|
||||||
| Updated: Wednesday, October 15, 2003 01:35 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
- الفصل الثالث والثلاثون : بافلوف والنشاط العصبي العالي عاش إيفان بتروفيتش بافلوف بين عامي 1849 و 1936. وقد عانى في المراحل الأولى من حياته الفاقة والحرمان. فهو سليل أسرة فلاحية متواضعة، استقرت في مدينة ديزان. وعاش حياته للعلم وحده، فكان مثال البساطة والحيوية في آن معاً. وتوفي إثر التهاب رئوي حاد. كان بافلوف الأب يرغب في أن يصبح ابنه رجل دين. ولكن رغبته هذه اصطدمت بميل الابن إلى دراسة علوم الطبيعة. وقد نشأ هذا الميل وتنامى تحت تأثير النجاحات التي أحرزتها هذه العلوم، وانتشار الأفكار المشحونة بالإيمان بقدرة العقل البشري على الاكتشاف والإبداع. فعلى الصعيد العالمي وجدت نظريات النشوء والارتقاء طريقها إلى أذهان شرائح المثقفين والمتعلمين في مختلف أنحاء العالم. ووضعت الاكتشافات الجديدة في ميادين الفيزياء والكيمياء والطب والتشريح المجتمع الغربي على أعتاب مرحلة نوعية جديدة من مراحل تطوره الحضاري. وعلى الصعيد الروسي عرفت الحركة الاجتماعية والوضع الاقتصادي خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر انتعاشاً، ملحوظاً، واكبته ونجمت عنه نهضة علمية وفكرية. ففي تلك الفترة صدرت قوانين تحرير الفلاحين سنة 1861. وظهرت بعدئذ التجمعات والحركات الفكرية والسياسية المختلفة إلى جانب انتشار الأفكار الديمقراطية الثورية ونظريات سيجينيف ومندليف وتيمريازيف وغيرهم. ومع أن بافلوف انتسب إلى كلية الحقوق في جامعة بطرسبورغ عقب انتهاء دراسته الثانوية، فإن ميله القوي نحو علوم الأحياء والفيزيولوجيا دفعه إلى تغيير اختصاصه والالتحاق بقسم العلوم الطبيعية في كلية الرياضيات والفيزياء. وقد تحدث بافلوف عن تأثير الفكر الديمقراطي الثوري في توجيهه العلمي منذ أن كان تلميذاً في المدرسة الثانوية، فقال: "تحت تأثير أدبيات الستينيات، ولاسيما بيساريف، اتجهت ميولنا المعرفية نحو الطبيعة. فالعديد منا –وأنا من بينهم- قرر أن يدرس العلوم الطبيعية في الجامعة" (بافلوف، 1951، ج5، 371). كما أفصح بافلوف عن إعجابه الشديد بآراء سجينيف وصداها في نفسه وأثرها في تحديد مستقبله العلمي، حيث قال: "لقد كان الأثر الذي تركه في نفسي منذ سني شبابي الكتيب الرائع لإيفان ميخائيلوفيتش سيجينيف، أب الفيزيولوجيا الروسية، بعنوان "انعكاسات المخ" الدافع الرئيسي لقراري..." (المرجع السابق، ج3، 18). التحق بافلوف بالجامعة عام 1870. وخلال دراسته فيها تعرف على نخبة من العلماء، وفي مقدمتهم عالم الكيمياء د.مندليف وزميله أ.بوتليروف، وعالما النبات أ.بيكتيوف وأ.بوردوين وعالما الفيزيولوجيا ف. أوفسيانيكوف وإ.تسيون. وأشاد بمستوى التعليم في كلية الرياضيات والفيزياء وبمواهب أساتذتها وقدراتهم، إذ قال: "لقد كان وضع الكلية في ذلك الزمن رائعاً. وكان عندنا من الأساتذة عدد من ذوي السمعة العلمية الكبيرة والموهبة التعليمية الفذة" (المرجع السابق، ج5، 371). ولعل الفيزيولوجيا هي أكثر العلوم التي استهوت بافلوف منذ الأشهر الأولى من حياته الجامعية. وكان ميله نحوها يقوى ويشتد يوماً بعد يوم. وما أن وصل إلى السنة الثالثة حتى حسم أمره وقرر أن يكرس جهده لهذا العلم الذي كان يتقدم ويزدهر بوتائر سريعة. ولذا نراه يبدأ نشاطه العلمي في هذا المجال في وقت مبكر. ففي عام 1873 (أي في سنته الجامعية الرابعة) أجرى أولى تجاربه العلمية على الضفدع بهدف دراسة أعصاب الرئتين عند هذا الحيوان. وفي نفس العام قام بالتعاون مع زميله ف. فيليكي بدراسة تأثير أعصاب البلعوم على دوران الدم تحت إشراف تسيون. وبعد مدة وجيزة درس مع زميل آخر، هو م.أفانانسيف، فيزيولوجية أعصاب البنكرياس بإشراف تسيون نفسه. أنهى بافلوف دراسته الجامعية عام 1875، والتحق بعمله كمساعد للأستاذ تسيون الذي شغل منصب رئيس قسم الفيزيولوجيا في أكاديمية الطب الجراحي، وهو المنصب الذي كان يشغله سيجينيف. وفي ذات الوقت تابع دراسته في هذه الأكاديمية ليس من أجل أن يصبح طبيباً، بل للحصول على شهادة الدكتوراه التي تخوله تسلم رئاسة قسم الفيزيولوجيا. ولكنه سرعان ما ترك عمله بعد أن أرغم تسيون على التخلي عن منصبه، ورفض عرض رئيس القسم الجديد إ.تارخانوف البقاء معه. وهكذا بقي دون عمل إلى أن دعاه الأستاذ ك. أوستيموفيتش للعمل كمساعد له في قسم البيطرة التابع لأكاديمية الطب الجراحي. وكان أوستيموفيتش ذا أفق علمي واسع. فقد تتلمذ على يد ك.لودفيغ، واستطاع أن يقيم في الأكاديمية مخبراً لبحث مسائل فيزيولوجيا جهاز الدوران والوظيفة الإفرازية للكليتين. وهذا ما مكّن بافلوف من القيام بعددٍ من الأعمال القيمة التي تناول فيها بعضاً من تلك المسائل. وقد تكشفت خلال وجوده في هذا المخبر (1876-1878) سمات شخصيته العلمية المتميزة وقدرته على ابتكار طرائق جديدة في دراسة وظائف الجسم الحي. وأهم ما توصل إليه عبر سلسلة تجاربه هو إمكانية قياس ضغط الدم عند الكلب دون اللجوء إلى تخديره أو تقييده. وبفضل هذه الأعمال ذاع صيت بافلوف وصار اسمه يتردد في الأوساط العلمية. وقد وصلت شهرته إلى الطبيب الروسي المشهور س. بوتكين فدعاه هذا العالم إلى العمل في عيادته. فلبّى بافلوف الدعوة، يحدوه في ذلك أمله في مواصلة نشاطه المخبري، خاصة بعد إغلاق مخبر أوستيموفيتش وتوقفه عن العمل. وفي مخبر بوتكين وضع بافلوف خطة عمل ثرية وشرع بتنفيذها بكل جدية وصرامة. وكان طيلة السنوات العشر التي قضاها هناك يحرص على إقامة علاقات علمية وطيبة مع العاملين معه. ويشير المؤرخون والكثير من العلماء بشكل خاص إلى الأهمية الكبيرة التي اكتسبتها هذه الفترة في مستقبل بافلوف العلمي. وقد ركزوا في ذلك على ما بذله من جهد كبير، وما انتهى إليه من نتائج إيجابية، وعلى ما كان يلقاه من بوتكين من توجيه وتشجيع. وتعتبر دراسة بافلوف للأعصاب المركزية النابذة في القلب أهم أعماله خلال العشرية المذكورة. ولعلنا نلمس في هذا العنوان الصلة الوثيقة بين إلحاح بوتكين على تعاون الطب والفيزيولوجيا، وتسليمه بالدور المحوري الذي تلعبه الجملة العصبية في حياة الكائن الحي وبتأثيرها على سلامته من جانب، وشغف بافلوف بقضايا فيزيولوجية الحيوانات الراقية من جانب آخر. وهذا ما أشار إليه بافلوف بقولـه: "إن فكرة الدراسة وإنجازها يخصاني وحدي. ولكنني كنت محاطاً بالأفكار الإكلينيكية للأستاذ بوتكين. وإنني مع خالص الامتنان إذ أعترف بتأثيره الخصب على هذا العمل، وعلى جميع آرائي الفيزيولوجية بشكل عام من خلال النظرية العصابية العميقة والشاملة التي كانت تسبق المعطيات التجريبية، التي تعد، في اعتقادي فضلاً كبيراً لسيرغي بيتروفيتش (بوتكين –ب.ع-) على الفيزيولوجيا" (المرجع السابق، ج1، 142). ولقد أصبحت هذه الدراسة فيما بعد موضوعاً لأطروحة الدكتوراه التي ناقشها بافلوف عام 1883 بنجاح كبير، ونال بفضلها الميدالية الذهبية. وتشجيعاً له وتقديراً لمواهبه العلمية النادرة اقترحت الأكاديمية الطبية إيفاده إلى ألمانيا. وفي عام 1884 سافر بافلوف إلى هناك، وعمل في مخبر ب.غيدنغاين ومخبر ك.لودفيغ حولين كاملين. وتمكن خلالهما من تطوير قدراته ومعارفه في ميدان الفيزيولوجيا. ووسعت معرفته المباشرة بالعلماء والباحثين الألمان آفاقه العلمية وأمدته بمزيد من الثقة بمستقبله العلمي، والكثير من الدأب والمثابرة. ويتذكر بافلوف إقامته في ألمانيا فيقول بتواضع العالم: "لقد كانت الرحلة إلى الخارج ثمينة بالنسبة لي. فقد عرفتني بشكل أساسي بنمطٍ من العلماء أمثال غيدنغاين ولودفيغ ممن رهنوا حياتهم بأفراحها وأتراحها للعلم وحده وليس لأي شيء آخر" (المرجع السابق، ج5، 372). وبعد انقضاء مدة الإيفاد عاد بافلوف إلى بلده وهو أكثر طموحاً وتصميماً. فقد حمل معه، إلى جانب ذكرياته وانطباعاته عن الشخصيات العلمية الألمانية، زاداً علمياً غنياً لم يدخر وسعاً في توظيفه لتحقيق أهدافه وتكريسه لخدمة البحث العلمي. فبعد عودته مباشرة شرع بإلقاء سلسلة من المحاضرات في الفيزيولوجيا على طلاب الأكاديمية الطبية العسكرية وأطباء المستشفى العسكري، إضافة إلى نشاطه العلمي الذي واصله في مخبر بوتكين. ولعل أبرز ما قام به في تلك الأثناء هو وضع طريقة لتحضير ما يسمى بالمستحضر القلبي –الرئوي. وتعمد هذه النظرية على عزل القلب والرئتين عن مجرى الدورة الدموية بقصد دراسة عدد من المسائل العلمية والعملية لفيزيولوجيا الدورة الدموية دراسة تجريبية. كما أنه تمكن من وضع القواعد الأساسية لأبحاثه المستقبلية في فيزيولوجيا الجهاز الهضمي. وذلك بفضل اكتشافه للأعصاب التي تنظم النشاط الهرموني الذي تقوم به غدة البانكرياس. وعلى الرغم من النجاحات التي أحرزها بافلوف في المدرجات والمخابر، فإن ظروفه المادية السيئة ما انفكت تثير قلقه وقلق زوجته. واستمر شعوره بالحاجة إلى مصدر يؤمن نفقاته الأسرية الأساسية ويسمح له بمواصلة نشاطه العلمي. ولم يبق أمامه من خيار سوى الاتصال بالمسؤولين الحكوميين. فتوجه في تشرين الأول (أكتوبر) من عام 1887 بطلبٍ إلى وزير التعليم عبّر فيه عن استعداده للإشراف على أي قسم من أقسام الطب التجريبي. وبعد مضي شهر على طلبه هذا بعث برسالة تحمل نفس المضمون إلى رئيس جامعة سيبيريا في تومسك. ولكن مساعيه في هذا الاتجاه لم تجد نفعاً. وكان عليه أن ينتظر ثلاثة أعوام تقريباً ليشارك في مسابقة لشغل منصب أستاذ الفيزيولوجيا في جامعة بطرسبورغ الذي أصبح شاغراً بعد إقالة سيجينيف منه. وفي هذه المرة أيضاً لم يحالفه الحظ، حيث وقع اختيار اللجنة المختصة على ن.فيدينسكي. وقد أحس بافلوف وقتهابالخيبة والظلم. ومما زاد في إحساسه هذا رفض وزير التعليم دليانوف الاقتراح الذي تقدمت به إدارة جامعة تومسك والمتضمن ترشيح بافلوف لمنصب أستاذ الفيزيولوجيا فيها. وبقي حال بافلوف على هذه النحو حتى 23 نيسان (أبريل) 1890 عندما اختير لمنصب أستاذ الفارموكولوجيا (علم الصيدلة) في تومسك وجامعة وارسو. غير أنه لم يترك بطرسبورغ بسبب اختياره لنفس المنصب في الأكاديمية الطبية العسكرية في 24 نيسان من نفس العام. وقد ظل يشغل هذا المنصب خمس سنوات، انتقل بعدها إلى قسم الفيزيولوجيا في الأكاديمية نفسها، واستمر فيه طيلة ثلاثين عاماً، وتمكّن خلال هذه الفترة من أن يجمع بين نشاطه التعليمي وبحوثه العلمية المخبرية، وأن يوفق بين العمل داخل القسم وخارجه بشكل مبدع وخلاّق. ومما تجدر الإشارة إليه هو ذلك التحول الذي طرأ على اهتمام بافلوف من السنوات الأولى من هذه المرحلة. فبعد أن كانت فيزيولوجيا الجهاز الهضمي تحتل مركز اهتمامه، أصبحت قضية الانعكاسات الشرطية شغله الشاغل ومحور نشاطه الأول بلا منازع. ويذهب المؤرخون إلى أن بداية عمل بافلوف في معهد الطب التجريبي تشكل علامة متميزة في حياته. ويرجع الفضل في التحاقه بهذا العمل إلى الأمير اولدنبورغسكي الذي دعاه عام 1891 إلى تنظيم قسم الفيزيولوجيا في ذلك المعهد والإشراف عليه. ومنذ ذلك التاريخ بقي بافلوف محتفظاً برئاسة هذا القسم حتى وفاته. وفيه أجرى تجاربه المعروفة حول فيزيولوجية الغدد الهضمية الرئيسية، التي حملت له شهرة عالمية، ونال بفضل النتائج التي استخلصها جائزة نوبل في الطب لعام 1904. كما أنجز فيه أيضاً معظم أعماله في الانعكاسات الشرطية. وفي عام 1907 أصبح بافلوف عضواً في أكاديمية العلوم الروسية. ولم تمض سنوات قليلة على ذلك حتى انتخب عضواً في الكثير من الأكاديميات الأجنبية: الأمريكية والبريطانية والفرنسية والألمانية والإيطالية والأرجنتينية. لقد أسهم بافلوف بشكل ملحوظ عبر سنوات نشاطه العلمي المديدة في تأسيس وتطوير العديد من المؤسسات والمراكز الطبية والفيزيولوجية والثقافية. وشارك في أعمال العديد من المؤتمرات الدولية والمحلية الفيزيولوجية منها والسيكولوجية. وتعرف على علماء من مختلف بلدان العالم، وأقام معهم علاقات وطيدة. ومن بين هؤلاء العلماء ب.يركسون وج.كيلوغ وف.غينيت و و.كنيون وهـ.ليديل وإ.ثورندايك وك.هال من الولايات المتحدة الأمريكية وش.شيرينغتون وف.بيليس وغ.ستارلينغ وج.باركروفت وأ.هيل من بريطانيا وف.تريندلنبورغ وإ.هيرينغ وم.فيرفورن وإ.أبدرغالدن وإ.فيشر وأ.بيتبيه من ألمانيا وب.تيغرشتيدت من فنلندا وب.ماغنوس وك.فينكلر من هولندا وش.ريشيه ول.لابيك من فرنسا وك.ماناكوف وم.مينكوفسكي من سويسرا. انطلق بافلوف منذ بداية نشاطه من مقولة بيساريف "تفنى الكلمات والأوهام، وتبقى الوقائع". وكان إيمانه بهذه المقولة يتعزز يوماً بعد يوم كل خطوة يخطوها العلم، ومع كل اكتشاف جديد يحققه هذا العالم أو ذاك ضمن دائرة اهتمامه. فلا غرو أن يكرس الجزء الأكبر من جهده ووقته سعياً وراء الوقائع والمعطيات التجريبية، وإخضاعها للفحص والتحليل الدقيقين بغية الوصول إلى نتائج أكثر صدقاً وموضوعية. ولكن بافلوف لم يجرِ تجاربه، ولم يتناول معطياتها بصورة عشوائية أو انتقائية ودونما إطار مرجعي. فقد كان يعلن صراحةً عداءه الشديد لدعاوى التجريب من أجل التجريب وجمع الوقائع فقط. ولم يدع فرصة أو مناسبة إلا واستغلها في التأكيد على أهمية النظرية في العمل. ذلك لأن النظرية، عنده، ضرورية ليس من أجل تثبيت الوقائع وتفسيرها فحسب، بل ومن أجل أن يكون ثمة ما يتحرّك به إلى الأمام. يقول: "إذا لم تكن لديك فكرة، فإنك لن ترى الوقائع (المرجع السابق، ج3، 450). ولكي تكون النظرية علمية بالفعل عليها أن تحيط بالمادة المتوفرة وتتيح المجال أمام المزيد من الدراسة والتجريب غير المحدود. وهكذا فإنه ينظر إلى النظرية والتطبيق، والفكرة والتجربة في علاقتهما الجدلية ومن خلال أهمية كل طرفٍ منهما بالنسبة للطرف الآخر. لقد أشرنا منذ قليل إلى أن بافلوف تناول بالبحث عبر العقود الستة من نشاطه العلمي فيزيولوجية الدورة الدموية وفيزيولوجيا الجهاز الهضمي والنشاط العصبي العالي على التوالي. وربما تضع هذه المجالات الباحث أمام حقيقة أن بافلوف كان طموحاً، متعدد الاختصاصات وواسع الاطلاع وذا موهبة وقدرات نادرة. وبما أنه لم يعمل في هذه المجالات دفعة واحدة، بل إنه تناولها الواحد تلو الآخر، فقد اتخذ المؤرخون من ذلك أساساً لتقسيم حياته العلمية إلى ثلاث مراحل رئيسية. ولعل السمات التي كان يتمتع بافلوف انعكست بوضوح على الطريقة التي استخدمها في دراسة موضوعات اهتمامه. ولهذه الطريقة من التقنيات والأدوات ما جعلها أصيلة وجديدة خلافاً للبحوث التي عرفتها الفيزيولوجيا قبل بافلوف، والتي اعتمدت أساساً على المدخل التحليلي الأحادي الجانب في دراسة الوظائف المعقدة للكائن الحي. ويتمثل هذا المدخل في قيام الباحث بتشريح الحيوان واستخراج مقطع أو جزء من الجهاز العصبي أو الجهاز الهضمي أو غيرهما من الأجهزة وعزله عن باقي الأجزاء وإدخال تغيير ما في المجرى الطبيعي للعمليات الحيوية عند الحيوان المخدَّر. وتهدف هذه الإجراءات إلى الكشف عن قوانين وآليات عمل العضوية عن طريق إثارة الجزء المعني أو مضايقته كهربائياً أو حرارياً أو ميكانيكياً. ومن الأمثلة على هذه التجارب تلك التي أجراها هـ.فريتش وإ.غيتسينا وأتباعهما. فقد درس هذان العالمان الوظيفة الحركية الحسية للعضلات عن طريق نزع جزء عضلي وعصبي بصورة كلية من الحيوانات ذات الدم البارد ثم تحريض العصب كهربائياً وتسجيل التقلصات العضلية الناجمة عن هذا التحريض. وبنفس الطريقة قام تلاميذهما بدراسة وظائف المخ. فكانوا يلجؤون إلى تنبيه مختلف مناطق المخ عند الحيوانات الراقية بعد تعريته. كما استخدمها علماء كبار أمثال كلودبرنار ولودفيغ وتسيون في دراستهم للدورة الدموية والنشاط الإفرازي الهرموني والعصارات الهضمية عند الحيوانات بعد تخديرها أو تثبيتها. وقد عارض بافلوف هذه الطريقة وكشف عن عيوبها وضعف مردودها في دراسة دور وآليات نشاط الأعضاء والأجهزة عند الكائنات الحية الراقية والدنيا. وهذا ما يتبين بشكل جلي من خلال ما كتبه في هذا الصدد، حيث قال: "إن التقطيع البسيط للحيوان في التجربة الحادة تتضمن، كما يتضح الآن أكثر فأكثر مع مرور كل يوم، مصدراً كبيراً للأخطاء، ذلك لأن فعل العبث الفظّ بالعضوية يترافق بالكثير من الآثار المعيقة لوظيفة مختلف الأعضاء" (المرجع السابق، ج1، 33). ولذا كان من الطبيعي أن يبحث بافلوف عن حل آخر يتجاوز به نقائص وسلبيات الدراسات المذكورة وأضرابها. ولقد استند في سعيه هذا على درايته بتقنيات التجربة التشريحية ونظرته إلى العضوية باعتبارها كلاً متكاملاً من ناحية، ووحدتها مع البيئة الخارجية من الناحية الثانية. فلم يجد صعوبة في أن يهتدي إلى طريقة تضمن المحافظة على هذين الشرطين أثناء القيام بالتجربة. وقد أطلق على هذه الطريقة اسم "التجربة المستديمة" للدلالة على بقاء الحيوان سليماً خلال التجربة. ووجد أنها تمكن الباحث من القيام بدراسة وظائف الأعضاء دراسة تحليلية على نحو أدق مما تسمح به الطرائق التقليدية. وأنها، زيادة على ذلك، تفسح المجال أمام الدراسة التركيبية للوظائف المقعدة. ومما تجدر الإشارة إليه هنا هو أن الطريقة المقترحة كانت تستخدم قبل بافلوف. فقد استخدمها بعض الفيزيولوجيين أمثال هيدينغاين وهولتس ولوجياني. بيد أن النطاق الذي استخدمت فيه آنذاك لم يكن واسعاً. وبعد أن قرر بافلوف العمل بها في دراساته المبكرة للدورة الدموية أدخل على تقنياتها بعض التعديلات وحسّن أدواتها. واستطاع عبر ممارسته الطويلة أن يبتكر عشرات النماذج من التجارب المشتقة منها. وعلى الرغم من الصلة الوثيقة بين موضوعات اهتمام بافلوف خلال مراحل نشاطه العلمي الثلاث، فإننا سوف نقصر حديثنا على دراسته للنشاط العصبي العالي التي استمرت نحو أكثر من ثلاثين عاماً. على أنه لابدّ من القول في هذا السياق بأنّ دور التجارب التي أجراها بافلوف لدى دراسته لمسائل فيزيولوجيا الجهاز الهضمي خلال المرحلة الثانية كان كبيراً وأثرها في أعماله اللاحقة كان جلياً. فهي التي مهّدت السبيل أمام ظهور مجموعة كبيرة من التجارب المشابهة التي قام بها ومساعدوه لدراسة سلوك الإنسان والحيوان. ولهذا يمكن اعتبارها بمثابة المحرض الذي ضاعف من فضول بافلوف وولعه بمعرفة آليات النشاط الذي يقوم به الكائن الحي الراقي أثناء تفاعله مع العالم الخارجي. وتتلخص التجارب التي صممها بافلوف وفق الطريقة هذه في إحداث تغيير في القنوات الهضمية عن طريق عمل جراحي يتم فيه قطع مري الحيوان من المنطقة الرقبية، ووصله بالحواف الخارجية للجلد بعد إخراجه من فتحة مستحدثة في نفس المنطقة. كما يتم إحداث فتحة في المعدة تغلق بسدادة يخترقها أنبوب يسمح بمرور العصارة المعدية إلى خارج جسم الحيوان وتجميعها في وعاء خاص. وبعد أن تتلاشى آثار المخدر ويتماثل الحيوان (الكلب) للشفاء تبدأ الخطوة الثانية المتمثلة في الإطعام الوهمي. حيث يقدم الطعام للكلب، دون أن يصل ما يتناوله هذا الأخير منه إلى المعدة، لأنه يخرج من الشق العلوي للمري بعد مضغه وابتلاعه مباشرة. وما أن تمر دقائق معدودات على ذلك حتى تبدأ المعدة بإفراز عصارتها. وتستمر المعدة في عملية الإفراز هذه عشرات الدقائق، وقد تصل في بعض الأحيان إلى الساعة. لقد توقف بافلوف عند هذه المعطيات. وخلص في نهاية تحليله لها إلى أن إفراز العصارة المعدية أثناء الإطعام الوهمي يحمل طابع القانون الفيزيولوجي المحدد. فإفرازات المعدة الناجمة عن تأثير الطعام على الإحساس الذوقي في هذا الوضع التجريبي تخضع لآلية الانعكاس، أي أنها تحدث بسبب إثارة أعصاب معينة تمتد إلى الغدد المعدية. وهذا ما حاول بافلوف البرهان عليه في تجربة أخرى، حيث قام بقطع الأعصاب الشاردة(1) عند الكلب زيادة على الإجراءات المذكورة في التجربة السابقة. فتبين له أن الإطعام الوهمي لا يستدعي أية إفرازات للعصارة المعدية. وعلى هذا الأساس قدم بافلوف تفسيراً جديداً لهذه الظاهرة خالف به جميع التصورات السائدة. فقد ذهب إلى أن الطعام يثير الجهاز الذوقي، وأن هذه الإثارة تنتقل عبر الأعصاب الذوقية إلى البصلة السيسائية، ومنها إلى الغدد المعدية عبر الأعصاب الشاردة. وهذا يعني أن وجود الأعصاب الشاردة يسمح حتى في حالة الإطعام الوهمي بتشكل قوس الانعكاس الذي يبدأ بالفم وينتهي بالغدد المعدية. وأن عزلها أو قطعها يؤدي إلى تعطل الغدد المعدية وتوقفها عن نشاطها الإفرازي نتيجة انقطاع الطرق المؤدية إليها. وهكذا فإن قطع الأعصاب الشاردة يفضي إلى تلك النتائج حتى بالنسبة لما يُعرف بالإفراز النفسي للعصارة المعدية وغيابه أثناء رؤية الطعام أو شمّ رائحته وتذوّق طعمه. إن هاتين التجربتين وتجارب أخرى مماثلة تقدّم الدليل القاطع على أنّ تحول بافلوف إلى دراسة النشاط العصبي العالي كان حدثاً منطقياً جسد هذا العالم من خلاله برنامجاً علمياً متماسكاً متناسقاً. كما أنها تعتبر برهاناً ساطعاً على أن الطريقة التي استخدمها في معالجة مشكلات الجهاز الهضمي والنشاط العصبي العالي عند الحيوانات الراقية لم تكن إلا انعكاساً لتصوره عن وحدة العضوية وجدلية علاقتها بالوسط المحيط. وهذا ما عبّر عنه في أكثر من مناسبة وموقف. فقد كتب يقول: "يمثل الجسم الحي نظاماً معقداً إلى حدٍّ قصيّ، ومؤلفاً من عدد من الأجزاء غير المحددة تقريباً، والمرتبط بعضها ببعض، وبنوع من الوحدة الواحدة مع الطبيعة المحيطة التي تتوازن معها" (المرجع السابق، ج2، 252). وأن اكتشافاته في ميدان الانعكاسات الشرطية لم تكن صدفة، وإنما جاءت تتويجاً لسنين طويلة من العمل الدؤوب والنظرة الثاقبة والتفكير المنطقي العميق. ومما لا شك فيه أن هذه الحقيقة لا تتفق البتة مع ما يدّعيه البعض من أن اكتشاف بافلوف للنشاط الانعكاسي الشرطي قد تم عن طريق الصدفة. ولترويج هذا الادعاء وإعطائه البعد الواقعي الحسي يروي أصحابه حكاية مساعد بافلوف الذي كان يتولى تقديم الطعام إلى الكلب وما أحدثه إيقاع خطواته بعد عدة مرات من قيامه بهذا العمل من آثار على الاستجابة اللعابية للحيوان. ولعل هذه الحكاية تذكرنا بحكاية نيوتن واكتشافه لقانون الجاذبية وفضل الصدفة على تغيير تصورات الناس عن سقوط الأشياء. فقد كان سقوط التفاحة من الشجرة لحظة وجود نيوتن في ذلك المكان، في رأي أصحاب هذا الادعاء، منبهاً قوياً فتح عيني نيوتن، ووضع في يده مفتاح سر انجذاب الأجسام إلى الأرض. إنهم، بهذه الحكاية، يلغون سنوات طويلة قضاها هذا العالم في البحث والتفكير عن حلّ أو تفسير للمشكلة التي وضعها أمامه. وقبل الشروع في الحديث عن نظرية بافلوف في الانعكاسات يمكننا الاستعانة بما قاله راي هايمان RAY HAYMAN عن أعمال بافلوف وميله القوي نحو العلوم الفيزيولوجية وقدرته على تمثل أفكار سابقيه وتوظيفها في إعداد وتنفيذ برنامج صارم ومحكم يعكس رؤيته العلمية لمشكلات البحث وطريقة تناولها. يقول هايمان: "وأهم نقطة هي أن تجربة بافلوف الثورية كانت من نواحٍ كثيرةٍ نتاجاً لبيئة ثقافية وعلمية نشأ فيها. وكانت لمسة بافلوف التي تجلت فيها عبقريته هي في جذبه معاً لعدة خيوط تجري في هذه البيئة وإعطائها شكلاً وتفسيراً يتصفان بالتماسك، مبيناً بوضوح مضامينها عن طريق سلسلة من الدراسات يتجلى فيها الصبر والبراعة. ومن المهم أن نلاحظ أنه على الرغم من التأثيرات المتنوعة التي كانت تدفع بافلوف نحو فكرة أنه من الممكن اختصار النشاط العصبي في المستويات الأعلى إلى أفعال منعكسة وعمليات فيزيولوجية، فهو لم يتخذ الخطوة الحاسمة على هذا الطريق إلاّ بعد بحوث طويلة على مظاهر أخرى للتنظيم العصبي للأعضاء الداخلية" (هايمان، بلا تاريخ، 33، 34). ويضيف إلى هذا وفي مكان آخر: "وتمثل تجارب بافلوف المشهورة وبلورته لمفهوم الاشتراط تهجيناً خصباً لأفكار فيزيولوجيا الهضم وفيزيولوجيا الجهاز العصبي والوضعية والمادية ونظرية داروين عن الانتخاب الطبيعي، وأفكار سيجينيف عن الأفعال المنعكسة والكفّ، وأفكار برنار عن الضبط النفسي لسيل اللعاب، وكذلك نتائجه السابقة عن التنظيم العصبي للتغذية والدورة الدموية. وكان العامل المساعد لتركيب كل هذه الأفكار المتنوعة التي كانت "في الهواء" هو اهتمام بافلوف بشرح المفارقات في النشاط الهضمي الذي لا يمكن تناوله من ناحية التنبيه المباشر للفتحة الفمية" (المرجع السابق، 36، 37). تعرف طريقة بافلوف في دراسة وظائف المخ باسم "طريقة الانعكاسات الشرطية". وهذه الطريقة هي في جوهرها تحليلية –تركيبية. ذلك لأنها تسمح بدراسة كامل النشاط الحيواني بتعقيداته وتنوعه وديناميته الطبيعية. ومن مزاياها أيضاً أنها تمكن الباحث من ضبط متغيرات بحثه وملاحظتها بصورة موضوعية وقياسها بدقة. وبفضل مزايا هذه الطريقة تمكن بافلوف ومساعدوه وباحثون آخرون من إجراء مئات التجارب واستخدام أساليب وتقنيات عديدة ومتنوعة في دراسة النشاط الانعكاسي الشرطي عند الإنسان والحيوانات. وفيما يلي مراحل التجربة الأولى التي استهل بها بافلوف المرحلة الثالثة من نشاطه العلمي. ذكرنا سابقاً أن دراسة الغدد المعدية، أي التنظيم العصبي لنشاط تلك الغدد، كانت بمثابة القاعدة التي أقام عليها بافلوف الجسر الذي انتقل عبره من ميدان فيزيولوجيا الجهاز الهضمي إلى فيزيولوجيا الدماغ. وعلى الرغم من انتقاله الجديد فقد بقي اهتمامه منصباً نحو النشاط الإفرازي للغدد. ولكن بؤرة هذا الاهتمام تحولت من الغدد المعدية إلى الغدد اللعابية باعتبارها كاشفاً للنشاط الدماغي. فكان عليه، في هذه الحالة، أن يكيف طريقته بشكل يتناسب مع طبيعة موضوع البحث. وهكذا لجأ إلى عمل جراحي بهدف إحداث فتحة إلى الغدد اللعابية عند الكلب دون أن يمسّ هذه الغدد والفروع العصبية التي تغذيها بأيّ أذى. وبعد أن يستعيد الحيوان صحته يُنقل إلى المخبر. وقبل البدء بالتجربة كان يتمّ لصق قمع زجاجي أو معدني صغير على الفتحة. وهذا القمع يتصل بأنبوب طويل ينتهي بوعاء يصب اللعاب فيه. وعن طريق العدّ أو الرسم التخطيطي وبمساعدة أجهزة خاصة كان بإمكان المشرف على التجربة ملاحظة اللعاب الذي يستجره الطعام وقياس كميته بدقة. ولكي تكتمل صورة البيئة المخبرية التي أعدها بافلوف يجدر بنا أن نشير إلى أن التجارب التي خطا بها ومساعدوه أولى خطواتهم على طريق دراسة الانعكاسات الشرطية كانت متواضعة وبسيطة. حيث كان المجرب خلالها يقف إلى جانب الكلب، ويقدّم لـه الطعام أو يضع في فمه محلولاً حامضاً ويراقب سيلان لعابه ويسجل كميته. غير أن بافلوف سرعان ما وجد نفسه أمام ضرورة عزل الحيوان عن كل ما يمكن أن يكون مصدر إثارة بالنسبة له. فقد لاحظ أن سيلان لعاب الكلب لم يكن انعكاساً شرطياً لرؤية الطعام فقط، بل وللمثيرات السمعية والبصرية واللمسية أيضاً. ولهذا حرص في تجاربه اللاحقة على استبعاد كافة المثيرات الجانبية. فأخذ يضع الحيوان في حجرة خاصة عازلة للصوت بمنأى عن كل تأثير عدا التأثير الذي تقتضيه التجربة. وصارت عمليات تقديم الطعام للحيوان ومراقبته وقياس كمية ما يفرزه من لعاب تتم بواسطة أجهزة ومعدات خاصة. ومع إدراك بافلوف للعناصر المصطنعة التي نجمت عن الإجراءات الجديدة في هذا الوجه من التجربة، فإنه لم يرَ فيها ما يؤثر سلباً على فكرتها الأساسية. فعزل الحيوان في حجرة صغيرة وتقييد حركته داخلها ووجوده إلى جانب أجهزة وأدوات هي شروط تختلف عن شروط حياته الطبيعية. ورغم ذلك فإنها لا تؤثر على المجرى الطبيعي لنشاط عضويته، ولاسيما نشاطه الدماغي. وللتحقيق من صحة هذه الفرضية قام بافلوف بعدة تجارب، سمح فيها للحيوانات بالحركة الحرة داخل غرف واسعة. فتبين له أنه لا يوجد فرق نوعي بين الوضعين التجريبيين من حيث دينامية الانعكاسات الشرطية وقوتها. وعلى العموم فإن الهدف الذي وجه بافلوف جميع إمكانياته نحوه خلال هذه المرحلة يكمن في إيجاد الطريقة التي تمكنه من دراسة الانعكاسات الشرطية بصورة موضوعية ومعرفة طبيعتها وقياس ديناميتها وقوتها واستمراريتها بدقة. لقد انطلق بافلوف من نظرية سيجينيف الانعكاسية وما توليه للعضلات من أهمية بالغة في نشوء مختلف المظاهر الخارجية للنشاط الدماغي. فوجد أن كل ما يكتسبه الإنسان والحيوانات الراقية من تلك المظاهر خلال حياتهم ليس سوى نتاج لما يعرف بالانعكاسات الشرطية. ومن هنا جاءت نظرته إلى الانعكاس الشرطي باعتباره الوحدة الأساسية لذلك النشاط. وفي هذا يقول: "إن الظاهرة الفيزيولوجية المركزية في ظل العمل العادي للمخ هي ما دعوناه بالانعكاس الشرطي. وهذا الانعكاس هو عبارة عن علاقة زمنية لعدد لا يحصى من نقاط البيئة المحيطة بالحيوان التي يستقبلها الأخير بحواسه مع نشاطات معينة للعضوية. وهذه الظاهرة هي ما يسميها السيكولوجيون بالتداعي "(بافلوف، 1951، ج1، 481). اقترح بافلوف مفهوم الانعكاس الشرطي ليعبر به عن آلية النشاط العصبي المعقد. ويقابل هذا المفهوم مفهوم آخر هو الانعكاس غير الشرطي الذي يدل على الاستجابة الفطرية أو الأفعال الغريزية. ورأى بافلوف أن الانعكاسات غير الشرطية هي خاصية النوع، أي أنها تنتقل من الخلف إلى السلف داخل النوع الحيواني الواحد بالوراثة. أما الانعكاسات الشرطية فهي خاصية الفرد وحده داخل النوع. فهي تتشكل أثناء تفاعل العضوية مع الوسط المحيط. وكلما كان الوسط معقداً وسريع التقلب والتغير توجب على الكائن الحي القيام بمزيد من النشاط لتكوين الانعكاسات الشرطية. ومن هذا المنظور فإن الانعكاسات الشرطية تؤلف مجموع الخبرات التي يكتسبها الفرد خلال حياته. غير أن بافلوف لم يفصل بين نوعي الانعكاسات، بل أكد على ارتباط الشرطية منها بغير الشرطية. وقد تجسد هذا الارتباط عنده في نظرته إلى الانعكاسات غير الشرطية كقاعدة فيزيولوجية تقوم عليها الانعكاسات الشرطية. وهذا ما أكدته التجارب التي تم خلالها تشكيل الأفعال الانعكاسية الشرطية بصورة اصطناعية. وتتحدث إحداها عن قيام تلاميذ بافلوف بتنشئة الجراء المولودة حديثاً وحتى سن محددة على تناول الحليب وحده، الأمر الذي جعل لعابها يسيل لمجرد رؤيتها هذه المادة. بينما لم تثر رؤية أي طعام آخر غير معروف بالنسبة لهذه الحيوانات أي انعكاس من هذا القبيل. وبعد ذلك بدئ بإطعامها اللحم والخبز. وتبين أنه كان يكفي أن تتكرر هذه العملية مرة أو مرتين لكي تستجر رؤيتها الطعام الجديد استجابة سيلان لعابها. وقد أطلق بافلوف على هذه الظاهرة اسم "الانعكاسات الشرطية الطبيعية". ويرجع سبب هذه التسمية إلى أن الطعام يحمل بالنسبة للعضوية صفتين أساسيتين، هما الطعم والتغذية، وأخريين ثانويتين، هما الرائحة والمظهر. ومن المعروف أن الحيوان يدرك رائحة الطعام ومظهره عن طريق حاستي الشم والبصر على التوالي. وهاتان الحاستان لا تربطهما بحاسة الذوق التي تتولى إدراك الصفتين الأساسيتين أي علاقة. ولذا فهما غير قادرتين على استدعاء أي انعكاس غذائي في البداية. وحينما يتناول الحيوان طعاماً غير معروف بالنسبة له من قبل، فإن ذلك يثير لديه الإحساس البصري والإحساس الشمّي معاً إضافة إلى الإحساس الذوقي الذي يسبب في ظهور الانعكاس الغذائي غير الشرطي بكل ما يحتويه من عناصر. ويؤدي التوافق في إثارة هذه الإحساسات عند الحيوان لدى تناوله الطعام الجديد عدداً من المرات إلى اكتساب مظهر هذا الطعام ورائحته مغزىً إشارياً، فيتحولان إلى مثيرين شرطيين للانعكاس الغذائي. كما كشفت تجارب بافلوف ومساعديه عن آلية تشكل الانعكاسات الشرطية الهضمية على جميع المثيرات العرضية والجانبية التي ليس لها صلة بالطعام أو بعمل جهاز الهضم. ولعل التجربة الكلاسيكية المعروفة، والتي يعرف بافلوف من خلالها، تؤلف المثال الأوضح على ذلك. وخلاصة هذه التجربة هي أن تقديم الطعام (مسحوق اللحم) للحيوان (الكلب) كمنبه طبيعي يستدعي سيلان لعابه. واقتران هذه العملية (تقديم الطعام) بعد ذلك بضوء مصباح كهربائي أو صوت جرس أو لمس جلد الحيوان كمنبه ثانوي لا يثير لدى الحيوان في الأحوال العادية إلا الانعكاسات التوجيهية الفطرية (الانتباه = ما هذا؟). ومع تكرار هذا الاقتران عدداً من المرات والمحافظة على تقديم المنبه الطبيعي بعد المنبه الثانوي ببضع ثوان يتشكل الانعكاس عند الكلب (سيلان اللعاب) على المنبه الثانوي (الضوء، الصوت،...). فقد لاحظ بافلوف أن هذا المنبه أخذ يثير لدى الحيوان انعكاساً شرطياً مثلما كان يفعل الطعام به من قبل حتى ولو لم يقدم إليه هذا الأخير. وبناء على ذلك توصل إلى القول بأن هذا النوع من المنبهات (الثانوية) يتحول بعد ارتباطه الإيجابي بالطعام إلى بديل عنه أو إلى إشارة تنبئ عنه. وهكذا تكتسب سلسلة المنبهات الثانوية الخارجية والجانبية معنى الإشارة، وتكتسي أهمية حيوية بالنسبة للكائن الحي. كتب بافلوف يقول: "إن التوافق الزمني للمنبهات الجانبية مع الانعكاس غير الشرطي مرة أو عدة مرات هو الشرط الأساسي لتشكل الانعكاس الشرطي (المراجع السابق، ج3، 48). وأكثر من ذلك فإن الأفعال الانعكاسية الشرطية الجديدة لا تتكون من خلال الارتباط المتكرر والمباشر بالأفعال الانعكاسية غير الشرطية فقط، بل وعلى أساس غيرها من الأفعال الانعكاسية الشرطية التي تكونت وتعززت في الماضي. وهذا ما يمكن ملاحظته لدى اقتران منبه جانبي ضعيف بانعكاس شرطي موجود سابقاً. ولقد أطلق بافلوف على الانعكاس الشرطي الجديد اسم "الانعكاس الشرطي من الدرجة الثانية". وعلى هذا المنوال استطاع بافلوف ومساعدوه أن يبرهنوا على وجود انعكاسات شرطية من الدرجة الثالثة لدى الحيوانات من خلال التجربة. ولقد بيّنت مجموعة التجارب هذه أن اقتران المنبه الجانبي بالانعكاس غير الشرطي يعتبر شرطاً ضرورياً ليس من أجل تشكل الانعكاسات الشرطية فحسب، وإنما من أجل الاحتفاظ بها أيضاً. وأن عدم مراعاة هذا الشرط أو الإخلال به على نحو ما يؤدي شيئاً فشيئاً إلى ضعف الانعكاسات الشرطية وتلاشيها مهما كانت قوتها. فإذا اقتصر الأمر على عرض الطعام على الحيوان دون تناوله له عدة مرات متتالية، فإن ذلك سوف يقود حتماً إلى زوال الانعكاس الشرطي الذي تشكل في وقت سابق. وبالنظر إلى المكانة التي يحتلها الانعكاس غير الشرطي في تشكّل الانعكاسات الشرطية، فقد أطلق عليه بافلوف اسم "المنبه التعزيزي" وأطلق على عملية قرن تأثيره بتأثير المنبه الشرطي اسم "تعزيز الانعكاس الشرطي". وفي ضوء المعطيات التجريبية وجد بافلوف أن أهم خاصية للانعكاسات الشرطية هي الموقوتية. كتب يقول: "من المشروع أن تسمى الصلة الدائمة بين النقاط الخارجية والنشاط الاستجابي الذي يردّ به الكائن الحي عليها انعكاساً غير شرطي، والصلة المؤقتة انعكاساً شرطياً (المرجع السابق، ج3، 560). فكثيراً ما استخدم مصطلح الانعكاس المؤقت للدلالة على الانعكاس الشرطي، ومصطلح العلاقة المؤقتة للتعبير عن العلاقة العصبية التي يحدث هذا الانعكاس بفضل تشكلها. كما أن لزوال الانعكاس الشرطي طابعاً مؤقتاً. إذ يمكن أن يُستعاد في بعض الحالات بصورة مستقلة بعد مضي بعض الوقت على امحائه وزواله. وفي حالات أخرى يتطلب استرجاعه اللجوء من جديد إلى قرن المنبه الشرطي بالانعكاس غير الشرطي أو اتباع مسلك آخر. إن مصطلحي "العلاقة المؤقتة" و "الانعكاسات المؤقتة" اللذين استخدمهما بافلوف كمرادفين لمصطلح "العلاقة الشرطية" أو "الانعكاسات الشرطية"، والتأكيد على تغير هذه الانعكاسات وصلتها الوثيقة بالشروط الخارجية، وبالحالة الداخلية للكائن الحي، أمران لا يعنيان عدم ثبات تلك الانعكاسات والارتياب بها كشكل للنشاط العصبي، أو كظاهرة غير مستقرة وغير منتظمة من ظواهر نشاط المخ. ولهذا كان بافلوف يتحدث دوماً، وكلما وجد الفرصة مناسبة، عن استقرار الانعكاسات الشرطية وبقائها فترة طويلة من الزمن تقدر بالسنوات، وبالعقود أحياناً، وقد تستمر مدى الحياة في بعض الأحيان. وما قصده بافلوف من وراء استخدام مصطلح "الانعكاسات المؤقتة" هو التشديد على انطفاء الانعكاسات الشرطية ضمن شروط معينة. والواقع أنها لا تنطفئ، وإنما تعرقل وتكف. وهي تستطيع أن تستعيد نشاطها من جديد حالما تزول العراقيل والشروط الكافة. وزيادة على ما قيل حول الانعكاس الشرطي، فإن ثمة ناحيتين متكاملتين تجعلان هذا الانعكاس مختلفاً عن الانعكاس غير الشرطي. فقد رأينا أن أي انعكاس غير شرطي (سيلان اللعاب، مثلاً) يتكون بتأثير عدد قليل نسبياً من المنبهات على أحد أعضاء الحس. وهذا ما يحدث عند وصول الطعام إلى الفم أو ملامسته له. بينما لا يتكون الانعكاس الشرطي في مثل هذه الشروط المحددة. إذ يمكن لأي منبه قادر على استثارة أي عضو من أعضاء الحس الداخلية أو الخارجية أن يصبح منبهاً شرطياً، يستدعي سيلان اللعاب الانعكاسي الشرطي. كما يمكن لتشكيل الانعكاس الشرطي ليس على منبهات منفصل بعضها عن بعض، بل على عدد من المنبهات المتنوعة التي تؤثر على أعضاء الحس دفعة واحدة أو بتعاقب معين. وتدعى هذه الانعكاسات بـ "الانعكاسات المركبة". ولعل بالإمكان اعتبار الزمان والمكان منبهين شرطيين. فإذا قدم الطعام إلى الكلب كل سبع دقائق، مثلاً، تكون لديه انعكاس شرطي بعد تكرار هذا الفعل من المرات بصورة منتظمة، مع استبعاد تأثير أية منبه آخر. ويتبدى هذا الانعكاس في سيلان لعاب الحيوان عند اقتراب موعد تقديم الطعام. كما يتشكل الانعكاس الشرطي على ترتيب ووضعية مكان استعمال المنبه أو توقف تأثيره. ومما يمكن استخلاصه في ضوء ما تقدم هو إمكانية تشكيل الانعكاس الشرطي على قاعدة أي من الانعكاسات غير الشرطية، ونشاط أي عضو من أعضاء الكائن الحي. ولقد مكنت هذه النتيجة بافلوف ومساعديه من تشكيل ودراسة الانعكاسات الشرطية على العديد من الأعضاء الداخلية كالغدد المعدية والكليتين والقلب والأوعية، والانعكاس الدفاعي الحركي، والانعكاس الشرطي على الحالة المرضية للكائن الحي وغيرها. وجاءت نتائج جميع التجارب التي أجريت في هذا السياق لتدلل على صحة ما قاله بافلوف من أن ".. العلاقة العصبية المؤقتة هي الظاهرة الفيزيولوجية الأكثر شمولية في عالم الحيوان وفي ذواتنا" (المرجع السابق، ج3، 561). ومن خلال دراسة الانعكاسات وقف بافلوف على تباين آخر بين الانعكاسات غير الشرطية والانعكاسات الشرطية. ووجد أن هذا التباين يكمن في تموضع المحطات المركزية لكل منها. فقد بينت التجارب المخبرية أن الانعكاسات غير الشرطية تتم في جميع مناطق الجملة العصبية المركزية، في حين أن الانعكاسات الشرطية لا تتم إلا في القشرة الدماغية. وللتحقق من صحة هذه الفرضية قام بافلوف باستئصال لحاء الكلب بشكل كامل. وبعد أن أخضع هذا الحيوان للتجربة المخبرية لم ير أي أثر لوجود انعكاسات شرطية عنده. فقد زالت تلك الانعكاسات مع زوال اللحاء. وفقد الحيوان بذلك القدرة على تكوين انعكاسات جديدة. (1) تنبع هذه الأعصاب من البصلة السيسائية، وتمتد إلى الصدر، وتنتهي في التجويف البطني. وتعصب فروعها الكثير من أعضاء الصدر والبطن الداخلية بما فيها الغدد المعدية. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |