النص المسرحي الكلمة و الفعل ـــ فرحان بلبل

دراسة ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2003

Updated: Wednesday, October 15, 2003 01:31 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ثانياً : مصاعب التأليف المسرحي المعاصر

منذ مدة وأنا أتابع النصوص التي تقدم في العروض المسرحية، وأقرأ بعض النصوص المطبوعة التي تصدر لكتاب الجيل الجديد. وقبل كل شيء أحب أن أوضح المقصود بالنص المسرحي. فهو الذي ليس معداً عن نص مسرحي معروف , وليس (المولَّفَ) عن قصة قصيرة، وليس المقتبسَ عن نص آخر أو عن أية مادة أدبية. فالمقصود، إذن، هو النص الذي يحاول أن يسير على أصول الدراما وقواعد التأليف المسرحي من تقيدٍ بالحكاية وبناءٍ للشخصية والصراع المسرحي، وما يقتضيه ذلك من ربطٍ لهذه العناصر بما يسمى في قواعد التأليف المسرحي (الحبكة). وأحب أن أضيف إلى هذا التوضيح أن تقيُّدَ الكاتبِ بهذه العناصر لا يعني على الإطلاق ألا يكسر ترتيب وتصاعد هذه العناصر بوسيلة أو أكثر كالراوي أو الغناء أو غير ذلك. فهذه الوسائل تدخل على أركان التأليف المسرحي دون أن تخرج بها عن كونها أركان التأليف المسرحي. وكل ما تفعله أنها تقدم هذه العناصر بإطار جديد يكسر الإطار التقليدي للدراما التي أرسى دعائمها بشكلها النهائي (إبسن)، والتي أَعْمَلَ فيها المؤلفون المسرحيون معاولهم تغييراً لها وإعادةً لترتيب مفرداتها كما ذكرنا. وهذا هو مرتكز حركات التجديد في الكتابة المسرحية منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى اليوم.‏

إنني أقصد من هذا كله وجوبَ النظر إلى (الدراما المفتوحة) إن جاز لنا استخدام هذا التعبير. ويعني ذلك أن من حق الكاتب أن يكتب نصه الدرامي بالشكل الذي يرتئيه وبالترتيب الذي يختاره لعناصر الدراما. سواء أحب أن يكون متمسكاً بقواعد الدراما التقليدية أم منحازاً إلى نقيضها. وأقصد في الوقت نفسه أنني كنت أتابع النصوص الجديدة دون تصور مسبق لأي شكل من أشكال بناء الدراما، وذلك لاعتقادي أن من حق الكاتب أن يركب الأسلوب الذي يشاء، وأن يطور ويغير ويحور في قواعد التأليف المسرحي كما يشاء. وليس عليه إلا شرط واحد هو أن ينتج عن أسلوبه الذي يختاره نصٌّ مسرحي متقنُ البناء.ولن يستطيع ذلك إلا إذا حافظ على الأسس والعناصر التي لا يكون المسرح مسرحاً إلا بها.‏

من خلال هذا المنظور العام المنفتح الواسع الطيف، حاولت أن أرصد حركة التأليف المسرحي السوري خلال السنوات الماضية. وكنت أقارن النصوص السورية بما يتاح لي متابعته على خشبة المسرح العربي أو من خلال النصوص القليلة التي اطلعت عليها من بعض الأقطار العربية. ويمكنني، بعد هذا، أن أخرج ببعض الملاحظات التي يمكن أن تعتبر تقييماً عاماً للتأليف المسرحي السوري والعربي.‏

***‏

أول الملاحظات أن جيل الكتاب المسرحيين العرب الذين بدؤوا يكتبون منذ بداية عقد تسعينات القرن العشرين يسيرون في نهج واحد. وهذه أبرز وأهم ملاحظة يمكن أن نرصد بها تأليفَنا المسرحي. وهي تدل على أن التأليف المسرحي المعاصر ليس إلا حلقة من سلسلة التأليف المسرحي العربي منذ بدايته حتى اليوم.‏

فالكتاب العرب - في كل مرحلة أو جيل أو عصر - كانوا يسيرون على نهج عام واحد. ثم يكون لكتاب كل قطر عربي خصائصُهم المتمايزة عن كتاب الأقطار العربية الأخرى. ثم يكون لكل كاتب في كل قطر ملامحه الخاصة التي يتفرد بها عن زملائه. وبذلك تحقق للتأليف المسرحي في كل عصر تنوع شديد كثيف مدهش. وكان هذا التنوع ينضوي تحت منهج واحد صارم الخصائص والملامح. ولعل المثال يوضح المقصود.‏

ففي مرحلة النصف الأول من القرن العشرين - وكان كتاب مصر وسورية أبرز الكتاب العرب - سار هؤلاء الكتاب في نهج واحد لم يخرج أحد منهم عنه وهو محاولة التمسك ببناء الدراما التقليدية التي تتراوح بين تأثيرات موليير وإبسن وشكسبير. وقصدوا من ذلك أن يرتقوا بفن الكتابة المسرحية وذلك بتمسكهم بعناصر الدراما. ومن هنا برزت أولى النصوص العربية التي يمكن القول عنها إنها تدخل ميدان الأدب المسرحي، والتي يمكن اعتبارها نصوصاً قوية. وليست مسرحيات توفيق الحكيم وعلي أحمد باكثير ومراد السباعي إلا نموذجاً فذاً عن هذه المحاولة المدهشة في محاولة إتقان عناصر الدراما لبناء النص المحكم في عقدته وشخصياته وصراعه للوصول به إلى (الحبكة المتقنة الصنع). لكن ركوب الكتاب العرب هذا المنهج كان ملوناً بتلوينات محلية من ناحية، وبتلوينات شخصيات الكتاب من ناحية ثانية. فإذا كان توفيق الحكيم، في بنائه الدرامي، يسير لمناقشة أفكار فلسفية، فإن علي أحمد باكثير كان يحاول إيقاظ الشعور القومي في حين كان مراد السباعي يرصد المجتمع رصداً بالغ الهجاء والسخرية. وإذا كان هؤلاء يركبون منهج بناء الدراما بشكلها التقليدي المحكم، فإن كل واحد منهم تأثر بتيارات فنية وفكرية مختلفة.‏

أما في النصف الثاني من القرن العشرين، فقد سار الكتاب العرب على نهج مناقض لنهج كتاب النصف الأول منه. فقد أعلنوا، بصريح البيانات أو بصريح التأليف، أنهم يرغبون في تحطيم أصول الدراما التقليدية. ولو رجعت إلى ما كتبه وقاله الكتاب العرب بين أواسط ستينات القرن العشرين وأواسط ثمانيناته، لوجدتهم جميعاً يسيرون في هذا النهج من المغرب حتى العراق. وقام هذا النهج على التقيد بأركان الدراما التقليدية بعد تحطيم ترتيب وتتابع هذه الأركان. وقد وجد الكتاب العرب في البريختية والعبثية والسريالية وغيرها من ثورات كتاب المسرح الأجنبي على التقليدية، مساعداً لهم في إعلان تمردهم على تقليدية البناء المسرحي.‏

إن هذا النهج العربي الواحد الصارم الذي سار عليه الكتاب العرب خلال السنوات العشرين التي ذكرناها، نجد لها تنويعات هائلة قد يصعب إحصاؤها فنكتفي بالإشارة إلى بعضها. فمنها الاستفادةُ من أشكال احتفالية عربية قديمة. ومنها استخدامُ الراوي والجوقة والغناء في قطع تسلسل الحدث المسرحي. ومنها استخدامُ خصائص مسرح العبث في عدم حدوث شيء لتحطيم حدوث الأفعال والوقائع في الدراما التقليدية. ونتج عن هذه المحاولات ما سمي بالمسرح الاحتفالي والطليعي والتجريبي والملحمي. وكلها متفرعةٌ عن نهج واحد هو (تغيير ترتيب أركان الدراما). وكلها كانت شديدة التمسك بهذه العناصر بحيث كانت كل مسرحية مما كتبوه يمكن تحليلها إلى عناصر الحكاية المسرحية وبناء الشخصيات وإبراز الصراع في حبكة قوية مشوقة. ويكفي أن يتذكر القارئ نصوص سعد الله ونوس ورياض عصمت وعلي عقلة عرسان وممدوح عدوان ووليد إخلاصي وعبد الفتاح قلعجي وغيرهم من كتاب سورية، وأن يتذكر نصوص محمود دياب وميخائيل رومان وألفريد فرج وغيرهم من كتاب مصر، وأن يتذكر نصوص عز الدين المدني في تونس وعبد الكريم برشيد في الغرب وغيرهما من كتاب المغرب العربي.‏

بقي أن نضيف إلى ما قدمناه عن سير كتّاب كل مرحلة في نهج واحد، أن هذا النهج الذي ساروا عليه كان نهجاً فنياً بقدر ما كان رؤية فكرية لهم في قضايا المجتمع وشؤون الأمة. ففي نصفي القرن العشرين حمل الكتاب العرب المسرحيون على عاتقهم مهمةَ التعبير عن طموحات الأمة في التغيير الاجتماعي والسياسي عبر التعبير عن الموقف القومي والوطني لهم. وإذا كان موقفهم في النصف الأول مقارعةَ الاستعمار، فقد كان موقفهم في النصف الثاني مقارعةَ التخلف والتجزئة والعدو الإسرائيلي. وكان النهج الفني الذي ركبوه وسيلتَهم إلى التعبير عن مواقفهم الاجتماعية والسياسية هذه.‏

استناداً إلى ما تقدم نجد أن انتظام كتاب جيل تسعينات القرن العشرين في نهج واحد دليلٌ على انبثاقها من التجربة العربية في الكتابة، واستمرارٌ لمسار المسرح العربي.‏

ثاني الملاحظات أن التأليف المسرحي العربي كان يزداد حنكة وبراعة. ولم يكن تاريخ التأليف المسرحي العربي انتقالاً من تقليد الدراما التقليدية إلى الخروج عن هذا التقليد ومحاولة خرق أصول وقواعد التأليف لإعادة صياغتها من جديد فحسب، بل كان في الوقت نفسه تطوراً في فن التأليف نفسه. ولو رجعنا إلى ما كتبه الكتاب العرب في النصف الأول من القرن العشرين لوجدناه أقرب إلى الضعف في البناء الدرامي في الأعم الأغلب. وقليلةٌ جداً هي النصوص التي ترتقي إلى صنف الأدب المسرحي المكين الذي يمكن العودة إليه وتقديمه جيلاً بعد جيل. وهنا لا بد من وقفة صغيرة عند هذه النقطة التي تعتبر مفتاحاً من أهم مفاتيح فهم التأليف المسرحي في تاريخ البشرية.‏

من المعروف أن لكل عصر مدرستَه الأدبية التي يسير فيها التأليف على قواعد محددة يلتزم بها الكتاب المنتمون إلى هذه المدرسة. وكلنا يعرف مثلاً قانون الوحدات الثلاث الذي سارت عليه الكلاسيكية الجديدة في فرنسا، وما تبع هذا القانون من قاعدة فصل الأنواع. ونعرف قواعد الرومانسية التي خرجت على قانون الوحدات الثلاث ومزجت الأنواع. ونعرف أن الواقعية تخلت عن الشعر لغة للمسرح وفرضت النثر. وإذا كانت الكلاسيكية تنتقي أبطالها من عظماء الشخصيات لتخوض صراعاً تراجيدياً ضخماً، فقد مالت الواقعية إلى الشخصيات العادية لتخوض صراعاً اجتماعياً عادياً تكشف فيه عن مآسي المجتمع. ونعرف أن مسرحيات القرن العشرين كانت كلها تضرب أصول الدراما التقليدية بعد أن رَكِبَت ورَكَّبَت عناصرها بشكل جديد غائصةً في مأساة الإنسان أو في عجزه أو لكي تحرض المتلقي على تغيير واقعه من خلال موقف ثوري، أو مؤمنةً أن التغيير مستحيل وأن الإنسان يدور في حلقة فارغة من البؤس واليأس والضياع.‏

ولم تكن أساليب الكتابة في كل عصر - والتي تسمى مدارس أدبية - إلا معادلاً فنياً للموضوعات الاجتماعية والنفسية والفكرية التي عالجها الأدباء. فكأن الشكل الفني هو الوعاء الذي أعان الكتابَ على صبِّ أفكارهم فيه.‏

لكن العصر الذي وصفه هؤلاء الكتاب وعالجوه واستمدوا منه موضوعاتهم لا يلبث أن ينقضي. ويأتي عصر جديد يقتضي موضوعات جديدة وأسلوباً جديداً في معالجة هذه الموضوعات. وكثيراً ما كانت الأساليب الجديدة مدمرة للأساليب القديمة. لكن ذلك لم يكن يعني أبداً أن تموت النصوص التي كتبها المؤلفون في العصر الذي انقضى، لأنها كانت قادرة على البقاء فوق خشبة المسرح رغم تطاول الزمن على كتابتها ورغم أن موضوعاتها وحكاياتها ومعالجاتها تبدو نافرة عن العصور التي تتلو عصر كتابتها. ونحن نعرف أن نصوص العصر الشكسبيري مثلاً أو نصوص الكلاسيكية الجديدة أو الرومنسية لم تخرج عن الحياة فوق خشبة المسرح. ولعل في نصوص إبسن الواقعية أوضح مثل على ما نريد قوله. فقد عالج موضوعات اجتماعية محددة في عصره. وهذه الموضوعات الاجتماعية التي كانت هامة في أيامه لم تعد كذلك بعد انقضاء عصره رغم احتفاظها بحرارتها. ولا شك أننا نجد تمرّدَ (نورا) على زوجها في مسرحية (بيت الدمية) في القرن التاسع عشر كأنه ساذج في القرن العشرين. لكن هذه المسرحية ماتزال تقدم على خشبة المسرح في أرجاء الأرض. ولا شك أيضاً أن مسرحية (كلهم أبنائي) لآرثر ميلر التي كانت صرخة فاجعة في فضح النظام الرأسمالي الأمريكي، تبدو اليوم ساذجة بعد التعقيدات الهائلة التي دخلها هذا النظام. لكنها قابلة للوقوف فوق خشبة المسرح اليوم وغداً وبعد غد لأن جوهر حكايات المسرحيات القديمة يقوم على تعبيرها عن واقعها. وهذا هو سر قوتها من ناحية، ودليل على أن الأخلاق والواقع يتغيران بسرعة كبيرة تستدعي ضرورة وجود أدب جديد باستمرار دون أن يخسر الأدب القديم مكانته من ناحية ثانية. فكأن المسرح يسير على القاعدة الذهبية التي تقول (ما كان جميلاً صحيحاً في عصره يظل جميلاً صحيحاً إلى الأبد).‏

ولن يكون النص الأدبي - مسرحاً كان أم غير ذلك من فنون القول - صحيحاً وجميلاً إلا إذا كان متقن الصناعة مكتمل البناء الفني حسب مدرسته التي ينتمي إليها، معبراً في الوقت نفسه عن عصره. أ لا ترانا اليوم ونحن نكتب الشعر الحديث ونتغنى به ونعتبره فن العصر، نعود إلى القصائد العربية القديمة المتقنة الصنع ونتغنى بها بالدرجة نفسها من النشوة واللذة التي كان المعاصرون لها يتلقونها بهما؟‏

بهذا الشكل يمكن أن نعود إلى ما كتبه المؤلفون المسرحيون العرب. فنصوص النصف الأول من القرن العشرين يكاد أكثرها يصبح مادة تاريخية تشرح تطور المسرح العربي دون أن تكون مادة فنية قابلة للوقوف اليوم فوق خشبة المسرح. أما النصوص التي كتبها الكتاب في النصف الثاني من القرن العشرين فإن كثيراً منها قادر اليوم على الوقوف فوق خشبة المسرح بجدارة رغم ابتعاد العرب وتخليهم عن أكثر الموضوعات التي ناقشتها ورغم انطواء بعض أساليبها في التأليف. وسبب ذلك قوة بنائها الدرامي الذي يجعل القاعدة الذهبية السابقة تنطبق عليه.‏

***‏

من خلال هاتين الملاحظتين ننظر إلى ما يكتبه الكتاب المسرحيون منذ بداية عقد تسعينات القرن العشرين.‏

1 – تميل أكثر الكتابات إلى شكل (الفصل الواحد). وقليلاً ما تُكتب المسرحية ذات الفصلين. أما المسرحية ذات الفصول الثلاثة فقد اندثرت.‏

لقد بدأت المسرحية العربية منذ أواخر سبعينات القرن العشرين تميل نحو الفصلين وتهجر الفصول الثلاثة التي استقرت عليها الدراما الحديثة الأجنبية والعربية بعد الفصول الخمسة التي كانت للمسرحية التي قبلها. وهذا الانتقال في عدد الفصول لم يكن أمراً يتعلق بالشكل فقط، بل كان استجابة للحاجات الاجتماعية ولروح الشعوب. فحين كان العرض المسرحي (سهرة طويلة)، كانت الفصول الخمسة تتيح للعاملين فيه أن يمططوه وأن يحشدوا فيه أفانين المثيرات التي تجعل المتفرج يقضي سهرة طويلة ممتعة. ولم تكن الفصول الخمسة تتيح للعرض المسرحي أن يطول حتى يستغرق وقت السهرة الطويلة فقط، بل كانت تتيح للمتفرجين أيضاً أن يلتقوا بين الفصول وأن يتحاوروا وأن يحوِّلوا العرض المسرحي إلى مناسبة اجتماعية تساعدهم على تمتين علاقاتهم وصداقاتهم. وبهذا الشكل بدأت المسرحية العربية منذ نشأتها، وظلت طويلاً على هذا الشكل. ويكفي للتأكيد على ذلك أن مراد السباعي يذكر في كتابه (شيء من حياتي) أن عرض مسرحية (اللصوص) للكاتب الألماني شيلر في مدينة حمص في ثلاثينات القرن العشرين دام ثماني ساعات. ألم تكن حفلات أم كلثوم الشهيرة تبدأ في الساعة العاشرة ليلاً وتنتهي في الساعة الثالثة صباحاً؟‏

لكن الحياة الاجتماعية في أوروبا مع بداية القرن التاسع عشر لم تعد تسمح بقضاء هذه السهرة الطويلة خاصة بعد تحول الحياة الاقتصادية إلى النظام الرأسمالي بمصانعه التي تقتضي الاستيقاظ المبكر حتى يذهب الناس إلى أعمالهم. فأخذت المسرحية تقتصر على ثلاثة فصول بحيث أصبح العرض المسرحي (سهرة قصيرة). ومثل ذلك حدث في المسرحية العربية منذ أواسط القرن العشرين. فهي سهرة معقولة تشبه مدتُها مدةَ الفيلم السينمائي الذي يتراوح بين الساعتين والساعتين ونصف. والفصول الثلاثة تحقق عناصر عرض الفصول الخمسة بحشد المثيرات الفنية دون إسراف. وتحقق - كالمسرحية ذات الفصول الخمسة - علاقات اجتماعية بين الفصول. ففي الاستراحتين يلتقي الناس على كأس من الشاي أو القهوة، ويتبادلون الأحاديث عن العرض المسرحي وغيره من شؤون الحياة. وبذلك يتحول العرض المسرحي أيضاً إلى (لقاء اجتماعي). وشيئاً فشيئاً تحول العرض المسرحي - مكتوباً قبل أن يكون معروضاً - إلى فصلين. والمسرحية ذات الفصلين تحقق ما تحققه المسرحية ذات الفصول الثلاثة لكن بإيجاز. فهي تتيح كمية وافرة من الحوار والأفعال. وتسمح للعرض المسرحي أن يحتشد بالمثيرات الجمالية والفكرية دون أن تأخذ كثيراً من الوقت، خاصة وأن التلفزيون لم يكن قد احتل المكانة الأولى عند الناس. وتحقق (الدردشة) بين الفصلين. أي أنها تلبي تلك الرغبة الإنسانية في التقاء الإنسان بغيره من الناس في شيء من الحميمية لم يكن الشعور الداخلي بالعزلة قد قضى عليها.وعلى أسلوب الفصلين بدأت المسرحية تسير في العالم وفي الوطن العربي في الثلث الأخير من القرن العشرين. وكلنا يعرف أن المسرحية العربية في سبعينات وثمانينات القرن العشرين كانت (سهرة مقبولة). وهذه السهرة ذات وقت معتدل الطول يتحول فيه العرض المسرحي إلى احتفال اجتماعي براق.‏

إن المسرحية ذات الفصلين هي الاختصار الأخير لمسرحية الفصول الخمسة. فهي تتيح للكاتب أن يحشد ما يشاء من الشخصيات، وأن يستوفي لها تكوينَها بالحوار والفعل، وأن يتلكأ العرضُ المسرحي بإضافة ما يعدُّه أماليحَ الحياة دون إحساس بضرورة الاختصار الشديد. فالعرض المسرحي مستريح الزمن. والمتلقي مستريح الذهن لا يسوطه الذهاب إلى البيت في وقت مبكر. ومن هنا كانت العروض المسرحية العربية - كمثيلاتها من العروض في العالم - تحفل بالشخصيات كما تحفل بالحوار. وتحتشد بالأشكال الاحتفالية التي يقوم فيها الممثلون بكامل الفعل والقول.‏

لكن المسرحية - في العالم وفي الوطن العربي - بدأت تسير في طريق جديدة منذ بداية تسعينات القرن العشرين. فهي فصل واحد فقط. وهو فصل موجز شديد الإيجاز. وهو متوجه إلى إنسان يشعر بالعزلة الداخلية فلم يعد يهتم باللقاء الاجتماعي مع غيره من الناس إلا في الحدود الدنيا. فيكفي تبادل التحية عند الدخول إلى المسرح. ولا بأس من عدم تبادل التحية عند الخروج منه. ويكفي أن يكون العرض المسرحي ساعة أو أقل. أ لا ترى الداخلين إلى المسرح يسألون: ما هي مدة العرض؟ فإن قيل إنه ساعة استبشر الداخلون خيراً. وإن قيل: أكثرُ من ساعة شعروا بشيء من الامتعاض. فالوقت عندهم ثمين. وفي التلفزيون مسلسل يتابعونه ولا يريدون أن يفوتهم. وفي المحطة الفلانية سهرة مع عرض أزياء. وفي المحطة الأخرى لقاء سياسي. وفي تلك المحطة فيلم رعب. وهكذا.‏

لكن الشيء الأخطر من هذا كله أن الناس لم يعودوا يذهبون إلى المسرح لمشاهدة حياتهم وقضاياهم الاجتماعية والسياسية. ولم يعودوا راغبين في مناقشتها بعد حالة اليأس النفسي الذي وصلوا إليه. فهم يطلبون من المسرح عرضاً لطيفاً سريعاً خالياً من الهموم إلا في الحد الأدنى.‏

والعرض المسرحي ذو الفصل الواحد قد لا يستطيع أن يحتشد بالشخصيات الكثيرة، ولا أن يكثر فيه الحوار. ولا يستطيع أن يحشد أشكالاً احتفالية. فهو عرض موجز سريع. ومطلوب منه أن يقدم جمالياتٍ تغري المتفرج بمشاهدته. وإذا به يستغني عن المغريات الإنسانية بالحوار والفعل الإنساني. ويركبُ الجماليات الصناعية التي صارت السينوغرافيا معها بديلاً عن الحوار وعمق تحليل الشخصيات. وفوق هذا كله، توجَّب على العرض المسرحي أن يكون مغسولاً من معالجة الأمور الاجتماعية والسياسية الخطيرة للأمة العربية حتى لا يتعرض المسرحيون للقيل والقال والسؤال والجواب. فيكفي أن يقدموا حالة إنسانية ما وكفى الله المؤمنين شر القتال.‏

إن المسرحية ذات الفصل الوحيد نوع جديد في التأليف المسرحي لا يزيد عمره عن قرن. فقد ظهرت في القرن التاسع عشر.وكان تقديمها خاصاً واستثنائياً. (والمادة الدرامية فيها مكثفة لا تحمل تطوراً درامياً كبيراً. فهي تتركز على موضوع واحد يبرِز أزمة أو حالة أو يطرح مرحلة في حياة شخصية ما دون الدخول في التفاصيل. وهي لذلك لا تحتمل الحبكات الثانوية. كذلك تتميز هذه المسرحية بسرعة الإيقاع وبوحدة المكان وبقلة عدد الشخصيات التي تُصوَّر بملامحها العامة).(1) وكانت مجاورة للمسرحية ذات الفصول الثلاثة أو الفصلين. لكنها اليوم صارت أصلاً في التأليف المسرحي وبديلاً تاماً عن المسرحية الطويلة. ولا يعني هذا أن مسرحية الفصل الواحد الآن شبيهة الأركان بمسرحية الفصل الواحد التي ولدت في ظل المسرحية الطويلة، بل تحمل أركان المسرحية الطويلة دون أن تكون طويلة. فإنها تحتمل أن تقدم مادة درامية واسعة بشخصيات كثيرة واضحة الملامح. ويمكن أن تحفل بحبكة ثانوية إضافة إلى الحبكة الرئيسية. وهذا هو الفرق الجوهري بين مسرحية الفصل الواحد اليوم وبينها من قبل.‏

2 – عندما أَهَلّ عقدُ تسعينات القرن العشرين، كان الإبداع العالمي في مجالات الفنون والأدب قد تراجع ونضب. فهذا القرن الذي خاضت فيه البشرية حربين عالميتين سبقتهما وتلتهما حروبٌ صغيرة، كان في الوقت نفسه قرن ثورات الشعوب على استعباد الاستعمار لها،كما كان قرن الثورات الوطنية لتحقيق العدالة الاجتماعية في قارات الأرض الخمس. وبدا فيه أن البشرية في فنونها وآدابها تغنّي للحرية والكرامة الإنسانية وتنادي بالاشتراكية أو ما يشبهها من الدعوات إلى العدالة الاجتماعية. ونتيجةً لهذا الغناء المتصاعد ظهرت في الرواية والشعر والمسرح والرسم والموسيقى اتجاهات ومذاهب حطمت قواعد التأليف في أسس الفنون والأدب بما ينسجم مع تحطيم الأشكال القديمة للظلم والتفاوت الطبقي والقهر الإنساني. ويكفي أن نذكر للقارئ أن هذا القرن افتُتِح بثورة أكتوبر في روسيا التي تحولت إلى الاتحاد السوفياتي، وأن نذكر ما تبع ذلك من إنشاء المنظومة الاشتراكية، وأن نذكر ثورات أفريقيا وآسيا التي نالت بها استقلالها بعد استعمار طويل، وأن نذكر الثورات الوطنية في الوطن العربي وغيره من أقطار المعمورة. وهي ثورات أرادت أن تنحو نحواً اجتماعياً واقتصادياً يوفِّرُ كرامة العيش لمواطنيها ويخلص أوطانها من هيمنة الإمبريالية. وكان الأدب والفن هو الذي يغذي الأحلام الثورية ويحرض عليها ويتغنى بها. فمن مسرح بريخت إلى مسرح الغضب إلى مسرح القسوة. ومن بيرنديللو إلى آرثر ميلر وتنيسي ويليامز. ومن ناظم حكمت إلى أراغون وبيكاسو. وكان الأدب العربي يسير في الركاب نفسه. فمن افتراع الشعر الحديث إلى الرواية المجددة إلى تأصيل المسرح العربي. وكما عرف الأدب في العالم نجوماً لوامع في سماء الفن والأدب، عرف الأدب العربي نجوماً لوامع في المسرح والشعر والرواية. وكل هؤلاء الذين برزوا في القرن العشرين كان نتاجهم الإبداعي ينصبُّ في تلك المعركة الإنسانية الكبرى التي تدافع عن الحق والخير والعدالة.‏

لكن الإمبريالية التي ولدت على أعتاب القرن العشرين كانت قد تحولت إلى العولمة في نهايته. وقد بيَّنا في مقدمة هذا الكتاب ما فعلته العولمة في الناس والمجتمعات والآداب والفنون. وكان نتيجة ما فعلته أن تحول الناس من اعتبار الأدب والفن وسيلة دفاعٍ عن الذات والخير وهجومٍ على الظلم والشر، إلى اعتبارهما وسيلةَ متعة يفضَّل أن تمتلئ بالعنف والجنس والمخدرات والاستعراضات وغناء المواخير ورسوم التزيينات المنـزلية. أما التيارات المسرحية التي وقفت فوق خشبة المسرح عاصفة مدوية في القرن العشرين، فقد انحسرت إلى المسرح التجريبي الذي يقوم أول ما يقوم على قتل النص المسرحي. أي أنه يقف موقف العداء المستحكم من الأدب المسرحي. وسرعان ما أعلن - مفتخرا ً- موت الكاتب المسرحي. وتلك أول مرة في تاريخ المسرح منذ نشأته حتى اليوم يتم فيها هذا الإعلان المرعب. وتلك أول مرة يصبح فيها الكتاب المسرحيون الذين صنعوا المسرح منفيين عن ميدانهم كما قدمنا في مدخلنا إلى التأليف المسرحي.‏

إن هاتين النقطتين وهما أن المسرحية ذات (الفصل الواحد) صارت الشكل الأكثر طغياناً في الكتابة المسرحية إن لم تكن الشكل الوحيد، وأن الإبداع العالمي في مجالات الفنون والآداب تراجع تراجعاً مريعاً منذ بداية تسعينات القرن العشرين، هما أهم المعطيات الفاجعة التي قدمتها المرحلةُ للكاتب المسرحي العربي في تسعينات القرن العشرين حين أخذ يقدم نتاجه. وهي معطيات جردته من أقوى أسلحته. فهو لا يملك فسحة في الزمن المسرحي حتى يوفر لنفسه حرية في الحوار وبناء الشخصيات. وقد فُرض عليه أن يجتزئ من الحكايات التي يخترعها كثيراً من الحوار المعمِّق للحدث والشخصية. وفُرض عليه أن يختصر عدد الشخصيات لأن مسرحية الفصل الواحد لم تستطع فيما مضى وقد لا تستطيع اليوم أن تستطيل لتضم عدداً كبيراً من الشخصيات. ولم تستطع فيما مضى وقد لا تستطيع اليوم أن تمد جناحيها على أحداث كبيرة أو كثيرة. فكأن الكاتب سجين مساحة محدودة لا يستطيع أن تجول خيوله فيها.‏

والكاتب لا يملك قضية اجتماعية كبرى يدافع عنها فيجعل شخصياته تخوض صراعاتها الكبرى. وانحسرت معالجاته إلى قضايا إنسانية عامة صغيرة لا تجد لنفسها مستنداً اجتماعياً أو وطنياً ينفخ فيها روح الإبداع الناتج عن موقف محدد واضح من الحياة. فلا يجد أمامه إلا أن يجعل مسرحيته تعيش في هيولى سريالية أو عبثية. وهذه الهيولى هي التي نجد أكثر النصوص المسرحية العربية تسبح فيها.‏

لكن الكاتب، قبل هذا كله وبعد هذا كله، لا يعيش حالة من النهوض المسرحي. ولا تشكل نصوصه التي يكتبها جزءاً من هذا النهوض. فوجوده وعدمه سواء. والعروض المسرحية اليوم تستغني عن نصوصه بتلك النصوص المولفة التي يركِّبها المخرجون وقد فرحوا بأنهم خرجوا من سطوة النص وكاتب النص. فإذا وجدتَ عرضاً يقدم نصاً لكاتب مسرحي فلأن المخرج نفسه هو الذي صار الكاتب. وإذا قلنا إن سوق الأدب العربي اليوم بائرة غير رائجة، فإن المسرحية أكثرها بواراً وأقلها رواجاً.‏

***‏

من كل ما تقدم ندرك أن جميع أوضاع المجتمع والتغيرات وحالة الفنون تعمل ضد الكاتب المسرحي وتقلل من قدرته على الإبداع وتغلق أمام نصوصه أبواب الظهور. وتنحدر بالكتابة للمسرح إلى مرتبة غير المرغوب. فكأن هذه العوامل أعداء تتربص بالكاتب المسرحي.‏

لكن الكاتب كسب في هذا العصر مقومات جديدة لم تتوفر لمن سبقه من الكتاب تعينه على إبداع نصوص قوية.‏

أول مكاسبه أنه ورث خشبة مسرح متطورة مفتوحة. ونحن نعلم أن شكل الخشبة وقدراتها كانت تضطر الكاتب إلى تكييف كتابته معها، وإلى تكوين أركان التأليف المسرحي على أساسها. فالعلبة الإيطالية ذات الجدران الأربعة لم تعد نوعاً وحيداً أمامه. ولم يعد مضطراً أن يحشر نصه وممثليه في مجالها الضيق. وهذه الخشبة الجديدة مجهزة بأنواع من التقنية التي يمكنها أن تحقق لـه جميع الأفعال التي يجنح خياله إليها دون عائق. وإذا كان النقاد السابقون قد قيدوا الكاتب المسرحي بشرط صارم هو أن لا تجري على المسرح (أفعال ضخمة) وأن يكتفي بروايتها، فقد أمكن لـه اليوم أن يتخلص من هذا القيد لأن التقنية الحديثة للخشبة تسمح لـه أن يقدم جميع الأفعال. وإذا كانت الخشبة القديمة تضيِّق عنده مفهومَ الزمان والمكان، فالإضاءة والديكور والحيل المسرحية التي يتعلمها الممثلون في الجامعات تستطيع أن تيسِّر لـه تقديم الأفعال الضخمة دون كبير عناء، وتيسر لـه أن يتلاعب بالزمان والمكان كما يشاء. ونحن نعلم أن وحدة الزمان والمكان التي تقيدت بها الكلاسيكية الجديدة مثلاً، فرضها على الكتاب القدامى بناءُ مكان العرض الذي كان واجهة بناء ضخم أو عجْزُ الخشبة عن التنقل السريع في الزمان والمكان. وإذا كان شكسبير مضطراً أن يصف المكان والوقت والزمان بالحوار لأن خشبته ضيقة فقيرة مضاءة بالشموع، فإن الخشبة اليوم قادرة وحدها على أن تقدم للكاتب ما يشاء من الأمكنة بسهولة ويسر. وإذا اشترطوا عليه أيضاً أن لا تجري على المسرح أحداثٌ عنيفة تؤذي مشاعر المتفرج كالقتل العنيف والاغتصاب المفضوح، فقد تحطم هذا القيد المانع لتطوير الفعل المسرحي إلى حد بعيد. فالمتفرج اليوم لم يعد يؤذيه الفعل العنيف أذى شديداً بعد أن تكفلت السينما والتلفزيون بتحطيم كل الأوهام الأخلاقية والاجتماعية التي تحرِّم على المسرح الأفعالَ العنيفة أو غيرَ المحتشمة. وبذلك تحقق للكاتب المسرحي المعاصر حريةٌ في التأليف لم تكن متوفرة لمن سبقه.‏

ثاني مكاسبه أنه ورث أصول التأليف المسرحي بعد أن تطورت ووصلت إلى شكل مشذب خال من التعقيدات، واكتسبت مزيداً من المرونة. فقد تكفل تطور المسرح بإيصال هذه الأركان إليه في حالة اكتمالها. فلم يعد مقيداً مثلاً بأصول التأليف التي تقيدت بها الكلاسيكية أو الرومنسية أو الواقعية. وإذا كانت كل مدرسة تضع أصول التأليف بشكل متطور عما سبقها ويجد الكتاب أنفسهم ملزمين بها في عصر من العصور، فإن كاتب اليوم ليس ملزماً بشكل من الأشكال. وليس مضطراً أن يكيف أركان المسرح كالصراع والحبكة والشخصية بحسب مدرسة ما أو اتجاه ما. بل صار بإمكانه أن يختار من الأشكال ما يريد من ناحية. والنـزعة الديموقراطية التي تطغى على العالم اليوم والتي تبيح قسطاً وافراً من الحرية الشخصية والعامة للأفراد، صارت تنعكس على الإبداع، وتمنح المبدعين حريةً في فعل ما يريدون دون قيود من ناحية ثانية، وتقدم لـه قواعدَ التأليف المسرحي بعد أن نضجت عبر العصور من ناحية ثالثة.‏

لكن التأليف المسرحي، رغم كل ما جرى لـه وفيه من تغيرات وانفلاتات من القيود ومن قدرات على تكييف الأفعال والأقوال، يظل قائماً على أركان أساسية هي التي لا يكون مسرحاً إلا بها. وعلى الكاتب أن يتقيد بها حتى يستطيع كتابة النص القوي القادر على الوقوف فوق خشبة المسرح بجدارة. ولا يستطيع الكاتب أن يتخلى عنها حتى لا يفقد ما يكتبه صفةَ (النص المسرحي). مثله في ذلك مثل الشاعر الذي دمر كثيراً من قواعد الشعر القديم. لكنه مضطر إلى التقيد تقيداً صارماً بالوزن الشعري وبالقافية موضوعةً في شكلٍ ما، إن كان هو الذي يختاره، فإنها لا بد أن توجد في شعره.‏

ومن مصاعب ومكاسب الكاتب المسرحي المعاصر ندخل إلى أركان التأليف المسرحي التي لا يقوم المسرح إلا بها، منظوراً إليها من خلال ما وصلت إليه خشبة المسرح من ناحية، ومن خلال الحرية التي يتمتع بها الكاتب اليوم من ناحية ثانية، ومن خلال ضرورة توفرها في النص المسرحي المكتوب اليوم من ناحية ثالثة. وهذه الأركان سنأتي بها بعيدة عن أي اتجاه أو مدرسة أو توجه فكري معين. وكل ما سوف نقف عنده منها هو الجوهري الذي ظل فنُّ المسرح يتمسك بها. ويمكن للكاتب بعد إتقانها أن يذهب بها إلى حيث يريد في تأييد موقف فكري معين أو في تقديم أي شكل جمالي يبتغيه. فكأنها الهيكل العظمي الذي يكسوه الكاتب التكوينَ الذي يشاء في اللحم والدم. وكل ذلك لاستكمال النص المسرحي لعناصر قوته حتى يعود إلى مكانه المتميز في ميدان الأدب.‏

(1) - (المعجم المسرحي) تأليف د. حنان قصاب حسن ود. ماري الياس. إصدار مكتبة لبنان – بيروت عام 1997- ص 464.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244