلوة هي مزيج من أقوال منشورة لها، ومن حوار معها. أما المقال المنسوب للشخصية الروائية برنار فهو وثيقة، بالإضافة إلى شهادة الأمريكي اليهودي الصحفي رالف، الذي كان أول من دخل مخيم صبرا بعد المجزرة. غير أن التخييلي عجن السيري بالوثائقي، لتقوم رواية (الحب في المنفى) على إيقاع حرب 1982 في لبنان، معرية الذات الفردية والجماعية في وطن الآخر وفي حضوره، وليس كما رأينا في رواية غادة السمان (ليلة المليار): في غيابه. وتأتي تلك التعرية – من جهة أولى - باستعادة الماضي الناصري والساداتي للراوي وللمحلاوي، وبعلاقة الراوي بزوجته الصحفية منار، وبابنه الذي تأخذه الأسلمة إليها، ومن جهة ثانية، تأتي التعرية في حب إبراهيم والراوي لبريجيت، وعبر شخصيتي يوسف والأمير حامد بن.. واللتين تستدعيان رواية (ليلة المليار)، حيث يبدو أن المرجعية تصل بينها وبين رواية (الحب في المنفى). فمقابل مشروع رغيد في مجلة تدجّن المثقفين، ها هو الأمير حامد بن.. – مثل الشيخ صقر في رواية السمّان- يحاول استقطاب الراوي ليصدر جريدة لصفوة الأقلام القومية التقدمية. وتكفي إشارة الأمير إلى موقف بلاده من زيارة الأضرحة (تحريمها الوهابي) ليدرك المرء أن الأمير سعودي. أما سبيل الأمير إلى استقطاب الراوي فهو يوسف الشاب المصري المتزوج من الخمسينية إيلين. وبينما ينجز يوسف تردده ويلتحق بركب الأمير، فإن الراوي يرفض الشيك السخي، ويدفعه حدسه إلى التحري عن الأمير، فيعلم بما بين ذلك الشقيق الأصغر للحاكم، والمتعلم، وبين المليونير اليهودي اسحاق دافيديان، والذي هاجر من مصر بعد حرب 1956، وحمل جنسية البلد الأوروبي المعنيّ (سويسرا) وبات أكبر تاجر للخيول العربية في أوروبا. أما شريك هذا الذي تبرع بمئة ألف دولار للجيش الإسرائيلي بعد حرب لبنان، فهو الأمير الذي يرى نفسه أولى بولاية العهد في بلاده، و يريد الصحيفة العتيدة لتكون سلاحه في محاربة ذلك المنافس. بالتوازي مع علاقة الحب بين بريجيت والراوي يأتي ما تقدم بينه وبين الأمير الذي يجدد محاولة الاستقطاب عن طريق بريجيت، بالترغيب وبالابتزاز، إذ سيبلغ الأمر به حد فرض طردها من العمل على رب عملها، فتغادر إلى بلدها (النمسا) في نهاية الرواية، ولكن بعد أن تشارك في المظاهرة التي ينظمها الراوي وآخرون ضد جرائم الحرب الإسرائيلية في لبنان ومجازر صبرا وشاتيلا، وهي المظاهرة التي يحاول يوسف تخريبها، بينما يقود برنار في جريدته (التقدم) حملة على انتهاك إسرائيل لقوانين الحرب الدولية، ويخطب رالف في المظاهرة. بالمقارنة بين رواية (الحب في المنفى) ورواية (ليلة المليار) سيبدو بجلاء لعب كل منهما بالمادة الخام: الأمير والمجلة والمظاهرة... كما سيبدو حضور الآخر في رواية بهاء طاهر، وفعل حرب 1982 فيه، مقابل غيابه عن رواية غادة السمان، واكتفائها بفعل تلك الحرب في (النحن). وعلى الرغم مما تعري رواية بهاء طاهر في الآخر من العنصرية ومن الصهينة، فإنها ترسم بحساسية بالغة الوجه الإنساني لذلك الآخر، والذي تتوجه رغبة بريجيت بطفل من الراوي "نعلمه الحب قبل كل شيء، وسينجو بالحب مثلما نجونا". 2-عائدة الخالدي: وقد يأتي الربيع خريفاً(5): كما هو الأمر مع بهاء طاهر في روايته (الحب في المنفى)، يبدو مع عائدة الخالدي في روايتها "وقد يأتي الربيع خريفاً" إذ تكتفي بتعيين فضائها بما يؤكد أنه بقعة أوروبية، وبإشارة إلى أن الراوية – البطلة قد تسلقت الجبال المكللة بالثلج في سويسرا ذات مرة. وعلى المرء أن يعول على سيرة الكاتبة التي أقامت في سويسرا عشرين عاماً – كبطلتها كارمن - وعلى السيرية في الرواية، كي يصح القول بالفضاء السويسري، مع التشديد على أن لا علة بادية لذلك إلا أن تكون تقية استدعتها السيرية. تكاد (وقد يأتي الربيع خريفاً) أن تكون مونولوجاً طويلاً تبثه كارمن السورية للطبيب السوري الذي أحبته، وعبر المونولوج تسرد قصة حياتها، وفي الصلب قصة ذلك الحب. وتبدأ الرواية بسفر كارمن إلى ذلك (البلد) مصطحبة كتاباً لأحلام مستغانمي، يصدمها فيه أن مستغانمي تتحدث بلسان – ضمير رجل، لا امرأة. وكما ستلعب كارمن بضمير المتكلم والمخاطب والغائب، تخاطب حبيبها منذ هذه البداية: "هل أخاطبك بضمير المخاطب أم بضمير الغائب؟ فأنت دائماً غائب عندما تكون حاضراً، وحاضر عندما تكون غائباً". وفي هذه البداية ترمي كارمن بـ (خطة) روايتها مستلهمة قول أحلام مستغانمي: "إن امرأة تكتب هي امرأة فوق كل الشبهات"، فتعلن أنها ستروي التفاصيل دون رابط زمني، بل وستضيف إليها ما لا يزال في رحم الغيب. هاربة من حبها الأول، تزوجت كارمن من السويسري بيتر، بعدما التقيا في لندن. وكان بيتر غريباً عن عالم الجنس والمادة والمخدرات "مأسوراً بروح الشرق الذي درسه وأحبه"، وأفكاره تتعارض مع أفكار والديه، لذلك أدار ظهره لشركة العائلة التي يديرها أخواه، وأقنع كارمن بالرحيل صوب بلاد الشرق. وإذا كانت كارمن قد غبطت نفسها على الزواج من أجنبي لا يريد إثبات فحولته ليلة الدخلة، كأغلب الشرقيين، فقد ظلت بعد سبع سنوات من زواجها نصف عذراء. وسرعان ما اكتشف بيتر أن زواجه لا يمنحه حق الاستمرار في البلد الذي أحبه: سورية، كما اكتشفت كارمن أنها تصبح (شيئاً) إن تزوجت سوريّاً، و (لا شيء) إن تزوجت أجنبياً. وهكذا أقام الزوجان في سويسرا "تسعة عشر عاماً من حرب باردة مستمرة" مع والدي بيتر اللذين لم يريا في كارمن سوى امرأة غريبة. بعد سبع سنوات من الزواج، وخمس من المعالجة تنجب كارمن، وقد حيرت علتها الطبيب، فلم يشخصها إلا بـ "عدم انسجام فيزيولوجي". لكن علة نادرة ومبهمة أكبر، ستبتلى بها ابنتهما ليلى، لكأن اللقاء المرموز لـه بالحب والزواج والإنجاب بين كارمن وبيتر، محكوم عليه بالاعتلال الذي ليس إلا تعبيراً عن الاستحالة، وهذا ما سيتأثث فيما تروي كارمن من حياتها مع بيتر، في متاعبه دوماً مع أمه التي يراها أفعى تنفث السم، ولا يفتأ يشكو والديه وكارمن تمل من الإنصات. والزوجان في سفر متواصل، وبيتر لا يريدها حبيبة، بل رفيقة سفر، ولا يريد الإنجاب، ولا يفتقدها في غيابها كما يفتقد رجل امرأة. وإذ يأويان إلى النوم، يتبادلان قبلة ثم يدير كل منهما ظهره للآخر، وهي تحاول ترويض جسدها، فبيتر ليس كازانوفا "يحترمك ولا يكبلكِ" لكنها تشعر بالاشمئزاز من نشوة لا يمكنه بلوغه معها، فيجرح أنوثتها، وبعد هذا كله يأتي الطبيب السوري الذي تعشقه ويعشقها. هذا المعشوق المطلّق الذي يتابع حالة ابنة كارمن قبل إعادتها إلى سويسرا، سرعان ما يدير ظهره للعاشقة التي لا تفتأ تلاحقه وهو يتهرب. ولأنها نشأت على الصدق، تصارح بيتر بعشقها منذ البداية، فيحضها على أن تذهب إلى من عشقت وتتأكد من عواطفها، وشرطه الوحيد "أن نبقى أصدقاء". ترى كارمن أن بيتر يتنازل عنها بكل سهولة: "منتهى النبل أو منتهى النذالة؟". وعندما تحدث حبيبها عن زوجها الذي يحكم "هكذا هم هؤلاء الأجانب"، يحيرها أنه يمتدح بيتر وبيتر يمتدحه، ويفجعها تهرّب الحبيب: "حصلت علي وانتهت لعبة المطاردة.. لعبة شرقية سخيفة لم أستطع أن أفهمها ولا أريد أن ألعبها". أما العاشق فيعلل موقفه "أنا لم أشأ سوى صداقة.. صداقة فقط.. إن النساء العربيات فعلاً معقدات". ترغب كارمن ببعض غيرة من بيتر. والرجولة بحسبانها موقف تفتقده في بيتر، أما المساواة فموضوع آخر. وهكذا ترى نفسها قد هربت من الشرق إلى الغرب، ثم من الغرب إلى الشرق، فلم تجد ما كانت تبحث عنه. وستتتوج الرواية برضوخ بيتر لوالديه، واقتراحه الطلاق وبقاء ليلى معه في سويسرا لمتابعة علاجها. وكانت الطبيبة النفسية في مركز معالجة ليلى قد شخصت في والدي بيتر أنموذجاً مثالياً للوالدين المتسلطين، كما شخصت فيه أنموذجاً مثالياً للابن الواقع تحت تأثير سلطة والديه. عبر المونولوج الطويل – الرواية- الذي تسرد فيه كارمن ذكريات نشأتها وأسرتها وزواجها وعشقها وعلاج ابنتها، ترسل قولها في الآخر، سواء عبر علاقتها مع بيتر أم مع سواه. فذلك البلد الذي صارت مواطنة فيه منذ عشرين سنة، وإن يكن غربة، أحبت فيه النظام والتزام الناس بالعمل والمواعيد وسهر الدولة على راحة مواطنيها واحترامها لهم. لكنها كرهت هناك برودة العواطف وتعجرف الناس وضيق أفقهم أحياناً، وملت من أسئلتهم التقليدية: "المرأة والحجاب، المرأة والرجل، الإسلام ومحرماته.. إسرائيل المسكينة والعرب المتربصون بها". وقد تنبق مفاخرة كارمن للآخر، فالمسواك فرشاة أسنان أجدادنا أيام كان أجدادهم لم يكتشفوا الفرشاة بعد. وإزاء هذا الحب للآخر وهذا الانتقاد، لا تفتأ كارمن ترسل ما يشخصها متميزة. فالخيانة بالنسبة لها ليس في أن تكون للرجل صديقة، بل أن يكذب على شريكة حياته. وهي تخاطب حبيبها "لم تتعود – أيها الشرقي- على امرأة مثلي تعتبر الكذب أكبر الخطايا". وعلى لسان إحدى شخصيات الرواية ترتسم كارمن: امرأة شرقية "فريدة من نوعها، فهدفك في الحياة ليس أن تتزوجي وحسب وتصبحي مجرد زوجة فلان، بل أن تكوني وتبقي أنت أنت". وكارمن نفسها تخاطب شخصية أخرى في الرواية: "غريب أمر الرجل الشرقي.. إنه معظم الأحيان، حتى وإن كان مثقفاً، يخاف من المرأة المثقفة التي تحاوره وتناقشه.. يحترمها لكنه لا يريدها لأنها تسبب لـه أو يتوهم أنها تسبب لـه صداعاً، ولذا يفضل عليها أية امرأة أخرى.. امرأة لعوب تجامله وتحذره ولو كانت تسخر منه.. أو يريدها امرأة (خام) يشكلها كيفما يشاء". ومع الحبيب، وبخاصة بعدما يقترح عليها الأخوّة بدلاً من الحب، نرى العاشقة تميز بين حب الرجل وحب المرأة: "إنها تحب بقلبها، والرجل يحب بشهوته، فحبها باق، وحبه متحول"، ولذلك، ورغم أنها متزوجة، ترمي بالسؤال الاستنكاري: لماذا نتزوج؟. لقد قدمت رواية (وقد يأتي الربيع خريفاً) شخصية روائية نسائية متميزة بحق، رغم لفعة النرجسية المتبدية آنفاً. ويتحدد هذا التميز في العشق وفي المؤسسة الزوجية وفي الأمومة التي تواجه اعتلال ليلى. وثمة في الرواية شخصية سناء التي تعبت من الحب وتتوق للاستقرار، وهي في الخامسة والثلاثين، والتي تكتشف ما بين الطبيب وكارمن كما تكتشف كارمن مشروع زواج الطبيب لها، ومع ذلك تظل على تعلقها به وتتمتن علاقتها بتلك التي تحبه: سناء. وهذه الشخصية مثل كثيرات من شخصيات الرواية من سويسرا أو إيطاليا أو سورية، تنطوي على عناصر ثرة للتميز، لكنها تبدو مجهضة بفعل الكتابة العابرة عنها، و/ أو بفعل تدافرها كتدافر الأحداث الثانوية المشتتة والمشتتة (بالكسر فالفتح)، وهو ما نال من شخصية كارمن نفسها، ومن شخصية بيتر والطبيب العاشق – الشخصيات الرئيسية - مما ساعدت عليه سذاجة لعبة الزمن الذي تنظمه الفصول والأيام مرقمة أو مسماة، بدون السنة دوماً. أما الوطأة الكبرى التي تشكو منها هذه الرواية فهي الأخطاء الإملائية والنحوية التي لا تكاد تخلو منها صفحة. وبرغم ذلك كله يظل للرواية ما تُدِلّ به، مما جسدته كارمن من صورة الآخر ووعيه، ومن صورة الذات ووعيها، وما تطرحه من اعتلال العلاقة – استحالتها - سواء في الزواج من بيتر أو في مرض ليلى. 3-سليم مطر: امرأة القارورة: على إيقاع حربين أخريين هما حرب الخليج الأولى والثانية، يأتي اللقاء بالآخر السويسري في موطنه، على يد سليم مطر في روايتيه (امرأة القارورة)(6) و (التوأم المفقود)(7) الأشبه بثنائية، تتصل أولاهما بهرب الراوي عام 1988 من الحرب العراقية الإيرانية (1980) إلى أوروبا التي صارت "مخلصي المنتظر وأرضي الموعودة، حتى عذاباتها كنت أراها مختلفة عن عذابات الشرق". يزدوج الراوي في الروايتين، فهو في (امرأة القارورة) أيضاً (آدم). وهذا الثنائي المعبر عن الثنائية المعهودة (الفكر والشهوة) يبلغ جنيف عام 1981 – من منهما إذن قضى سبع سنوات يحاول الفرار؟ - حيث يتزوج آدم من مارلين، منجذباً إلى حنان الأم فيها، وإلى ما فيها من ملامح حبيبة المراهقة (إيمان) السجينة في العراق. ومثل أصنائه في الرواية العربية الحضارية، تستغرب السويسريات تأثيره الخفي فيهن، وهو المتصوف الثوري، لكن أوربا تمانع صاحبنا الجنس حتى يلتقي مارلين التي سيخونها مع هاجر بعدما تطلع من القارورة. في أوربا حلت مارلين بالنسبة لصاحبنا محل الحزب، وحل الحاسوب محل القضية "وما فتئ يداوي آلام حاضره في جنيف بآلام أفظع من ذكرى الوطن". ومع اطراد الحرب يغرق الراوي وآدم - الاثنان واحد - في الحاسوب والعربدة حتى يتوحدا مع ظهور امرأة القارورة، حيث تشرع الرواية في قراءتها للتاريخ والأسطورة والدين، وصولاً إلى حفل الخلاص في جنيف. ولكن أية نهاية هذه وليس لهاجر إقامة شرعية، ولا ينفع المحامي في تدبير لجوء سياسي لها؟ عبر ذلك ستكون مارلين قد حملت. وفي النهاية يشرب الراوي وآدم ومارلين نخب الوليد القادم، نخب الشرق والغرب في هذا الذي يدعون لـه وهو يطفو مع قارورته فوق الماء: "فليغمرك سلام أبدي". إلا أن الحكومة السويسرية مصرة على ترحيل هاجر، لأن الحرب ليست سبباً كافياً لمنحها حق اللجوء، وبخاصة أنها امرأة، وأن سويسرا مكتظة بالأجانب. والحكومة متيقنة من أن هاجر لن تضطهد في بلادها، ولن تجدي وساطة الصليب الأحمر ولا سواه، فهل كان موقف الآخر هذا ما جعل آدم لا يأبه بمارلين ولا بحاسوبه ولا بعمله، بل يعود – كالراوي - إلى حيوانيته، من حانة إلى حانة، ويصير لـه ذيل، والجمهور السويسري الثمل يتفرج عليه، وهو يشكو لإلهه وحدته؟ لقد تحول آدم أخيراً إلى ثور حقيقي في القاعة، والمرأة أمامه، تطعنه بالسيف، ويعثر عليه الراوي صريعاً في شارع كاروج. 4-سليم مطر: التوأم المفقود: ها هنا تقف (امرأة القارورة)، لتبدأ بعدها (التوأم المفقود) ماضيةً إلى العرفانية بصريح الدعوة. لقد تسمى الراوي هنا بـ (غريب) وستدفعه إلى شوارع جنيف استغاثة توأمه ليلة اندلاع حرب الخليج الثانية، فإذا بالشوارع تفجؤه بصخبها بكلمات الحرب- العراق- الكويت- أمريكا)، وإذا بالكون كله يرجّع استغاثة التوأم العراق. وغريب هارب من الحرب العراقية الإيرانية، وحامل للجنسية السويسرية، ومتزوج من مارلين، وقد ظل حتى صرخة توأمه يتحاشى أية صلة مع أي من العراقيين أو العرب المنفيين، وديدنه هجاء النحن (شرق الكوابيس- بلادي اللعينة) وهجاء الآخر. فهذا الموظف في مكتبة متحف التاريخ، والذي تعلم الفرنسية وبدل جلده – ما عدا الاسم - جعله تصديقه الطفولي لأحلام الحداثة يتقبل مظالم جنيف. وأدرك بعد سنوات أن الحضارة ليست جنة الخلد. وهو يشخص في الآخر سلوكه الاستعلائي الانعزالي الذي يحصر الأجنبي بين الهرب أو الرضوخ للتدجين اليومي "إنها بحق ماكينة جهنمية جبارة من الانمساح المؤدب والمغلف بورق الألمونيوم الملطخ بشعارات الحب والشفقة والتضامن". لقد انبثقت لغريب من بحيرة جنيف التي تبدع الرواية في وصفها، تلك الحورية الغامضة، حاملة القارورة. ولئن كان ذلك وسواه يستدعي رواية سليم مطر السابقة، فإن غريب في هذه الرواية – بخلاف آدم في الرواية السابقة - حاقد على أوروبا منذ المراهقة، لأن الحبيبة إيمان تمضي إليها مع ذويها الأثرياء كل صيف. وبعد عودة غريب إلى بغداد ملبياً نداء توأمه، يودع في قصر عبد القادر الذي تحول إلى سجن، فتدوي صرخته الأولى: "لماذا هكذا يا أوروبا تتعاضدين مع أعدائي وتخطفين مع أعدائي مني معبودتي؟ لتذهب إلى الجحيم باريسك ولندنك وجنيفك". في الفصل الأخير من الرواية (الهبوط) يطرد غريب من بغداد، ويحط في مطار جنيف، فيتحول الحاجز في المطار إلى جبهة حرب عابثة، وتسعر أجهزة الإنذار والكلاب والحراس، لكن غريب لا يحمل ممنوعات، وهي بالتالي حالة عجيبة يفترض لها الأستاذ الأمريكي أن هذا العراقي القادم من الحرب، هذا الشرق أوسطي، جسمه ملوث ومشبع بذرات مجهولة تبعث إشعاعات تؤثر على حساسية الكلاب والآلات. يأخذ السويسريون بالفرضية الأمريكية التي تنصح بقبول الحالة العجيبة لدرسها. وتحضر منظمة إنسانية لرعاية طالبي اللجوء، فينفجر بكاء غريب أمام المرأة – الكائن الأسطوري من الأنوثة والأمومة. وتكتشف المرأة كم ظلت تشتهي في أعماقها من الرجل فحولة الجسد وأنوثة الروح. ومع هذا الهارب من جهنم الشرق تستعيد المرأة المطلقة حياتها، وتشكو الصمت واللا جدوى والخيبة، بينما يشكو غريب الفقر والحرب والتشرد، ويعاد إثر هذا اللقاء بغريب إلى الحاجز، فإذا بكل شيء طبيعي، ويضحك مع المرأة، فيغمر الضحك العالم، ويعود إلى مارلين التي تلد في المستشفى، فيهتف للوليد: "أهلاً بك يا توأمي الحبيب". 5-غازي القصيبي: العصفورية فيما تستأثر أمريكا بحضور الآخر في رواية غازي القصيبي (العصفورية)(8)، يبقى لسويسرا نصيب. فراوي الرواية وبطلها البروفيسور بشار الغول، وفي بعض تقلبات حياته التي لا حد فيها لواقع أو لخيال، ولا لجد أو هزل، يمضي إلى زيوريخ سعياً خلف وكالة سكاكين الجيش السويسري، ويلتقي الكولونيل موفنجيك وزير العلاقات العامة في الجيش الفيدرالي السويسري متمنطقاً بسكين. ويخيب سعي البروفيسور لأن القانون السويسري يحرم على الأجانب ممارسة التجارة، كما يشرح الكولونيل، فيعقب البورفيسور: "ما هذا بكرم ضيافة" فيضيف الكولونيل: "ويحرم القانون السويسري على الأجانب تملّك مربط عنز في جنيف وضواحيها، ويحرم عليهم شراء مصانع الساعات. ويحرم عليهم الإقامة في البلاد أكثر من ثلث ساعة. ويحرم عليهم رمي قشور الفصفص(...) ويحرم اصطحاب المربيات الشرقصيات إلى منتجعات التزلج". والشرقصيات هن القادمات من الشرق الأقصى، واللواتي راج استخدامهن في دول الخليج العربي. على ذلك يعقب البروفيسور متسائلاً: "ألا يحرم القانون على الأجانب وضع مصاريهم في بنوككم؟". ولأن الكولونيل ضحك ولم يجب، تابع البروفيسور: "لو علم الله فيكم خيراً يا أهل سويسراء ما حرمكم المنافذ البحرية، ولا جعل حرس البابا منكم، ولا ابتلاكم بالحياد السلبي، ولا بلبل ألسنتكم بعدة لغات رسمية، ولا جعلكم من سكنة الكانتونات، ولا جعل رزقكم في أبرد ما عندكم". وفي مقام آخر من الرواية سنرى البروفيسور في مصحة جنيف القائمة قرب جنيف، والتي تقدم خدمات تجميلية وعلاجية من كل نوع "أغرب مصحة في العالم، وأغلى مصحة" والكلفة اليومية تبلغ عشرة آلاف دولار. هنا، وحيث يُعطى التقرير للزبون بالاسم الذي يفضل، يلتقي البروفيسور بالدكتور مونتيسيكيه: "سويسري بوذي مجنون خالص يؤمن بالتنويم المغناطيسي وتناسخ الأرواح. كان ينومني مغناطيسياً كل يوم، ويرسلني في رحلة عبر القرون بحثاً عن تناسخاتي السابقة، حتى كاد يصيبني بالجنون". ولم ينقذ البروفيسور من مونتيسيكيه فيما يروي سوى شيرلي ماكلين التي كانت تُعالج من عضة في المكسيك أثناء بحثها عن تناسخاتها السابقة، فمصحة جنيف وحدها في العالم تعالج عضات الوطاويط مصاصة الدماء. وقد عوفي مونتيسيكيه، وركَّب عقاراً لمنع الملل، عندما انتهى البروفيسور من تناسخاته السابقة. وفي المصحة التقى البروفيسور أيضاً بالدكتاتور صلاح الدين المنصور مع معشوقته المثقفة (ضمائر)، ورأى إليزابيت تايلور تُعالج من إدمان الكحول والأزواج والمخدرات والعمليات التجميلية، ورأى مايكل جاكسون، والأهم أنه رأى الجنرال موشيه بن غرودين عادياء – رئيس الموساد سابقاً – الذي يعمل مستشاراً لمصحة علاجية، وصديق ديكتاتور عربستان 48 وديكتاتور عربستان 49. بعد خروجه من المصحة، وعلى شاطئ بحر جنيف، يلتقي البروفيسور أيضاً بفضيلة الدكتور ضياء المهتدي، مشروع الديكتاتور الإسلامي القادم، والذي يعمل في سويسرا، ويشرف على الجهاد، ويبشر البروفيسور بالنصر القريب. لكن البروفيسور يخشى اعتقال السلطات السويسرية بتهمة النقاش العلني، ويلتقي مجدداً برئيس الموساد السابق الذي يسعده مشروع الديكتاتور الإسلامي، فما يخشاه فقط في أي عربستان هو الديمقراطية. عبر ذلك سيقول البروفيسور "بغضاءٌ أهل سويسرا وثقلاء" وسيتساءل: "هل رأيت في حياتك كلها سويسرياً دمه خفيف؟". وهكذا، بالسخرية الهاتكة والنقدية الجارحة للذات وللآخر، وبجنون المخيلة واللغة والسرد، مما تقوم به رواية (العصفورية)، ترتسم صورة الآخر السويسري في موطنه، متقاطعةً مع الكثير من صورته (الجدية) في الروايات التي رأيناها من قبل. 6-جميل عطية إبراهيم: 1981 رواية جميل عطية إبراهيم (1981)(9) هي الجزء الأخير من ثلاثيته التي تعنون جزؤها الأول بـ (1952) وجزؤها الثاني بـ (1954). وجنيف هي فضاء الجزء الثالث – حيث أقام الكاتب ردحاً مثل بهاء طاهر- ومقام المستشار كرامة سرحان السقا مع زوجته الأميرة جويدان وابنتهما أبسنت. يعمل كرامة في البعثة الديبلوماسية المصرية. وستبني الرواية المزاوجة بين ذكرياته المصرية والحاضر السويسري، مثله في ذلك مثل خال عباس أبو حميدة، الشيوعي الذي فرّ إلى براغ وأقام فيها، ومثل شخصيات الرواية الأخرى، بدرجة أقل فأقل. من عزبة عويس انطلق الفلاح كرامة، وعشق زهية الغجرية - أو زهية عاملة الترحيلة أو زهية الفاجرة.. – وتزوج منها وحملت منه، لكنهما افترقا عندما أصرّ على إجهاضها. ومنذ فتح عبد الناصر أبواب (الخارجية) لأبناء الفلاحين، التحق كرامة بالديبلوماسية، إلى أن بات في عهد السادات – وكانت جنيف قد صارت مقامه - يبرم الصفقات البترولية السرية مع الإسرائيليين، من خلف ظهر السفارة، رافضاً العمولة. أما زهية فستتابع دراستها مع ابنها من كرامة الذي سمته محمد نجيب، بعدما تبنتها وابنها الشيوعية أوديت التي ستقضي في المعتقل، تاركةً مذكراتها عن الحركة الشيوعية المصرية التي يحملها إلى جنيف والدها أحمد السيد باشا، ليعهد بنشرها إلى رفيقها خال عباس الذي يشارك في جنيف في مؤتمر عمالي دولي. وقد تزوج الباشا من زهية وربّى ابنها، وهو كما سينجلي في نهاية الرواية على علم بسرّ زهية وكرامة. بعد ثلاثين سنة من الانقطاع، وبحضور زهية إلى جنيف لإجراء فحوصات طبية، مع زوجها الباشا وابنها، تلتقي بكرامة الذي يعد هذا اللقاء في جنيف الجحيم بعينه. وفيما ترصد الرواية تعقيدات لقاء الزوجين السابقين، ولقاء الأب بابنه الذي يجهل أباه، تشتبك في الفضاء السويسري خطوط الرواية الأخرى من ترتيبات التحكيم حول طابا، إلى متابعة كرامة لدورة من المفاوضات حول نقل التكنولوجيا من الدول المتقدمة إلى الدول النامية، إلى عمل الأميرة جلبهار مترجمة في مباحثات نزع السلاح بين السوفيات والأمريكان، إلى مصرع ديبلوماسي سعودي في أحضان عاهرتين، إلى مصرع ديبلوماسي شرقي في الكراج، إلى توتر علاقة كرامة بزوجته الأميرة جويدان.. من مبنى الأمم المتحدة في جنيف، حيث البيروقراطية - يقول الصحفي أنور سلامة - هي محصلة البيروقراطيات في العالم، إلى الفنادق والبحيرة والمستشفى وبيت كرامة والمكاتب الديبلوماسية، تدور أحداث الحاضر الروائي، على خلفية الذكريات المصرية دوماً. وستوقّع لكرامة أغنية (يا بهية وخبريني) منذ البداية، كما ستوقع لزهية. ولكن لا ينبغي إغفال ذكريات أحمد السيد باشا في جنيف نفسها، والتي تقوده إلى المقهى الذي كان لينين يجلس فيه، وحيث يردد الطرفة "جنيف ترحب بلينين حياً وترفضه ميتاً"، إذْ رفضت الحكومة السويسرية إقامة متحف للينين، بينما السلطات السياحية تحيط مقهاه بالدعاية. وإلى قاعة اللوحات الفنية الأصلية يمضي الباشا أيضاً بصحبة خال عباس، مهيئاً لكشف سر زهية وكرامة، ولشراء قصر عويس والد الأميرة جويدان. وبحضور المحامي اليهودي المصري بن هارون لإبرام عقد الشراء، تطلع هذه الشخصية التي طردت من مصر عام 1958 بدعوى اليسارية، دون أن تسقط الجنسية عنها. وطوال ثلاثين سنة ظل بن هارون في جنيف معادياً للصهيونية ومسكوناً بذكرياته المصرية، وهو الذي وصل جنيف يردد قولة الكاتب السويسري ماكس فيشر أثناء هجرته القصيرة إلى الولايات المتحدة: "الوطن هو الذكريات". وها هو بن هرون يردد الآن "عذاب الغربة أقسى من الضرب". في موطن الآخر السويسري إذن، وفي غيابه، تقوم رواية هذه الشخصيات المصرية، فحتى الباشا نفسه، منذ وصوله إلى جنيف "يعيش أحوال الوطن على نحو لم يعشه من قبل، فماذا جرى؟". وإذا كان السؤال هو المضمر المعلن الذي يحرك الرواية، فليس الفضاء السويسري، ولا الآخر السويسري، سوى محطة عابرة ومعزولة، مهما يطل المقام فيها. خاتمة: في الجزء الرابع (الشقائق)(10) من روايتي (مدارات الشرق)، ثمة لحظة حاسمة في تكوين شخصية عدي البسمة، تتصل بالآخر السويسري. فهذا الشاب الدمشقي الذي قصد باريس ليدرس الفن، يقذفه سقوط باريس في الحرب العالمية الثانية إلى سويسرا. وعلى إيقاع الحرب، وبحدب أستاذته العجوز غولدنكله تلهبه الحمى، فيرسم جائساً في شآمه، وأستاذته تهتف به: "ها قد بدأت. لا تتوقف". وحين يرسم إكليلاً للعروس تتلمس غولدنكله رأسها، وتتذكر عرسها أو شبابها أو زوجها الذي قضى في الحرب العالمية الأولى، أو ابنها الذي تجهل مقامه منذ بدأت الحرب العالمية الثانية، وتشك في أن هذا الطالب الشرقي قد بدأ يغازلها وهي التي تكبر أمه بسنين. أما عدي الذي كان يهدي أساتذته وزملاءه ما يرسم من أشياء الشام، فقد بدأ يرسم شوهات الحرب، فترتد عنه غولدنكله وأساتذته وزملاؤه، ولم يكن قادراً على سماع سؤال غودنلكه: "ماذا جرى لك"، حتى ترفع يدها عنه في الأكاديمية، وتعلن خيبتها فيه، فيمضي إلى فم الضبع: إلى برلين، مخلفاً - أو مستقبلاً في أوبته التي ستفضي به إلى روما فالشام – جسد غولدنكله الشائخ وصخب جسده كصخب ربيع بحيرة ليمان. وفي النهاية التي تحمله إلى الشام، يكتشف أنه لا يحمل سوى كذبة في الدراسة "وربما كذبة أكبر في الفن والروح". وهي خيبة أخرى إذن، بفعل صدمة الحرب، ما وسم الذات (عدي البسمة) في تجربته مع الآخر السويسري – وغير السويسري- وإن يكن الزمن أبعد فأبعد عنه في الروايات التي رأينا. وبمعزل عما يتعلق بي، فتلك المدونة على محدوديتها (ست روايات) تسهم في تبديل جغرافية مسألة النحن والآخر/ الذات والعالم، من مألوفها: شرق- غرب، إلى: شمال- جنوب، وهو ما تعضده روايات أخرى، عُنِيتْ بالآخر الإيطالي - على سبيل المثال- كرواية (التوأم المفقود) نفسها ورواية (قالت ضحى) لبهاء طاهر نفسه، ورواية (النخاس) لصلاح الدين بوجاه. وتسهم المدونة الروائية التي رأينا – بتفاوت بادٍ - في الانفتاح على مرجعيات ثقافية - حضارية أخرى، تتجاوز المركزية الفرنسية الإنكليزية، وتتجاوز مركزية الذات. لقد رأينا فعل الحرب في تلك الروايات، وصورة الآخر المشبوحة بين الجحيم والنعيم، وصورة الذات الموقوفة على الجحيم، وفعل السيرية في بناء الرواية، وسبب التواجد في موطن الآخر (العمل و/ أو الفرار من الحرب والقمع) وتواجد الآخر في موطن الذات. ولعله من الممكن القول بعد ذلك، إن الروايات المعنية هنا، تقدم – غالباً- إضافتها الخاصة، سواء في بنائها الحداثي، أم في الوعي الذي عبرت عنه، وإن يكن قد ظل يترجّع فيه من الرواية العربية الحضارية، صدى ما، ليبدو – في المحصلة - الخطاب الروائي الحواري يتجاوز النمطية المعهودة، دون أن يبرأ منها، ما يجعلنا ننتظر وعود الرواية العربية، وبخاصة على إيقاع المتغيرات الفادحة يوماً فيوماً. ( الهوامش: (1) الطبعة الأولى، دار الحوار 1985، والطبعة الثانية، دار الحوار 2000. (2) أخبار الأدب، القاهرة 23/6/2002.. (3) من هذه النصوص رواية غادة السمان (ليلة المليار) التي دُرست في الفصل السابق. (4) صدرت طبعتها الأولى في روايات الهلال، القاهرة 1995. (5) اتحاد الكتاب العرب، ط1، دمشق 2000. (6) مذكور. (7) مذكور، وانظر الفصل الأول من الكتاب. (8) دار الساقي، لندن، ط1، 1999. (9) دار الهلال، القاهرة، ط1، 2000. (10) دار الحوار، ط1، اللاذقية 1993. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |