|
||||||
| Updated: Wednesday, October 15, 2003 01:35 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
- الفصل السادس والثلاثون :آراء أوشينسكي التربوية ولد قسطنطين دميتريفيتش أوشينسكي عام 1824 في توليه. وأمضى طفولته في نوفغورد- سيفيرسك. وبعد أن أنهى دراسته الثانوية توجّه إلى موسكو ليدرس الحقوق في جامعتها. وفي عام 1844 حصل على الشهادة الجامعية، وعُين أستاذاً للعلوم المكتبية التي كانت تضم، إلى جانب الحقوق، مبادئ علم الإدارة والمحاسبة وحقوق الدولة في معهد الحقوق في ياروسلافسكي. وفصل من عمله بعد عامين تقريباً بسبب أفكاره ومواقفه. فكان عليه أن يعمل مستخدماً في وزارة الداخلية. ولما لم يلب هذا العمل طموحه فقد اضطر إلى تركه ليلتحق بمجلة "المعاصر" ثم بمجلة "مكتبة من أجل المطالعة" للمشاركة في تحريرهما. وفي عام 1854 حصل أوشينسكي على لقب معلم ثم مفتش في معهد غاجينسكي لتربية الأيتام. وتمكن أثناء وجوده في هذا المعهد من تحسين وضعه في ميدان التربية والتعليم. وبعد ذلك عمل في "مجلة التربية". ونشر خلال عامي 1857 و1858 عدة مقالات في التربية، أهمها "فائدة الأدبيات التربوية" و"حول الشعبية في التربية الاجتماعية" و"عناصر المدرسة الثلاثة". ومنذ عام 1859 صار أوشينسكي مفتشاً في معهد سمولني لبنات النبلاء. ومكّنه منصبه هذا من إدخال الكثير من الإصلاحات على النشاط التربوي لهذه المؤسسة رغم المعارضة الشديدة للمربين المحافظين. وبين عامي 1860 و1861 أسهم في تحرير "مجلة وزارة التعليم"، واستطاع أن يحولها من وسيلة إعلامية رسمية إلى مرجع علمي تربوي. ومن حين إلى آخر كان يطلّ على قراء هذه المجلة بأفكاره التربوية الجديدة من خلال مقالاته، مثل، "العمل وأهميته النفسية والتربوية" و"الكلمة الأم" و"مشروع حلقة بحث المعلمين". وأمام نشاط أوشينسكي المتزايد وآرائه التنويرية التي كانت تستقطب اهتمام المعلمين والمربين والمهتمين بالثقافة والتربية وتحظى بتقديرهم قامت إدارة المعهد بطرده من العمل. ولتغطية هذا الإجراء أصدرت السلطة القيصرية قراراً بإرساله في بعثة علمية للاطلاع على التربية النسوية في بلدان أوربة الغربية. وخلال أكثر من خمس سنوات قضاها أوشينسكي في سويسرا وألمانيا وفرنسا كتب أهم مؤلفاته، وفي مقدمتها "الكلمة الأم" و"الإنسان كموضوع للتربية" (تجربة الانتروبولوجيا التربوية، الجزءان الأول والثاني)، وأعدّ الشطر الهام من مواد الجزء الثالث. وفي سنة 1867 آثر العودة إلى بلاده بعد أن داهمه المرض وضعفت قواه ليقضي فيها ما تبقى من حياته. وبعد ثلاثة أعوام، أي في عام 1870، مات في أوديسا ودفن في كييف. رأى أوشينسكي أن في الانتروبولوجيا تكمن أصول العلوم التربوية والنفسية التي تتناول الإنسان في حركته داخل المجتمع البشري. فدراسة الظواهر النفسية والعضوية والفيزيولوجية عند الإنسان وما يطرأ عليها من تغيرات تحت تأثير الوسائل والأساليب والمضامين التربوية هي في المحصلة نشاط يدخل ضمن دائرة اهتمام الانتروبولوجيا. وهذا التصور يقوم، كما هو واضح، على تعاليم النظرية الداروينية. وهو الأمر الذي أشار إليه في أعماله الأخيرة أثناء حديثه عن تلك النظرية وإبرازه لمناقبها وفضلها على علوم الطبيعة، ودفاعه عنها ضد انتقادات ما أسماهم بأدعياء الحفاظ على القيم في تلك العلوم. ولئن كانت منطلقات أوشينسكي في المرحلة الأخيرة قريبة من المادية، فإنها لم تكن كذلك في مراحل نشاطه الأولى. ويرجع ذلك إلى غنى تجربته الميدانية وزيادة اطلاعه على آراء المفكرين والمربين وحواراته معهم، وإيمانه الراسخ بقدرة العقل والفكر على التغيير الاجتماعي. لقد اعترف أوشينسكي في مؤلفه "الإنسان كموضوع للتربية" بالدور الإيجابي الكبير الذي يلعبه الاتجاه المادي في العلم والفكر، وبأهميته في ميدان التربية. وفي ضوء هذا التقييم نظر إلى فلسفة كانت وهيغل ونظرية هربارت في التربية، فلم يلق في ما قاله هؤلاء ما يلبي حاجة النظرية النفسية والتربوية إلى قواعد مادية تتجاوز "مادية سبنسر المبتذلة" التي، يعتقد أنها، انتهت إلى نتائج بعيدة عن الصواب، ومضللة. والمقصود، هنا، هو تكهن سبنسر بظهور جناحين عند الإنسان في المستقبل كنتيجة لقدرته على التكيف واستعداده العضوي للتطور. ولذا فإنه يرى أن هذه النظرية المنشودة لا تزال تنتظر هيغلها. ولما كانت التربية فرعاً من فروع الانتروبولوجيا، فقد بنى أوشينسكي نظريته على علم التشريح والفيزيولوجيا والفلسفة والتاريخ وعلم النفس. ذلك لأنه اعتقد بأن من شأن هذه الميادين أن تسلح المربي بالمعارف الضرورية المتعلقة بالطبيعة البشرية، وأن التربية لا تكون مجدية، ولا تستطيع أن تحقق أهدافها المنشودة، إن هي لم تتمثل تلك المعارف وتوظفها إلى أقصى الحدود وبشكل صحيح وموجّه. وفي هذا السياق يقول: "إذا أرادت التربية أن تربي الإنسان من كافة النواحي، فإن عليها أن تعرفه أيضاً من كافة النواحي بصورة مسبقة" (أوشينسكي 1950، ج8، 55). إنّ ما يجمع هذه العلوم هو أنها جميعاً تدرس الإنسان، وكل منها يتناوله من جانب. فهي، من هذا المنظور، تتكامل وغالباً ما تتلاقى وتتقاطع في حركتها وسعيها نحو الكشف والمعرفة. وما عليها، والحالة هذه، إلا أن تنسق عملها وتتعاون فيما بينها من أجل نشاط أكثر نفعاً وفائدة. ويبرز موقع كلّ من التربية وعلم النفس بين هذه العلوم عبر تصور أوشينسكي لمادة نشاطها وعلاقاتها المتبادلة. فالتربية تجسّد حاجتها إلى قوانين ومعطيات هذه المجموعة من العلوم من خلال توجهها إلى الإنسان ككل وسعيها لإعداده إعداداً سليماً منسجماً من الناحيتين: الجسمية والنفسية. وعلم النفس، بتعدد موضوعات اهتمامه وارتباطه المتميز والوثيق بالتشريح والفيزيولوجيا، يعتبر أقرب العلوم إلى التربية وأكثرها فائدة لها. وتتجلى فكرته هذه بوضوح في تصنيفه للقضايا التي يتولى هذا العلم معالجتها. وقد حصر هذه القضايا في مجموعات ثلاث، هي الظواهر الجسمية والنفسية والروحية. وبوسع القارئ أن يلمس المدى الواسع لاهتمام أوشينسكي بالظواهر الجسمية حين قراءته للجانب الفيزيولوجي والجانب السيكولوجي اللذين أفرد لهما قسماً هاماً من عمله. ومما يسترعي الانتباه في هذا القسم هو حرص المؤلف على تقديم وصف دقيق لوظائف الجملة العصبية وأعضاء الحس وآليات عملها والحركات الانعكاسية التي تصدر عن الإنسان. فهو يرى أنّ من هذه الحركات ما هو فطري، ومنها ما هو مكتسب. ويقصر فهمه للحركات الأخيرة، أي المكتسبة، على العادات والمهارات فقط، ويحاول تتبع نشأتها وتطورها فيجد أنها تمر بمراحل عدة. ففي البداية تتدخل الإرادة والوعي في أدائها. ورويداً رويداً تتحول بفضل التدريب إلى حركات غير إرادية وغير واعية. وهذا الانتقال يستدعي تغيرات معينة في الجملة العصبية. ويأسف أوشينسكي لعدم تمكن الفيزيولوجيا حتى الآن من معرفة كنه تلك التغيرات وطبيعتها. لقد أحلَّ أوشينسكي دراسة التغيرات الفيزيولوجية التي ترافق الأداءات الحركية وتشارك في مختلف أوجه النشاط النفسي التي يقوم بها الإنسان، كالتذكر والتخيل والانفعال والعاطفة مكانة خاصة. وأناط فهم الواقعة النفسية بتطور معرفتنا بما يجري أثناء حدوثها في الجملة العصبية. وفي هذا ينضم أوشينسكي إلى صفّ الفيزيولوجيين وعلماء النفس من ذوي الاتجاه المادي. ومما يعزز من موقعه في هذا الصف هو اعتراضه على محاولات المثاليين الذين ينسبون العمليات النفسية (التذكر، مثلاً) إلى النشاط الذي تقوم به الروح بمعزل عن العضوية. وتبعاً لطبيعة الموضوعات التي يدرسها علم النفس فقد ميّز أوشينسكي ثلاثة مستويات أو أنواع من الوقائع النفسية: العصبية والنفسية والروحية. فللتذكر كما للرغبة أو التخيل أو العمليات الذهنية بوجه عام مستوى عصبي وآخر نفسي وثالث روحي. ويرجع السبب في وجود الفروق الفردية بين الناس من حيث قدراتهم وحالاتهم النفسية في مستوياتها الثلاثة إلى اختلاف النسيج الدماغي وبنية الجملة العصبية لديهم. ومع أن هذا الاختلاف البنيوي المفترض لم يكشف النقاب عنه، ولم تثبته الملاحظة الميكروسكوبية، فإن أوشينسكي يفضل عدم الانتظار إلى ذلك اليوم الذي يتم فيه ذلك. ويقرر أن الملاحظة السيكولوجية تمدّنا بما يشبه الدليل على صحة تلك الفرضية، وتجعلنا أميل إلى قبولها ضمن قائمة الفرضيات المحتملة. وهنا يبسط أوشينسكي موقفه من العلاقة بين العضوية والوعي، في أن العمليات العضوية تؤثر في النشاط النفسي للفرد، وتسهم في تكوين سمات شخصيته بصورة فاعلة. وزيادة على هذا فإنه يشير إلى الاختلاف المبدئي بين الظواهر المادية والظواهر النفسية، "فالوقائع النفسية لا يمكن أن تتم من قبل المادة"، وإن من يقوم بها هو ذلك الكائن الذي لا يمكن إدراجه تحت مفهوم المادة. إنّه، باختصار، لم يجد في الوعي ما يتسنى لنا إرجاعه إلى ما فيه لون أو رائحة المادة. كتب يقول: "لم تستطع الفيزيولوجيا من أن تعثر في الجملة العصبية على أية شروط قادرة على أن تفسر لنا إمكانية حدوث تلك الظواهر، كالوعي والإحساس والإرادة... إننا هنا أمام عامل جديد لا يذعن للملاحظة الفيزيولوجية" (المرجع السابق، 666، 667). وإلى جانب هذا التباين بين النفس والبدن يعترف أوشينسكي بفضل العاملَيْن وإسهامهما في جميع مظاهر الوعي. يقول: "ليس بمقدورنا أن نعي أيّ شيء صادر عن الطبيعة الخارجية بالنسبة لنا دون جملتنا العصبية" (المرجع السابق، ج9، 333). وقد يكون هذا الاعتراف بمثابة تحوّل في فكر أوشينسكي باتجاه الحل المادي لمشكلة الثنائية السيكوفيزيائية. ففي هذه الحالة يصبح العالم الخارجي مستقلاً عن الذات العارفة. ولكنه سرعان ما يتراجع عن موقفه ويسحب اعترافه باستقلال العالم عن وعينا وإرادتنا. وهذا ما نقف عليه في بحثه عن المعرفة الإنسانية، حيث وجد أن هذه المعرفة تتجسد في: - الانطباعات التي يحملها الفرد عن العالم الخارجي والتي تتشكل نتيجة التأثيرات الخارجية على أعضاء الحس. - مفهوم الزمان والمكان الذي يتكون عن طريق الحس الحركي- العضلي. - معرفة المشاعر والعمليات النفسية التي تتم عن طريق ملاحظة النشاط النفسي والروحي الذاتي (الملاحظة الذاتية). وتكتسي هذه الطريقة عند أوشينسكي أهمية خاصة لاعتقاده بأنها هي وحدها التي تطلعنا على وجود الوعي وتجلياته. وفي هذا الصدد يقول: "إنّ الطريقة الوحيدة لدراسة الظواهر النفسية هي طريقة الملاحظة النفسية الذاتية وليست الملاحظة الفيزيولوجية" (المرجع السابق، ج9، 334). ومن خلال هذا المخطط يبدو واضحاً كيف أن أوشينسكي ارتد إلى مواقع الثنائية المثالية. فقد جمع فيه الوقائع التي توفرها الملاحظة الموضوعية للوسط المحيط والوقائع التي تقدمها الملاحظة الذاتية. وهو، حين فعل ذلك، كان يقصد تجاوز المادية التي أخذت بالوضعية واعتمدت على الوقائع الأولى، وسد الثغرة التي خلفتها المثالية التي اكتفت بالملاحظة الذاتية وما تقدمه من وقائع ومعطيات. ولكنه لم يكن يدري أنه، بمحاولته التوفيقية هذه، كان يعرّض إنشاءاته النظرية لانتقادات الماديين والمثاليين على حدّ سواء. ولعلّ من المنطقي أن تستأثر مشكلة التطور النفسي بنصيبٍ وافرٍ من اهتمام أوشينسكي وجهده، خاصة وأنه ربط نجاح التربية بعمق وشمولية معرفتها بصفات الإنسان باعتباره موضوعها وغايتها التي هي مسوغ وجودها. وفي هذا المجال نجد أن تقسيمه للعمليات والحالات النفسية ينسجم مع تصنيفه للظواهر. فالظاهرة تكون في البداية آلية، ثم تصبح حسية، وتضحي في آخر طور لها ذهنية أو روحية. وهذا بالضبط هو المسار الذي يحدّد الأطوار التي تمر بها الذاكرة والانتباه والمحاكمة، الشيء الذي تتيسر ملاحظته أثناء انتقال الطفل من مرحلة عمرية إلى مرحلة عمرية أخرى. فقدرته على تذكر الموضوعات (القصص والحكايات والحوادث) تكون في السنوات الأولى من حياته آلية. وما أن يكبر قليلاً حتى تكتسب هذه القدرة طابعاً حسياً. وبعد مضيّ عدة سنوات تتحول إلى قدرةٍ ذهنية. وفي هذا الإطار يرى أوشينسكي أن التطور النفسي يتوقف على عاملين أساسيين: التربية والنشاط الذي يقوم به الفرد. فالتربية "تستطيع أن تفعل الكثير والكثير جداً"، حيث أنها تزود الفرد بالمعارف وتكسبه والمهارات. ولكنها "ليست قادرةً على فعل كلّ شيء" (المرجع السابق، ج8، 402). والجزء الهام المتبقي من الحياة الداخلية تضطلع به الطبيعة الإنسانية التي تحتوي في جانب منها على الحاجات الفطرية والمكتسبة. ويتجلى هذا الدور في دفع الإنسان للقيام بالأفعال المناسبة التي تؤدي إلى إشباع تلك الحاجات. ويعتبر أوشينسكي هذا النزوع الفطري إلى النشاط النفسي الداخلي، والمادي الخارجي سمة أساسية للنفس. وعن طريقه نتمكن من تلبية حاجاتنا الفطرية إلى الطعام والشراب، وحاجاتنا المكتسبة كالسعادة والحرية. فلا عجب بعد هذا أن يعلّق أوشينسكي أهمية كبيرة على نشاط الطفل وفعاليته أثناء العملية التربوية والتعليمية ويعتبرهما شرطاً ضرورياً لتطوره. وأن يخصص مساحة واسعة للحديث عن تنظيم أوقات الأطفال وتوزيع أوجه النشاط المتعددة التي يتعيّن عليهم ممارستها على امتداد ساعات اليوم. وفي هذا الصدد يشدّد على ضرورة تعويد الطفل على النظام وتنمية رغبته في النشاط. ولتحقيق هذا الهدف يوصي المعلم بضرورة أن يولي إرادة المتعلم عناية كبيرة. فالتعليم، في اعتقاده، هو عملية يتوقف نجاحها على مدى ما يملكه المتعلم من رغبة في التعلم، وإرادة توجيه سلوكه في هذا النشاط وغيره من النشاطات الأخرى من أجل المعرفة والاكتساب. إن أهم ما تتميز به نظرية أوشينسكي هو الانسجام والتوافق بين الجانب التربوي والجانب السيكولوجي. فلقد حرص صاحبها على أن يضع آراءه السيكولوجية في خدمة التربية. وهذا ما جسدته بوضوح مطالبته بأن يتماشى التعليم مع المراحل النمائية التي يمر بها الإنسان، وأن يراعي الخصائص النفسية والجسمية لكل منها. فالتعليم في الأطوار الأولى من حياة الفرد يجب أن يُبنى على الصورة المعروفة والأشكال المحددة والمشخصة والمألوفة. ذلك لأن الطفل خلال السنوات الأولى من عمره يعتمد على الصور والألوان والأصوات. وممّا يجعل هذا الإجراء لازماً، في رأي أوشينسكي، هو أنه يتفق مع النظرية المعرفية التي ترى أن التجربة الحسية تعدّ المصدر الأساسي لخبراتنا الحياتية. وهنا تتجلى نزعة أوشينسكي الحسية في التربية والمعرفة. وقد عبّر عن ذلك بقوله: "إن الصور التي ندركها من العالم الخارجي مباشرة هي، إذن، المواد الوحيدة التي تعمل بها وبوساطتها قدرتنا الذهنية" (المرجع السابق، ج8، 402). ولكنه حاول فيما بعد أن يتجاوز الحدود الضيقة لتلك النزعة ويبعد صبغة الصورية عن حسيته، فشجع المربين على تعريف الأطفال بالأشياء والموضوعات من مختلف نواحيها، وحثّهم على البحث والكشف عن العلاقات المشتركة والفعلية القائمة بينها. وبهذا كان يعكس فهمه للعقل "كقدرة على رؤية الأشياء في واقعها من كافة النواحي وبكافة العلاقات القائمة فيها" (المرجع السابق، 402). وفي معرض الحديث عن التعليم يميّز أوشينسكي طورين يمرّ بهما هذا النشاط الاجتماعي الهام. ففي الطور الأول ينصح بضرورة أن يوجه المعلم انتباه التلاميذ نحو المادة أو الظاهرة ليدركوا ما تحتويه من عناصر وما تتسم به من صفات، وليتوصلوا إلى مفهومها العام. ويرى أن هذا الطور يتألف من ثلاثة مستويات. ففي المستوى الأول يقوم الأطفال بإدراك الموضوعات الخارجية تحت إشراف المعلم. وفي المستوى الثاني يحاولون التمييز بين التصورات الناتجة ومقارنتها بعضها ببعض بمساعدة المعلم وتوجيهه. وفي المستوى الثالث يكمل المعلم ما استخلصه تلاميذه ليصل معهم إلى صياغة المفهوم العام. أما في الطور الثاني فيتم تعميم المفهوم على الموضوعات الأخرى، وترسيخ المعارف المكتسبة بإجراء التدريبات وحلّ المسائل والتمارين التطبيقية المناسبة. إن مرور أكثر من قرن وربع القرن على نشر مؤلفات أوشينسكي. ولا سيما كتابه "الإنسان كموضوع للتربية" لم يقلل كثيراً من قيمة آرائه، ولم يؤثر في نظرة المربين وعلماء النفس في روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا وغيرها من بلدان الاتحاد السوفيتي سابقاً إلى أهميتها النظرية والعملية. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |