النص المسرحي الكلمة و الفعل ـــ فرحان بلبل

دراسة ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2003

Updated: Wednesday, October 15, 2003 01:32 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

إن السعي إلى تكوين الرأي المشترك حاجة ملحة عند المتلقين. ولذلك ترى المتفرج بعد الانتهاء من مشاهدة العرض يناقش الحاضرين في فكرة المسرحية وأهدافها. فإذا تطرق في الحديث إلى جمال العرض وإتقانه كان ذلك مدخلاً إلى تقييم الهدف الأعلى وصحة وصوله وأسلوب وصوله، وإلى رفض هذا الهدف أو قبولـه. وكثيراً ما يحلُّ المتفرجُ محلَّ العرض المسرحي في تصويب الهدف الأعلى وفي اقتراح تعديله. وكثيراً ما يغضب المتفرج إذا لم يتطابق الهدف الأعلى الذي قاله العرض مع الهدف الأعلى الذي كان ينشده منه. وهذا الغضب نوع آخر من التأثير الجماعي للعرض في نفوس الناس. ولعل أمتع لحظات العرض المسرحي - وقد لمست ذلك طوال ما يقرب من أربعين عاماً في عروض مسرحية سورية وعربية وأجنبية - هي التي تكون بعد انتهاء العرض وقبل الخروج من المسرح. ففي هذه اللحظات يلتقي الحاضرون في مجموعات صغيرة أو كبيرة. ويستعيدون ويناقشون الهدف الأعلى وأسلوب وصوله وإيصاله. وكل واحد منهم يحاول - من خلال آراء الآخرين - أن يستكمل جوانب الهدف الأعلى التي غابت عنه، أو يحاول أن يتثبت من صحة رأيه حولها. وكلما كان الهدف الأعلى عميقاً حساساً خطيراً يلامس هموم المجتمع، كانت الرغبة في مناقشته أكبر مهما كان العرض بسيطاً مفتقراً لتقنيات المسرح. وكلما كان الهدف الأعلى بسيطاً ثانوياً أو هامشياً، كانت الرغبة في مناقشته أقل مهما كان العرض محشوداً فيه التقنياتُ والمرغِّباتُ والمفاتنُ الجمالية. ولعل أوضح دليل على قيمة العرض المسرحي هو هذه التجمعات الصغيرة أو الكبيرة . فإن حدثت بعد الانتهاء من العرض واحتد النقاش فيها وطال أمدها، كان العرض قد ترك أثره وساهم في تكوين الرأي المشترك. والعكس بالعكس. وإذا حُرِم المتفرجُ من هذه اللحظات لسبب من الأسباب، أبدى تحسره عليها في عبارات تدل على أن شيئاً أساسياً من العملية المسرحية قد نقص. أما أكبر الدلالات على العرض المسرحي فهي حين ينصرف الناس بعد نهايته خائفين من الالتقاء في هذه المجموعات الصغيرة. فكأنهم اتفقوا على أن ما في المسرحية أخطر من أن يتم الحديث عنه علناً. وفي ذلك ما فيه من تكوين رأي مشترك صامت هو الغضب بعينه أو هو البينة على أن شيئاً ما غير صحيح يحدث في الواقع.

4- تأثُّـرُ النص المسرحي بسماتـه‏

إن الآنيَّة والمعايشة والأهداف العليا التي تترك أثرها الحاسم على المتلقين، تترك تأثيرها الحاسم على النص المسرحي نفسه. فبمقدار ما هي ميزته هي آفته . وهذه الآفة هي أن النص المسرحي يفقد الكثير من قيمته الأدبية والفنية والفكرية بعد ما لا يزيد عن عشرين عاماً من كتابته. فيصبح بعدها غير قابل للحياة على خشبة المسرح. ويتحول، أو يكاد، إلى أثر متحفي يحتلُّ كتابـُه المطبوع ركناً قصياً في المكتبة. ويتحول، بالتأكيد، إلى حالة الكمون التي ذكرناها. فلا يُعاد إليه إلا على سبيل النقد والتأريخ لمعرفة جوانب العصر الذي كُتِب فيه. ويعاد إليه، في أحسن الأحوال، بمتعة القراءة وحدها.‏

هذا هو القانون الذي يحكم فن كتابة المسرح. وعلى من يكتب المسرحية أن يدرك صرامة وقسوة هذا القانون. وإذا بدا هذا القانون غريباً ومجافياً للحقيقة الظاهرية، فإن تاريخ المسرح نفسه يؤكد صحة هذا القانون الذي يحمل في طياته حكم الإعدام للنصوص المسرحية.‏

إن أعظم المسرحيات في تاريخ العالم لم تعش بكامل بهائها وألقها وتواصلها مع الناس أكثر من عشرين عاماً ثم انتهت إلى انطواء. لكنها تعيش هذه الأعوام العشرين في حالة من الشيوع البهي الذي يجعلها شهاباً لامعاً يترك في الناس وفي المجتمع أثراً لا يمكن لأي فن أدبي آخر أن يترك مثله. وكثير منها ساهم في تغيير مفاهيم العصر ودفع المجتمع إلى الانتقال من حال إلى حال. فكان كتاب المسرح يقومون بما يقوم به الأنبياء والمصلحون وكبار القادة في قضم أسس المفاهيم السائدة لإحلال مفاهيم جديدة مكانها.‏

إن المسرح اليوناني الذي نعتبره أول مسرح كلاسيكي وأول ما أرسى أصول هذا الفن والذي استمد منه أرسطو كتابه (فن الشعر)،كانت نصوصه مدار الاحتفالات الدينية والشعبية عند اليونان. وكان الناس يحتشدون لمشاهدة عروضه في الساحات العامة. وكانت مسرحياته تتناول شؤون حروب اليونان وقوانينهم وآلهتهم. وتتحول - وهي احتفالات - إلى حلبة مناقشات لا تنتهي وإن انتهى بعضُها إلى جعل محاكمة سقراط فاجعة تجرَّع الفيلسوفُ المشّاءُ السمَّ بأمرها. ولعل المسرحيات اليونانية من أول الآثار الأدبية التي وضعت للدول القديمة فلسفة أنظمة الحكم وقيود سلطة الحاكم.‏

فإذا انتقلنا إلى العصر الإليزابيثي وجدنا عروضه المسرحية موطناً للنـزعات العنيفة التي نسمي مثلَها اليوم باليسارية. فقد أعلنت الحرب للتخلص من سلطة الكنيسة في مسرحيات (توماس كيد) صاحب مسرحية (التراجيديا الإسبانية)، وفي مسرحيات (بن جونسون) التي اتهمت بالإلحاد واليسارية وهو يفضح طبقة الحرفيين الجديدة (البرجوازية) التي كانت عماد حكم إليزابيث الأولى وخلفائها. وكانت عروض هذين وأمثالهما وعروض شكسبير نبراس الفترة التي يسميها النقاد الإنكليز (الفترة اليعقوبية) في بداية القرن السابع عشر، والتي حملت إعلاناً لثورة اجتماعية سرعان ما سيأتي (كرومويل) بعد عدة عقود من السنين ليحققها. فإذا انقضى عصر الملكة إليزابيث الذي كانت فيه هذه المسرحيات تشكل مع جمهورها حالة من الغليان والتمرد - والمدة كلها لا تزيد عن عشرين أو ثلاثين عاماً - تراخت مسرحيات شكسبير وأقرانه عن متناول الأيدي. وصارت العودة إليها أشبه بالعودة إلى آثار المتاحف. وإذا ظلت البشرية تجد فيها لذة في القراءة والمشاهدة، فإنها لم تعد تترك الأثر الضاري الذي كان لها أول مرة.‏

فإذا انتقلنا إلى الكلاسيكية الجديدة وجدنا موليير يجر عربته في طول فرنسا وعرضها يثير الضحكَ على النبالة الإقطاعية القديمة والسخريةَ من النبالة البرجوازية الجديدة. فيغضب منه نصف فرنسا ويرضى منه النصف الآخر. وكان على رأس الغاضبين الملك والحاشية والكنيسة التي حرَّمَتْ دفنه في ساحتها. وكان على رأس الراضين المفكرون وعامة الشعب الذين لا يلبثون بعد أقل من مـئـة عام أن يقطعوا رأس الملك تحت شفرة المقصلة. وفي الوقت نفسه كانت أنوار الكوميدي فرانسيز تشع بتقديم نصوص راسين وكورني. وكان تمجيدهما يأتي من سدة الملك المتربع على عرش فرنسا، إلى أبسط فلاح لأنهما كانا يحفران قبر الإقطاعيات القديمة لخلق ما يسمى الأمة الفرنسية في كتلة قومية واحدة بعد أن كانت أشتاتَ أقوام وانتماءات. وهذه الأمة التي أبرز خلْقَها هذان المؤلفان سوف تشكل أول جيش وطني في أوروبا دفاعاً عن الثورة الفرنسية التي قلبت المفاهيم في أواخر القرن الثامن عشر في أوروبا. وانسحب أثرُها على العالم كله في ميدان حقوق الإنسان وقانون نابليون. لكن هذه المدة الزاهية التي فارت وعنفت بمسرحيات هؤلاء الثلاثة لم تزد عن عشرين عاماً. ثم انطوت إلى صمت طويل. ولا يغرنك أن مسرحيات موليير وشكسبير وأقرانهما ظلت الشعوب تقدمها دهوراً طويلة. فهذا شأن سوف نعود إليه.‏

فإذا انتقلنا إلى القرن العشرين وجدنا مسرحيات ستراندبيرغ وبريخت وبيرانديللو وآرثر ميللر وتنيسي ويليامز وبيكيت ويونيسكوويوجين أونيل وجان أنوي وحفنة أخرى من الكتاب تنتقل من بلد إلى بلد ومن قارة إلى قارة. وكلها تسطع بأنوارها. وكلها تتأثر بها. وكلها تخاف منها. وكلها تسقُطُ فيها أفكارٌ نخرتها هذه المسرحيات لتحل محلها أفكار دافعت عنها هذه المسرحيات. ولا يمكن لأحد أن ينكر أن كتاب أواسط القرن العشرين في أوروبا وأمريكا، كانوا وقود الثورات الاجتماعية والسياسية كما كانوا وقود الثورات على أساليب فن كتابة الدراما. فإذا انقضى أقل من الأعوام العشرين التي كتبت فيها هذه المسرحيات - وهي تقع بين أربعينات القرن العشرين وستيناته - انطفأت أنوارها بمثل السرعة التي أشرقت بها.‏

فإذا انتقلنا إلى وطننا العربي وجدنا القانون الصارم نفسه بما فيه من إدهاش الرفعة وحكم الإعدام معاً.‏

لقد ملأت مسرحيات أحمد شوقي - وخاصة "مصرع كليوباترة"‏

و"مجنون ليلى" - صالات الوطن العربي في الثلث الأول من القرن العشرين. وبالعودة إلى تاريخ المسرح في كل قطر عربي نجد مسرحياته قد أعيد عرضها مرة بعد مرة. ووجد فيها الناس ما يلبي حاجاتهم الوطنية والاجتماعية والفنية. ثم خرجت هذه المسرحيات من حياة أضواء المسرح إلى حلقات البحث في الجامعات. ومثل ذلك حدث مع مسرحيات توفيق الحكيم في المدة نفسها وبعدها بقليل. فقد اصطفقت بها جنبات المسرح ووجد فيها الناس حياة وحركة وفعالية اجتماعية. وإذا بها بعد أقل من عشرين عاماً تنسحب من الحياة وتصبح مادة للنقد المسرحي الذي وصفها بأنها "ذهنية" تصلح للقراءة ولا تصلح للعمل المسرحي. ومازلت أعجب من سذاجة وصفاقة هذا الوصف لأنه يناقض رأي الجمهور العريض في الوطن العربي الذي وجدها غير ذلك في الأعوام العشرين التي ازدهت فيها هذه المسرحيات. ولو أتيح لك أن تعود إلى تاريخ المسرح السوري بين ثلاثينات القرن العشرين وأربعيناته، لوجدت عدداً من المسرحيات، سورية أو مصرية، لا تكاد تغادر خشبة المسرح في زخم جماهيري واسع يدل على مدى تأثره بها. من هذه المسرحيات‏

"صلاح الدين الأيوبي" و "خالد بن الوليد". ثم لم يعد أحد يذكر هذه المسرحيات التي بلغ من قوتها أن مسرحية "خالد بن الوليد" جعلت أهل حمص مثلاً، يخرجون في اليوم التالي لعرضها في مظاهرة حاشدة ضد الانتداب الفرنسي الذي قابلهم بإطلاق الرصاص والاعتقالات.‏

فإذا انتقلنا إلى الفترة التي نسميها اليوم "فترة الازدهار" في المسرح العربي - وهي فترة ستينات وسبعينات القرن العشرين - لوجدنا القاعدة الصارمة التي لا رحمة فيها تحكم جميع المسرحيات. فمن حياة إلى موت ومن توهج إلى انطفاء. ألم تلتهب خشبات المسرح في مصر بمسرحيات نعمان عاشور وألفريد فرج ومحمود دياب وميخائيل رومان وغيرهم من كتاب المسرح المصري؟ ألم تسافر هذه المسرحيات من بلد عربي إلى آخر في ائتلاق جعلها كواكبَ لامعةً تَشعُّ فناً وفكراً في أرجاء الوطن العربي؟ ألم تأتلق صالات العرض بمسرحيات علي عقلة عرسان وسعد الله ونوس ورياض عصمت ووليد إخلاصي وممدوح عدوان وبضعة نفر آخرين من كتاب المسرح السوري؟ ألم يصبح هؤلاءُ الكتاب وبضعةُ النفر الآخرين نجوماً لوامع في سماء المسرح؟ ألم يحركوا الضمائر والعقول؟ ألم يساهموا في تكوين أفكار الجيل الذي عاصرهم؟ ألم يُرسوا دعائمَ في فن المسرح بمقدار ما زرعوا من آراء سياسية واجتماعية في العقول في حين كانت مسرحياتهم تدوي على خشبات المسارح في سورية وغيرها من الدول العربية ويعاد عرضها مرة بعد مرة؟‏

بلى. لقد حدث هذا. لكن هذا الالتماع الذي شعَّ سريعاً حتى استطار، خبا فجأة بعد أقل من عشرين عاماً على بدء اللمع واشتعال اللهب. والطريف في الأمر أن أكثر هؤلاء الكتاب مازالوا أحياء. ولعلهم في أعماق نفوسهم يتساءلون عن السر فيما جرى لمسرحياتهم . ولعلهم يجدون جواب تساؤلاتهم إذا تذكروا قانون المسرح الصارم القاتل في الآنية والمعايشة والهدف الأعلى. فقد ارتفعوا بالآنيَّة والمعايشة. ثم تراجعت مكانتهم بسبب ولادة آنيَّة جديدة لم تعد نصوصهم تلبيها، واحتاج المسرح إلى معايشة لأوضاع جديدة وجدها الناس في غير نصوصهم.‏

ومثل ذلك جرى لكتاب المسرح العربي في الأقطار التي عرفت نشاطاً في التأليف المسرحي كتونس ولبنان والمغرب والجزائر والعراق. نذكر منهم، على سبيل المثال، مروان محفوظ وعز الدين المدني وعبد الكريم برشيد والطيب العلج والطيب الصديقي. فقد انحسرت مسرحياتهم بعد ارتفاع والتماع وهم مايزالون أحياء يتمتعون بمكانة عالية اليوم بناء على مكانة عالية كانت لهم بالأمس. فلا يكون منهم إلا اجترارُ المكانة السابقة والألم الحالي.‏

وما يصيب المسرح في هذا المجال يصيب الموسيقى ولكن بصورة أقل قسوة وأقل انحساراً وبعد زمن أطول بقليل. وإن عودة سريعة إلى الموسيقى العربية في القرن العشرين تكفينا دليلاً على ذلك. فقد ظهر في ثلثه الأول أصوات وألحان هزت القلوب والأسماع التي احتشدت حولها. فلم تمض عليها أعوام عشرون أو تزيد قليلاً حتى لم يبق منها إلا أشرطة كاسيت لا تمتد إليها الأيدي إلا على سبيل التذكار مع اعتراف الجميع بعظمتها وأهميتها. ولعل أوضح مثل على ما يصيب الموسيقى هو ما جرى مع أم كلثوم فريدة العصور ومعجزة القرون. فقد تربعت على عرش الغناء العربي طوال ما يزيد عن ثلاثين عاماً لا ينازعها فيه منازع. وكان المواطنون العرب على امتدادهم في قارتي آسيا وأفريقيا يسهرون ليلة الجمعة من كل شهر قرب المذياع فلا يغادرونه إلا لأمر عصيّ على التأجيل. وهذه سابقة لم يعرفها أحد في تاريخ الموسيقى. وكانت في هذه الأعوام تلبي حاجة الآنية والمعايشة الموسيقية في أجلى مظاهرها بحيث كان الذوق الموسيقي المنبثق عن حالة اجتماعية يتطابق تطابقاً تاماً مع نوع الفن الذي تؤديه. فلما انقضت الأعوام الثلاثون بدأ الذوق الموسيقي يتغير بتغير الحالة الاجتماعية. فظهرت أصوات جديدة أخذت تنتزع الناس من حول أم كلثوم. وإذا كانت ماتزال تتمتع بمكانة عالية في ميدان الغناء، فإنها لم تعد الكوكب الذي كان. ومثل ذلك حدث مع محمد عبد الوهاب موسيقار القرن العشرين. وحدث مع عدد من كبار الموسيقيين العرب مطربين وملحنين.‏

إن هذا الائتلاق الذي يتلوه انطفاء وهبوط، والذي أصاب المسرح والموسيقى لم يُصِب الرواية أو الشعر. فالروايات والقصائد العربية التي كتبت في الفترات التي ذكرناها ظلت على حالها من الأهمية والمكانة في ثبات واستقرار في حين كانت المسرحيات تولد وتحيا وتموت. وكانت الألحان والأصوات تزغرد حيناً من الزمن ثم تنطفئ.‏

5- الآثار الفكرية والجمالية لسمات النص المسرحي‏

إن سمات النص المسرحي في الآنيَّة والمعايشة والهدف الأعلى التي تؤدي إلى هذه الآفة القاتلة لـه بعد التماع وارتفاع، تجعل لـه ميزة خاصة به هي أنه واحد من أضرى أسلحة تطور المسرح نفسه وتجديده، ومن أرهف مناحي تطوير النقد المسرحي، ومن أبرع عوامل الارتقاء بالذائقة الجمالية عند الناس.‏

فلكي يحافظ الكاتب على الآنية والمعايشة والهدف الأعلى، يجد نفسه مضطراً لأن يفترع أسلوباً جديداً في فن كتابة المسرح. ويكون هذا الأسلوب معادلاً فنياً للواقع الاجتماعي والذوق الجمالي السائد في عصره. ودليل ذلك أن كتاب كل جيل يتخذون أصولاً واحدة في الكتابة رغم التمايزات الكبيرة بينهم في تجليات هذه الأصول. وهم، رغم اختلاف موضوعاتهم، يدافعون عن أهداف عليا واحدة تشكِّل المطالبَ الأساسية لمجتمعهم في عصرهم ذاك.‏

فإذا انقضت الأعوام العشرون - وقد تزيد أو تنقص قليلاً - وتراكم نتاج الكتاب في هذه الأعوام، بدأ النقد المسرحي باكتشاف هذه الأصول الواحدة عبر تراكم الاختلافات، ليخرج منها بأساليب واتجاهات تشكل بمجموعها المسارب الأساسية التي تمت كتابة النصوص المسرحية من خلالها.‏

وفي هذا التآلف والتتابع بين النص المسرحي ونقده يتطور فن التأليف وفن النقد.‏

فإن افتراع الكتاب لأساليب الكتابة بغية التعبير عن الآنيَّة والمعايشة والهدف الأعلى في العصر والمرحلة والمطالب الاجتماعية فيهما، يولِّد كلَّ محاولات التجريب في المسرح. ولسرعة التغييرات الاجتماعية التي تستتبع تغييرات في وسائل تعبير المسرح عنها، كان التأليف المسرحي حقلاً دائماً للابتكار والتجديد. ومن هنا كثرت محاولات التجريب التي إن أحصينا فيها أعلاماً بارزين، فإننا نعجز عن ملاحقتها جيمعاً.‏

و هذه المحاولات الكثيرة المتتالية في التجريب والتجديد كانت تخضُّ النقد المسرحي باستمرار وتطور لـه أدواته. فالنقد الذي يلهث وراء الحركات الجديدة لا يكاد يضع لكل حركة منها قواعدها لتصبح أصولَ أسلوب ما من أساليب التأليف، حتى تعصف به ريحُ موجة جديدة من أصول الكتابة يخترعها الكتاب. وينتج عن هذه العلاقة بين التأليف المسرحي والنقد أن النقد المسرحي لم يكن عالمياً إلا بمقدار، ولم يكن عاماً إلا بمقدار أقل.‏

فالآنية والمعايشة والهدف الأعلى تجعل الكاتب المسرحي يكتب نصه لهذا الجيل المعاصر لـه. وهو يستنفر من هذا الجيل الاهتمامَ والتأييدَ والالتفافَ حولـه. ولذلك وجب أن تكون قواعد تأليفه مناسبة لهذا الجيل نفسه الذي سيختلف عنه الجيلُ التالي بالتأكيد. فإذا أضفنا إلى ذلك أن النص المسرحي سوف يوضع فوق الخشبة المتوفرة لـه في عصره، وسوف يؤديه ممثلون لهم أفعالهم وإيماءاتهم ذات الدلالة الاجتماعية الخاصة بعصرهم، أدركنا مدى عمق المحلية في التأليف المسرحي. بل يمكن القول إن النص المسرحي الذي يكتبه ابن هذه المدينة من ذاك البلد في ذلك العصر، يختلف اختلافاً طفيفاً‏

-وعميقاً في الوقت نفسه - عن النص الذي يكتبه معاصره في المدينة الثانية أو في الريف المجاور. ولو رجعنا إلى نصوص كتابنا المسرحيين في دمشق وحلب وحمص وغيرها من المدن السورية لوجدنا بينهم هذا الفرق الطفيف الحاسم. ومثلُ هذه الفروق نجدها بين ابن القاهرة وبين القادم إليها. أو بين ابن بيروت وابن طرابلس أو ابن الريف القادم إليهما.‏

إن هذه (المحلية) البارزة الخفية في التأليف المسرحي تلعب دوراً أساسياً في النقد المسرحي لأنه يستند إليها إذا أراد أن يكون نقداً نافذاً صحيحاً. فإن تجاهلها، ندَّ عن الصحة والعمق والقدرة على استخلاص القواعد العامة للتأليف المسرحي المعاصر لـه. وإذا بهذه المحلية في التأليف تجعل النقد محلياً خاصاً بما كتبه كتاب جيله. ولهذا قلنا إن النقد لم يكن يوماً عالمياً لأن قواعده العامة محكومة بخصوصية البلد والعصر على عكس الرواية التي تؤثِّر المحليةُ في موضوعها لكن قواعد تأليفها عامة عالمية يسير الروائيون على هديها في العالم كله. فإذا تغيـرت هذه القواعد كان التغييـر عالمياً أيضاً. ولنا من الروايات الأجنبية والعربية على مختلف انتماءاتها وبلدانها شواهدُ على قواعد السرد الروائي التي يسيـر عليها جميع الكتاب ضمن المدرسة الواحدة التي تجاور مدارس أخرى دون أن تخرج هذه القواعدُ عن عموميتها وعالميتها.‏

وهذه المحلية تجعل النقد المسرحي أيضاً مقتصراً على جيل من أجيال كل أمة على عكس نقد الشعر الذي تصلح قواعده لأجيال الأمة المتطاولة عبر العصور. ولعل أوضح مثال على ذلك نقدُ الشعر العربي الذي يظل يدور في فلك قواعد معينة حكمته طوال قرون رغم كل التجديدات فيه. فظلت، مثلاً، علوم البلاغة والعروض وفصاحة الديباجة ومناسبة الألفاظ للمعاني واكتمال المعنى مع اكتمال البيت تحكم الشعر العربي كله. وكان يتطور ويتغيـر من خلالها دون المساس بها. فلما جاء الشعر العربي الحديث نقض بعضَ هذه القواعد وأضاف قواعد جديدة فكوَّن لنفسه خصائص معينة. وإذا بهذه الخصائص تصبح عامة للشعر العربي الحديث في الوطن العربي كله. فلم تكن أبداً محلية خاصة بقطر عربي دون آخر. وبالأحرى لم تكن خاصة بشعراء مدينة دون مدينة أخرى.‏

هل يعني ذلك أن النقد المسرحي المأخوذ عن أمم الغرب عبـر عصورها لا ينفعنا ولا يمكن به تطوير مسرحنا وأصول تأليفه؟ وهل يعني ذلك أن نقد المسرح السوري أو المصري أو اللبناني في جيل من الأجيال لا تنتفع به الأجيال الأخرى إلا على سبيل التأريخ لمرحلة أو بلد؟‏

الجواب لا. ومن يقول بهذا فقد جحد التأليفَ المسرحيَّ ونقدَه إرثَهما الثمين وحرمهما القدرة على التفاعل فيما بينهما وحرَّم عليهما الأصالة والتأصيل. فالنقد عالمي بقدر ما فيه من قواعد وقوانين عامة. وهو محلي بقدر ما فيه من خصوصية. ونحن العرب بنينا مسرحنا ونقده على ما نقلناه من تراث الغرب الأوروبي ونقده كما استفدنا من تراث الأدب الأجنبي ونقده وتأثرنا به لا في الرواية التي هي فن غربي في شكلها النهائي فحسب، بل وفي شعرنا العربي الذي يعده العرب ديوانهم العريق بنتاجه ونقده. وهذا الكتاب الذي بين يديك أيها القارئ الكريم يستند في مجمله إلى موروث النقد المسرحي العالمي والعربي. لكن الخصوصية في النقد تدعونا إلى أن نتناول التراث النقدي الأجنبي والعربي بحذر شديد يشبه حذرنا حينما نتعامل مع عبوة ناسفة. وعلينا أن نتعلم منه الأصول والقواعد الأساسية لفن التأليف. وأن نعرف كيف كتب المسرحيون الكبار مسرحياتهم في الشرق والغرب. لكن شرط ذلك أن لا نحكم على مسرحيات عصرنا من خلال القواعد والأصول التي وضعها غيرنا. وأن يكتشف نقدُنا لنفسه في كل مرحلة وسائل نقدية تخصه هو وتخص المسرحيات التي يدور حولها. وكم ترك تجاهلُ هذه القاعدة الصارمة من جهالاتٍ في النقد العربي ومن ضعفٍ وهزالٍ فيه. وغاية هذا الكتاب أن نُخضِع النقد المسرحي العربي لخصوصية التأليف المسرحي العربي في كل مرحلة من مراحله حتى نتجنب تلك الجهالات وذاك الضعف.‏

وهذه المحلية في التأليف المسرحي تلعب دوراً هاماً في تنمية الذائقة الجمالية عند الناس وفي الارتقاء بها في كل عصر. ودور المسرح في هذا المجال أكبر بكثير من دور بقية الفنون الإبداعية. ومفتاح ذلك هو النص المسرحي الذي يكتبه مؤلفُه واضعاً في اعتباره أنه سيتحول إلى فن مسموع منظور متحرك فيكون صورة جمالية مكتملة العناصر. الكلمة تقوم فيه بدور الأدب الجميل المهذِّب للنفوس والعقول. والتمثيل يقدم الأمثولةَ الأخلاقية والفكرية ووجهي الخير والشر في إطار جميل من الإتقان الفني. وتحتشد وراء الكلمة والحركة موسيقى نُطْقِ الكلام وعزفِ الآلات الموسيقية التي توغل في النفس لتشحذ جانبها العاطفي وارتعاشها الداخلي. وتتواشج في العرض ألوانٌ محوَّلةٌ إلى رسوم متحركٍ منها قسمٌ وثابتٍ منها قسمٌ. وتتعلق بالقسمين عينُ الناظر مدة ساعة أو تزيد. وهي مدة زمنية لا تحظى بمثلها أعظم لوحة أو منحوتة. وجميع هذه العناصر تتآلف لتشكل عند المتلقي منظوراً جمالياً ينغرس في نفوس أرتال من الناس قد لايكون أكثرهم من عشاق الأدب أو الفن التشكيلي. وتلك هي تربية الذائقة الجمالية. وذلك هو دور المسرح في حياة الشعوب. وهذه هي المكانة التي يحتلها المسرح في سلم عوامل التثقيف والتطوير. وذاك مقياس الحضارة عند أمة من الأمم. أكثيرٌ بعد ذلك أن يقال : أعطني مسرحاً أعطك شعباً عظيماً؟‏

ولا يمكن للنص المسرحي وما معه من عوامل العرض المسرحي أن يرتفع بالذائقة الجمالية عند الناس إلا إذا كان واعياً تماماً للجماليات الفنية السائدة في عصره في الفن التشكيلي وفي الموسيقى وفي الأدب عموماً وفي الشعر على الخصوص. ومن جماليات هذه الفنون جميعاً ينطلق الكاتب في بناء حكايته وتشييد حبكته ورسم شخصياته. فعليه أن يعرف قواعد الفصاحة العربية وأصولَ البيان الذي يشبه السحر أو هو السحر. وعليه أن يركب هذه القواعد الأدبية كما انتهت إليه في عصره. ألا ترى المؤلفين المسرحيين كانوا سجّاعين في القرن الماضي حين كان السجع مظهر الجمال في الأدب العربي؟ أ لم يسرفوا في إدخال الغناء حين كان الغناء سيد الفنون العربية جميعاً حتى يطوِّعوه لفنهم ويجعلوه جزءاً منه؟ أ لم يساهموا في طرد السجع والغناء من التأليف المسرحي إلا بمقدار ما يكون حلية تخضع لسيطرتهم؟ أ لم يتحولوا إلى اللغة السهلة البسيطة مع انتشار الصحافة ثم مع انتشار وسائل الاتصال الأخرى وإذا بهم يتحولون إلى سادة في فن الكلام؟‏

إن فن المسرح جماع الفنون. فإذا جمعها في يده بقبضة محكمة استطاع أن يرتقي بها كلها. فيترك على الشعر بصماته في أسلوب توجهه إلى الناس. ويوحي إلى الفن التشكيلي بطرائق في الرسم والنحت تقترب من ذائقة الناس الجمالية حتى يصبح فناً أصيلاً في الثقافة العربية. وهو أمر لم يتحقق لـه حتى الآن.‏

لكن المسرح يمكن أن يلعب دوراً مناقضاً لهذا الدور فيهبط بالأمم ويتدنى بذوقها الجمالي إن لم تكن نصوصه محكومة بقواعد التأليف المسرحي التي تستدعي الرقي بالتشكيل الفني للعرض المسرحي. فإذا تفلَّتت نصوصه من هذه القواعد تحولت بقية عناصر العرض المسرحي إلى لعبة شكلية تفلت منها مخاطبةُ القلب والعقل والإحساس، وبدت بقية الجماليات الأدبية والموسيقية والتشكيلية باهتة مهما أسرفت في تجميل نفسها. فكأنها الفتاة القبيحة التي تسرف في تزيين نفسها فما يزداد قبحُها إلا افتضاحاً.‏

ولا يقترب من المسرح في هذا الارتقاء بالذائقة الجمالية عند الناس إلا الشعر والموسيقى. فالشعر - وليس المقصود الشعر المسرحي - كان دائماً نشيدَ الشعوب وموطنَ جمالها ومصدرَ ثقافتها وعنوان رفعتها. وكل أمة كانت تحوطه بالتبجيل والتقدير. والعرب يعتبرون الشعر صنّاجتهم وديوانهم ومفتاح ارتقائهم حتى قال بعضهم (أدِّبوا أولادَكم يَـنْـبُلوا). والتأديب هنا هو التأدب بالشعر. والنُّبلُ هنا هو الجمع لفضائل الذوق والجمال والأخلاق. وقد كان الشعر يلعب أوسع الأدوار في هذا المجال حين كان يُنشَد في الساحات والمجامع الحافلة. فكأنه حالة مسرحية يجتمع فيها الناس ليستمعوا إلى الكلمة التي تحمل جماليات الكلام وتمنح الإنسان القدرة على تخيل الألوان والأشكال والأنغام.‏

وكذلك الموسيقى حين تكون حفلاً جمعياً مسرحياً يخاطب النصف الأعلى من الإنسان. فتسمو به بالشكل نفسه الذي يحققه العرض المسرحي المؤتلق ببراعة الأداء وعمق الكلمة. فإذا انحدر الشعر إلى التملق أو السخف أهمله تاريخ الأمم. وإذا انحدرت الموسيقى إلى مخاطبة النصف الأسفل من الجسد البشري، فقد صارت أمراً مخجلاً، ثم سرعان ما تغيب في زوايا النسيان.‏

6- موت النص المسرحي وحياته على الخشبة‏

هل نستنتج من كل ما سبق أن النص المسرحي يعيش كامل قدرته وتأثيره الطاغي في فترة كتابته وبين الجيل الذي كُتب لـه، فإذا انقضى عشرون أو ثلاثون عاماً على كتابته مات وانزوى إلى النسيان؟‏

الجواب : نعم ولا. وتاريخ المسرح يؤكد هذا الجواب.‏

لقد توصلنا إلى أن سمات النص المسرحي من المعايشة والآنية والهدف الأعلى تمنحه المحليةَ الحية الصاعقة التي تجعله يلتمع ويشعُّ في هذه المدة المحدودة. وهي التي تقضي عليه في نهايتها لحلول آنيَّةٍ جديدة في المجتمعات تحتاج إلى معايشة مغايرة بأهداف مغايرة.‏

وتأكد لدينا أن النص المسرحي وهو يغوص في محليته القاتلة لـه لا يعتمد إلا على النوازع والعواطف الإنسانية وهي تشتبك في صراعاتها‏

المخيفة التي كانت وماتزال وستبقى المحركَ الأساسي لهذه الدبّابة النشيطة التي تسمى الإنسان. وتلبس هذه العواطف حكاياتٍ شتى تُروى أمامه فيستكين لها بإصغاء متلهف حين يجدها أمثولاتٍ لحياته ونماذجَ من المآسي والأحزان والأفراح والآلام التي يعيشها ويحس بها بين أهله وجيرانه وقومه. فإذا سمع حكاية (الملك لير) الذي وزع مُلكه في قسمة ضيزى، فقد يتذكَّر كل مآسي وجرائم إرث الأموال والعقارات التي عرفها بين الإخوة الأشقاء الذين تعادوا حتى الاحتراب السافر من أجل ما ورثوه. وإذا شاهد سخرية موليير من برجوازيِّه النبيل أو من بخيله، فسوف يضحك وهو يتذكر كل محدثي النعمة و البخلاء الذين يراهم أنى التفت. وإذا شاهد (نورا) إبسن وهي تصفق الباب في وجه زوجها في بيتها الذي حولها إلى دمية، فسيجد حالة عنيفة من حالات الدفاع عن حقوق المواطنية. وكلُّ مجتمع ينخر فيه الفسادُ ويسعى إلى التخلص منه سوف يجد في (الأستاذ منتصر) نموذجا عن الفاسدين الصاعدين فيه دون أن يهبطوا كما صوره وليد إخلاصي في مسرحيته (كيف تصعد دون أن تهبط). وكل شعب محكوم بالاستبداد سوف يجد في (ملك) سعد الله ونوس نموذجا عن الاستبداد الواقع عليه. وكل الشعوب تحلم بالقضاء على الظلم كما حلُم (سندباد) رياض عصمت. ولا شك أن كل مجتمع يخاف مثقفوه وأدباؤه من السلطات وبطش الحكام كما خاف (بلاوتوس) علي عقلة عرسان وهو يطلب رضا قيصره في بلده.‏

إن جميع المسرحيات التي عرفها العالم تصلح حكاياتها لأن تكون أمثولات ونماذج عن الناس في عواطفهم وصراعاتهم في كل زمان ومكان. ولهذا كانت النصوص المسرحية قادرة على الوقوف فوق خشبة المسرح. فهي، بعد انتهاء مرحلتها، تأوي إلى المكتبة في كمون يشبه الموت فكأنها تموت وهي حية. ولهذا تحتاج لإبقائها فوق الخشبة إلى (إحياء).‏

وهذا (الإحياء) هو الفرق النهائي الكبير بين فن المسرح وفن الشعر والرواية. فهما يبقيان على قيد الحياة ولا يحتاجان إلا إلى قراءتهما ليعودا ناصعين نابضين بكامل قدراتهما الذاتية. أما النص المسرحي فيحتاج إلى إحياء لأنه كمن فمات.‏

وإحياؤه هو أن لا يعاد بالشكل الذي كُتب فيه بل يعاد بعد تعديله ونفخ روح العصر فيه. ونحب أن نؤكد هنا أن أي نص مسرحي لن يستطيع الوقوف على الخشبة مرة ثانية بالشكل الذي كتبه به كاتبه بعد انقضاء الأعوام العشرين التي قد تزيد قليلاً أو تنقص قليلاً. وكل محاولة لتقديمه بشكله الأصلي محكوم عليها بالفشل لأنه نص ميت. ولن تؤدي إلا إلى تقديم عمل مُتحفي لا حياة فيه. وقد تحرص بعض الشعوب على تقديم نصوص كتابها كما كتبوها أول مرة على سبيل تكريم ذكراهم أو للمحافظة على أبهتهم. لكن المحافظة على النص كما هو لن تخلق حالة التماهي والاندماج. لأن المحلية والآنية اللتين انقضى عصرهما ستقضيان علىالمعايشة التي تجعل المتفرج يتمثل نفسه وحياته معروضين أمامه على خشبة المسرح. وسوف يتلقى ما يشاهده باعتباره شيئاً غريباً عنه ويستقبله ببرود.‏

وإحياء النص المسرحي يعني أن يدخله التحوير والتعديل والحذف والإضافة مع المحافظة على جوهره. وتنصبُّ مجملُ التعديلات على إحلال محليةِ وآنيةِ العرض وأهدافِه العليا محل آنية ومحلية وأهداف النص الأصلي. ولأن النص المسرحي - على عكس الرواية والشعر - لايكتبه كاتبه منجزاً كاملاً بل يكتبه ناقصاً، كان قابلاً باستمرار لتقبُّل التعديلات إن قام بها أديب محنك أو معدٌّ بارع متقِنٌ للعبة المسرح مدركٌ لخصائص عصره. وبهذه الطريقة يمكن أن تعاد النصوص المسرحية مئات المرات وعند جميع الشعوب. فتقوم بجميع المهام المطلوبة من جماليات المسرح وأهدافه وإثارته ودوره الفعال في تهذيب العقول والنفوس وشحذ الهمم وإيقاظ الحق والخير في مشاعر الجمال عند الإنسان.‏

وسوف أسوق مثالاً واحداً على موت وإحياء النص المسرحي. فقد شاهدتُ عرضاً لمسرحية (المفتش العام) للكاتب الروسي غوغول. وكان في هذا العرض ما شئتَ من الإتقان والإجادة والجمال بحيث جاء لوحة كاملة تسر الناظر. لكن المخرج كان أميناً على النص فلم يغير فيه شيئاً. فجاء العرضُ بارداً كثلوج روسيا وغريباً يحكي حكاية بعيدة عنا آلاف الأميال في زمانها ومكانها. فلم يضحك أحدٌ لما فيه من سخرية مرة من نماذج بشرية يُفترض أنها موجودة في مجتمعنا. وشاهدت النص نفسه مع فرقة بدائية من الهواة. وكان في هذا العرض ما شئتَ من الضعف والركاكة وقباحات التشكيل والثياب والديكور إضافة إلى هلهلة الثياب وسذاجة الإخراج. لكن المخرج، على بساطته وبدائيته وسذاجته، غيَّر وبدل في نص المسرحية. وحشد فيه نكتة سورية من هنا، ونكتة عربية من هناك. وأبرز إيماءة شديدة الدلالة على مفاسد عصرنا من هنا، وتعليقاً على شخصية إدارية من هناك. وإذا بالجمهور يعايش العرض المسرحي ويضج بالضحك الساخر ضحكاً اجتماعياً وسياسياً. ويخرج من العرض وقد شاهد نماذج حية من ناس عصره.‏

إن شرط الإحياء أن يخرج النص من عصره ليوضَع في عصر الفريق المسرحي الذي يؤديه. وأن يسافر من بلده الأصلي إلى البلد المعروض فيه. وأن تتم المحافظة على جوهره وانتمائه إلى كاتبه بأسماء شخصياته وبلدهم شريطة أن يرتدي لباس البلد الذي يقدم فيه. وبهذا الشكل يصبح النص الإنكليزي فرنسياً إذا قدم في فرنسا. وسورياً أو مصرياً أو لبنانياً إذا قدم في واحد منها. ويكفي أن أذكر أن مسرحية (في سبيل التاج) للكاتب الفرنسي فرانسوا كوبيه، قدمها المسرح السوري عشرات المرات أيام الانتداب الفرنسي ليحارب بها فرنسا. فكانت هذه المسرحية أشد إغاظةً لسلطات الانتداب من مسرحية (خالد بن الوليد) أو مسرحية (صلاح الدين الأيوبي). وقدم عدداً من مسرحيات موليير فكانت عروضها سخرية مرة من الفرنسيين قابلها مسؤولو سلطة الانتداب بكثير من الغضب حين تحولت هذه النصوص الفرنسية إلى سلاح موجه ضد فرنسا. وقدم نصوصاً إنكليزية جعلها وسيلة للدفاع عن الحرية والاستقلال حين كانت إنكلترا سيدة العالم وأعظم دولة استعمارية تحتل أجزاء كثيرة من الوطن العربي. فكأن المسرحيين السوريين حولوا تراث مسرحها إلى سلاح موجه ضدها.‏

وذلك هو الإحياء.‏

لكن في الإحياء جانباً آخر قد يكون أحد أسرار النصوص المسرحية في تعايشها وتبادل التأثر فيما بينها وبين الخشبة. وهي أن مُعدّي النصوص القديمة لإحيائها، يصوغونها على شكل قريب من أشكال التأليف المعاصر لهم، متخذين الأساليب نفسها في بناء الحبكة والصراع والشخصيات. ثم‏

-وهنا الإدهاش الممتع - يحوِّرون في الحوار وفي تراكيبه حتى يصبح موازياً ومشابهاً للأساليب اللغوية التي يستخدمها المؤلفون المسرحيون في ذلك العصر. ودليل ذلك نأخذه من شواهد حية في تاريخ المسرح العربي. فقد قدم أبو خليل القباني عدداً من مسرحيات راسين وكورني التي تُرجِمت له. لكنه قدمها بعدما (أحياها) حسب عصره. وإذا به يُدخِل عليها أسلوب السجع الذي كان سائداً في عصره، ويحذف إيغالات الحدة في الصراع، ويحشوها بالأغاني والموشحات. ومثلَ ذلك فعل سلامة حجازي حين قدم (روميو وجولييت) تحت عنوان (شهداء الغرام) حين جعل العاشقين - وقام هو بدور روميو وقامت منيرة المهدية بدور جولييت - يغنيان ما كان سائداً من أنواع الأغاني المطربة في عصره. ولا شك أنه غير وبدل في النص الأصلي ما شاءت لـه الآنية والمعايشة. ففتن المصريين والسوريين فتنةً ماتزال كتب تاريخ المسرح تتغنى بها. وفي فترة الانتداب الفرنسي قدم المسرحيون السوريون عشرات من المسرحيات الأجنبية وملؤوها بالخطابات الحماسية والأشعار الملتهبة على طريقتهم في كتابة نصوصهم. من ذلك ما فعله عبد الوهاب أبو السعود وتوفيق العطري اللذين كانا يعدان النصوص الأجنبية على طريقتهما في كتابة نصوصهما.‏

فإذا جئنا إلى النصف الثاني من القرن العشرين وجدنا العرب يقتحمون عدداً كبيراً من ألمع النصوص الأجنبية. لكنهم عدلوها وغيروا فيها على الأساليب التي كانت سائدة في كتابة النصوص العربية يومذاك. فأدخلوا الراوي على النصوص الكلاسيكية وحمَّلوها بوسائل التغريب التي احتشدت بها النصوص المكتوبة في فترة عقود ستينات وسبعينات وثمانينات القرن العشرين. وجعلوها تعالج القضايا الفكرية والاجتماعية والسياسية التي كانت معركةُ نصوصهم المكتوبة تخوضها. وأدخلوا على التقليدي منها ما يجعلها متساوقة مع تجديداتهم في بناء الدراما. لكنهم، وهم يفعلون ذلك كله، كانوا يحافظون على قوة بنائها الدرامي وعلى اكتمال شخصياتها وعمق صراعها بما يتناسب مع كتابة النصوص العربية التي كانت تسعى إلى امتلاك القوة في البناء الدرامي.‏

فلما جاء العقد الأخير من القرن العشرين وما تلاه حين هبطت قيمة التص المسرحي على الخشبة وحين حل (نص العرض) محل (النص المسرحي)، كانت جميع إحياءات النصوص الأجنبية والعربية على الغرار نفسه في تجريدها من قوة البناء الدرامي لتحويلها إلى (سيناريو العرض). وهذا هو الشكل الذي تتخذه كتابة النص العربي المعاصر. وكثيراً ما تحولت نصوص شكسبير وغيره من عمالقة التأليف المسرحي إلى لعبة شكلانية تخدم السينوغرافيا وتتجرد عن أركان التأليف المسرحي القوي(1).‏

إن هذا يعني أنه لا يجب العودة إلى كتابة النص القوي فقط، بل وإلى إعادة المحافظة على قوة النصوص التي نقوم بإحيائها وتقديمها على خشبات مسارحنا. ولعل في ذلك دافعاً إلى الكاتب المسرحي العربي إلى تجويد صناعة نصه المسرحي. فكأن هناك علاقة جدلية بين الكتابة الجديدة وإحياء النصوص القديمة. فكتابة النص بأسلوبٍ ما، تؤثر على طريقة العودة إلى النصوص القديمة، والعودة إلى النصوص القديمة تؤثر على النصوص الجديدة.‏

***‏

وبعد.‏

لقد قدمنا تقييماتٍ لخصائص النص المسرحي، ومقارناتٍ بينه وبين أنواع الأدب وفنون الإبداع ، وملاحظاتٍ وآراءَ حول وضعه في المكان المناسب لـه وهو منصة المسرح. وما قدمناه، إن كان يدخل تحت موضوع النقد المسرحي، فإنه مرصود لفتح باب الدخول إلى جوهر العملية المسرحية وتعاملها مع المادة الكلامية اللازمة لأي عرض مسرحي حتى تكون‏

- باستمرار - قوية كلِّية القدرة على جعل المسرح ركناً هاماً في الحياة الثقافية والاجتماعية في بلدنا كما في أي بلد، وحتى نتجرأ على إعادة تقديم نصوص كتّاب المسرح العربي والسوري دون خوف من أنها أصبحت من الماضي كما شاع عند كثير من النقاد والعاملين في المسرح. وسوف نجد فيها بغيتنا الفكرية والجمالية اليوم وغداً. وسوف نجعل أجيالنا الجديدة من الكتاب تجد لنفسها تراثاً هاماً تعتز به وتستفيد منه. وبهذا الشكل نتعلم من الغرب أسلوب التعامل مع النصوص المسرحية كما تعلمنا منه فن التأليف وفن العرض. فإن البلدان الأجنبية العريقة في المسرح لا تغادر نصوصُها القديمةُ خشباتِ مسارحها. فهي تعود بها إلى الحياة بهذا الإحياء المستمر لها. وإذا بها تضع تراثها المسرحي لا بين الناس فحسب، بل تضعه أيضاً بين أجيال المسرحيين المتوالية حتى يتعلموا منها. وإذا بها تفتخر بتراثها بين الأمم. وتعلن باستمرار عراقتها في المسرح أدباً موروثاً وفناً عريقاً. وحينما تضع نصوصها القديمة فوق خشبة المسرح فإنها تدفع مسرحها باستمرار إلى التجريب المتعدد الأشكال بتعدد عمليات الإحياء. فيكون من هذا التجريب المستمر المتوالي تجديدٌ دائم للإبداع. ولو فعلنا مثل ذلك في نصوصنا المسرحية القديمة، لمنحنا تجريبنا المسرحي أصالةً وعمقاً وطريقة لإرساء تطوير حقيقي لفن العرض وفن التأليف.‏

وبهذا الشكل أيضاً نتجرأ على الاستفادة الكاملة من التراث المسرحي الأجنبي الذي يحوي كنوزاً تحتاج إلى من يجلوها من جديد بطلاء معاصر. وهذا ما فعله المسرحيون العرب منذ أن نقلوا فن المسرح وأخذوا يغرسونه في الأرض العربية. لكنهم توقفوا، إلا قليلاً، عن الأخذ من التراث الأجنبي بهذا الشكل الإحيائي في الهزيع الأخير من القرن العشرين واستهلال القرن الحادي والعشرين. فحكموا على مسرحهم الراهن بالشحوب والبرود وقصور الفاعلية الاجتماعية والسياسية له. ولعلهم إذا عادوا إلى إحياء النصوص العربية والأجنبية أن ينفخوا في مسرحنا الحياةَ النابضةَ من جديد.‏

(1) - في كتابنا (المسرح التجريبي الحديث عالمياً وعربياً) أوردنا نموذجاً عن هذا الإعداد الشكلاني الشبيه بالسيناريو لمسرحية (مكبث) لشكسبير، ولمسرحية (أوديب ملكاً) لسوفوكليس. وفي هذين (‏

( الإعدادين نجد أكثر خصائص إحياء النصوص الأجنبية والعربية في هذه المرحلة. (طبعة دار حوران- 2002 - ص 141 و ص 148.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244