|
||||||
| Updated: Wednesday, October 15, 2003 01:35 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
- الفصل الرابع والثلاثون : بختيرف وعلم الانعكاس يعتبر فلاديمير ميخائيلوفيتش بختيرف (1857-1927) مؤسس المدرسة الانعكاسية في علم النفس. وقد بذل كل ما بوسعه من أجل وضع قواعد هذا العلم وتطوير تعاليمه. ومن أهم ما قام به في بداية نشاطه العلمي هو إنشاء أول مخبر للدراسات السيكوفيزيولوجية في روسيا، يحاكي به مخبر فوندت الذي تعلّم وتدرب فيه. وقد بدأ مخبر "كازان" في دراسة نشاط الجهاز العصبي المركزي عام 1885. كما كان لبختيرف الفضل في تأسيس معهد السيكونيرولوجيا في مدينة بطرسبورغ وإدارته لسنوات عدة. ومن ثم ترأس أكاديمية السيكونيرولوجيا، وأصبح مديراً لمعهد دراسة الدماغ. وخلال حياته العلمية كان يلقي المحاضرات على طلبة الكليات والمعاهد المختلفة (معهد المعارف الطبية، معهد ليننغراد الطبي، معهد البيدالوجيا) ويشرف على بحوثهم وأعمالهم. وفي عام 1904 صدر العدد الأول من مجلة "بشير علم النفس والإنتربولوجيا الجنائية والتنويم المغناطيسي"(1) تحت إشرافه. كما ترأس تحرير مجلة "مسائل دراسة الشخصية وتربيتها"(2) مع ف.أوسيبوف من عام 1920 حتى عام 1922. كتب بختيرف العديد من المؤلفات في فيزيولوجية الجهاز العصبي المركزي، بدأها بـ"أسس دراسة وظائف الدماغ". وفي عام 1904 نشر مقالاً بعنوان "علم النفس الموضوعي ومادته". وصدر كتابه "النفس والحياة" قبل أن يشرع بنشر أجزاء كتابه الضخم "علم النفس الموضوعي" بوقت قصير وقد خصص الجزء الأول من كتابه الأخير لعرض أسس هذا العلم ومقوماته ومهماته. وتناول في الأجزاء الأخرى مشكلات الدراسة الموضوعية للنفس. وفي عام 1918 نشر كتاباً آخر تحت عنوان "المبادئ العامة لعلم الانعكاسات" ليؤكد من خلاله على الخطوط الرئيسية العامة لنظريته. لقد تمحور عمل بختيرف بأكمله حول مبدأ سيجينيف الذي يرى أنه ما من عملية واعية أو غير واعية إلا وكانت في وقتٍ ما انعكاساً للواقع الخارجي المادي في دماغ الإنسان، وأنها عاجلاً أم آجلاً سوف تتجلى في سلوكه. وبتعبير آخر فإن الانعكاس الذي يتم في منطقة المخ هو بالنسبة لبختيرف مادة علم النفس وموضوعه. انطلق بختيرف من وجود عالم ذاتي، داخلي، نفسي لدى الفرد، ومعارضة كل محاولة تستهدف نفيه أو التقليل من شأنه. ويبرز منطلقه هذا في قوله: "وعلى العموم فإنه ليس بوسعنا أن نتفق مع من يرى أن الوعي ظاهرة بسيطة مصاحبة للعمليات المادية. فليس ثمة في الطبيعة ما هو زائد، والعالم الذاتي ليس فقط كماً مهملاً أو نوعاً غير ذي فائدة في العمل العصبي النفسي العام" (بختيرف، 1907، 17). والعالم الذي عناه يبدأ، في رأيه، بالحس. فالحواس تفتح الباب للنشاط النفسي بمختلف مستوياته حينما تحدد درجة التغيرات التي تطرأ على المنبهات الخارجية. وتمكّن الكائن الحي، بالتالي، من إقامة علاقات حيوية وهامة مع الوسط المحيط. وقد أطلق بختيرف عليها اسم "الرموز الذاتية". وهنا تبرز أمام الباحث المتتبع الصلة الوثيقة بين ما هو ذاتي وبين ما يحدث في الدماغ من عمليات مادية، الأمر الذي يجعله ينظر إليهما كما لو أنهما عملية واحدة، ويرفض تناولهما كعمليتين متوازيتين. ومن هذا المنظور يخلع بختيرف على مفهوم "النفسي" معنىً مختلفاً عن المعنى المألوف والشائع في علم النفس الذاتي. فهو يضيف إلى الصفة الذاتية التي يتصف بها هذا المفهوم صفة الموضوعية لكونه عملية مادية تجري في الدماغ. وبما أن الذاتي أو النفسي هو أحد وجهي العملية العصبية النفسية، فإنَّ نشأته تتوقف على التأثيرات الخارجية. ولعلنا نلمس في فهم بختيرف للوعي ومعارضته لتجريد أو فصل أيٍّ من مظاهره أو عناصره عن أساسه المادي السبب الذي دفعه إلى إقامة علم النفس الموضوعي. لقد تصوّر بختيرف أن معرفتنا بالذاتي تتحقق عن طريق الرجوع إلى ذواتنا فقط. ويعني ذلك أن نشاطنا النفسي الخاص هو ما يتعين على علم النفس الذاتي أن يتوجه إليه ويُعنى بدراسته. أما معرفتنا بالوعي عند الآخر فإنها تتم من خلال دراسة المظاهر الخارجية للعمليات الداخلية لديهم، والتي تتطور تحت تأثيرات المحيط الخارجي. وعلى الرغم من أن تلك المظاهر ليست سوى نتيجة للعمليات الذاتية والموضوعية، فإنّ من غير الممكن الكشف عن الوجه الذاتي لهذه العمليات حينما يتعلق الأمر بالآخرين. ولذا يقترح بختيرف دراسة المظاهر الخارجية للعمليات الذاتية والموضوعية عبر علاقاتها بالتأثيرات الخارجية باعتبارها المحركات الأولى لها، أو، باختصار، إحلال علم النفس الموضوعي محل علم النفس الذاتي. والمظاهر الخارجية التي يتعيّن على الباحث السيكولوجي دراستها ما هي إلا الانعكاسات التي تتجلى في ردود أفعال الكائن الحي على المثيرات، أو- كما يسميها بختيرف- الانعكاسات النفسية. وهذه الانعكاسات هي الاستجابات التي تُستعاد بها التجربة الماضية، وتنشأ عن اقتران أثر التنبيه الجديد بآثار المنبهات القديمة. وقد أطلق عليها بختيرف اسم "الانعكاسات الاقترانية". وحينما يتحدث بختيرف عن التنبيهات، فإنه لا يقصرها على ما يرد من العالم المحيط بالكائن الحي، أي بالتنبيهات الخارجية، بل ويشمل بها التنبيهات الداخلية أيضاً. فهذه الأخيرة تدفع الحيوان والإنسان إلى القيام بالحركات والأفعال شأنها في هذا شأن التنبيهات الخارجية. وربما تكون أكثر قوة نظراً لارتباطها بتلبية أو عدم تلبية الحاجات المختلفة التي يحس بها كل منهما. فلا عجب أن يبرزها بختيرف ويطلق على آثارها اسماً خاصاً هو "الموجّه الأساسي للحركات". وإذا كانت دراسة الانعكاسات الاقترانية بوجه عام، والانعكاسات الاقترانية الحركية بوجه خاص هي المهمة المركزية لعلم النفس الموضوعي، فما هي الطريقة التي اقترحها بختيرف للاضطلاع بهذه المهمة؟. إن الإجابة على هذا السؤال تمرّ عبر معرفة المقدمات التي اعتمد عليها بختيرف في رفض علم النفس الذاتي وإحلال علم النفس الموضوعي مكانه. فاختلاف وجهة نظر بختيرف عن وجهة نظر الذاتيين حول موضوع علم النفس وضعه أمام إشكالية الطريقة التي استخدموها، ونعني طريقة الاستبطان. وقد جاء حله لهذه الإشكالية منسجماً مع الأسباب التي آلت إلى ذلك الاختلاف، حيث طرح طريقته الموضوعية كبديل للاستبطان دون أن ينفي فوائد استخدامه على شكل عرض كلامي ينقل الآخرون به مشاعرهم الذاتية. فالطريقة المقترحة لا تكتفي بتسجيل الانعكاسات فقط، كما هو الأمر في الاستبطان، وإنما تقتضي إرجاع تلك الانعكاسات إلى المنبهات الخارجية وربطها بها. لقد أجرى بختيرف عدداً كبيراً من التجارب على الحيوانات والناس، مستخدماً فيها الطريقة الموضوعية. وتتلخص هذه التجارب في إثارة المفحوص بمنبهات فيزيائية أو كيميائية أو كلامية (تيار كهربائي، طعام..) مع قرنها بمنبهاتٍ ثانويةٍ (ضوء، صوت...)، وتشكيل انعكاسات حركية (دفاعية) بسيطة ومعقّدة لديه. وحرص بختيرف على انسجام المصطلحات التي تدلّ على الوقائع النفسية مع طبيعتها الانعكاسية، فاستبعد ما هو متداول منها في علم النفس الذاتي، كالانتباه والتذكر، واستبدل بها مصطلحات جديدة، كالتركيز والآثار. وبصرف النظر عن التغيير الذي قام به بختيرف لاسم نظريته من علم النفس الموضوعي إلى علم النفس الانعكاسي، ومنه إلى علم الانعكاس، فإن المبادئ التي بناها عليها بقيت على حالها في جميع المراحل. والواقع أن نظريته، وإن عُرفت تحت اسم علم النفس الموضوعي، فإن علم الانعكاس هو أكثر التسميات دلالةً على مبادئها وتعبيراً عن محتواها. ولعلَّ بختيرف أدرك ذلك في المرحلة الأخيرة، فاستقر رأيه على هذه التسمية منذ أن وضع كتابه "المبادئ العامة لعلم الانعكاس". وجد بختيرف أن علم الانعكاس هو علم جديد يدرس شخصية الإنسان من الناحيتين: البيولوجية والاجتماعية. ويعتبره حلقة خاصة من المعارف التي تتعلق أساساً بالمظاهر الدنيا والعليا للنشاط النفسي أو "المجال الروحي" والخصائص الخارجية لأفعال الإنسان (الإيماءات، حركات الوجه، نبرات الصوت..) وارتباطها بالمؤثرات الفيزيائية والبيولوجية والاجتماعية في الماضي والحاضر. وإدراك هذه الغاية يتطلب، في تقديره، تناول هذه المسائل بصورة موضوعية صارمة، والتخلي عن التحليل الذاتي. كتب في هذا الصدد يقول: "... علينا أن نسير في طريق دراسة العلوم الطبيعية للمادة في محيطها الاجتماعي، وأن نتبين صلة الأفعال والتصرفات، وكذا جميع المظاهر الأخرى للشخصية الإنسانية، بالأسباب الخارجية التي تستدعيها في الحاضر والماضي على السواء، بقصد اكتشاف القوانين التي تخضع لها هذه المظاهر وتحديد تلك الارتباطات القائمة بين الإنسان والعالم الفيزيائي والبيولوجي، وخاصة الاجتماعي، المحيط به" (بختيرف، 1926، 13). لقد سلّم بختيرف بوحدة الكون، وبأن كل ما فيه من أشياء وظواهر وعلاقات يقوم على مبدأ واحد، هو مبدأ الطاقة. فالكائنات اللاعضوية والعضوية وما فوق العضوية هي، في اعتقاده، ثمرة النشاط الطاقي المتمثل في تحولات الطاقة الكونية وانتقالها من حال إلى حال، ومن شكل إلى آخر. وقد عبّر عن هذه الفكرة بقوله: "إن السيرورة الكونية المتمثلة في التحول المستمر للطاقة، والتي تُعدّ في الدراسة الموضوعية هدفاً دائماً لما هو قائم بين المواد من علاقات متبادلة تتعقد أكثر فأكثر، والتي هي الشكل المرتبط بتلك الطاقة، هذه السيرورة تتحقق وفق نفس المبدأ الأساسي، سواء تجلّت في حركة الأجرام السماوية.. أم في عمليات الطبيعة الجامدة والحية على أرضنا، أم في حياة شخصية الإنسان ذاته ومظاهرها على نحو خاص، وأخيراً في مجتمع البشر، أو فيما يسمى بالعالم فوق العضوي بكل تعقيدات علاقاته الخارجية" (المرجع السابق، 7). ومن خلال هذه الكلمات يتبدى تطابق ما هو طبيعي مع ما هو نفسي على خلفية فلسفة الطاقة. كما تتجلى نظرة بختيرف المادية الميكانيكية إلى الوعي. ولعلَّ هاتين السمتين تبرزان أكثر في قوله: "إن الطاقة التي تظهر في تشكيلات معقدة بمحتوى مادي فوسفوري، تصحبها زيادة على الجانب المادي حالات ذاتية عامة نعرفها لدى ملاحظتنا لذواتنا بصورة متطورة على أنها وعينا" (المرجع السابق، 48). وفي قوله أيضاً: "إذا كان من المستحب الاعتراف بأن الوعي هو ببساطة وظيفة الدماغ، فإن بمقدور علم الانعكاس أن يتخذ ذلك كنتيجةٍ مستمدةٍ من هذه المعطيات العلمية أو تلك. ولكن الانعكاسيين لا يعارضون كذلك فرضيات أخرى عن الوعي، مستثنين بطبيعة الحال الميتافيزيائية منها" (المرجع السابق، 65). ومما لا شك فيه أن الجانب المادي الميكانيكي من تصورات بختيرف عن الوعي يؤلف الأرضية المشتركة التي جمعته مع واتسون وغيره من السلوكيين. ولا نخال رقعتها ضيقة. وربما كانت أوسع وأصلب بكثير لولا تأكيد علم الانعكاس على أهمية العمليات الداخلية، واقتران الانعكاسات الخارجية والاستجابات الحركية الظاهرية. وليس أدلّ على ذلك من تعليق بختيرف على مقال ب. سوروكين، حيث قال: "سوف يجد القراء الذين تعرّفوا على أدبيات علم الانعكاس الروسية أن العلماء الأمريكيين يتفقون تماماً مع تصورات المدرسة الانعكاسية الروسية" (بتروفسكي، 1967، 39). (1) منذ العام 1911 أدخل تعديل على اسم المجلة فأصبح "بشير علم النفس والانتروبولوجيا الجنائية والبيدالوجيا". (2) ظهر العدد الأول من المجلة عام 1920. وتوقفت عن الصدور عام 1923. ثم عادت إلى قرائها من جديد عام 1926. وبعد ست سنوات من هذا التاريخ، أي في عام 1932، توقفت نهائياً عن الصدور. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |