|
||||||
| Updated: Wednesday, October 15, 2003 01:35 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
- الفصل الحادي والثلاثون : الفكر السيكولوجي في روسيا القيصرية شهد القرن السابع عشر بداية ظهور السلعية ـ النقدية ونشوء سوق مركزية عامة في روسيا. ونجم عن ذلك فيما بعد توحيد الإقطاعات والإمارات الذي أدى، بدوره، إلى زيادة الإنتاج الزراعي والاهتمام بالحرف التي كانت تستجيب لمتطلبات هذا القطاع. وفي النصف الثاني من القرن نفسه عرفت الصناعة في هذا البلد بعض التقدم. وظهرت الحاجة إلى وجود مستوى من المعارف والمهارات لدى العمال أفضل وأعلى مما كانوا عليه في السابق. وتمشياً مع تلك التغيرات الطارئة واستجابة لما ترتب عنها من شروط ومتطلبات أقيمت المدارس والمعاهد العليا. وقد عرفت هذه المؤسسات التعليمية خلال النصف الأول من القرن الثامن عشر تطوراً ملحوظاً. وتخرج منها في تلك الفترة علماء ومفكرون ومهندسون وأدباء، كان أبرزهم لومونوسوف. لومونوسوف ولد م. ف. لومونوسوف (1711 ـ 1765) في أسرة فقيرة. فقد كان والده يعمل في صيد السمك في محافظة أرخا نغلسك الواقعة في أقصى الشمال الروسي. ويروى أن لومونوسوف قطع المسافة بين أرخانغلسك وموسكو مشياً على قدميه ليلتحق بالمعهد العالي للغات السلافية واليونانية واللاتينية، ولما يتجاوز بعد التاسعة عشرة من العمر. وكان ميله الشديد إلى المعرفة، وموهبته الفذّة أقوى من الفقر والبؤس اللذين كابدهما عبر سنوات دراسته. وبعد تخرجه من معهد اللغات انتقل إلى بطرسبورغ ليتابع تحصيله العلمي في أكاديمية العلوم. لقد جمع لومونوسف في شخصيته بين حدة الذكاء ودينامية الفكر وقوة الشكيمة وحب العمل. واهتم بالفيزياء والكيمياء والتعدين إلى جانب اهتمامه بالمجتمع والنفس واللغة والأدب، وبرع في هذه الميادين جميعاً، ممّا أهلّه ليكون عضواً في الأكاديمية الروسية، ومن ثم في أكاديمية العلوم السويدية. وقد أطلق عليه الشاعر الروسي المعروف الكسندر بوشكين (1799 ـ 1837) اسم "الجامعة الروسية الأولى". وإليه يرجع الفضل في تأسيس جامعة موسكو. وهي الجامعة التي سميت فيما بعد باسمه تكريماً له واعترافاً بجهوده ومساهمته في التقدّم العلمي. نسب لومونوسوف نشوء الإدراك الحسي عند الإنسان إلى وجود سائل حيوي يتوضع في الأعصاب، دائم الحركة، لا تعرف أجزاؤه التوقف ولا السكون. وقد اعتقد أنه بفضل هذه الحركة المستمرة يتم إبلاغ الدماغ بما يجري في النهايات العصبية من تغيرات بسبب تأثير الموضوعات الخارجية عليها. وذهب لومونوسوف إلى أن المعرفة تبدأ بالتجربة. فالتجربة العملية، في رأيه، تحمل قيمةً كبيرةً بالنسبة للإنسان، لأنها تؤلف المصدر الأول لكل ما يملكه من معارف عن العالم الخارجي. وفي هذا الشأن يقول: "إني أُحِلُّ تجربة واحدة مكانة أعلى من ألف رأي يولده التخيل فقط". (لومونوسوف، 1948 ـ 1955، 125). وتناول لومونوسوف اللغة من خلال الدور الهام الذي تقوم به في نشاط النفس، ولاسيما في العمليات العقلية، فوجد أن بفضلها استطاع الإنسان أن يرتقي بعمله وفكره. وأشار إلى العلاقة بينها وبين التفكير بوصفها علاقة متبادلة، لا يمكن لأي طرف فيها الاستغناء عن الطرف الآخر. كما سعى إلى معرفة نشوء الانفعالات والعواطف والوقوف على طبيعتها. وفي هذا الصدد يشير في أكثر من موضع ومناسبة إلى الأساس المادي الفيزيولوجي الذي تقوم عليه هذه المظاهر الشعورية، والمتمثل في حركة الدم داخل الأنفاس الحيوية. ولما كان الوعي، بالنسبة للمونوسوف، يقوم على التجربة ويتطور من خلال معطياتها، فإننا نجده يبرز الدور الفعّال الذي يضطلع به النشاط في تشكل الشخصية وتطورها. حيث يقول: "كل نيّة سديدة من غير فعل ميتة وباطلة وعديمة النفع" (المرجع السابق، 320). راديشيف وخلال القرن الثامن عشر برزت في روسيا أسماء كثيرة عرف أصحاب مجموعة منها بالمنورين. فقد حمل هؤلاء لواء الدعوة إلى العدالة الاجتماعية والمساواة بين الناس في زمن ازدادت فيه شراسة نظام القنانة. ولاقت أفكارهم صدى إيجابياً، واسعاً وقوياً في صفوف الطلبة والمثقفين والفلاحين. وتحت تأثيرها تحركت جموع الفلاحين الفقراء في العديد من المدن والأرياف الروسية، وقامت بسلسلة من الانتفاضات ضد ظلم الطبقة الحاكمة واستبدادها. وكان اسم راديشيف أكثر هذه الأسماء شهرة، وأشدها تأثيراً على حركة النضال الشعبي في روسيا القيصرية عبر عقود طويلة من الزمن. ولد أ. ن. راديشيف (1749 ـ 1802) في موسكو. وتلقى تعليمه في المدرسة الثانوية التابعة لجامعتها. ثم سافر إلى لا يبزغ، حيث درس في جامعتها وتخرج منها. وأثناء وجوده هناك اطلع على أعمال المنورين الفرنسيين وتأثر بها كثيراً. وبعد عودته إلى بلاده تقليد مناصب حكومية عديدة. وخلال السنوات التي كان يزاول فيها مهامه الوظيفية اطلع على معاناة الفلاحين والظلم الذي كان يلحقه بهم ملاك الأراضي. وإزاء تلك المشاهدات التي تعكس بؤس الإنسان الروسي حدد راديشيف مهمته المركزية في التخلص من الحكم القيصري المطلق باعتباره علة هذا البؤس. وتعد قصيدته "الحرية" دعوة صريحة ومباشرة للقيام بالثورة الشعبية والإطاحة بالقيصر. أما كتابه "رحلة من بطرسبورغ إلى موسكو" الذي نشره عام 1790، فإنه يشكل إدانة مدعومة بالوقائع والأحداث للنظام القائم، فقد فضح راديشيف من خلاله ظلم الطبقات الحاكمة، وصوّر فيه الآلام المريرة التي يكابدها الفلاحون المحرومون من أبسط حقوق البشر. ويجمع المؤرخون السوفيت على اعتبار هذا الكتاب صرخة غاضبة في وجه عبودية الإنسان للإنسان، ونداء من أجل الخلاص من سلطة القيصر والطبقة المستبدة وإقامة الجمهورية في روسيا (إبيغانوف وفيدوسوف، بلا تاريخ، 273) إلى مصادرته وألقت القبض على صاحبه وحكمت عليه بالإعدام ثم خُفِفَ الحكم إلى النفي. وأثناء سنيّ المنفى وضع راديشيف كتاباً في أربعة أجزاء سمّاه "الإنسان: موته وخلوده". وفي عام 1801 سُمح لراديشيف بالعودة إلى بطرسبورغ. وفيها بقي عاماً واحداً لم يحتمل أثناءه العسف الذي مارسته السلطة عليه وعلى جماهير الفلاحين الفقراء، فوضع حدّاً لحياته عام 1802. أقام راديشيف تصوراته وأفكاره عن الوعي الإنساني على أساس مادي. حيث وجد أن الدماغ هو عضو الفكر والنشاط الذهني. وفي سياق الحديث عن الوظائف المختلفة التي يقوم بها هذا الجزء المعقد والهام من جسم الإنسان يتوقف راديشيف ليشير إلى عدم إمكانية تحديد موضع أي وظيفة نفسية فيه. وقد اعتمد في رأيه هذا على معطيات علم التشريح التي لم تكن وقتها قريبة من حدود هذا الموضوع. وأكثر من ذلك فإنه تنبأ باستحالة توصل العلم في المستقبل إلى مثل هذه التحديدات والتقسيمات، ذلك لأن ربط هذه الوظيفة أو تلك بعمل جزء أو منطقة من الدماغ لم يتم إلا عبر تجزئة النشاط النفسي، وهذه محاولة لم يقدّر راديشيف لها النجاح. وربط راديشيف تطور النشاط النفسي عند الإنسان بالمثيرات التي تستقبلها أعضاء الحس من العالم الخارجي وترسلها إلى الدماغ. وضمّن العالم الخارجي المناخ والخصائص المكانية وظروف الحياة والأشياء والناس. فكل عنصر منها يمكن أن يؤثر على الإنسان ويكوّن حياته النفسية. على أن راديشيف لم ينظر إلى الإنسان كطرف سلبي يخضع للتأثيرات الخارجية وحسب، بل إنه كان يبرز دوماً دوره الفعّال وقدرته على الابتكار والإبداع. وفي هذا يقول: "إن الأشياء الخارجية تؤثر فينا دوماً بالقياس مع علاقاتها بنا" (راديشيف، 1952، 404). ولقد صاغ راديشيف نظريته في النشاط النفسي وأنواعه ومصادره في ضوء أفكار لوك وتعاليمه. وهذا ما لم يخفه أو يكتمه، بل كان يصرّح به أثناء محاكماته العقلية ويظهر بوضوح في اقتباساته التي تتضمنها حججه وبراهينه. وتقوم هذه النظرية على الاعتقاد بوجود نوعين من النشاط النفسي أو التجربة الفردية: النشاط الحسي أو التجربة الحسية، والنشاط العقلي أو التجربة العقلية. ويستمد النوع الأول وجوده من عمل الحواس. بينما ينشأ الثاني بفضل العمليات العقلية الداخلية كالمحاكمة والاستدلال. فمعارفنا عن أنفسنا وعمّا حولنا تأتينا من الإحساسات. يقول راديشيف: "التجارب هي الأساس الحقيقي لمعرفتنا الطبيعية" (المرجع السابق، 303). أما أفكارنا المجردة فهي ثمرة النشاط العقلي الذي يجري في داخلنا. وعلى أساس هذا التصور وجد راديشيف أن ثمة نوعين أو مستويين للمعرفة: المعرفة الحسيّة، والمعرفة الاستدلالية. وانسجاماً مع ما طرحه من قبل حول وحدة نشاط النفس، فقد أكد تلازم هذين المستويين وارتباطهما الوثيق بعضهما ببعض. ومن المسائل التي توقف عندها راديشيف مطولاً وأولاها اهتماماً خاصاً هي مسألة القوانين التي تخضع لها بنية الإنسان وتطوره. فوجود أن الحل الأمثل لهذه المسألة يمر عبر مقارنة الإنسان بغيره من الأحياء وموقعه بالنسبة لها. وباستخدام هذا المنهج واعتماداً على ملاحظاته وعلى المنجزات العلمية توصل إلى أن الإنسان والحيوانات يخضعون لقوانين طبيعية واحدة. يقول في صدد الدفاع عن منهجه واستنتاجه: "إننا لا نحطّ من شأن الإنسان إن نحن ألفينا تشابهاً من حيث البنية بينه وبين المخلوقات الأخرى، ونظهر أنه في الجوهر يتبع معها القوانين ذاتها". (المرجع السابق، 298). غير أن ما استخلصه راديشيف من أن الإنسان صار إلى ما هو عليه بتكوينه الدقيق والمعقد بفعل نفس القوانين التي جعلت بنية الحيوانات على نحو ما نراه اليوم، لم يحجب عنه رؤية ما بين الإنسان والحيوان من فرق واختلاف. وفي هذا السياق نراه ينوّه بالدور الهام الذي يلعبه انتصاب قامة الإنسان وطريقة مشيته واستخدام يديه في العمل ونشاط أعضائه الحسية في التطور النوعي والفردي على حدّ سواء، مما مكّن الإنسان من احتلال المكانة الأرقى بين الكائنات الحية. ولإثبات صحة هذا الرأي يرجع راديشيف مرةً ثانية مقارنة الإنسان والحيوان ليعرض ما ينتجه الإنسان من أدوات وخيرات مادية وروحية بفضل قدرته على العمل من جهة وليشير إلى غياب جميع أشكال الإنتاج في عالم الحيوان من الجهة المقابلة. وكشف من خلال هذه المقارنة أيضاً عن وجود فرق كبير بين القدرات الحسية (البصر، السمع، واللمس) التي يمتلكها الإنسان وما يقابلها عند الحيوانات. وذهب إلى أن الفضل في تطور الإدراك الإنساني يرجع إلى أوجه النشاط المختلفة التي يمارسها الإنسان، ومن بينها النشاط الفني، كالرسم والنحت والموسيقا. كما وجد أن اللغة كانت ولا تزال من أهم عوامل ارتقاء الجنس البشري. وهي الأداة التي لا يمتلكها من المخلوقات سوى الإنسان. وهذه الأداة تمدّ الفكر بأسباب التطور. فإذا كانت اليدان الطريق المؤدية إلى العقل، فإن الكلام وسيلة هذا العقل في اكتساب الخبرات والمعارف المتعلقة بالبيئة الخارجية والقيام بالمحاكمات المنطقية. ولئن كانت الظواهر النفسية المذكورة (الإدراك، اللغة، العقل) تتطور في مجرى النشاط الذي يقوم به الإنسان، فإن لهذا النشاط، عند راديشيف، بعداً اجتماعياً. فالفرد لا يمارس أيّ ضرب من ضروب النشاط خارج المجتمع. ومن غير الممكن أن نتصور الأمر على نحو آخر. ذلك لأن إنسان، كما يراه راديشيف، كائن اجتماعي. وهو مخلوق لكي يعيش في المجتمع. وعلى هذا يحمل راديشيف المجتمع مسؤولية كبيرة في تطور الفرد من النواحي الجسمية والعقلية والانفعالية والعاطفية والإرادية. ولقد اتخذ راديشيف من مشاعر الحب بشكلها ومضمونها الإنسانيين دليلاً على تأثير المجتمع في البناء النفسي لأفراده، وحجة دامغة على الفارق الجوهري بين الإنسان والحيوان. فبيّن أن ما يصدر عن الإنسان من أفعال وتصرفات تعكس مشاعر التعاطف لديه ونزعته إلى التضامن والتعاون من أبناء جلدته هو إحدى العلامات البارزة التي تجعله يتميز عن سائر الكائنات الحية. وكانت الاستعدادات والمواهب إحدى المشكلات التي تناولها راديشيف وسعى إلى حلها. ولقد انطلق في مسعاه هذا من مبدأ تفاوت الناس واختلافهم الفطري في الطبع والبنية العصبية والاستثارة، ونقده للمنورين الفرنسيين الذين قالوا بفكرة المساواة بين البشر في الاستعدادات والمواهب الفطرية. وعلى الرغم من هذا التفاوت الذي تفرضه الطبيعة، فإن راديشيف لم ينس دور المجتمع والتربية وظروف الحياة في التطور النفسي عامة، وفي تطور القدرات وتفتح المواهب عند الناس خاصة. وهنا يذكّر بعدد من القادة التاريخيين والعلماء الأفذاذ، أمثال الاسكندر المكدوني وإسحاق نيوتن، كنماذج تبرهن على ما للظروف الحياتية وقوة الإرادة من أهمية بالغة في إعداد الشخصية. ولقد لخص رأيه هذا حين قال: "إن ظروف الحياة هي التي تصنع الرجال العظماء". إن راديشيف، وهو الداعية إلى تغيير الأوضاع في مجتمعه، لم يسلّم بالأمر الواقع. فبالرغم من قناعته بأن ظروف الناس الحياتية وما ينتج منها من تفاوت في قدراتهم بإمكانياتهم ومواقعهم هي واقع قائم لا يمكن إنكاره أو التشكيك فيه، فإنّه لم يتردد قط في المطالبة بالمساواة بين الناس. ولكم كان هذا الطلب حلماً بعيداً، إن لم نقل مستحيلاً، في ذلك الزمان، إذ أنه كان يعني القضاء على الحكم القيصري وإنهاء استغلال الفلاحين الذين كانوا يباعون ويشترون وهم مكبلون بالأصفاد. لقد جاءت دعوة راديشيف إلى الثورة على الظلم والاضطهاد ومطالبته بالمساواة بين الناس تجسيداً لإيمانه القوي بأنه الظروف الحياتية ليست قدراً محتوماً، وأن تحسينها سوف يؤدي لا محالة إلى تطوير الاستعدادات والقدرات والمواهب التي يحملها أفراد المجتمع، وإلى خلق الحاجات التي يحدد البحث عن تلبيتها اتجاههم ويساعد على تطورهم النفسي. فالحاجات الإنسانية تلعب دوراًٍ كبيراً في تحديد سمات الشخصية. وهذا ما حاول راديشيف أن يبرزه خلال استعراضه لمراحل حياة لومونوسوف ونشاطه العلمي. حيث رأى أنه لولا ميل هذا الإنسان الفذ القوي نحو العلم، وحبّه العميق للمعرفة والإطلاع لما استطاع أن يرقى بمواهبه إلى تلك الدرجة العالية التي بلغتها. فعلى الرغم من قسوة الظروف والبؤس اللذين عانى منهما في طفولته، فإن تعطشه للمعرفة دفعه إلى إزالة جميع الصعوبات وتجاوز كافة العراقيل التي صادفها في طريقه، وحفزه إلى العمل بكل ما أوتي من طاقة ليوفر الظروف اللازمة ويفتّح ويطور ما أودعته لديه الطبيعة من مواهب. الديمقراطيون الثوريون في العقد الرابع من القرن التاسع عشر بدأت تظهر أفكار من عرفوا بالديمقراطيين الثوريين أمثال غيرتسن وبيلينسكي ودوبرلوبوف وبيساريف. وقد لاقت تلك الأفكار على امتداد أكثر من نصف قرن صدى واسعاً في صفوف المثقفين والطلبة والجماهير الشعبية. حيث أنها كانت تعبر بجرأة وصدق عن تطلعات الغالبية من أبناء الشعب الروسي في العيش الحر الكريم من خلال تصديها لواقع الظلم والفساد الذي عرفه المجتمع، ولاسيما بعد سلسلة الهزائم والإخفاقات التي مُنيت بها الانتفاضات الفلاحية، والتي كانت حركة الديسمبريين(1) آخر حلقاتها. وإذا سلّمنا بأن ظروف المجتمع الروسي في تلك الفترة كانت عاملاً محدداً لنشوء الاتجاه الثوري الديمقراطي، فإن بوسعنا أن ننظر إلى التقدّم الفكري والعلمي الذي أحرزته أوربة حتى ذلك الحين باعتباره المعين الذي نهل منه ممثلو هذا الاتجاه الكثير من المبادئ والمفاهيم، وساعدهم على تعميق نظرتهم إلى القضايا المطروحة وإغناء تصوراتهم حولها. فكان أمامهم الفكر الاشتراكي والجدل الهيغلي، ومن ثم المفاهيم التطورية الداروينية. مثلما كانت المعطيات الحياتية الغربية مشخصة تبعث لديهم الشعور بالألم والقلق على الأوضاع السائدة في مجتمعهم، وتحثهم بفعل أي شيء من شأنه أن يسهم في تهيئة الشروط الكفيلة بتقدمه. وهذا ما يتجلى في أعمالهم الأدبية، حيث تبرز توجهاتهم المدنيّة ونزعاتهم الإنسانية متجسدة في دعوتهم المتكررة إلى إقامة نظام يؤمن لجميع أفراد الشعب الحرية والعدالة والمساواة. إن حب الديمقراطيين الثوريين لوطنهم الروسي لم يكن ضرباً من التعصب والشوفينية والأنانية، بقدر ما كان تعبيراً عن شعورهم بالمسؤولية التي أحسوا بوطأتها كفئة مثقفة تجاه التخلف الذي يضرب بجذوره إلى أعماق مجتمعهم الذي هو، بالنسبة لهم، جزء من المجتمع البشري، وبقدر ما هو انعكاس لإيمانهم بأن أي جهدٍ يبذل في محاربة هذا التخلف، إنما هو فعل إنساني يصبّ في خدمة البشرية وازدهارها. فمحبة الإنسانية تمر، في اعتقادهم، عبر محبة الوطن. ومن لا يحب شعبه ووطنه لا يجد حب الإنسانية إلى قلبه وعقله سبيلاً. ومن لا يحس بالواجب أمام مجتمعه، فإن من العبث المراهنة على وجود هذا الإحساس لديه تجاه المجتمعات الأخرى. لقد نشأ الديمقراطيون الثوريون إذن على كراهية الظالمين والمفسدين والتعاطف مع المظلومين وضحايا الفساد. وبوحي من هذه المشاعر تكونت آراؤهم وتبلورت قناعاتهم في أنّ لا سبيل للخلاص من هذا الوضع إلا بعمل شعبي، ثوري يسقط النظام القائم، ويقيم نظام الحرية والعدل والمساواة. وهكذا نجد أنه بتضافر العامل الموضوعي المتمثل في الظروف الحياتية السيئة التي كانت تخيم على المجتمع الروسي، والإنجازات التي حققتها المجتمعات الأوربية الغربية على صعيد الفكر والعلم، والعامل الذاتي الذي تضمن نشأة الإنسان ونشاطه وتفاعله مع محيطه تبلورت أفكار الديمقراطيين الثوريين حول مجمل الظواهر الطبيعية والاجتماعية والنفسية التي كانت موضع اهتمامهم. وهذا ما يمكن أن يدركه كل من يتتبع مجرى حياتهم، وتفاعلاتهم مع الظروف التي أحاطت بهم، والعلاقات التي بنوها مع محيطهم. وسوف نتحدث بإيجاز عن تصوراتهم وآرائهم حول المسائل السيكولوجية. غيرتسن (1812 ـ 1870) ولد الكسندر ايفانوفيتش غيرتسن في موسكو. وكان والده من ملاك الأراضي الأثرياء. ومع هذا الغنى المادي الذي وجد غيرتسن نفسه فيه، فإنه كان يحس بالغربة في مجتمعه الأرستقراطي بسبب ولادته غير الشرعية، إذ أن والده لم يكن قد عقد قرانه على أمه بعد. وقد وصف إحساسه هذا فيما بعد بقولـه: "لقد نما لدي منذ السنوات المبكرة حقد لا يقاوم على كل ما هو عبودي وعلى كل تسلط". وتحت ثقل شعوره بالغربة بين أهله وجد نفسه يقترب شيئاً فشيئاً من الناس البسطاء، ويقيم علاقات طيبة معهم، الأمر الذي جعله يقف أمام الهوة السحيقة بين الطبقات الاجتماعية في وقت مبكر من حياته. ومنذ أن كان غيرتسن يافعاً أحس في داخله بميل لمعرفة الأحداث التاريخية التي مرت بها روسيا وأسبابها وأهدافها ونتائجها، ولاسيما تلك الأحداث القريبة التي كان يسمع عنها كحريق موسكو وانتفاضة الديسمبريين. وتنامى هذا الدافع بعد لقائه في جامعة موسكو بكل من بيلينسكي وأغاريف. وكان حينها لا يزال في السادسة عشرة من عمره. وقد أقسم مع أغاريف على أن ينتقما للديسمبريين، وأن يعملا سوياً لتظل شعلة النضال ضد الحكم المطلق متقدة. ولتحقيق هذا الهدف راح الصديقان يعملان بين صفوف الطلبة الثوريين لتوحيد جهودهم وتنظيمهم في حلقات. وفي تلك الأثناء اهتما على نحو خاص بتطور العلوم والفنون والآداب، ووضعا المشاريع والمخططات التربوية والتعليمية المناسبة. وفي عام 1934 اعتقل غيرتسن، ولم يمض على تخرجه من الجامعة سوى عام واحد ووجهت إليه تهمة التحريض لقلب النظام. فنُفي إلى مدينة فياتكا. وبعد أربع سنوات تزوج من ناتاليا زاخارينا، فأنجبت له أربعة أطفال. وعقب ولادة ابنه البكر الكسندر قال في مذكراته مخاطباً إياه. "أيها المخلوق الذي أطل.. إني أباركك! امضِ إلى الحياة، امضِ إلى خدمة الإنسانية... لقد حكمت عليك بأن يكون سبيلك وعراً". كتب غيرتسن العديد من مؤلفاته في منفاه. ولم يرَ أيٌّ منها النور إلا بعد عودته من المنفى عام 1842. ومن أهم مؤلفات "التسطيح في العلم" و"رسائل في دراسة الطبيعة" في الفلسفة، و"دكتور كروبوف" و"مَن المذنب؟" في الأدب. ولم تمضِ عدة سنوات على عودة غيرتسن من المنفى حتى وجد نفسه مضطراً للسفر إلى أوربا الغربية مع زوجته وأولاده. وأثناء وجوده خارج وطنه فُجع بموت والدته وابنه الصغير نيكولاي ومربيه غرقاً، ومن ثم بموت زوجته بعد أقل من عام. وكان لهذين الحدثين وقع كبير في نفسه وأثر بالغ في نظرته إلى الحياة. وعن إحساسه بالفاجعة كتب يقول: "لم يبق لي في الدنيا سوى أولادي وعملي". وعلى الرغم من مأساته فقد استأنف نشاطه الفكري، فأصدر بمساعدة صديقه أغاريف عام 1853 مجموعة "النجمة القطبية" وصحيفة "الناقوس". آمن غيرتسن بوحدة الوجود وماديته، مثلما آمن بوحدة مصير المجتمعات البشرية. ومن هذا المنطلق نظر إلى علاقة النفس أو الوعي بالجسد باعتبارهما وحدة متكاملة. ونفى أن يكون للطرف الأول، أي الوعي، أي وجود مستقل عن الطرف الثاني. ورأى أن الدماغ هو عضو الوعي وأداته المباشرة. ويبدو تأثير الأفكار النشوئية الداروينية وما اعتمدت عليه من معطيات علمية في مجال العمليات البيو كيمائية التي تجري داخل العضوية والارتباط القائم بين العضو والوظيفة التي يؤديها، واضحاً في التفسير الذي قدمه غيرتسن لآليات عمل الدماغ ونشاطه وما ينجم عن ذلك في مستوى الوعي. وبما أن الدماغ هو عضو القدرات العليا، فقد أوكل غيرتسن إلى علم الفيزيولوجيا مهمة البحث في بنية الدماغ، وإلى علم النفس مهمة دراسة الظواهر النفسية من حيث ارتباطها بهذا الجهاز العصبي المعقد. ودعا إلى التعاون الوثيق بين هذين الميدانين. واقترح على المهتمين بدراسة تجليات الوعي أن يعتمدوا في عملهم على المدخل التاريخي، وذلك لأن "النفس والفكر هما، في اعتقاده، نتاج المادة والتاريخ". (غيرتسن 1954 ـ 1965، ج 2، 361). وأن الوعي، في رأيه، ليس شيئاً جانبياً بالنسبة للطبيعة، وإنما هو درجة عليا من تطورها". (المرجع السابق، ج 3، 126، 127). ومن هذا المنظور فإن تاريخ الوعي يعتبر مرحلة لاحقة أو حلقة من حلقات التاريخ الطبيعي. ويتعذر علينا، والحالة هذه، فهم الإنسانية والطبيعة بمنأى عن معرفة مراحل تطورهما عبر الزمان. ولقد أقام غيرتسن نظريته في المعرفة على أساس الصلة الوثيقة والعلاقة المتبادلة بين مستوييها الحسي والعقلي. فلا عجب أن نراه يرفض وجود أي فكر خالص من غير حس لاعتقاده بأن المعرفة غير ممكنة بشكل مستقل عن عمل أعضاء الحس. كما ينفي، من الناحية المقابلة، وجود حس خالص دون تدخلٍ من جانب المعرفة. فعندما يحس الإنسان بشيء ما، فإنه يدرك ما يحسه ويعيه بفضل الفكر. وهكذا فإن الإحساسات، في ضوء ما تقدم، تعتبر أساس المعرفة وبدايتها. فهي تقوم بدور المحرّض للقدرة المعرفية كيما تباشر هذه القدرة عملها. بيد أن غيرتسن رأى أن عملية الحسّ ليست كافية بحد ذاتها لتغذية النشاط المعرفي بالمادة الضرورية. ولكي يتم ذلك على النحو الأمثل لابد من تدخل عملية التبصر. فهذه العملية هي التي تتولى مقابلة العناصر الحسية وتحليلها وتقديمها على صورة وقائع للفكر. وعلى هذا فإن تقرّب المرء مما يحيط به يمدّ فكره بتلك المادة، وتبصره بما تحتويه من عناصر يقربها إلى عقله، ويمهد السبيل أمام تمثلها. يقول غيرتسن: "إن التجربة والتبصر مستويان لازمان وحقيقيان وواقعيان لهذه المعرفة أو تلك" (المرجع السابق، ج 3، 101). وإذا كان الحس والعقل يؤلفان وحدة غير قابلة للتجزئة، فإن أبرز تجليات هذه الوحدة يراها غيرتسن متمثلة في العلاقة المتبادلة بين الفكر والكلمة. فالتعبير عن الفكرة بواسطة الكلمة المنطوقة أو المكتوبة يضع المرء أمام صورة واضحة لأفكاره الخاصة، يقول: "بالكتابة تنجلي الفكرة بالنسبة لي". وخشية الفهم الخاطئ وغير المحدد لهذا الرأي يضيف شرطاً آخر، هو الوضوح، أي وضوح الفكرة ووضوح الكلمة. ويعني بذلك ضرورة وضوح الفكرة في الذهن قبل النطق بها أو كتابتها، ووضوح الكلمات أو المفردات التي تستعمل للتعبير عن تلك الفكرة. ويعتقد غيرتسن أن بمقدورنا أن نجد لكل فكرة ما يناسبها وما يعبر عنها من الكلمات. فليست هناك فكرة يستعصي قولها ببساطة ووضوح... وهذا يتوقف بشكل أساسي على وضوح الفكرة عند المرء. فكلما كانت الفكرة واضحة أمكن انتقاء الكلمات المناسبة والضرورية للإعراب عنها بسهولة ويسر. ومن هذه المقدمات يقرر غيرتسن بأنه "لا توجد علوم صعبة. وإنما توجد كتابات صعبة" (المرجع السابق، ج 10، 172)، مستشهداً بصعوبة اللغة التي صاغ بها هيغل أفكاره. ومن الصفات التي خلعها غيرتسن على النشاط المعرفي الاستقلالية والدينامية. فمن خلال اهتمامه الكبير بالشخصية وبعوامل نشأتها وصيرورتها وجد أن للظروف الحياتية والبيئية المحيطة دوراً هاماً في تطور الفرد (المرجع السابق. ج 6، 120). ولكنه لم يذهب في فهمه لهذا الدور إلى الحد الذي يبدو فيه الإنسان طرفاًَ سلبياً أمام المؤثرات الخارجية، بل إنه، على العكس، نظر إليه كطرف فاعل مؤثر في محيطه وفي بناء الشخصية. ففي الصورة الانعكاسية ذاتها تتجلى وجوده الذاتي. ولعل ارتباط الإنسان ببيئته هو إحدى الحقائق التي لا يكاد أحد يشكّ في صحتها. ولكن هذا الارتباط لا يصل، في نظر غيرتسن، إلى درجة ارتهانه وعبوديته لتلك البيئة. فالجزء الأكبر من قدره ومصيره يجده غيرتسن بين يديه. وما على كل واحد منا إلا أن يعيه ويفهمه وأن لا يدعه يفلت منه. إن مسألة تحكم الإنسان بمصيره، إذن، تتوقف على درجة وعيه، فبقد ر ما يكون وعيه عالياً، يكون وجوده الذاتي كبيراً، وقدرته على توجيه مصيره عظيمة. والإنسان الواعي يستطيع فعل الكثير ليس من أجل فائدته الشخصية فحسب، بل ولمصلحة الآخرين أيضاً. ولعل أهم ما يتعين عليه أن يفعله هو تربية ذاته على حب العمل والبحث الدؤوب عن الحقيقة، وتربية الآخرين على مواجهة الصعاب والسعي للتخلص من كل ما يعرقل تطورهم المعنوي والروحي. وهنا يطرح غيرتسن مسألة حرية الإرادة. ويجد أن الخطوة الأولى في حلها تكمن في العودة إلى علاقة العضوي بالنفسي. فمن غير الممكن أن يفعل الإنسان شيئاً دون وساطة العضوية. ولما كانت الأخيرة تخضع للقوانين الطبيعية العامة، فإنه ينبغي النظر إلى حياتها كمجموعة محددّة من الظواهر التي تنشأ في مخبر فيزيائي وكيميائي غير متناه محيط بها. وفي هذه المجموعة تحتل الحياة التي تبلغ في تطورها مستوى الوعي مكاناً هاماً مما يجعل من المنطقي أن نربط الإنسان بإرادة ذاتية طليقة تقع خارج إطار تلك القوانين الطبيعية. بيلينسكي (1811 ـ 1848) ولد فيساريون غريغوريفيتش بيلينسكي في أسرة متواضعة. فكان والده طبيباً في الأسطول الحربي. وقد تعرف الابن على الوضع الاجتماعي المتردي وممارسات نظام القنانة البشع من خلال ملاحظاته الشخصية وأحاديث والده، مما جعله يحقد على ذلك النظام طوال حياته. تلقى بيلينسكي تعليمه في مدينة جيمبار ثم في مدينة بينزا. وفي عام 1829 سافر إلى موسكو ليكمل دراسته في جامعتها. وهناك تزعّم المعارضة الطلابية. وكوّن في البداية حلقة سميت بالحلقة رقم 11، وهو رقم الغرفة التي كان يجتمع فيها أعضاء الحلقة، ويناقشون قضايا الأدب والفكر والسياسة. وخلال هذه الفترة كتب بيلينسكي مسرحية "ديمتري كالينين"، وهي أول عمل أدبي له. تحدث فيها عن الظلم والاضطهاد الذي كان يعاني منه الأقنان، مما أثار غضب السلطات فعاقبته بالفصل من الجامعة. بدأ بيلينسكي مرحلة جديدة من المتاعب بسبب ضيق ذات اليد. واستطاع من حين لآخر أن يوفر بعض مستلزمات الحياة عن طريق العمل في الصحافة تارة، وإعطاء الدروس الخاصة والتعليم تارة أخرى. وفي عام 1834 استأنف نشاطه الأدبي، فكتب عدداً من المقالات التي انتقد فيها الأفكار والمعتقدات السائدة، ودعا إلى تعليم الشعب ورفع مستوى وعي أبنائه دون تمييز أو تفريق بين طبقاته. لقد آمن بيلينسكي بأن انتشار التعليم على نطاق واسع ليشمل جميع أبناء الشعب غاية لا تدرك في ظل الجور والطغيان، وأن الثورة الشعبية، بالتالي، هي سبيل خلاص المجتمع الروسي من هذا الواقع. وقد ضمّن هذا الإيمان رسالته التي كتبها إلى غوغول قبل وفاته، حيث قال: "إن روسيا ترى خلاصها... وفي نجاحات المدنية والتعليم والإنسانية. إنها لا تحتاج إلى مواعظ (فكفاها ما سمعت).... وإنما إلى إيقاظ شعور الكرامة الإنسانية لدى الشعب. هذا الشعور الضائع منذ قرون في الوحل والقمامة...". (إبيغانوف وفيدوسوف، بلا تاريخ، 328). تأثر بيلينسكي بأفكار هيغل المثالية. ويظهر ذلك للعيان من خلال تفسيره للعالم والوعي والعلاقة بينهما، حيث يكرر ما قاله هيغل من أن العالم هو مظهر للوعي، وأن كل ماهو موجود معقول، وكل ما هو معقول موجود. ولكنه يتراجع عن موقفه هذا فيما بعد محاولاً الانتقال إلى صفوف الماديين الذين يرون أن كل ماهو نفسي أو روحي ينشأ ويتطور بفضل النشاط الفيزيائي أو العضوي. وصار الوعي عنده، نتاج عمل الدماغ. ففي هذا العضو تتم العمليات الفيزيائية والكيميائية، التي تعد الأساس في صدور كافة التوجيهات العقلية. ولهذا وجد بيلينسكي أن هناك علاقة بين دراسة مظاهر النفس والفيزيولوجيا شبيهة من حيث قوتها ومتانتها بالعلاقة القائمة بين الفيزيولوجيا والتشريح. ونصح بضرورة اقتراب المهتمين بدراسة النفس من الفيزيولوجيا والاعتماد عليها والإفادة من معطياتها، مثلما تعتمد الفيزيولوجيا على علم التشريح وتفيد من معطياته. ولدى مقارنة هذه الميادين بعضها ببعض لم يهمل بيلينسكي أوجه الاختلاف بينها، بل أنه أشار إلى ضرورة التمييز بين الطبيعة النفسية والطبيعة الفيزيائية والفيزيولوجية. وفي سياق الحديث عن الطبيعة النفسية عرض بيلينسكي مواقف المثاليين والماديين الميكانيكيين من هذه المسألة، ووجه نقداً عنيفاً إلى مبدأ الأحادية الذي انطلق منه الطرفان. فالمثاليون قصروا عن رؤية الجسم الحي وراء الروح أو معها. والماديون الميكانيكيون لم يلاحظوا أي مظهر للروح وراء الجسم الحي أو إلى جانبه. واعتقد أن تجاوز هذا الموقف الأحادي (الروح أم العضوية؟) يكمن في الاعتماد على مبدأ وحدة المتناقضات. ولقد احتل موضوع الشخصية موقعاً مركزياً ضمن اهتمامات بيلينسكي السيكولوجية. والشخصية، كما حددها، هي كل ما يقدمه الواقع الموضوعي لكافة العمليات النفسية كالعقل والإرادة والمشاعر وما يتركه عليها من بصمات. ولما كانت ظروف الناس مختلفة، فإن ما يقدمه الواقع لكل منهم يجب أن يكون مختلفاً عما يقدمه للآخرين، وما يتركه من بصمات على صفاته وأحواله النفسية ينبغي أن يكون متبايناً أيضاً عما يتركه على صفات الآخرين وأحوالهم النفسية. هكذا يختلف بنو البشر بعضهم عن بعض في تركيبهم النفسي، ويكون لكل منهم خصوصيته أو ـ كما يسميها بيلينسكي ـ فردية ذاتية، أو شخصية. يقول بيلينسكي: "لكل إنسان وجه، إذن فلكل إنسان شخصية" (بيلينسكي، 1953، 1959، ج 9، 530). وهنا تكمن إحدى الخصائص التي تميز الإنسان عن الحيوان. فإذا كانت للجمادات والنباتات خصوصية، فإن للحيوانات صفة "الفردية". أما الإنسان فإنه يجمع بين الصفتين: الخصوصية والفردية. وهو فوق هذا، شخصية. وزيادة على ما سبق فقد حاول بيلينسكي أن يكشف في الشخصية عن جوانب أخرى، وأن ينظر إليها من خلال أبعادها المتعددة. وقد قاده ذلك إلى الاعتقاد بأن الشخصية هي شكل حي للمعرفة العقلية. وهذا ما أوضحه بقوله: "ولأن الإنسان شخصية، فإنه يدرك أناه، أي أنه يستطيع أن ينظر إلى ذاته ويتتبعها كما لو كانت كائناً غريباً عنه يعيش بدونه" (المرجع السابق، ج 7، 337). ولعل ما يميز إنساناً عن إنسان آخر هو، في رأيه، شخصيته الروحية، أي أحواله الانفعالية والعاطفية وقدراته العقلية. فللشخصية درجات ومستويات تنعكس في الفروق الفردية بين الناس من حيث مداركهم ودوافعهم وانفعالاتهم وقدراتهم. وهو ما تكشفه الحياة لنا في كل لحظة وفي كل خطوة. فنحن نعرف، بطرق مختلفة، شخصيات مستقلة تملك قدرات عالية ومواهب فذّة تجعلها قادرة على الفعل والتأثير في الأوساط التي تحيط بها، وشخصيات أخرى لا تحمل مثل هذه القدرات والمواهب، وتظهر عجزاً عن مقاومة التأثيرات الخارجية فتخضع لها وتمتثل لتوجيهاتها وأحكامها. إن ما يميز الشخصية القوية والفعالة، بالنسبة لبيلينسكي، هو وجود اتجاه واضح ومحدد لديها، وربما تعدّدت ميول الشخصية، واتجاهاتها، ولكنها غالباً ما تقع تحت تأثير أحدها فيوجّه أفعالها ويطبع نشاطها بطابعه الخاص. ويرى بيلينسكي أنه لكي تعيش الشخصية حياتها الروحية بالصورة التي تمنحها مغزاها الإنساني لابد لها من أن تميل نحو موضوع معين، أو أن تتجه دوماً إلى هدف محدد وتسعى إلى تحقيقه. فحياة الإنسان دون ذلك تبدو ناقصةً أو جوفاء، عديمة المعنى، وبه تكتسب قيمتها وأهميتها. ذلك لأن الاتجاه هو الذي يمد الإنسان بالطاقة اللازمة للنشاط ويفتح أمامه آفاق التقدم والتطور. وبالنظر إلى الدور الهام الذي يلعبه الاتجاه في الحياة النفسية للإنسان، فقد عدّه بيلينسكي واحداً من عوامل نشوء الشخصية ونموها. ثم أضاف إليه عاملاً آخر هو الظروف الخارجية التي عنى بها الوسط الاجتماعي الذي يترعرع ويحيا فيه الإنسان، والذي لا يستطيع أن يتطور إلا من خلاله. يقول بيلينسكي: "إن الإنسان يستطيع أن يتطور على أرضية اجتماعية، وليس لذاته" (المرجع السابق، ج2، 190) ونقرأ له في مكان آخر: "الطبيعة تشكل الإنسان، والمجتمع يطوره.. فالإنسان الذي يعيش في المجتمع يرتبط بنمط أفكاره، ونمط تصرفه". (المرجع السابق، ج 8، 82). ومرد ذلك، في نظره، إلى أن "الشعب هو التربة التي تختزن عصارة الحياة لكل تطور، والشخصية إنما هي زهرة هذه التربة وثمرتها" (المرجع السابق، ج 10، 368). ولعل في التركيز على الاتجاه والظروف المحيطة بوصفهما محدِّدين للشخصية إشارة واضحة من جانب بيلينسكي إلى الصلة القوية بين ما هو داخلي عند الإنسان وما هو خارجي عنه. وهذا ما يتجسد بصورة ملموسة في حديثه عن دور المجتمع في تبلور الشخصية، وتأكيده على أن الشخصية القوية التي تملك اتجاهاً واضحاً لا تكون أسيرة الظروف، بل إنها، على العكس، تسيطر عليها وتتحكم فيها على نحو يجعلها طوع إرادتها. فالعالم والفنان والأديب المبدع يستطيعون أن يسخروا ظروفهم الحياتية ويضعونها في خدمة رغباتهم وطموحاتهم. غير أن القوة التي تتمتع بها الشخصية وقدرتها على تجاوز الصعوبات ليستا شيئاً مطلقاً، وإنما هما، في رأي بيلينسكي، محددتان في الزمان. وهذا يعني أن نشاط الإنسان خاضع للشروط التاريخية. وهنا يقف بيلينسكي مع غيرتسن ليقول أن الإنسان، أياً كان ميدان نشاطه، ومهما بلغت قدراته على تخطي الصعوبات والعقبات التي تعترضه من القوة والعظمة، يظل ابن العصر الذي يوجد فيه. وقد عبّر عن هذه الفكرة بالكلمات التالية: "كل إنسان عظيم إنما ينجز عمل زمانه، ويحل مسائل عصره، وهو يجسد بنشاطه روح الزمان الذي ولد وترعرع فيه" (المرجع السابق، ج 4، 591). إن أهمية المدخل التاريخي لا تتجلى في دراسة الشخصية فحسب، بل وفي تفسير النشاط الإنساني وفهمه، والوقوف على الفروق القائمة بين الأفراد وداخل الشرائح والطبقات الاجتماعية. فإذا كان علينا أن نتعرف على الأسباب التي جعلت أبناء الطبقة العليا من المجتمع أكثر علماً وثقافة من أبناء الطبقة الدنيا، فإن المدخل التاريخي الذي اقترحه بيلينسكي يستدعي العودة إلى دراسة الشروط المحيطة بكل طبقة ومقارنتها بعضها ببعض عبر حركتها في الزمان. ولقد بيّن بيلينسكي أن أيّ دراسة من هذا النوع سوف تظهر أن إمكانية أبناء الطبقة الميسورة على توفير أدوات ووسائل الثقافة والعلم التي ابتكرها المجتمع، مقابل عجز أبناء الطبقة الفقيرة عن الإفادة من هذه الأدوات والوسائل نتيجة وضعهم المادي وموقعهم الاجتماعي هما وراء الفروق القائمة ين هؤلاء وأولئك في المعرفة والتحصيل العلمي والثقافي. لقد عارض بيلينسكي، كغيره من الديمقراطيين الثوريين، فكرة التوزيع الطبيعي للقدرات والمواهب. فالطبيعة، في رأيه، ليست مصدر الثراء الفكري والمعرفي لفئةٍ اجتماعيةٍ دون فئة أُخرى. إنها لا تغدق بعطاءاتها وهباتها على أناس وتحجبها عن الآخرين. وهي ليست كريمة مع البعض وشحيحة تجاه البعض الآخر. كتب يقول: "إذا كان معظم الناس المتفوقين ينحدر من الطبقات المتعلمة، فما ذلك إلا لأن هناك وسائل أكثر للتطور، وليس لأن الطبيعة كانت بالنسبة لأناس الطبقات الدنيا شحيحة في توزيع عطاءاتها.. وفي التعليم يبدو أكثر المتنورين خواءً أرفع من فلاح. غير أن ذلك لا يعيق فلاحاً آخر أن يكون أعلى منه عقلاً وشعوراً وطبعاً... ليس هناك إنسان يولد جاهزاً، أي مكوناً تماماً. والحياة هي تطور جارٍ دوماً وتكون مستمر" (المرجع السابق، ج 3، 418). إن جوهر التطور، والتطور النفسي ضمناً، يكمن في الحركة والسعي والإنجاز. والإنسان، إذ يتحرك ويعمل من أجل هدف ما، فإنه يتطور. وسعيه وطموحه لا يتوقفان عند إنجاز مهمة أو تحقيق غاية، بل إنهما يستمران بعد كل إنجاز ويمضيان دوماً إلى الأمام. وكلما كان طموح الإنسان كبيراً، كانت نزعته إلى الإنجاز قوية، وسعيه إلى تجسيد هذا الطموح في الحياة حثيثاً، وحظّه من الرضا وفيراً. وإذا كانت الحياة على هذا النحو من التقدم المستمر والحركة التي لا تعرف التوقف ولا التراجع، فإن مادتها وآليتها ترتبطان، في نظر بيلينسكي، بالصراع الدائم بين الجديد والقديم. ومع أن القديم يفرض نفسه على الإنسان فإن الجديد لابد وأن يجد طريقة إلى عقله وسلوكه بفضل فعاليته وتفاعله مع عالمه الخارجي. ومما تجدر ملاحظته عبر إشارة بيلينسكي إلى العلاقة بين العقل والنشاط هو عودته إلى التراث الهيغلي لتدعيم موقفه. فقد كتب يقول: "إن كل ما هو موجود، وكل ما ندعوه مادةً وروحاً، إنسانيةً وتاريخاًً، عالماً، كوناً، كل ذلك هو التفكير الذي يفكر لذاته" (المرجع السابق، ج 4، 586). ويمضي بيلينسكي في عرض تصوراته حول دور النشاط الاجتماعي والنفسي الذي يتميز به أبناء البشر عن الحيوانات فيجد أن هذا الدور لا يقتصر على تطوّر العقل عند الفرد وحسب، وإنما يتعداه إلى زيادة قدرة الناس على معرفتهم بعضهم بعضاً، وتقويم كل منهم للآخر. فالنشاط الإنساني يفرض على الناس جميعاً أن يشاركوا فيه، ويقيموا علاقات معينة فيما بينهم، ويضع بين أيديهم مقاييس ومعايير أخلاقية وجمالية وعقلية محددة، ويتيح لكل واحد منهم فرصة ملاحظة تصرفات الآخرين وأفعالهم وتقويمها على أساس تلك المقاييس والمعايير. كما أبرز بيلينسكي خاصية أخرى تميز الإنسان عن الحيوان، وهي الانفعالات والعواطف. وتحدث عن أهميتها في حياة الإنسان عامة، وقدراته العقلية خاصة، فجعلها نداً ملازماً للعقل، بل ومصدر قوة للفكر والمعرفة. يقول: "إن لدى الإنسان العظيم قلباً عظيماً" (المرجع السابق، ج 7، 523). ويذهب في اعتقاده إلى أن الحياة العقلية لا تكتمل إلا بالعواطف والانفعالات، وأن من الصعب تصور الوعي بمعزل عن تلك المشاعر. وقد عبّر عن هذه العلاقة بوضوح، حيث قال :" لا ترى في الفكر دون الشعور، وفي الشعور من غير الفكر سوى هبّة من الوعي، نصف وعي، بل ليس وعياً بعد" (المرجع السابق، ج 8، 278). ويرجع إلى نفس الموضوع في آخر عمل له ليشدّد على تلازم العقل والمشاعر ويعتبرهما قوتين لا تستطيع أي منهما الاستغناء عن الأخرى. بيد أن بيلينسكي لم يضع المشاعر جميعها في صف واحد، بل إنه ميّز بين الرفيع والوضيع منها، وتحدث عن أنواعها ومستوياتها المختلفة وما يحمله كل نوع ومستوى من قيمة للفرد وما يكتسيه من أهمية على صعيد الوعي. ولذا فإنه لم يحلّ تلك المكانة الهامة إلا ما يتمتع منها بالقدرة على التأثير الإيجابي في العقل، وما يتسم بالعمق والزخم والاستمرارية. وماعدا ذلك فهو، في رأيه، سطحي وعرضي وزائل. إنه يولد ويموت من غير أن يترك أثراً يذكر في النشاط العقلي للإنسان. أما المشاعر العميقة والقوية والدائمة فهي وحدها التي تشحن العقل بالطاقة الضرورية وتدفعه إلى النشاط المبدع، وتجعل الإنسان يقدم على عمله بقناعة وشغف ورضا، وتكسبه الثقة بالنفس والإيمان بالقيمة الأخلاقية والاجتماعية لما يقوم به. تشيرنيشيفسكي (1828 ـ 1889) ينتمي نيقولاي غافريلوفيتش تشير نيشيفسكي إلى أسرة متعلمة، فنشأ على حب المطالعة منذ نعومة أظفاره، إذ كان والده يحثه على القراءة، ويغرس لديه الميل إلى الإطلاع والمعرفة. وفي صيف عام 1846 سافر تشيرنيشيفسكي إلى بطرسبورغ لدراسة الأدب والتاريخ في الجامعة، وخلال السنوات الجامعية تبلورت أفكاره السياسية، والتحق بصفوف الديمقراطيين الثوريين وبعد تخرجه اشتغل في الصحافة والتعليم. وشيئاً فشيئاً لمع اسمه كمناضل صَلْب ضد حكم القيصر ونظام القنانة، وأحد المؤمنين بقدرة الشعب على النهوض في وجه الطغيان والظلم والقيام بالثورة وبناء المجتمع الجديد القائم على المساواة والحرية. ولذا فقد كرس كل جهده ووقته من أجل الثورة الشعبية، مما جعله محط آماله الحركة الثورية الديمقراطية في روسيا. فصار قائدها ومفكرها. ويعتبر تشيرنيشيفسكي أحد المثقفين الموسوعيين. فقد كان واسع الإطلاع في ميادين الفلسفة والتاريخ والاجتماع والاقتصاد والأدب والتربية. وتأثر منذ أن كان طالباً جامعياً بفلسفة فيورباخ، وأعجب بكتابه "جوهر المسيحية" بشكل خاص. وانتقد فلسفة أفلاطون وكانت وشيلنغ وهيغل. انطلق تشيرنيشيفسكي من وحدة النفس والبدن وتأثير الشروط الخارجية على الإنسان. وقسّم الظواهر عند بني البشر نوعين. فالأكل والمشي وما شابههما تنضوي تحت النوع الأول الذي يسميه "الظواهر الفيزيائية". والإحساس والرغبة والفكر وما إليها تنتمي إلى النوع الثاني الذي يدعو "الظواهر المعنوية". وطرح المفهوم الأنتربولوجي ليعني به وحدة الإنسان باعتباره كائناً ذا طبيعة واحدة، وليرد على أنصار تقسيمه إلى جوهرين متباينين. ويندرج كلامه عن الدور الهام للشروط الخارجية، ومن بينها المادية، ضمن محاولته لتوسيع هذا المفهوم حتى يشمل الجانب النفسي. وهنا يشير إلى أهمية هذا الجانب الذي يتضمن الخبرات والمعارف والأفكار في التطور الاجتماعي والتاريخي، كتب يقول: "دع السياسة والصناعة تتحركان بصخب من المقام الأول في التاريخ. فالتاريخ، رغم ذلك، يشهد بأن المعرفة هي القوة الأساسية التي تخضع لها السياسة والصناعة وكل شيء آخر في حياة الإنسان". (تشيرنيشيفسكي، 1939، ج 4، 6). ولقد ربط تشيرنيشيفسكي الوعي بالجهاز العصبي، وبالدماغ تحديداً. فالدماغ هو عضو الوعي وجهاز التفكير والمعرفة. وبفضل بنيته المعقدة وآليات عمله ارتقى الإنسان بقدراته العقلية والمعرفية إلى مستوى ليس بمقدور أي كائن حيّ آخر أن يبلغه. ويعتبر هذا الجهاز، في نظر تشيرنيشيفسكي، الحلقة الأخيرة من سلسلة طويلة من التحولات والتغيرات التي طرأت على المادة. ففي البداية تحولت المادة من الحالة اللاعضوية إلى الحالة الغازية ثم السائلة فالصلبة. وبعدها ظهرت الحياة مع تكوّن النبات. ومع تغيّر مظاهرها وتطورها نشأ الحيوان. وبلغ تطور هذا المستوى من الحالة العضوية للمادة أوجه عند الإنسان. وفي هذا الشكل الراقي والدقيق والمنظم ولد الوعي. ومع ظهور العلاقات بين الأفراد الذين يمتلكون هذا الوعي تكوّنت الشروط الاجتماعية، وأضحت محدّداً للسلوك الإنساني. وفي هذه اللحظة وجد تشيرنيشيفسكي نفسه أمام السؤال عن العلاقة بين الوراثة والبيئة ومساهمة كل منهما في تطور النفس. فحاول أن يقدم إجابة لا تختلف أو تتناقض مع منطلقاته. وخلاصة ما تضمنتها هذه الإجابة هي أن الإنسان لا يرث عن والديه سوى الطبع. ووراثة الطبع لا تعني، بالنسبة له، وراثة السمات النفسية. ذلك لأن الطبع يحدّد سرعة الحركة في المحيط وتقلبات المزاج. وهذه وتلك لا تحددان موقف المرء من عمله وسجاياه الطيّبة ومستوى قدراته الذهنية. وفي هذا الصدد يقول: "على الرغم من أن النمط الفيزيائي لإنسان ما يبقى دونما تغيير طوال حياته، وهو ما ينتقل عادةً من الآباء إلى الأبناء، فإن السمات العقلية والمعنوية.. تغيّرها ظروف الحياة ما لم تفعل تلك الظروف في نفس الاتجاه، حيث يحتفظ ارتباط تلك السمات به (أي بالنمط ـ ب. ع) بقوته" (المرجع السابق، ج 10، 887). ويواصل تشيرنيشيفسكي عرض فكرته فيرى أن الإنسان لا يولد طيباً أو شريراً، بل يصير طيباً في ظروف معينة، أو شريراً في ظروف أخرى مختلفة. ومن هذا المنظور يرفض فكرة التفاوت الفطري أو الطبيعي في القدرات العقلية بين البشر. فلون البشرة أو العرق أو السلالة لا تحدد، في اعتقاده، مستوى التطور الذهني عند الفرد. ولهذا فإنه ليس ثمة ما يدعو إلى الحكم على جماعة بأنها أكثر أو أقل ذكاء من جماعة أخرى، أو على شعب بأنه أعلى أو أدنى من شعب آخر بأخلاقه وقدراته لمجرد انتماء الجماعة أو الشعب إلى هذا العرق أو ذاك. ويتساءل في هذا السياق عن الأسباب التي تدفع بالبعض إلى القول بأنّ لون البشرة الأبيض هو التربة الخصبة والملائمة لتبلغ الحياة العقلية أعلى مراتب تطورها. بينما يفتقر لون البشرة الأصفر أو الأسود لهذه الصفة. وبما أنه نفى وجود هذه الأسباب ورفض جميع الأدلة التي يقيمها أصحاب النظرية العرقية، فقد اعتبر أنه من التعسف واللاعلمية النظر إلى الاختلافات الخارجية بين الناس أو الأعراق كأساس لتفسير وقائع التاريخ. لقد ذكرنا منذ قليل أن تشيرنيشيفسكي لم يكتفِ بالشروط الخارجية كعاملٍ يتوقف تكون الشخصية عليه وحده، وإنما أضاف إليها الشروط الداخلية مبيناً دورها في هذه العملية. وما عناه بالشروط الداخلية هو حاجات الإنسان ورغباته وطموحاته وفعاليته. فالحاجة، كما يراها، هي التي تحركنا وتدفعنا إلى العمل من أجل إشباعها. وتستمر على هذا النحو طالما أنها لم تُشبع، وأننا لم نحس بالرضا والارتياح. ويقسم تشيرنيشيفسكي الحاجات إلى نوعين: الحاجات الأولية والضرورية (كالحاجة إلى التنفس والطعام والشراب)، والحاجات العليا (كالحاجة إلى الحقيقة). وتحتل حاجات النوع الثاني مكانة متميزة في قائمة الحاجات التي وضعها تشيرنيشيفسكي. فمنها تستمد القدرات العقلية شحنتها، ومن أجل إشباعها تنشط تلك القدرات، ومن خلال مسعاها في هذا السبيل ترتقي وتتطور. ولكن جميع الأفعال التي يقوم بها الفرد لإشباع تلك الحاجات، ومن بينها الحاجة إلى الحقيقة بشكل خاص، كجمع الحقائق وتحصيل المعارف واكتساب القدرة على البحث واستخدام أدواته وطرائقه، لا يربطها تشيرنيشيفسكي بالحاجة وحدها، بل وبالظروف الخارجية المحيطة بالإنسان. فإذا كانت هذه الظروف سيئة، ولا تساعد على التحصيل المعرفي، فإن النشاط العقلي يضعف ويضمحل ويتلاشى. وعلى هذا الأساس فإن غياب الرغبة الذي نلاحظه عند بعض الأطفال لا يرجع، في رأيه، إلى ضعف الحاجة إلى المعرفة والإطلاع عندهم، بقدر ما يرجع إلى الأخطاء التربوية التي يرتكبها الكبار. أما الحاجة إلى النشاط فيعتبرها تشيرنيشيفسكي حاجة فطرية. وآية ذلك أن العضلات تحتاج إلى الحركة، مثلما تحتاج الأعصاب إلى التنبيه والإثارة لتكوِّن صوراً من موضوعات العالم الخارجي، والعين إلى رؤية الأشياء، واليد إلى لمسها والتعرف عليها، والأذن إلى سماع الأصوات والتمييز بينها ومعرفة مصادرها.. إلخ. فهذه المظاهر الحركية هي التي تمد الكائن الحي بالنشاط. ومن الحاجات التي تناولها تشيرنيشيفسكي بالبحث هي الحاجة إلى التجميع والاتصال بالآخرين. وقد وجد في هذه الحاجة مصدراً من مصادر التطور النفسي للفرد. فحينما يتجه المرء نحو غيره ويلتقي به ويقيم معه روابط معينة، فإنه يغني بذلك خبراته في شتى المجالات، ويطور إمكانياته الذهنية، وينمي مشاعره ويصقل إرادته. وفي هذا الصدد يقول: "يبرهن التاريخ وعلم النفس على أنه في اتحاد الناس يقوى ذكاء الإنسان وإرادته". (المرجع السابق، ج 4، 756). كما أشاد تشيرنيشيفسكي كذلك بالدور الفعال الذي تلعبه الرغبة والطموح في بناء الشخصية. ويتضح ذلك من خلال حديثه عن المغزى الإنساني الذي يحمله الهدف الذي يرسمه الانسان لنفسه ويسعى لتحقيقه. وبالقدر الذي يكون فيه هذا الهدف واضحاً ومناسباً، يكون الجهد المبذول من أجله كبيراً وموجهاً، وتكون المدلولات الإنسانية التي يتضمنها عميقة وسامية. فلا غرو أن يقرن تشيرنيشيفسكي الموقع الاجتماعي للفرد برغبته وطموحه، ويقرر أن الموقع الذي يود أن يشغله في المجتمع يتوقف على رغبته وإرادته وطموحه. وقد عبر عن رأيه هذا بجلاء حينما قال: "لا يصير مثقفاً ومؤدباً إلا أولئك الذين يرغبون أنفسهم أن يكونوا كذلك" (التراث التربوي، 1988، 272). دوبرلوبوف (1836 ـ 1861) ولد نيقولاي الكسندر دوبرلوبوف ونشأ في مدينة نوفغورد. وكرس سني حياته للعمل التربوي والصحفي. التقى بتشيرنيشيفسكي وأصبح صديقه الحميم. وعمل معه في تحرير مجلة "سوفر يمينك" ("المعاصر") منذ عام 1857. وكان واحداً من الديمقراطيين الثوريين البارزين. وعلى خلفية ثقافته ومقته الشديد للنظام القيصري أدرك دوبرلوبوف أن التربية والتعليم عمليتان لا تنفصلان عن السياسة، وأن السلطة الروسية القائمة تسعى لإبقاء الشعب متخلفاً وجاهلاً لعلمها بأن وضعه هذا يسهل عليها قيادته والسيطرة عليه. فلا غرابة أن يكون التعليم في روسيا حكراً على طبقة الأغنياء والميسورين. وحجة أصحاب النفوذ في هذا هي أن أبناء هذه الطبقة وهبوا دون سواهم من القدرات ما يؤهلهم للتعليم والسيطرة والسيادة. ومن الواضح أن هذه الحجة ـ كما يقول دوبرلوبوف ـ تقوم أساساً على نظرية المحدد الوراثي للقدرات والمواهب التي تخدم مصالح الطبقة الحاكمة لأنها "تبسّط" الأدوار والمهمات في المجتمع إلى حد بعيد. لم يوجه دوبرلوبوف نقده إلى الأفكار التي تصب في خدمة الطبقة الحاكمة فحسب، بل وإلى واقع التربية وأساليبها وأهدافها. ويرى أن النهوض بهذا النشاط الاجتماعي والإنساني يقتضي الاهتمام في المقام الأول بشخصية الطفل وتطويرها من جميع النواحي بصورة منسجمة وإعداده للحياة الرغدة، وتربية الشبيبة على كراهية التفاوت الاجتماعي والاستعداد لمقاومة الظلم والاضطهاد. ووجد دوبرلوبوف أن التعليم ليس مجرد نقل للمعلومات إلى أذهان الناشئة، وإنما هو عمل معقد ودؤوب يهدف إلى الارتقاء بذكاء الإنسان وقدراته العقلية. ولبلوغ هذا الهدف حدد مهمة المعلم في تعليم الأطفال "التفكير بصورة مستقلة، وإرشادهم إلى محبة المعارف، والتعبير عن المواد بمفاهيم واضحة وكاملة، وإعطاء مادة النشاط كل الإمكانيات والمتابعة الكاملة من أجل تطورهم" (دوبرلوبوف، 1961 ـ 1964، ج 2، 370). لقد عمل دوبرلوبوف ما بوسعه لتكون أفكاره وآراؤه منسجمةً مع مبادئه ونظرته إلى العالم والمجتمع. وتتمثل تلك المبادئ في اعتقاده بأن العالم مادي، وأن كل ما فيه يتحول من شكل إلى شكل آخر جديد، أو من حالة إلى حالة أخرى جديدة، وأن ما تملكه المادة من قوى خاصة لا توجد بذاتها ولذاتها. فكل ما تحتويه الطبيعة من ظواهر وأشياء هو نتاج التحول التاريخي والمستمر للأشكال المادية البسيطة إلى الأشكال المركبة، ومن الحالات غير الكاملة إلى الحالات الأكثر كمالاً. ولم يستثن دوبرلوبوف المجتمع من هذا القانون، بل إنه أخضع حركته إليه، مؤكداً الطابع التقدمي للتطور الاجتماعي. وقد فسر الظواهر الاجتماعية حسب مبدأ الحتمية. وهذا ما تبدى في كتاباته عن العظماء والمشاهير وربطه القدرات والمواهب التي يمتلكونها بالشروط الموضوعية لحياة المجتمع. فبعد أن يسلم بتأثيرهم على مجريات الأحداث التاريخية في السياسة والعلم والفن يرى أنهم كانوا هم أنفسهم يخضعون لتأثيرات مفاهيم وقيم العصر والمجتمع وتحوّلوا، فيما بعد، بفضل نبوغهم إلى مصدر التأثير في حركته وتطوره. وفي ضوء تلك المبادئ أشار دوبرلوبوف إلى الصلة الداخلية المتينة بين الإحساس والعقل، وبين التجربة الحسية والمعرفة المجردة. وذهب إلى أن نشاط أعضاء الحس يحسن من النشاط العقلي ويرفع مستواه. فالتجربة الحسية الغنية تمد العمليات بمادة عملها. وضعفها يقود لا محالة إلى انخفاض مستوى النشاط العقلي وتدهوره. وبهذا الصدد يقول دوبرلوبوف: "كلما كانت الانطباعات الخارجية التي يستقبلها الإنسان قليلة، كانت دائرة مفاهيمه ضيقة، وقدرته على المحاكمة، بالتالي، محدودة". (المرجع السابق، ج 2، 446). وهكذا يبدو واضحاً أن العالم الخارجي يؤلف، في تصور دوبرلوبوف، مصدر الحياة النفسية عامة، والعقلية خاصة. فمن غير الممكن، وفقاً لهذا التصور، أن تكون مادة النشاط المعرفي وموضوعاته شيئاً آخر خارج عالمنا الذي نعيش بين ظهرانيه. بيساريف (1840 ـ 1868) تلقى د. إ. بيساريف علومه في جامعة بطرسبورغ. وخلال دراسته كتب العديد من المقالات الأدبية والفلسفية والسياسية. وانضم أثناءها إلى الحركة الديمقراطية الثورية. وكان لآرائه وقع كبير في نفوس الشبيبة الروسية. وبعد عام من تخرجه من الجامعة اعتقلته السلطة القيصرية. ولكن اعتقاله لم ينل من عزيمته، وواصل نشاطه الفكري من معتقله في قلعة بطروبافلوف. عرض بيساريف آراءه الفلسفية في مقالات عديدة، أهمها "عملية الحياة" و"لوحات فيزيولوجية" و"تخطيطات ميلاشوت الفلسفية". وقد انطلق في صياغتها من مبدأ وحدة العالم وماديته، وفي تفسيره للظواهر الطبيعية والاجتماعية من قانون النشوء والارتقاء. فرفض فكرة فناء المادة وزوالها. كما عارض مبدأ ثبات العالم وسكونه. وكان أحد المعجبين بداروين، والمتحمسين لنشر تعاليمه في أوساط المتعلمين الروس، لقناعته بأنها تكتسي أهمية كبرى في تقدم علوم النبات والحيوان والتشريح المقارن والانتروبولوجيا والفيزيولوجيا وعلم النفس التجريبي. ولقد تجلى أثر النظرية التطورية الداروينية في نظرة بيساريف إلى الحياة، حيث بدت لـه كحركة دائمة تعج بالتغيرات وتمتلئ بالتحولات التي تشهدها الأحياء على اختلاف أنواعها. كتب فيما يقترب من تحديد الحياة يقول: "إنها (الحياة ـ ب. ع.) ليست سوى حركة وانتقال من شكل إلى آخر، وتحول دائم ومستمر..". (بيساريف، 1955 ـ 1956، ج 2، 349). ووجد أن في مجرى هذه الحركة وذاك التحول تتكون الشروط الملائمة لظهور الكائنات الحية. وهذا يعني، بالنسبة لـه، أن الشروط الملائمة لظهور الكائنات الحية. وهذا يعني، بالنسبة له، أن الشروط الخارجية، الموضوعية هي التي تلعب الدور الحاسم في التطور وظهور أشكال جديدة للحياة. ولعلَّ كلماته تجسد بشكل بارز وملموس وجهه نظره هذه. يقول: "إن جميع أشكال الكائنات الحية الموجودة على سطح الكرة الأرضية على اختلاف أنواعها هي وليدة تأثير شروط الحياة والاصطفاء الطبيعي" (المرجع السابق، ج 3، 383). وفي الميدان المعرفي يلحّ بيساريف على ضرورة توفير المعطيات والوقائع وتفحصها والإمعان فيها. ويوكل هذه المهمة إلى الحس والملاحظة فقط دون العمليات العقلية الأخرى كالتحليل والمحاكمة والاستدلال وسواها. إذ أنه لا يجد مكاناً لهذه العمليات في اكتساب الخبرات والمعارف. وعن هذا التصور القاصر لمحتوى المعرفة ومستوياتها يقول: "إذا أحسسنا بالشيء فإننا لسنا بحاجة إلى برهان على وجوده" وهكذا فالتجربة والمعرفة، عند بيساريف، حسيتان، ولا يتدخل أي نشاطٍ آخر من أي مستوى في تشكيل عناصرها ومعالجتها وجنباً إلى جنب سار بيساريف مع الديمقراطيين الثوريين الآخرين في معالجة للشخصية وعوامل تشكلها وتطورها. فأشار إلى أهمية الدور الذي تلعبه الظروف الاجتماعية ودرجة التطور الثقافي للمجتمع في الإعداد العقلي والوجداني والاجتماعي للفرد حين قال: "يرتبط الإنسان بكامل نشاطه وجميع صفات وخصائص شخصيته بالظروف المحيطة، وبكمية ونوعية الأفكار التي يتداولها معاصروه والتي وضعها أسلافه". (المرجع السابق، ج 2، 72). كما أنه لم يغفل إيجابية الإنسان وفعاليته أثناء تفاعله مع بيئته ودورهما في بنائه النفسي. واعتقد بأن الحياة أودعت في كل واحد منا قوة فاعلة تكسب أفعالنا وتصرفاتنا القدرة على التأثير في العالم الخارجي. ويمضي بيساريف في عرض تصوره عن محددات الشخصية فيجد أن الطبيعة تهب الإنسان ملكات عقلية، مثلما تهبه جهازاً عصبياً قادراً على العمل منذ الولادة. إلا أن توزيع هذه الملكات بين الناس كتوزيع الصفات الجسمية والفيزيولوجية ليس عادلاً. فالناس لا يولدون بملكات عقلية متساوية أو متماثلة، تماماً كما هو حالهم بالنسبة للصفات الجسمية والفيزيولوجية. ومثلما يوجد بينهم قصار القامة بالفطرة، يوجد ضعاف العقل بالفطرة أيضاً. وفي هذه الحالة لا يرى بيساريف أي إمكانية لإحراز تقدم يذكر على صعيد رفع مستوى الذكاء لدى هذه الفئة مهما كان الجهد المبذول في هذا السبيل كبيراً. وفي هذا المعنى يقول: "وباختصار فإن التربة العقلية بثرائها أو بفقرها، بسماتها واستعدادتها توهب من قبل الطبيعة" (المرجع السابق، ج 2، 73). ومن هذه النقطة يعود بيساريف مرة ثانية إلى التأكيد على دور البيئة وفعالية الفرد في تطور مختلف الجوانب النفسية عنده. فيشبه الإنسان بالنبات. فكما أن التربة وحدها لا تعطي الثمار التي يحملها النبات، فإن الطبيعة لا تهب الإنسان القدرات العقلية بصورة جاهزة. ولابد للشخصية كي تتبلور من توافر الشروط والظروف الملائمة. وقد وجد بيساريف أن تلك الشروط والظروف التي تحيط بالإنسان إما أن تساعد على دفع تطوره في الاتجاه السليم، وإما أنها، على العكس، تعرقل هذا التطور وتحد من حركته وتضعفها. ولقد حذا بيساريف حذو تشيرنيشيفسكي في نظرته إلى فعالية الفرد ومصادرها. حيث رأى أن الحاجات هي التي تدفعنا إلى القيام بعمل ما من شأنه إرواؤها وإرضاؤها. وهذه الحاجات نوعان: نوع يتصل ببقاء الفرد واستمراره، وآخر يتعلق بوضعه الاجتماعي. ويضم النوع الأول الحاجات الطبيعية، كالحاجة إلى الطعام والشراب والحاجة إلى المسكن والملبس والحاجة إلى الراحة والحاجة إلى الجنس، بينما يشمل النوع الثاني إلى التجمع والمعاشرة والتعاون. ويذهب بيساريف إلى أن عجز الإنسان عن الحياة بمفرده بسبب نيته العضوية المعقدة يجعل من حاجات النوع الثاني ذات أهمية استثنائية على صعيد نضج الأجهزة الفيزيولوجية عند الطفل وتفتح قدراته العقلية ومواهبه. كتب يقول: "الإنسان كائن ضعيف وعاجز وتعيس طالما أنه بقواه الذاتية وحدها يحاول النضال ضد قوى الطبيعة الفيزيائية والعضوية... وهو نفسه يخضع لسلطانه الماء والرياح، البخار والكهرباء، وهو عالم النبات وعالم الحيوان حينما يوحد قواه مع قوى الناس الآخرين" (المرجع السابق، ج 3، 184). ويضيف بيساريف إلى ما أورده من أدلة على أهمية الحاجات الاجتماعية أن تعاون الإنسان مع أبناء جلدته يمكنه من تنويع وتوسيع نشاطه بوجه عام، ويفسح المجال أمام نموه الذهني. وفي هذا المعنى يقول: "لا يستطيع عقلنا أن يتسع بصورة صحيحة، بل وليس بوسعه أن يظل متماسكاً وسليماً، إذا نحن لم نوحد قوانا العقلية مع القوى العقلية لغيرنا من الناس" (المرجع السابق، ج 3، 184). ولعل غياب أو ضعف الروابط الاجتماعية السليمة يؤدي، في نظر بيساريف، إلى اضطراب في نمو الشخصية، وربما يكون مصدراً لنشوء الأمراض النفسية. وقد عبر عن هذه العلاقة بقوله: "إن الأمراض النفسية تتطور دوماً تحت التأثير المستمر لتلك العلاقات التي تقوم بين الذات وبين الناس والظروف المحيطة به" (المرجع السابق، ج 4، 280). وأثناء الكلام عن علاقة الفرد بمن حوله من الناس وبما يحيط به من ظروف يشدد بيساريف على ضرورة أن يبدي الفرد خلالها فاعلية، وأن يحتفظ قدر الإمكان بمواقفه وآرائه المستقلة، أياً كان موقعه ودوره، ومواقع الآخرين وأدوارهم. والاستقلالية، كما يراها بيساريف، لا تنشأ من فراغ، ولا تظهر بناء على طلب الفرد وإرضاء لنزوة عابرة أو رغبة عارضة، وإنما تتكون وتصير مثلما هو شأن بقية السمات التي تقوم عليه الشخصية. ومن هذه الزاوية حدد بيساريف معالم الطريق إلى استقلالية الرأي، ورآها متجسدة أساساً في النظرة الجدية إلى الحياة، وتأمل كل ما يحيط بالإنسان من ظواهر وإمعان النظر فيه، ومطالعة الكتب الجيدة بغية تكوين وجهة نظر خاصة وثابتة وجلية عن العلاقات الاجتماعية وتقويمها وفق معايير ومقاييس موضوعية. ويجول بيساريف ببصره حوله فلا يرى سوى قلة قليلة من الناس تتمتع باستقلالية الفكر. وتضم هذه القلة النخبة من الشخصيات التي تكن للحقيقة حباً كبيراً مما يجعلها دائمة التفكير والتأمل، لأنها تلقى في ذلك إشباعاً لواحدة من أكثر الحاجات الأصلية إلحاحاً، ألا وهي الإحساس. بضرورة إيجاد متنفسٍ لتلك القوة التي يدخرها الإنسان في دماغه. بينما تكابد الأغلبية من الخمول الذهني والعوز العقلي. ولذا فإنك تجد الإنسان الذي ينتمي إلى هذه الأغلبية مستسلماً أمام المشكلات الحياتية البسيطة، مستجدياً معونة الآخرين من أجل حلها. وللخروج من هذا الواقع وتجاوزه نصح بيساريف بنشر التعليم معتبراً إياه الشرط الأساسي لتطور الاستقلال الفكري عند الناس. ولكن ليس بمقدور أي تعليم أداء هذه المهمة على النحو المنشود. فالتعليم القائم يمثل، في نظر بيساريف، النموذج السيئ الذي لا يملك ما هو مجدٍ أو مفيد لها. وتحويله أو تطويره إلى الحد الذي يجعله قادراً على إعداد أناس قادرين على تكوين أفكار خاصة بهم والدفاع عنها يستدعي توفير قواعد جديدة تراعي خصائص المتعلم وتعتمد على فعاليته وتسعى إلى مشاركته واستثارة نشاطه العقلي، أي تتجاوز حدود الاعتماد على ذاكرته فقط، وتركز على عملياته العقلية بغية تحسينها وتطويرها. وفي هذا الإطار أشار بيساريف إلى دور الخيال في تطور العقل، وبالتالي في الاستقلالية الفكرية. ولكنه حذّر، في الوقت ذاته، من تعميم هذا الدور على كافة أنواع الخيال وتجلياته. ووجد أن هناك خيالات تجنح بأصحابها وتبتعد بهم عن الواقع. فهذا النوع من الخيالات أو الفانتازيا الفارغة يثقل كاهل المرء ولا يقدم له سوى الحسرة والندم. يقول بيساريف: "إن الإنسان الذي يبني لنفسه عالماً من الوهم لابد وأن يصطدم، عاجلاً أم آجلاً، بالحياة الواقعية، ويحس بالألم أكثر، كلما ازداد العلو الذي ارتقى به إليه خياله الجموح ارتفاعاً" (المرجع السابق، ج 1، 14). وهناك بالمقابل، خيال آخر يغني المجرى الواقعي للأحداث ويشحن وعي صاحبه بالطاقة اللازمة للنشاط الفكري المبدع. إن هذا النوع من الخيال لا يبتعد عن الواقع بقدر ما يعكسه ويمده بالتفاصيل الدقيقة ويضيف إليه بعض العناصر التي تحفز الإنسان للقيام بالنشاط المناسب لتغييره والتأثير عليه على النحو الذي يحقق الهدف المرسوم ويخدم المصلحة العامة. وهذا ما عناه بيساريف بقوله: "عندما يكون هناك تماس ما بين الحلم والحياة، فإن كل شيء يكون على ما يرام. وعندئذ إما أن تتنازل الحياة للحلم، وإما أن يتلاشى الحلم أمام البراهين الواقعية التي تعرضها الحياة" (المرجع السابق، ج 3، 149). إن من يقرأ أعمال بيساريف يلاحظ بوضوح ودون عناء كبير القيمة الكبرى التي منحها هذا المفكر للعمل. وهذا ما يمكننا أن نتوقعه بعد أن وقفنا على تلك الحلقات المترابطة في إنشاءاته الفكرية. فمن البيئة ودورها، والتعليم وأهميته، إلى فعالية الفرد ومغزاها وخياله وقيمته، يمضي بنا بيساريف إلى حيث النشاط العملي الإنساني كحلقة هامة في سلسلة اهتماماته السيكولوجية. وهاهو يقف أمام العمل ليجد فيه الحياة، وليعلن أن الحياة عجفاء، فارغة من غير العمل، فالعمل هو الذي يمنح الحياة معناها ومحتواها الإنسانيين. يقول: "أجل إن الحياة عمل دؤوب، ولا يفهمها بشكل إنساني تماماً إلا من ينظر إليها من وجهة النظر هذه" (المرجع السابق، ج 3، 117). وقيمة العمل تتجلى لبيساريف في كونه أساس اجتماع الناس وتعاونهم وتآلفهم، وقاعدة التوافق والانسجام بين رغبات الفرد واهتماماته والأهداف الاجتماعية. فالإنسان الذي يحب عمله يقيم حياته على نحو لا تتعارض فيه مصلحته الذاتية مع مصالح الجماعة. كما أن قناعته بضرورة تكريس جهوده من أجل سعادة الآخرين يمنحه الإحساس بالحيوية والنشاط، ويحثه على تحسين قدراته وخبراته. ولعل ما يستوقف المرء في هذا المقام هو ذلك الارتباط الوثيق الذي أدركه بيساريف، والذي يجمع العمل اليدوي والعمل الذهني. ويبرز هذا الارتباط من خلال حاجة كل طرف منهما للآخر. ومن هذا المنطلق رفض بيساريف كل التصورات التي تغفل هذه العلاقة أو لا تشير إليها. فقد انتقد مالتوس بشدة لأنه تغاضى عن جانب النشاط الدماغي الذي يحرز الانتصار تلو الآخر في صراع الإنسان مع الطبيعة، ولم يرَ في العمل اليدوي سوى مظهره الخارجي أو جانبه العضلي. وصفوة القول أن الديمقراطيين الثوريين شدّدوا على الظروف الخارجية ودورها في بناء الشخصية. ومن منطلق العلاقة الوطيدة بين المستويين: الحسي والعقلي للمعرفة من جهة، وبين المجال العقلي والمجال الانفعالي والوجداني من الجهة الأخرى، أكدوا على ضرورة توجيه نشاط الفرد، وتفعيل قدراته الحسية والحركية والذهنية، وتمكينه من إقامة علاقات صحية وسليمة مع الآخرين بغية تطوير جوانبه النفسية المختلفة بصورةٍ متكاملة ومنسجمة. وعلى الرغم من وجود بعض النقائص والأخطاء في تصوراتهم وأفكارهم، فإن ما قدموه يعد خطوة هامة في تاريخ الفكر السيكولوجي الروسي. ومن يتابع تطور هذا الفكر في المراحل اللاحقة يلمس الآثار الإيجابية لتلك التصورات والأفكار. (1) ـ الديسمبريون: هم جماعة من الملاك الثوريين الروس، حاولت القيام بانتفاضة ضد نظام الفنانة والحكم القيصري المطلق في 14 ديسمبر (كانون الأول) عام 1825. وهكذا صارت تعرف بهذا الاسم نسبة إلى الشهر الذي جرت فيه هذه المحاولة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |