علم النفس في القرن العشرين ( الجزء الثاني ) ـــ د. بدر الدين عامود

دراسة ـــ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2003

Updated: Wednesday, October 15, 2003 01:34 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

القسم الخامس المقدمات الأساسية لظهور علم النفس في روسيا:- تمهيد

لعل الحديث عن علم النفس في روسيا خاصة، والاتحاد السوفيتي عامة يضطرنا أكثر من أي موقع آخر للتذكير بمبدأ وحدة الفكر الإنساني، مع ما يمليه هذا المبدأ من عرضٍ وتحليل تاريخيين لمراحل تطور الفكر العلمي فيهما وعلاقته ببيئته المحليّة والعالمية. وما ذلك إلا لأنه لم يصلنا من هذا الفكر، ولا سيّما السيكولوجي منه إلا القليل. وأن هذا القليل ـ رغم قلته، وربما بسببه ـ لم يحمل لنا نحن قراء العربية إلا صورة ضحلة عن ماضي هذا الفكر وحاضره. فبعد مضي أكثر من قرن على استقلال علم النفس لم يقدر للمهتمين بهذا العلم من العرب، بل والغربيين أيضاً إلى حد كبير، الاطلاع على إسهامات العلماء السوفيت فيه. واقتصرت معارفهم في هذا الميدان على أسماء عدد ضئيل من هؤلاء العلماء مع بعض الإشارات الخاطفة إلى بعض أعمالهم. وقد أدى هذا الوضع بالكثيرين إلى عهدٍ قريب إلى أن يقرنوا علم النفس هناك ببعض دراسات سيجينيف وبافلوف وبختيرف وتطبيقاتها في ميدان التربية والتعليم، وبالتالي إلى إنكار أي وجود لهذا العلم هناك.‏

ولقد عزا الباحثون الغربيون سبب غياب علم نفس "حقيقي" في الاتحاد السوفيتي إلى تدخل السلطة هناك والحظر الذي فرضته على الباحثين والعلماء لوقف نشاطهم والحؤول دون الاستمرار في الدراسات النفسية، وهم، بذلك، يشيرون إلى القرار الذي اتخذته القيادة السوفيتية بشأن وقف العمل ببعض طرق البحث السيكولوجي، مدعين بأن هذا الإجراء إنما يشمل ميادين علم النفس كافة، ويضع حداً للقيام بأي نشاط في أيِّ منها. ولهذا، وحسب زعمهم، فإنه لا مجال للحديث عن دراسات نفسية على نحو ما هو قائم في دول الغرب.‏

ولكن الواقع يظهر بطلان هذا الإدعاء، ويكشف عن الموقف السلبي لأصحابه تجاه المنحى الذي اتخذته الدراسات السيكولوجية في الاتحاد السوفيتي عقب قيام السلطة السوفيتية. فالمراكز المختصة بهذه الدراسات كانت تتزايد هناك، ويتزايد معها عدد المشتغلين فيها. كما كان حضور الوفود السوفيتية إلى المؤتمرات والندوات السيكولوجية الدولية مستمراً، ومشاركتهم في أعمالها إيجابية وفعّالة. وإلى ذلك يُضاف ما هو أهم في دلالته ومغزاه، ونعني اهتمام العلماء السوفيت، والروس في المرحلة السابقة، بكل ما يجري على ساحة علم النفس في الغرب، ومتابعتهم لنشاطات زملائهم هناك، واطلاعهم على ما ينشرونه بلغته الأصلية أو بعد ترجمته إلى الروسية، الأمر الذي مكنهم من تكوين صورة كاملة ودقيقة عن مختلف الاتجاهات والتيارات والنظريات السيكولوجية الغربية ومقارنتها بعضها ببعض، وتحديد جوانب الاتفاق والاختلاف بينها، ومواطن القوة والضعف فيها.‏

بينما لم يُعر علماء النفس الغربيون أي اهتمام بما كان يقوم به زملاؤهم في الاتحاد السوفيتي، بل إنهم كانوا ينفون وجود ما هو جدير بالمتابعة في ميدان علم النفس هناك. وإذا وجد نشاط سيكولوجي ما، فإن الغرض منه، في اعتقادهم هو محاباة السلطة في البلاد ومسايرة نهجها السياسي والأيديولوجي. ويصح في هذا المقام أن يكون ما أعرب عنه بياجيه من أسف لعدم تمكنه من الإطلاع على نقد فيغوتسكي (أحد علماء النفس البارزين في الاتحاد السوفيتي) لآرائه في تطور الكلام والتفكير عند الطفل إلاّ بعد عقود من الزمن دليلاً واضحاً على حرص العلماء السوفيت على متابعة نشاط زملائهم الغربيين والإطلاع عليه في الوقت المناسب من ناحية، وعلى مقاطعة العلماء الغربيين لهم ولنتاجهم العلمي من ناحية أخرى. فقد كتب بياجيه في خاتمة كتاب فيغوتسكي "التفكير واللغة" يقول: "مما يبعث على الحزن والأسى أن يكتشف مؤلف بعد خمسة وعشرين عاماً من نشر زميل وافته المنية في نفس الوقت الذي تضمن فيه ذلك العمل نقاطاً كثيرة ذات أهمية مباشرة له ينبغي أن تناقش شخصياً وبالتفصيل. وبالرغم من أن صديقي (أ. لوريا) قد أحاطني بموقف فيغوتسكي التعاطفي وحتى النقدي لأعمالي، إلا أنني لم أكن قادراً أبداً على قراءة كتاباته (التشديد لنا ـ ب. ع.) أو حتى مقابلته شخصياً. وإذ أعكف على قراءة كتابه اليوم، فإنه يراودني الأسف لذلك بعمق لأننا كنا سنتوصل إلى فهم لعدد من القضايا". (فيغوتسكي، 1976، 305).‏

وإذا أمكن أن نعتبر كلمات بياجيه أيضاً بمثابة المؤشر على حلول مرحلة جديدة في تعاطي علماء النفس الغربيين مع علم النفس السوفيتي، فإن ثمة الكثير من الوقائع التي تعزّز هذا الاعتبار. فالصورة التي تكونت على مدى عقود من الزمن لدى هؤلاء العلماء عن وضع علم النفس في الاتحاد السوفيتي أخذت تتغير تدريجياً منذ أواسط خمسينيات هذا القرن، أي بعد قيام العديد منهم بزيارة الاتحاد السوفيتي والتعرف عن كثب على نشاط علماء النفس فيه، وعودتهم إلى بلادهم وهم يحملون انطباعات إيجابية عما شاهدوه واطلعوا عليه. فقد لخص بريان سيمون BRIAN SIMON الأستاذ في جامعة ليستر نتائج لقاءاته بعلماء النفس السوفيت واطلاعه المباشر على أعمالهم أثناء زيارتين قام بهما للاتحاد السوفيتي عام 1955 و1961 بقوله: "لقد اتضح لي أن علماء النفس السوفيت ليقومون بمحاولة بالغة الإتقان والضبط للنفوذ إلى عملية التعلم البشري. وإن هذا العمل يعتبر أحد المجالات الرئيسية لتطبيق علم النفس. وهو مجال ساهم فيه كل علماء النفس السوفيت المشاهير مساهمة محددة معروفة" (عاقل 1981- أ، 196).‏

ومهما تكن الحجة التي يقيمها هذا الطرف أو ذاك فإنّ الصراع الأيديولوجي بين الشرق والغرب، أي المعسكر الاشتراكي سابقاً والمعسكر الرأسمالي الذي لم تخمد جذوته إلا منذ سنوات قليلة أثرّ بصورة سلبية على علاقة العلماء، ومن بينهم علماء النفس، في العالم بعضهم ببعض، وحجب الكثير من الحقائق والوقائع العلمية التي كان من الممكن توظيفها على نحو أفضل بكثير مما حصل ووضعها في خدمة الإنسانية ورقيها.‏

إن العودة إلى الوراء قليلاً تبين أن علم النفس في روسيا قبل عام 1917 وقيام الثورة الاشتراكية كان جزءاً من علم النفس الغربي. فقد وجدت مدارس واتجاهات غربية عديدة أتباعاً وأنصاراً لها في صفوف علماء النفس الروس. وشهدت قاعات المؤتمرات والندوات وصفحات الدوريات المختصة مناقشات ساخنة وخلافات حادة بين ممثلي المذاهب الفكرية والسيكولوجية داخل روسيا شبيهة بالتي كانت تدور في الغرب. وإلى جانب ذلك فقد كان علم النفس في روسيا يتمتع بسمة خاصة جعلته يختلف عن علم النفس الغربي. وتستمد هذه السمة خصوصيتها من الوضع الاقتصادي والاجتماعي الذي كان سائداً في المجتمع الروسي، والمستوى الثقافي الذي وصل إليه. ولقد عكس المفكرون والفلاسفة الروس ذلك من خلال عرضهم للقضايا المطروحة وكيفية معالجتها، ولم يخرج المهتمون منهم بظواهر النفس أو الوعي عن هذا التقليد. وكانوا يشاركون عبر كتاباتهم في تحليل الواقع وتحديد الأسباب والعوامل التي آلت إليه والبحث عن السبل الكفيلة بتجاوزه وتحسينه.‏

ومن هذا المنظور يمكن تناول الفكر السوسيولوجي والسيكولوجي في روسيا خلال القرن المنصرم بوصفه رصداً لواقع التخلف والبؤس والظلم الذي عانى منه الشعب الروسي، ومحاولة لتحليله وتفسيره ووضع التصورات عما ينبغي فعله من أجل واقع أفضل. كما يمكن فهم اهتمام الكثير من المفكرين الروس بالإنسان وقيمته ودور المجتمع في تطوير قدراته وإمكانياته، ومعارضتهم الشديدة للنظرة "الرسمية" التي تنسب الصفات الإنسانية الداخلية والخارجية، النفسية والجسمية، وتوزعها بين البشر إلى قوى لا يملك أحد حيالها إلا الإذعان والتسليم.‏

وسنعرض من آراء ومواقف أبرز المفكرين الروس ما يمس الجانب السيكولوجي بدءاً من القرن الثامن عشر حتى ظهور علم النفس كعلم مستقل في فصل خاص وسوف نخصص فصولاً أخرى للحديث عن أهم الدراسات الروسية في ميادين الطب والتشريح والفيزيولوجيا. ثم نفرد فصلاً آخر لبسط أفكار وتصورات أشهر المربين الروس الذين عاشوا خلال الفترة الزمنية المذكورة.‏

ونحن إذ نفعل ذلك، إنما نعتقد بأن تلك الآراء والمواقف الفكرية، والدراسات العلمية والأفكار والتصورات التربوية هي التي مهدت الطريق أمام ظهور علم النفس الروسي، ومن ثم السوفيتي.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244