|
||||||
| Updated: Wednesday, October 15, 2003 01:35 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
- الفصل الثاني والثلاثون : الدراسات الفيزيولوجية والطبيعية في روسيا القيصرية شمل التقدم الذي عرفته روسيا إبان القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بالإضافة إلى الفكر والأدب، العلوم الطبيعية، ومنها الأحياء والتشريح والفيزيولوجيا بوجه خاص. ويعتبر إ. موخين (1766 ـ 1850) وإ. ديادكوفسكي (1784 ـ 1841). وأ. فيلومافيتسكي (1807 ـ 1849) أبرز من أسهم في تنشيط البحث العلمي في ميدان الفيزيولوجيا خلال تلك المرحلة. فقد تناول موخين الحياة النفسية بوصفها النشاط الذي يقوم به الجهاز العصبي. وفي ضوء ذلك وجد أن أداء هذه الوظيفة بصورة دائمة يؤول حتماً إلى غنى النفس وزيادة فعاليتها. ولما كانت بنية الدماغ تختلف من نوع حيواني إلى نوع آخر، فإن مستوى النشاط النفسي للكائنات الحية يتفاوت بتفاوت حجم ومضمون النشاط الذي يقوم به هذا العضو. فكلما كان دماغ الكائن الحي متطوراً وبنيته معقدة، كان حجم نشاطه كبيراً ومضمونه غنياً، ومستواه النفسي عالياً. وفي هذا الصدد يقول موخين: "كلما كانت طبقة أو نوع الحيوان أكثر كمالاً، كان دماغه أشد تعقيداً، وامتلك أجزاء من تشكيل عقل أكثر كمالاً. وبقدر ما تكون الأجزاء في دماغ الحيوان غير مكتملة بوجه عام، يكون هذا الحيوان أضعف عقلاً" (مباحث في تاريخ علم النفس الروسي، 1957، 6). وذهب موخين إلى مقارنة الإنسان بالحيوانات، فرأى أن الحيوانات وإن امتلكت من أعضاء الحس وما يملكه الإنسان، فإنها لا تتمتع بنفس القدر الذي يتمتع به من الحساسية والقدرة على إدراك الواقع، فهي ليست قادرة على الإحساس بجمال الأشياء وانتظامها وانسجامها مثلما يحس الإنسان. وعلى هذا الأساس بنى موخين تصوره حول العمليات العقلية عند الإنسان. حيث اعتقد بأن نشوء تلك العمليات وغناها يتوقفان على التجربة الحسية والنشاط الإدراكي للفرد. وقد عبر عن هذه الصلة بقوله: "إن القدرة على التفكير ترتبط بالحساسية وحالة الجهاز العصبي" (المرجع السابق، 13). وبقوله أيضاً: "الإنسان يحس ويتأمل قبل أن يعرف" (موخين، 1818، 102). وهذا ما دفعه إلى التأكيد على أهمية تدريب أعضاء الحس، ورفع مستوى حساسية الفرد في زيادة قدرته على التكيف مع محيطه الخارجي. وعبر هذه النظرة إلى ارتباط قدرات الإنسان بنشاط جهازه العصبي وخبرته الحسية المكتسبة استطاع موخين أن يكشف عما للبيئة من آثار في البناء النفسي. وإزاء الدعوات إلى تعيين مناطق العمليات النفسية في الدماغ وقف موخين موقفاً سلبياً، وانتقد ما توصل إليه جول في هذا الشأن من أن لكل جزء في الدماغ وظيفة محددة يتولى دون سواه من الأجزاء الأخرى القيام بها، وأن كل عملية عقلية أو حالة نفسية تحدث أو تتم في منطقة معينة ومحدودة من الدماغ. يقول: "لقد افترض جول أن أعلى الجبين هو عضو الفطنة، وأن ما تحته عضو الدهاء والسرعة والملاحظة، ويعلوها الدين، والكل يعلم أن هذا هراء" (المرجع السابق، 17، 18). ويتفق دياد كوفسكي وفيلومافيتسكي مع موخين حول طبيعة النفس وعلاقتها بالبنية العصبية، ودور الشروط الخارجية في تطورها. فقد اعتقد ديادكوفسكي بأن الواقع المادي هو مصدر الأفكار والخيالات التي يحملها الإنسان. يقول: "مهما وصفت الجنة، فإن المواصفات سوف تكون دوماً مستمدة من الطبيعة، ومن واقع إحساسك" (دياد كوفسكي)، 1954، 168). ومن خلال المقارنة بين إمكانيات الإنسان وما يقابلها عند الإنسان لاحظ فيلومافيتسكي أن الحيوان يتصرف وفقاً لغرائزه. بينما تتحكم في السلوك الإنساني أفكار وقيم روحية يعجز أي كائن حي آخر عن إدراكها. والحيوان لا يملك من القدرات العقلية مثلما يملكه الإنسان وهو لا يستطيع أن يطور لديه هذه القدرات. ويرجع السبب، في اعتقاد فيلومافيتسكي، إلى اختلاف بنية الجهاز العصبي عند الحيوان عن بنية الجهاز العصبي عند الإنسان. كتب يقول: "إن المستوى المتباين لتطور القدرات العقلية في شتى صنوف المملكة الحيوانية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمستوى تطور النظام الدماغي" (فيلومافيتسكي، 1836، 16). وفي حين أعلن موخين استحالة توزيع الوظائف أو الملكات النفسية على مناطق الدماغ اقترح دياد كوفسكي ربط مختلف أنواع الحساسية بأجزاء محددة منه، واستبعد تعميم هذا الإجراء على الوظائف النفسية المعقدة كالتخيل والتذكر والمحاكمة والإرادة بنفس القدر من الدقة. واعتقد أنه من الأفضل بالنسبة لهذه الوظائف أن يُشار إلى موقعها المشترك في الجزء الأمامي من الدماغ. ووجد كل من دياد كوفسكي وفيلومافيتسكي أن الدماغ جهاز معقد ومنظم وفعال إلى درجة كبيرة جداً، وأن الفرد يحقق بفضل نشاطه الاستثاري توازنه مع العالم الخارجي. وأن هذا النشاط وما يشتمل عليه من استقبال للمثيرات وأفعال معاكسة يخضع لنفس القوانين التي تخضع لها الظواهر الطبيعية الأخرى. ولذا فإن دياد كوفسكي ينفي وجود أية ظواهر كونية خارج تلك القوانين. وقد عبر عن هذا المبدأ حين قال: "إننا نعلم، بالتجربة اليومية، أنه مهما اكتشف في الطبيعة من ظواهر، فإنها جميعاً تتعلق بشروط معروفة، وهي جميعاً بصفاتها وإرادتها تخضع لقوانين معروفة" (دياد كوفسكي، 1954، 69). سيجينيف (1829 ـ 1905) وفي هذا المناخ الفكري والعلمي ظهرت دراسات عالم الفيزيولوجيا الروسي إيفان م. سيجينيف، الذي كرس حياته للبحث العلمي. وحرص على وضع العلم في خدمة المجتمع ورفع مستوى الوعي الاجتماعي عن طريق تطبيق المعطيات العلمية في التربية والطبّ ونشرها بين صفوف الطبقات الشعبية. وعلى الرغم من انتمائه إلى طبقة الملاك، فإننا نجد في منطلقاته الفكرية ما يعكس تأثره الواضح بتعاليم الديمقراطيين الثوريين الروس وعلماء الفيزيولوجيا الغربيين. لقد عاش سيجينيف في فترة ازدهرت فيها العلوم وتطور الفكر، وظهرت خلالها ميادين علمية كثيرة، ونظريات متعددة. وكانت لهذه الوقائع والأحداث أصداؤها عند طالبي العلم ومحبي المعرفة. ويعتبر سيجينيف واحداً ممن أبدوا ميلاً شديداً واستعداداً قوياً لدراسة العلوم الطبيعية منذ المراحل التعليمية الأولى. وبعد حصوله على شهادة الدراسة الثانوية التحق بكلية الطب في جامعة موسكو. ولم يكد ينهي سنته الثالثة فيها حتى أحس بخيبة أمل نتيجة ضعف المستوى العلمي في ميدان اختصاصه. مما حول ميله باتجاه دراسة النفس. وقد تنامى هذا الميل لديه من خلال إطلاعه على كتابات بعض المفكرين، وفي مقدمتهم بينيكه الذي أرجع الحياة النفسية إلى القوى الأولية للروح، وتأثره بهم. وهذا ما عبر عنه بوضوح حين قال: "لم أستطع أن أكون إلا مثالياً متطرفاً. بقيت هكذا حتى تخرجي من الجامعة" (سيجينيف، 1952 ـ 89). وبعد أن تخرج سيجينيف من الجامعة سافر إلى ألمانيا لدراسة الفيزيولوجيا. وفي لا يبزيغ تتلمذ على يد يوهان موللر وإ. دوبوا ـ ريمون صاحب نظرية الكهربائية الفيزيولوجية، ومن ثم على يد فونكيه. كما تتلمذ على يد ك. لودفيغ في فيينا. ثم انتقل إلى هيدلبرغ ليتلقى تعليمه على يد هيلمهولتز. وأثناء ذلك كتب عدداً من المقالات حول فيزيولوجية الجهاز العصبي ـ العضلي ، ومن بينها "الكهربائية في الفيزيولوجيا" و"تأثير الأعصاب في التغذية". ولعل أول عمل أصيل قام به هو الذي تناول فيه غازات الدم. وحسب ما ذكره سيجينيف نفسه، فإن هذا الموضوع كان أحد الموضوعات التي خصص لها كل وقته وجهده. إن تنقل سيجينيف عبر أشهر المراكز العلمية الألمانية وتعرفه على أعمال أعلام الفيزيولوجيا فيها آنذاك، يعكسان طموحه القوي ورغبته الشديدة في الوقوف على أحدث ما توصل إليه هذا العلم. ولعله لقي أثناء وجوده في الخارج ما حفزه إلى المضي قدماً في هذا الميدان بثقة أكبر بإمكانياته وقدراته الإبداعية. هذا ما برز في عمله اللاحق الذي بدأه في مخبر عالم الفيزيولوجيا المشهور كلودبرنار بدراسة مشكلة الكف المركزي. فكان اكتشافه للتأثير الكاف الذي تقوم به المراكز العصبية حيال الفعالية الحركية للعضوية أساساً لما قدمه فيما بعد من تفسير فيزيولوجي لآلية الحركات الإرادية وإمكانية تأجيل أو تعطيل الفعل الحركي بصورة إرادية واعية. وزيادة على ما تقدم فقد تمكن سيجينيف خلال تلك الأعوام من الإطلاع على أعمال كل من ل. هيرمان وف. كونيه، وترجم إلى الروسية كتاب الأول "الفيزيولوجيا" وكتاب الثاني "الكيمياء الفيزيولوجية". وبعد مضي بعض الوقت تعرّف على النظريات التطورية والسيكولوجية. فقد أشرف على ترجمة "أصل الأنواع" إلى الروسية. وقرأ بعض مؤلفات بين وسبنسر وفوندت وهربارت ووقف على آرائهم وتصوراتهم. ولعل ذلك كله وضع سيجينيف في موقع يستطيع أن ينظر منه إلى ما يجري على ساحة العلوم الطبيعية بشكل خاص نظرة تتسم بالكثير من العمق والشمولية، وأن يحدد موقفه منه. وبالفعل فقد بنى سيجينيف تصوراته عن النشاط العصبي والظواهر النفسية عند الإنسان على هذه القاعدة العلمية الغنيّة. واستخدم في دراساته المنهج التجريبي للتحقق من صحة فرضياته والإجابة على التساؤلات المطروحة. ومن خلال تلك التصورات وهذا المنهج توصل إلى صياغة نظرية جديدة في علم النفس. فاستحق اللقب الذي أطلقه عليه كل من إ. بافلوف وك. تيمريازيف وهو "أبو الفيزيولوجيا الروسية". أجرى سيجينيف العديد من التجارب على المخ بغية التعرف على آليات عمله في مختلف الحالات والمواقف الحيوية والمستويات الوظيفية، ومنها الاستجابات الإرادية واللاإرادية (الفطرية) التي تصدر عن الإنسان والحيوان. وفيما يتعلق بهذه الأخيرة، أي بالانعكاسات اللاإرادية كالعطاس والسعال، فقد اهتدى إلى وجود مراكز خاصة في الأجزاء الوسطى من المخ تقوم بوظيفة "كبح" هذا النوع من الانعكاسات. وعلى وجه أعم فقد جاءت ملاحظات سيجينيف لسلوك الحيوان (الضفدع) أثناء التجربة لتثبت صحة منطلقه الذي يؤكد العلاقة الوظيفية والحيوية بين الدماغ والنفس. حيث تبين له أن كافة الحركات والأفعال التي يتألف منها السلوك الحيواني والإنساني، بدءاً من أبسطها وانتهاءً بأكثرها تعقيداً، تنشأ وتتطور بفضل النشاط الدماغي. فأعضاء الحس تستقبل المنبهات الخارجية وتنقلها إلى الدماغ عن طريق المسالك العصبية، حيث يتولى هذا الجهاز تحليلها وإصدار الأوامر إلى الأجزاء الخارجية من العضوية لتقوم بالاستجابة المناسبة. وتندرج مراحل هذه الوظيفية تحت اسم "الانعكاس". وقد عرض سيجينيف تجاربه وملاحظاته والنتائج التي انتهى إليها في مجموعة من الكتب والمقالات. ومن أهمها كتابه "انعكاسات المخ" أو "محاولة لاستخلاص أسلوب نشأة الظواهر النفسية على أسس فيزيولوجية" الذي نشره عام 1863، وكتابه "عناصر الفكر" الذي صدر عام 1878، وأدخل عليه، فيما بعد، تعديلات هامة ونشره عام 1903 بنفس العنوان، ومحاضرته "حول التفكير المادي من وجهة النظر الفيزيولوجية" التي ألقاها أمام أعضاء المؤتمر التاسع لعلماء الطبيعة والأطباء الروس المنعقد في 4 نيسان (أبريل) عام 1894)، ومقالته "الفكر المادي والواقع" التي نشرت بعد وفاته، ومقالته "الانطباعات والواقع" التي نشرت عام 1896. والحقيقة أن تفسير السلوك الإنساني والحيواني على أساس الانعكاس ليس بالحدث الجديد على الفكر الإنساني. ولكن الجديد هنا هو النظرة إلى الانعكاس باعتباره فعلاً معقداً ينشأ عن علاقة الكائن الحي بالبيئة، وتعميمه على كافة المظاهر السلوكية وتفسيرها دون استثناء عن طريقه. لقد فسر علماء كثيرون قبل سيجينيف سلوك الكائنات الحية الاعتماد على مبدأ الانعكاس. بيد أن غالبيتهم كانت تقصر هذا المبدأ على نشاط النخاع الشوكي فقط. وعلى الرغم من ظهور محاولات لتعميمه على نشاط الجملة العصبية المركزية، فإن النظرة الذاتية كانت سبباً في إخفاق تلك المحاولات وبقائها داخل أطرٍ ضيقة ومحدودة. لقد درس سيجينيف النشاط النفسي بمستوياته المختلفة عبر ارتباطه بالتأثيرات الخارجية على العضوية، وعلاقته بالحلقة المركزية من الانعكاس، أي العمليات العصبية التي تحدث في المخ، وصلته بالحركات الاستجابية التي تصدر عن الكائن الحي كردٍ على تلك التأثيرات المحيطة. وفي هذا يقول: "إن جميع الوقائع النفسية دون استثناء... تتطور عن طريق الانعكاس". (سيجينيف، 1953، 93). ويحمل هذا القول إشارة إلى تفاعل الكائن الحي مع محيطه الخارجي ودور هذا المحيط في إثارة الكائن وقيامه بفعل ما مقابل ذلك. فالبيئة، وفقاً لهذا الرأي، هي مصدر النشاط النفسي للحيوان والإنسان. إن التفكير الإنساني، حسب ما يرى سيجينيف، يعتمد على التصورات والمفاهيم، التي يتوقف تشكلها على مجموعة العمليات التي يقوم بها الفرد من مثل التعرف على الأشياء والموضوعات ومقارنة صفاتها بعضها ببعض وتصنيفها على أساس أوجه التشابه والاختلاف فيما بينها. وهذه العمليات بدورها تتم في البداية على مستوى الإحساس، الأمر الذي دفع سيجينيف إلى القول بأن الحواس هي جذر التفكير، والشكل الأولي للنشاط النفسي. وهذا ما عناه بكلماته "السبب الأول لكل تصرف يكمن على الدوام في الإثارة الحسية الخارجية، إذ أن من المستحيل وجود أي فكرٍ بدونها" (المرجع السابق، 101). ويمضي سيجينيف في تحديد أبعاد العلاقة بين الإنسان والوسط الذي يحيط به ونتائجها، فيجد أن العمليات النفسية لا تصاحب أو تعقب فعل الأسباب التي استدعتها وحسب، بل وتؤدي وظيفة الإشارة حيث تتحول إلى ناظم وموجه لسلوك الإنسان، فتُعلِمُه بما يؤثر عليه أو بما قد يؤثر عليه. ولما كانت هذه الوظيفة ذات نمطٍ انعكاسي فإنها ترتبط ارتباطاً وثيقاً ليس ببداية فعل الانعكاس فقط، بل وبنهايته أيضاً، أي أنها ترتبط بأفعال المرء وتصرفاته، ومهما اختلفت أنواعها وتعددت أشكالها فإنها تفضي في نهاية الأمر إلى الحركة العضلية. وقد ساق سيجينيف عدداً من الأمثلة على تجليات الأصل الحركي للسلوك الإنساني. فهي تبدو لنا بوضوح في ضحكة الطفل عند رؤيته للعبة محببة، وفي ابتسامة غاريبالدي عندما طرد من بلده بسبب حبه الكبير له. وندركها في رعشة الفتاة لدى تفكيرها بالحب. كما ندركها في كتابة نيوتن لقوانين الطبيعة على الورق، وفي كل ما يندرج ضمن قائمة النشاط العملي والنشاط الكلامي. (المرجع السابق، 33). وعلى هذا النحو تبرز فعالية الفرد في الإحساس العضلي الذي ترتبط به جميع الاستجابات الحركية. فإلى جانب ما يحدثه تنبيه المثيرات الخارجية (الضوء، الصوت، الرائحة..) لأعضاء الحس في نتائج (الإبصار، السمع، الشم..) تضطلع الاستجابات الحركية بدورٍ إيجابي في حدوث الإدراك الحسي، وذلك بفضل ارتباطها بالإحساس العضلي. ويتبدى هذا الارتباط بوضوح تام في محاولات الكائن الحي لتعديل سلوكه ليتماشى ويتناسب مع المتغيرات الخارجية، ويحقق توازنه ويضمن لـه البقاء. وتندرج هذه المحاولات تحت ما أسماه سيجينيف "التنظيم الذاتي". لقد جسد سيجينيف بطرحه مفهوم التنظيم الذاتي نزعته إلى تحديد شروط نشأة الظاهرة النفسية من زاوية الوظيفة التي تؤديها والكيفية التي تعمل بها وتجعلها قادرة على إدراك صفات الظواهر الخارجية والتفريق بينها. ويحدثنا سيجينيف عن المعطيات التي قادته إليها ملاحظاته واعتمد عليها في ما توصل إليه من استنتاجات. فقد لاحظ أثناء زيارته لمرضاه وجود اضطراب في استجاباتهم الحركية. حيث كان بعضهم يبدي قصوراً في تنظيم الحركات العضلية الانقباضية الإرادية، كأن يضغط على يد مصافحه بقوة، بينما يبذل جهداً كبيراً ويقوم بعدة محاولات من أجل التقاط شيء ما والإمساك به رغم سهولة هذا الفعل بالنسبة للإنسان العادي. ويُرجع سيجينيف السبب في ظهور مثل هذه الاستجابات الحركية غير المتزنة إلى اختلال الإحساس العضلي عند المريض، وفقدان التوجيه الحسي الذي تتولاه الانعكاسات الحسية باعتباره أحد عناصر المنظومة الحركية. أما نشأة هذا النوع من الإحساس فإنه لا ينسبها إلى العضوية ذاتها، وإنما إلى الحالة الخارجية التي تلزم العضوية القيام بما من شأنه التلاؤم معها. فالعضلة أثناء عملها مع الأشياء تصدر في كل مرة إشارة عن صفات تلك الأشياء (حجمها، لونها، شكلها، وزنها... إلخ) تجعلها تغير أو تعدل حركتها على نحو يتناسب مع تلك الصفات، ويساعدها على إقامة علاقة توازن معها في الزمان والمكان. وهكذا يبدو لسيجينيف أن دور العضلة لا يقتصر على الفعل وحده فقط، بل يتعداه ليشمل الجانب المعرفي أيضاً. وأن كلاً من الحركة (الفعل) والإحساس (الإشارة أو الشكل) يؤلف حلقة أو وجهاً من الفعل الانعكاسي يكمّل الآخر ويشترطه. وهذا التكامل الوظيفي يتجلى في قيام صورة الأشياء وأشكالها (الإشارات ـ حسب مصطلح سيجينيف ـ) التي تنتقل إلى الإنسان عبر إحساساته بتوجيه أفعاله من جهة، وما ينتج عن أفعال من نشوء الصور والأشكال وتطورها من جهة ثانية. ولقد توصل سيجينيف عبر علاقة "الفعل" و"الشكل" إلى أن عناصر الفكر تكمن في النشاط الحركي ـ العضلي الذي يقوم به الإنسان. وبما أن الإنسان ينجز أفعالاً كثيرة جداً أثناء لقائه بالمحيط الخارجي، فقد حرص سيجينيف على تتبع دور هذا الأخير في الحياة النفسية للفرد. ومن هذه الزاوية وجد أن غنى المحيط الخارجي يساعد حتماً على الارتقاء بمستوى وعي الإنسان الذي يحيا فيه. ولهذا فإن التربية بمعناها الواسع تحدد محتوى النشاط النفسي والبنيات العقلية ومستوى التطور الثقافي للإنسان. وقد أناط بها سيجينيف مهمة تكوين 999 / 1000 من الظواهر النفسية. في حين أرجع الفضل في تكوّن الجزء الضئيل المتبقي إلى الخصائص الفردية والعرقية للجهاز العصبي التي يحملها الفرد منذ ولادته. وعلى هذا فالشخصية تتشكل نتيجة التأثيرات التي يحفل بها العالم الخارجي الذي يوجد، كما قال سيجينيف، "خارج الإنسان. وهو يعيش حياة ذاتية الوجود. ولكن إدراكه من لدن الإنسان غير ممكن دون أعضاء الحس. ذلك لأن نتائج نشاط هذه الأعضاء هي مصدر الحياة النفسية برمتها" (المرجع السابق، 242). وقال في مكان آخر أيضاً: "إن العالم المادي وجد وسيبقى بالنسبة لكل إنسان قبل فكره، وبالتالي فإن العالم الخارجي بعلاقاته وارتباطاته المادية كان على الدوام، وسيظل كذلك بالنسبة لنا العامل الأول في تطور الفكر" (سيجينيف، 1952 ـ 1956، 484). وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا التفسير الذي قدمه سيجينيف ينسجم مع نظريته المعرفية التي أقامها على مبدأ ارتباط الوعي بالمادة، والتفكير بالوجود، والنفس بالطبيعة، ولقد أكد في سياق عرضه لها على إمكانية معرفة العالم والكشف عن قوانينه الموضوعية، وأشار إلى دور التجربة والتطبيق العملي كمحكين لصدق معارفنا. وفي هذا الصدد يقول: "العلم الطبيعي بأوسع مدلولاته هو علم العلاقات والارتباطات والصلات القائمة بين أشياء العالم الخارجي وأجزائه المؤلفة له" (سيجينيف، 1947، 362). وعلى خلفية الاعتقاد بمادية العالم وموضوعيته وقدرة الإنسان على معرفته قوانينه وقف سيجينيف من فلسفة كانت موقفاً معارضاً. فمقابل أطروحة كانت حول ارتباط موضوع المعرفة بالذات العارفة، ذهب إلى أن الجانب الذاتي للتفكير وشكل الفكر ومضمونه مرتبطة كلياً بالواقع الموضوعي. وبدلاً من قول كانت بأولوية الأشكال العقلية وثبات الأشكال المنطقية واستقلالها عن المحتوى، واعتماده على المنطق الصوري الذي ينتفي فيه الأساس الحسي للعقل، طرح أولوية العالم الخارجي بما يحتويه من صفات وعلاقات وارتباطات وتأثيرات على أعضاء الحس كأساس للحياة العقلية. وعلى النقيض من قَبْلية التفكير والمعرفة التي عرفت بها الفلسفة الكانتية شدد سيجينيف على الأهمية الخاصة التي تكتسيها التجربة والممارسة العملية في الحياة النفسية، واعتبرهما مصدر نشوء الفكر وتطوره. كما رفض إدعاء كانت بوجود ما أسماه "الشيء ذاته" الذي يستعصي على العقل إدراك كنهه، ووصفه بأنه وهم ميتافيزيائي يُغفل الدرجة الرفيعة التي ارتقى إليها العلم، والنجاحات الضخمة التي أحرزها في مختلف الميادين. ومن الواضح أن سيجينيف كان متفائلاً بمستقبل البشرية لأنه لم يبد أي ارتياب قط في القدرة غير المحدودة للعقل. ولقد حدا به إيمانه العميق بأهمية العمل العلمي وقيمته الاجتماعية إلى مواصلة البحث من أجل التعرف على آلية العلاقة بين المادة والحس، والكشف عن طبيعة الحس وفحواه كظاهرة نفسية تنشأ عن الحركة الدؤوبة والمستمرة للكائن الحي في الوسط الذي يوجد فيه. وكان هيلمهولتز قد درس في وقت سابق هذا الموضوع، وتوصل ـ كما بيّنا في حينه ـ إلى أن الإحساس ما هو إلا اشارة أو رمز للموضوع الخارجي. وهذه النتيجة تحمل في طياتها نفي أي تماثلٍ أو تناسبٍ للإحساسات مع الأشياء التي تمثلها أو تعكسها. أما سيجينيف فقد انتهى إلى أن الإحساس هو شكل أو انعكاس للواقع. كتب يقول: "إن ما يقف عليه الإنسان من أوجه التشابه والاختلاف بين ما يحس به من موضوعات إنما هي تشابهات واختلافات واقعية" (سيجينيف، 1952 ـ 1956، 480). وعندما يتحدث سيجينيف عن التأثيرات الخارجية ويعتبرها الحلقة الأولى في النشاط النفسي، فإنه يشير، في ذات الوقت، إلى أنها لا تحدد لوحدها محتوى هذا النشاط وطابعه. إذ أن ثمة شروطاً داخلية تلعب، في رأيه، دور الموجه لتصرفات الإنسان وأفعاله. ومن بين هذه الشروط تحتل المراكز العصبية موقعاً هاماً أثناء تأثير الموضوعات الخارجية. فتبعاً لحالتها يكون اتجاه ذلك التأثير على الأعصاب الحاسة. فقد يجلب نفس التأثير الراحة أو اللذة في موقف ما، والانزعاج وعدم الرضا في موقف آخر. وفي هذا المعنى يقول سيجينيف: "يتبدل طابع الحس مع تبدل الحالة الفيزيولوجية للمراكز العصبية" (المرجع السابق، 31). بيد أن ما يطرأ على وضع المراكز العصبية من تبدلات يتوقف، في نظر سيجينيف، على بنية الشخصية. ويعني ذلك أنّ الشروط الخارجية لا تؤثر إلا عبر الشروط الداخلية التي تشمل الحالة العصبية والسمات العقلية والانفعالية والوجدانية. وعلى أساس هذا الفهم يأتي حرص سيجينيف على عدم الفصل بين ما هو خارجي وما هو داخلي، أي بين الواقع والوعي. لقد أشار سيجينيف في دراسته لتطور النفس إلى تحرر الفعل تدريجياً من التأثيرات المباشرة للبيئة المادية بوصفه أحد جوانب التطور. وبالتزامن مع عملية التحرر تدخل الفكرة والحس المعنوي كحلقات وسيطية وتتحول مع التنبيه الحسي إلى أساس للفعل. وعلى هذا النحو يكتسب الفعل مغزىً محدداً، ويضحي تصرفاً. إن هذه الحتمية التي تنظم العمليات النفسية، وبصورة خاصة حتمية التأثيرات الخارجية، لا تنفي دور النفس في الحياة الإنسانية. فحينما يخضع سيجينيف السلوك إلى ظروف حياة الإنسان ونشاطه وحالته الفيزيولوجية، فإنه لم يُلغ الفعل الإرادي ودوره في تقرير محتوى هذه السلوك ونوعه. ولعل ما يلغيه أو يعترض عليه هو الفهم المثالي لحرية الإرادة الذي يساوي بين المعطيات العقلية والمعنوية من جهة، والشروط الموضوعية من جهة أخرى من حيث قوتها وقدرتها على تحريك الفعل وتوجيهه، وينظر إلى الإرادة كمرجع أعلى يوجد خارج حلبة الصراع بين المثيرات. ولكي يتجاوز هذا الفهم الخاطئ للإرادة رأى أنه من الضروري اعتبار تلك المعطيات والشروط الخارجية التي تسبق الفعل لا كبواعث فقط، بل وكمحددات له. فالمحدد الحقيقي لأي فعل هو الباعث الذي احتل موقع الأفضلية أو الأرجحية بين مجموعة البواعث. ونتيجة تعميم وقائع الحياة والمعطيات التجريبية أشار سيجينيف إلى أنّه ليس بالضرورة أن يستدعي كل مثير خارجي الاستجابة المطلوبة أو المناسبة. فهناك انعكاسات تتم فيها "إعاقة" أو "كف" الحلقة الأخيرة (الحركة) منها. وفي مثل هذه الحالة يبقى النشاط النفسي ـ كما يقول سيجينيف ـ دون تعبير خارجي، وفي صورة فكرة أو نية أو رغبة. وتصبح الفكرة بداية الانعكاس (المثير الحسي الخارجي) واستمراره (العمليات الذهنية ذاتها) من غير أن يكون لها نهاية (حركة). وقد عبر سيجينيف عن هذه الواقعة بقوله: "الفكر هو الثلثان الأولان للانعكاس النفسي" (سيجينيف، 1953، 98). وما يقال عن الفكر ينطبق على الإرادة وتقويتها لكف الحركات اللاإرادية. إذ أنه لا يلاحظ هنا إلا القليل من الحركات الجانبية أو الظاهرية المعبرة، وقد لا تلاحظ هذه الحركات بالمرة. ويُعد الإنسان الذي يظل في الشروط الحياتية المعقدة والمثيرة ساكناً دون حراك أكثر قوة وأشد عزيمة بمقارنته مع الإنسان الذي تثيره المواقف ذاتها وتدفعه إلى القيام بالحركات المختلفة التي يعبر بها وبشكل ظاهري عن انفعاله وتأثره بما يحدث حوله. وبالمقابل ثمة انعكاسات تتسم حلقتها الأخيرة بالشدة والاندفاع والقوة. ويمكن أن تظهر للعيان في حالات القلق والخوف والفرح والغضب. ولقد وجد سيجينيف أن مثل هذه الانعكاسات تخل في التوازن أو التناسب بين قوة المثير والاستجابة الحركية، فتأتي هذه الأخيرة أشد وأقوى مما يتوقع أو مما يستدعيه المثير. وهذا النوع، كسابقه، يجسد غياب العلاقة التناسبية المنتظمة بين التأثير الخارجي ورد الفعل عليه. ويرجع سيجينيف السبب في نشوء هذه الظواهر إلى الجانب الإرادي للعمليات النفسية التي تدخل مع المؤثرات الخارجية في بنية الانعكاس. ولعله من الواضح اختلاف سيجينيف مع المثاليين حول الدور الذي تلعبه الإرادة في السلوك الإنساني. ففي الوقت الذي يرى فيه المثاليون أن الإرادة هي بداية كل انعكاس وأصل كل فعل، يعتبرها سيجينيف مركباً من مركبات الشخصية، حيث أنها تتكون وتتطور تحت تأثير شروط حياة الإنسان ونشاطه. ومع أن سيجينيف تناول مسألة الإرادة من منطلق مادي، وربط نشأتها وتطورها بالشروط الموضوعية للفرد، لكنه اكتفى بالإشارة إلى البعد المادي لتلك الشروط دون بعدها الاجتماعي. فهو لم يتحدث عن الظروف الاجتماعية التي يعيش في ظلها الفرد وعن علاقاته التي يقيمها مع الآخرين ودورها في تحديد إرادته، وشخصيته بشكل عام. والحق أن سيجينيف أغفل عدداً من الأسئلة المتعلقة بالإرادة. فالقارئ الذي يرغب في معرفة وجهة نظر هذا العالم حول مفهوم حرية الإرادة وما يعنيه بالنسبة له كفيزيولوجي وسيكولوجي، وتصوراته عن عملية الانتقال من اللاحرية إلى الحرية، سوف لن يجد ما يلبي فضوله، ولن يعثر فيما تركه سيجينيف على إجابات، ولو من باب التلميح، على تلك الأسئلة. إن حرية الإرادة ليست جوهراً متميزاً أو مختلفاً عن الوعي. فهي لا تنشأ خارج الزمان والمكان اللذين يعيش فيهما الفرد، إنها ببساطة، قدرة الإنسان على فهم المشكلات المطروحة، أياً كانت طبيعتها، واتخاذ القرارات المناسبة بشأنها، أو الوصول إلى حلول لها في ضوء الفهم القائم على معرفة القوانين التي تتحكم بها. فحينما يكتشف الإنسان قوانين وجوده والظواهر المحيطة به ويعرفها جيداً، فإنه يستطيع أن يسخرها لفائدته بصورة واعية وعقلانية. إذ أنه بقدر ما يتخلص من تبعيته لتلك الظواهر عن طريق فهمها ومعرفة أسبابها وارتباطها ونتائجها يكون حراً، ونشاطه فعالاً وغائياً ومفيداً. ومن مبدأ الانعكاس يتناول سيجينيف مختلف تجليات النفس ومظاهرها. فالتفكير والتذكر والكلام وسائر العمليات العقلية التي نجدها عند الراشد إنما هي، في اعتقاده، انعكاسات معقدة تكونت تدريجياً في مجرى العلاقة المتبادلة بينه وبين التأثيرات الخارجية. ولمعرفة طبيعتها هذه وآلياتها يقترح سيجينيف العودة إلى المراحل الأولى من الحياة وتتبع مجرى تطور تلك العمليات منذ أن تكون على شكل أفعال مادية وحسية. كتب يقول: "ولابد لتلك الدراسة من أن تبدأ بتاريخ ظهور الفكر الطفولي من الإحساس، أو بصورة عامة الفكر المادي من الحواس" (سيجينيف، 1952 ـ 1956، 226). وقد خصص سيجينيف لهذا المدخل التكويني ـ التاريخي في دراسة النشاط النفسي الجانب الأكبر من أعماله السيكولوجية. وعلى الرغم من أنه لم يقصر مهمته على الكشف عن السمات النمائية للطفل وتحديد الخصائص النفسية لكل مرحلة عمرية، فإنه اكتفى برسم الملمح العام للنمو العقلي. حيث وجده متمثلاً في الانتقال من العمليات الأولية البسيطة إلى العمليات الأكثر تعقيداً. وفي هذا الجزء اعتمد على مبادئ سبنسر التي يصفها بأنها داروينية. وتقوم هذه المبادئ، حسب ما يرى، على أن النشوء النفسي: 1 ـ يبدأ بتطور عدد غير كبير نسبياً من الأشكال القاعدية الحسية المترابطة. 2 ـ يتمثل في تجزئة تلك الأشكال وتجميعها في اتجاهات متنوعة. 3 ـ يتحدد في التأثير المتبادل للعاملين السابقين: التنظيم الوراثي (الفطري) والتأثيرات الخارجية (المرجع السابق، 240). وهكذا بدأ سيجينيف في معالجته لمسألة التطور النفسي عند الطفل بالأشكال القاعدية لكونها مصدر هذا التطور. وقد طرح في معرض حلها سؤالاً عما إذا كانت هذه الأشكال تتحسن وتتنامى وفقاً لنمط الانعكاسات، وآخر يتعلق بطبيعتها وبما تؤول إليه مستقبلاً. فأجاب على السؤال الأول بالإيجاب، حيث رأى أن النشاطات النفسية القاعدية، ككل انعكاس، تبدأ "بالاستثارات الخارجية المختلفة للأعضاء الحاسة". أما الحلقة الوسطى التي هي "عنصر الوعي"، فقد نفى وجودها عند الطفل دون أن يستثني بعض الانعكاسات التي تتشكل عنده عندما تؤثر أشياء العالم الخارجي وموضوعاته على أعضائه الحسية، وما تحمله تلك الأعضاء من إحساسات غامضة وغير متمايزة إلى الحد الكافي. وتتوضع الحلقة الثالثة من الانعكاس عند الطفل الوليد في حركات العينين التي يستجرها الضوء. ثم تتآلف هذه الحركات مكونة منظومة متسقة، هي عبارة عن معلومات البؤر البصرية عن الموضوعات، وتحويل العينين من نقطة إلى أخرى في الموضوع الثابت أو الساكن، أو متابعتهما للموضوعات المتحركة، وتكيفهما في مختلف الأبعاد. ويتحدث سيجينيف هنا عن إمكانية ملاحظة انعكاسات متزامنة مع هذه الانعكاس تنتهي بكف الحركة تماماً. وهكذا يتكرر ظهورٍ الانعكاسات الأولية تحت تأثير المنبهات الخارجية بأشكال مختلفة. وفي كل الأحوال فإن جانباً واحداً أو صفة أو علامة بعينها من الموضوع هي التي تحتل المكانة الأهم في قائمة الأولويات. وهذا بحد ذاته هو الشرط الملائم لتجزئة الموضوع، وإبراز صفاته وعلاماته. فالأثر الذي تخلفه أعضاء الحس في الجملة العصبية يستدعي، بدوره، الانطباعات القديمة الشبيهة بالجديد التي يتركها الموضوع أو الموضوعات القريبة منه. ونتيجة للتأثير المتكرر والمتنوع لنفس الموضوع يتم فرز الانطباعات التي يستدعيها، فيعزل ما هو عرضي عما هو متشابه منها، وتتراجع الانطباعات العرضية إلى الخلف، بينما تحتل الانطباعات المتشابهة بؤرة التركيز والاهتمام، مثلما هو الحال في اكتساب المهارات، حيث تتلاشى الحركات الزائدة أو الخاطئة شيئاً فشيئاً مع كل محاولة تُبذل في هذا السبيل. إن تكرار هذا الفعل يجعل من أي سمة من السمات المتشابهة قادرةً على استدعاء السمات الأخرى التي يتألف منها الموضوع، وبالتالي استدعاء الموضوع بأكمله. وهنا تلعب الحركات المتمثلة في "انتقال أعضاء الحس في المكان" دوراً هاماً. إذ أن الحركة التي يقوم بها الإنسان ـ تترافق بإشارة أو علامة حسية خاصة تمثل الحس العضلي الذي يستمر أثره في الذاكرة كما هو الشأن بالنسبة لآثار بقية الإحساسات. ويعتبر التصور الذي يحمله المرء عن الموضوع النواة الدائمة للانطباعات التي تنشأ بفعل تكرارها وبسبب بقاء آثارها في الذاكرة. ولما كان نشاط التذكر هو الشرط الضروري لنشوء الانطباعات وتطورها، فقد أولاه سيجينيف اهتماماً خاصاً، واعتبره "حجر الزاوية في التطور النفسي". ووجد أنه يحمل عند الطفل طابعاً مغايراً لما يحمله عند الراشد. فإذا كان الثراء العقلي لدى الكبار ينتشر في ذاكرتهم بصورة منتظمة، وعلى أساس منطقي، فإن الانطباعات التي تتشكل عند الأطفال عن العالم الخارجي تتوضع عشوائياً، ولا يخضع الاحتفاظ بها واسترجاعها إلى قواعد منطقية ثابتة، ويشبه سيجينيف الذاكرة بالمكتبة التي تضم عدداً كبيراً من المطبوعات ذات الأحجام والمقاييس والموضوعات المختلفة. فترتيب هذه المطبوعات وتنظيمها وتصنيفها على أسس معينة يسهل على الإنسان الحصول على المطبوعة المطلوبة. والذاكرة الجيدة تعني ترتيب المعلومات وتنظيمها بشكل ييسر على المرء استرجاع ما يشاء منها في الوقت المناسب. ويرى أن ذاكرة الطفل لا تزال بعيدة عن القيام بمثل هذه الإجراءات. وأن عملية التذكر عنده تتصف بالحسية والعرضية والموقفية. ويشير سيجينيف إلى الاختلاف بين الاحتفاظ والإحساس الواقعي. فالاحتفاظ ليس تصويراً فوتوغرافياً لما يتركه الواقع الخارجي في الوعي من الانطباعات، بقدر ما هو نشاط ذهني تتدخل فيه العوامل الفردية كالميل والرغبة والوضع النفسي فتطبعه بطابع ذاتي خاص. وما اختلاف ما يقدمه الناس من وصف الموضوع أو واقعة ما من الذاكرة سوى دليل على دور الذاتية في نشاط التذكر. ويعتقد سيجينيف أن العناصر الذاتية تتكون من خلال معطيات التجربة السابقة التي يعتمد عليها البشر في استقبال وفهم كل ما هو جديد. وهذا يعني أن استدعاء المدركات القديمة أمر لازم لكل نشاط عقلي. ويوضح هذه الفكرة بقولـه: "إن أي فكرة مهما كانت مجردة هي، في جوهرها، صدى لما هو موجود، ولما يحدث، أو في أبعد تقدير لما هو ممكن.. ولذا فالفكرة المعطاة لا يمكن استيعابها أو فهمها إلا من قبل ذلك الشخص الذي تدخل في بنية تجربته الشخصية" (المرجع السابق، 326). وتناول سيجينيف النشاط العقلي في أكثر من بحث، ووجد أنه يشمل ثلاث مراحل متكاملة. تبدأ الأولى منها بالاحتكاك المباشر بالموضوعات الخارجية والتعامل معها بصورة منفصلة. وهذه الأفعال تمهد لحلول المرحلة الثانية التي تتضمن مقارنة تلك الموضوعات بعضها مع بعض للوقوف بعد ذلك على أوجه التشابه والاختلاف فيما بينها الذي تشهده المرحلة الثالثة. ومن هذا المنظور يرى سيجينيف أن الإحساس هو أصل النشاط الذهني عند الطفل وقاعدته. ولذا فإن من العبث، والحالة هذه، أن نقيم أيّ حاجز بين العقل وأعضاء الحس. وإذا ما فعلنا ذلك، فإننا نكون قد ارتكبنا نفس الخطأ الفادح الذي نرتكبه عندما نفصل الظاهرة عن مصدرها والنتيجة عن مقدماتها. وفي نفس السياق لاحظ سيجينيف أن التفكير يمر خلال تطوره عند الأطفال بأطوار متعددة. ففي الطور الأول يكون النشاط الذهني عند الطفل حسياً ومجزءاً. ولا تتخطى وظيفته هنا حدود التوجه في الزمان والمكان والإشراف على الأشياء الموجهة. وفي الطور الثاني يتخذ هذا النشاط طابعاً مادياً وحسياً. ويصبح الطفل خلاله قادراً على عزل الصفة أو العلامة عن المادة أو الموضوع ومقارنة الصفات أو العلامات على المستوى الذهني. ومع ذلك فإن تفكيره لا يزال قريباً من الانطباع الواقعي، من حيث الاعتماد على الإحساسات البصرية واللمسية والسمعية، وضعف إمكانيته على الربط بين المنطقي بين الموضوعات. ويفسر سيجينيف هذا التفكير المادي والحسي، أو التفكير بالعلامات، بقلة حيلة الطفل وهشاشة تجربته ومحدوديتها. ويرى أن التطور المعرفي في الطور الثالث يتم بفضل تجربة الكبار التي يتمثلها الطفل عن طريق الإشارات والرموز التي تحل رويداً رويداً محل الصفات والعلامات الحسية مما يعتبر مؤشراً على الدخول في الطور الأخير الذي يظهر في التفكير المجرد، أو، كما يسميه سيجينيف، التفكير غير الحسي الذي يعتبر "أرقى مستوى في تطور النشاط الفكري". وتشمل موضوعات هذا التفكير الوقائع والموضوعات التي لا تطالها أعضاء الحس، كالأشياء الضخمة جداً والصغيرة جداً (الذرات والموجات الضوئية). كما تشمل البنى المنطقية التي تتبع شرطياً للواقع دون أن ترتبط به، كالبنى الرياضية. وبصرف النظر عن الطابع "غير الحسي" لجميع هذه الموضوعات، فإن الأرضية التي تحضر لنشوئها تكمن في ملاحظات الإنسانية الدائمة أو المستمرة التي تمدها بالقدرة على استنتاج وجود شيء ما غير مرئي أو مسموع أو ملموس في اللحظة الراهنة (المرجع السابق، 402، 403، 406). ويعود سيجينيف مرة أخرى إلى النشاط الحركي فيشدد على أهميته في نشوء "التفكير غير الحسي". وللتدليل على ذلك يسوق مثالاً على تشكل مفهوم العدد عند الطفل من خلال عملية العد. ويجد أن الحركات التي تتخذ شكل المشي والإحساسات العضلية التي تنشأ أثناءها تلعب دوراً كبيراً في تكون هذه النشاطات الذهنية. وللتعرف على النشاط النفسي ومراحل تطوره يقترح سيجينيف المدخل السيكولوجي التاريخي. وينصح بتتبع السلسلة المتعاقبة للمتشابهات التي بوساطتها استطاع الإنسان أن يتحول من العربة إلى القاطرة، ويحقق الحلم الذي راوده زمناً طويلاً في الطيران. ويستنتج من ذلك أن الإنسان منذ فجر الحضارة كان يملك الوسائل العقلية التي تؤهل ليكون مراقباً ومفكراً عالماً وفناناً. وفي هذا يتساوى الناس جميعاً على اختلاف أعراقهم وتباين مجتمعاتهم. كتب يقول: "إن الملامح الأساسية لنشاط الإنسان العقلي وقدرته على الإحساس تظل دونما تغيير في شتى عصور وجوده التاريخي بغض النظر في الوقت ذاته عن العرق والموقع الجغرافي ومستوى الثقافة. وعلى هذا فقط يصبح من المفهوم وعي القرابة العقلية والمعنوية بين شعوب الأرض، أياً كانت الأعراق التي ينتسبون إليها. وفيه فقط يصبح من الممكن بالنسبة لنا أن نفهم أفكار ومشاعر وتصرفات أسلافنا في العصور الغابرة (المرجع السابق، 173). لقد تركت أفكار سيجينيف صدىً عميقاً في الأوساط العلمية داخل روسيا وخارجها. وليس أدل على ذلك من الإقبال الكبير الذي كانت تلاقيه كتبه ومقالاته ومحاضراته من جانب العلماء والباحثين والطلبة. ويذكر ن. فيدينسكي أنه لم يبق في روسيا خلال الستينيات والسبعينات من القرن التاسع عشر متعلم واحد لم يطلع على كتاب سيجينيف "انعكاسات المخ". وقد أصبحت قراءة كتاباته والإطلاع على أفكاره في تلك الفترة شرطاً لازماً من الشروط التي ينبغي أن تتوافر لدى الإنسان المثقف. فلا عجب أن يلتف حوله العلماء والباحثون والمفكرون أمثال أ. كافاليفسكي وب. كافاليفسكي وس. بوتكين وإ. ميجنيكوف ود. مندليف وك. تيمريازيف وب. ستاسوف وإ. تورغينيف، بالإضافة إلى ممثلي الحركة الديمقراطية الثورية الروسية، مما جعله، حسب وصف تيمريازيف، شخصية مركزية في عصره. ومن الطبيعي أن تلقى نظرية سيجينيف معارضة من جانب ممثلي الاتجاه الآخر في الفلسفة وعلم النفس واللاهوت. فقد شن علماء اللاهوت أمثال ف. غولوبينسكي وم. أستراوموف وب. يور كيفيتش وأساتذة الفلسفة وعلم النفس أمثال س. غوغوتسكي وك. كافيلين وغ. ستروفيه حملة شعواء ضد أفكار سيجينيف وتصوراته، ودافعوا عن مواقفهم من التجربة الشعورية الداخلية باعتبارها موضوع علم النفس. يقول يور كيفيتش: "لا يستطيع علم النفس أن يتلقى مادته إلا من التجربة الداخلية... إن موضوع علم النفس يكمن في الملاحظة الذاتية الداخلية. والعلوم الطبيعية ليس بمقدورها تقديم هذا الموضوع له، ولا تقوى على أن تزيد من تلك المادة" (يور كيفيتش، 1860، 377، 378). ومع أن بعض نقاد سيجينيف لا ينفي دور التجربة في علم النفس، إلا أنه يصر على ضرورة أن تكشف هذه الطريقة عن عالم من الظواهر الفريدة والمختلفة تماماً عن الظواهر المادية والجسدية. وقد أشار كافيليين إلى ذلك بوضوح، حيث قال: "تملك الروح حياتها الخاصة ونشاطها الخاص بمعزل عن فعل العالم المادي وتأثيره عليها" (كافيلين، 1899، 477). إن هذه الانتقادات التي وجهت إلى نظرية سيجينيف في الانعكاس والكف المركزي بصورة خاصة لم تقلل من شأنها، ولم تؤثر في تقدير العلماء والمؤرخين لها، واعترافاتهم بأهميتها وبدورها الإيجابي في تقدم علم الفيزيولوجيا والطب وعلم النفس والتربية، وفي تطور المنهج التجريبي في تلك الميادين. فقد تخطت أعمال سيجينيف وأفكاره حدود بلاده، وانتشرت في أوربة الغربية، واسترعت اهتمام العلماء هناك منذ بواكيرها في برلين وفيينا. واعترف الكثير منهم بفضل سيجينيف في ميادين علمية عدة. وهذا ما يبرز بوضوح في إطلاق العالم الفيزيولوجي المعروف تشارلز شيرينغتون C. Cherrington اسم سيجينيف على المنطقة التي تتوضع فيها الانعكاسات المكفوفة في التلاموس. كما يبرز في كلمات إ. بورينع، أحد مؤرخي علم النفس الكبار، حيث قال: "أصبح سيجينيف رائداً روسيا للانعكاسية.. وفوق هذا علينا أن نتذكر أنه سبق الفكر الأوربي الغربي بكثير في هذه المسألة" (636، 1950 Boring,). وكذلك في وصف المؤرخ الأمريكي أ. روباخ A. Roback سيجينيف بقولـه: "لقد وضع الفيزيولوجيون الروس أكثر من أي كان أساس السلوكية الأمريكية. فقد طور إ. م. سيجينيف علم النفس الميكانيكي حتى قبل أن يثير بافلوف العالم العلمي بتجاربه عن الانعكاسات الشرطية" (229، 1952 Roback,). فليس بغريب أمام هذه الاعترافات التي تعكس المكانة المرموقة التي كان يحتلها سيجينيف في الأوساط العلمية أن يجمع الحاضرون في المؤتمر الدولي الأول لعلماء النفس (1889) على انتخابه عضواً في الهيئة الرئاسية للمؤتمر رغم غيابه عنه. لقد ترك سيجينيف تراثاً علمياً ثرياً بمضمونه أسهم من خلاله في تطور علم النفس السوفيتي والعالمي. ولقي من الفيزيولوجيين من يواصل السير في الاتجاه الذي رسمه ويعمقه من أمثال ن.فيدينسكي وإ.تارخانوف، والعلامة المعروف إ.بافلوف. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |