|
||||||
| Updated: Wednesday, October 15, 2003 01:35 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
القسم السادس ظهور علم النفس كعلم مستقل في روسيا والاتحاد السوفيتي (سابقاً):- الفصل السابع والثلاثون : علم النفس في روسيا منذ ظهوره كعلم مستقل حتى قيام الثورة الاشتراكية عام 1917 أشرنا في الصفحات الأولى من هذا الجزء إلى أن روسيا القيصرية لم تكن في وقت من الأوقات بمنأى عمّا يجري على الساحة الفكرية والعلمية العالمية عامة، والأوربية خاصة، بل وكان مفكروها وعلماؤها يشاركون في دفع عجلة التقدم الفكري والعلمي بنفس القدر الذي كانت تشارك فيه على الساحات الأخرى. ومع تطور وسائل الاتصال في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ارتفع مستوى تلك المشاركة، وازداد حجم التفاعل وتبادل الخبرات بين العلماء الروس وزملائهم في أوربة والولايات المتحدة الأمريكية. فقد أصبح بإمكان كل طرف الاطلاع على ما تقوم به الأطراف الأخرى، وتتبع التصورات والأفكار المستجدة لديها عبر نقلها وترجمتها إلى لغته، أو من خلال لقاءاتهم المباشرة في المؤتمرات والندوات التي شرعوا بتنظيمها في تلك الفترة. ولا نظن أننا بحاجة إلى القيام بعرض تاريخي مفصّل لتبيان تطور العلاقات بين العلماء من مختلف البلدان، ومن بينها روسيا، في تلك الأعوام التي نتحدث عنها. ويكفي أن نتذكر مع القارئ بعضاً مما جاء في فصول سابقة عن المؤتمرات الدولية الأولى لعلماء النفس والدور الإيجابي الذي قام به العلماء الروس فيها، ومن قبلها مخبر فوندت وتوافد طالبي العلم من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وفرنسا وبريطانيا واليابان وغيرها عليه. يُضاف إلى هذا عشرات المؤلفات السيكولوجية التي كانت تصدر كلّ عام عن دور النشر مترجمةً من اللغات الانكليزية والفرنسية والألمانية إلى الروسية وبالعكس. ومما لا ريب فيه أن هذه الحقائق التاريخية تبرهن بصورة قاطعة على وجود حركة علمية سيكولوجية نشطة ومتنامية في روسيا القيصرية، وأنه من غير الممكن أن ينظر إلى نشاط علماء النفس الروس بمعزل عن نشاط زملائهم في بلدان أخرى، وأن علم النفس الروسي هو، بالتالي، جزء لا يتجزأ من علم النفس العالمي. ولقد كان وراء تلك الحركة عدد كبير من الأسماء. فإلى جانب سيجينيف وبافلوف وبختيرف وفاغنر نجد ب.د.اينكو، ف.ف.تشيج، غ.إ.جيلبانوف، إ.رادلوف، غ.ا.روسوليمو، ف.ف.زينكوفسكي، س.ل.فرانك، أ.إ.فيدينسكي، ن.غروت، م.كويسمان، س.س.كورساكوف، أ.إ.لوباتين، ن.أ.لوسكي، ن.ف.ليسغافت وغيرهم. ولعلَّ أهم ما ميّز الحركة السيكولوجية في روسيا خلال عقود ما قبل عام 1917 هو تعدّد الاتجاهات التي كانت تشتمل عليها وتعارض أفكار ممثليها. فقد كانت مظاهر أزمة علم النفس بعد استقلاله واضحة في مواقف علماء النفس الروس مثلما كانت بادية في مواقف علماء النفس الغربيين. وتجسد ذلك في جميع فروع هذا العلم وأقسامه، وبشكل أكثر وضوحاً في ظهور العديد من المدارس السيكولوجية. وحيال هذا الوضع الذي تتناقض فيه المواقف والآراء تارةً، وتتقاطع تارة أخرى، وتتباين فيه حول بعض الأمور، وتتقارب أو تلتقي في بعضها الآخر يجد الباحث الكثير من الصعوبة في إعطاء كل عالم حقه، ووضعه في الموقع الذي يستحقه، وفي تحديد مجموعة أو مدرسة على أساس من المبادئ والأفكار الثابتة التي تميزها عن المجموعات أو المدارس الأخرى. وإذا ما عدنا إلى المنطلقات الفكرية لعلماء النفس الروس وجدنا أنها متعددة ومتشعبة ومتشابكة. فقد التقت فيه حَدْسية برغسون ووضعية كونت الجديدة، واجتمعت داخل أطرها الواقعية والمثالية والشخصانية والمادية الطبيعية. وكان بعض هؤلاء العلماء يجمع في قاعدته الفكرية والفلسفية بين المادية والمثالية. فتراه يدافع عن فكرة أولوية المادة وأسبقيتها على النفس، وينفي في الوقت ذاته إمكانية دراسة النفس بالطرق والوسائل الموضوعية أو العكس. ومع ذلك فإن بوسعنا أن نميّز ثلاثة اتجاهات رئيسية في علم النفس الروسي منذ نشأته وحتى قيام الثورة الاشتراكية بالاعتماد على آراء العلماء حول مادة علم النفس وطرائق البحث فيه. وهذه الاتجاهات هي: 1-الاتجاه المثالي (التأملي) ويمثله ف.ف.زينكوفسكي وس.ل.فرانك وأ.إ.فيدينسكي، ون.غروت وإ.إ.لابشين، ول.م.لوباتين، ون.أُ.لوسكي. وينطلق أصحاب هذا الاتجاه من أولوية الروح أو النفس واستقلاليتها عمّا هو عضوي. ويحاول هؤلاء الدفاع عن منطلقهم هذا بطرح ما أسموه بـ"الطاقة الروحية". فقد وجد غروت أن هذه الطاقة تتمتع بوجود مستقل عن العضوية. فهي لا تصدر عن الدماغ، كما يظن البعض، وإنما تؤثر فيه وتوجه عمله. يقول غروت: "إن العالم الخارجي لا يقدّم بمثيراته المسوّغ للتفريغ والتحرر على شكل إحساسات وإدراكات ونزوعات وحركات مرتبطة بالطاقة الروحية" (غروت، 1911، 342). ويقول في مكان آخر أيضاً: "ليس بوسع الناس أن يتلقوا محتواهم النفسي من أي جهة كانت إلا من ذواتهم. ذلكم لأنّ العالم الخارجي لا يدخل فينا، وإنّما يهزّنا بمثيراته فقط، وبالتالي فإن هذا المحتوى يولد إمّا من اللاشيء أو من حالات طاقتنا النفسية الكامنة" (غروت، 1889، 48، 49). إنّ من يقرأ "علم نفس الإدراك" (1879-1880) و"مسألة إصلاح المنطق" (1882) يقف على المبادئ المثالية التي بنى غروت عليها نظريته التي أطلق عليها اسم "الدورة النفسية". وحسب هذه النظرية فإن النشاط النفسي الذي يقوم به الفرد أثناء تفاعله مع العالم الخارجي لا يبدأ من التأثيرات الخارجية على أعضاء الحس وما ينتج عن ذلك من عمليات عصبية، وإنما من الانطباعات الخارجية التي تتحول إلى انطباعات داخلية تستجر الحركات الداخلية أولاً، ثم الحركات الخارجية ثانياً. أما غ.جيلبانوف تلميذ غروت وأحد أبرز ممثلي علم النفس الروسي في فترة ما قبل الثورة الاشتراكية فقد أقام آراءه على ثنائية المادة والروح، العضوية والوعي. فالنفس، في تصوره، توجد إلى جانب الجسد وبموازاته. وفي هذا المعنى يقول: "لا توجد بين العمليات الفيزيائية والنفسية أي علاقة سببية" (جيلبانوف، 1896، 141). وعلى الرغم من التباين الواضح بين منطلق غروت ومنطلق جيلبانوف، فإن التلميذ وأستاذه يتفقان مع غيرهما من أنصار هذا الاتجاه في موقفهم المناهض للمادية. وهذا يدلل على سرعة استجابتهم لدى إحساسهم بالخطر، وقدرتهم على تهميش خلافاتهم أمام المهمات الأساسية. ففي هذه اللحظة يتراجع جيلبانوف عن اعترافه بوجود عمليات فيزيائية بجانب العمليات النفسية عبر نظرته العدائية إلى المادية ووصفه إياها بأنها "أسوأ من أي ميتافيزياء". وتصبح دعوته للتخلص من النظرية المادية إلى ظواهر النفس والبحث عن مبرراتها ومسوغاتها أولى المهمات التي لا يقبل إرجاءها أو التردد في تحملها والاضطلاع بها. وقد عبّر عن هذا الموقف بقوله: "إن معرفة وظائف الدماغ ليست ضرورية للسيكولوجي أبداً كما يفترض الفيزيولوجيون ذلك في كثير من الأحيان. فهي هامة ومفيدة لذاتها، وليس للكشف عن قوانين الحياة النفسية" (المرجع السابق، 146). وبرز موقفه هذا أيضاً في مناظرات أنصار هذا الاتجاه مع أصحاب الاتجاه المادي حول مسألة الإرادة. وكان غروت أول المتحدثين في تلك المناظرات. فقد ألقى كلمة أمام اجتماع رابطة موسكو لعلماء النفس الذي عقد في نهاية ثمانينيات القرن التاسع عشر. وأهم ما ورد في كلمته هذه، وفي المقالات التي كتبها فيما بعد هو أن الإرادة ليست سوى النشاط الداخلي للطاقة الروحية التي تختزنها الذات، والتي بدونها لا تستطيع أي قوة خارجية أن تؤثر في العضوية. وإن هذه الطاقة هي المصدر الحسي الأعلى والميتافيزيائي لكل ما يشهده العالم من حركات وتغيرات. ومن المنطلق ذاته تناول فيدينسكي ولوباتين ولوسكي حرية الإرادة، فوجدوا أنها "قوة خلاقة" من نوع خاص، مسؤولة عن توجيه السلوك الإنساني، كما نظر جيلبانوف إليها من الناحية الخلقية، فرأى أن الإنسان يتصرف بحرية حينما يراعي أسبابه الداخلية، وأن "الأنا" هي علة أفعاله وتصرفاته أمام حكم الوعي الذاتي. ويرى مؤرخو الفكر السيكولوجي الروسي أن هذه التصورات ومعها، بل وقبلها تمسك أصحابها بمواقعهم ومراكزهم الوظيفية هي التي قادت ممثلي هذا الاتجاه إلى اتخاذ مواقف سلبية تجاه الاكتشافات الجديدة في الانتروبولوجيا والفيزيولوجيا وعلم النفس التجريبي. فقد أثارت التفسيرات العلمية الطبيعية التي قدمها العلماء للظواهر النفسية وأنماط السلوك الحيواني لديهم القلق والاستنكار. وهذا ما تجسد في مداخلة أناستازي بمناسبة افتتاح معهد موسكو لعلم النفس، حيث عبرت عن معارضتها الشديدة لكل محاولة تستهدف دراسة الروح، وحكمها على مساعي العلماء في هذا الميدان بالفشل. 2-الاتجاه الطبيعي الذي ارتبط بأسماء لانج ولازورسكي وليسغافت بالإضافة إلى بختيرف وفاغنر. ولقد اتخذ هؤلاء من الوعي موضوعاً لعلم النفس. وذهبوا إلى أن دراسة المشكلات المتصلة بهذا الموضوع ينبغي أن تتم عن طريق الملاحظة الموضوعية والتجربة العلمية. ومن هنا جاء رفضهم للطرائق الأخرى المستخدمة في البحث السيكولوجي، ونقدهم العنيف للاستبطانية. ويعتبر لانج من أبرز علماء النفس الروس قبل عام 1917. وقد كان أستاذاً في جامعة روسيا الجديدة (أوديسا حالياً). وفي الثمانينيات من القرن التاسع عشر بدأ نشاطه العلمي بدراساته التجريبية التي تناول فيها ظاهرة الانتباه. وعرف في الأوساط العلمية عقب صدور كتابه "علم النفس" عام 1914. أعلن لانج رفضه للمثالية، ووجد أنها لا تستجيب لمتطلبات المعرفة الموضوعية في مختلف ميادين العلم. فهي، في اعتقاده، عاجزة عن تقديم فهم صحيح لتجليات الوعي بسبب اعتمادها عليها في الاستدلال عن العالم المادي عوض أن ترجع نشأة الوعي إلى العالم المادي وظهور الكائنات الحيّة وتطورها. ومن منظور الفهم الدارويني لعلاقة الكائنات الحية بالبيئة الخارجية حاول لانج أن يفسر الوعي. فقد قادته دراسته التجريبية إلى صياغة قانون الإدراك بما يجسد المسار النشوئي لتلك الظاهرة النفسية. ووفقاً لهذا القانون تكون الصورة الحسية في البداية عامة وغير متمايزة، وشيئاً فشيئاً تكتسب صفة التحديد والتمايز. كما استخلص من خلال تجاربه نظريته الحركية في الانتباه، والتي تصف الانتباه بأنه استجابة حركية تصدر عن العضوية بهدف تحسين شروط الإدراك. وتحت تأثير أفكار سيجينيف شدّد لانج على أولوية الأفعال الحركية الخارجية وأهميتها في نشوء الأفعال النفسية الداخلية. ولعلَّ بوسعنا أن ننظر إلى تلك التصورات بوصفها نواة للنظرية التكوينية التي دأب لانج على بلورتها. وقد كرّس كتابه "علم النفس" لعرض تلك النظرية. وتكمن الفكرة القاعدية لها في أن الوعي هو ثمرة تطور الحياة ونتاج تلاؤم الإنسان مع المحيط الخارجي. وهو يقوم بدور حاسم في الصراع من أجل البقاء. ومع أن لانج لم يجد في الوعي الإنساني ما يميزه كثيراً عن النفس الحيوانية، فإنه لم يتفق مع أصحاب النظرة البيولوجية إلى هذه المسألة، واستطاع أن يتخطى الدائرة الضيقة التي وضعوا أنفسهم فيها، حيث وجد أن الإنسان ليس مجرد عضوية تتحكم في علاقتها مع البيئة الخارجية القوانين البيولوجية الآلية، وإنما هو كائن اجتماعي يملك رصيداً تاريخياً يجعل سلوكه أكثر ثراء وتعقيداً. فإذا كان التعاقب الذي يسم الحياة النفسية عند الحيوانات هو نتيجة الوراثة الفيزيولوجية لأنماط عضوية محددة. فإن ثمة عاملاً آخر يُضاف إلى الحياة النفسية عند البشر. ويتمثل هذا العامل في الثقافة الاجتماعية التي تتناقلها الأجيال عن طريق اللغة والمحاكاة والتعليم. وعلى هذا فإن "99% من روح الشخصية الإنسانية هي نتاج التاريخ والبيئة الاجتماعية" (لانج، 1922، 27). لقد تحدث لانج عن الحياة النفسية كما لو أنها تيار من المشاعر الذاتية يجري في داخلنا ونحس به ونعيه. وإلى جانب ذلك وجد أنها عملية واقعية تتخللها التغيرات التي تنجم عن ردود الأفعال الخارجية الصادرة عن الإنسان باعتبارها أسلوباً خاصاً في تلاؤم الفرد مع محيطه الخارجي. ومن هنا تجيء دعوته إلى توحيد وجهتي النظر: الموضوعية والذاتية كخطوة لازمة لتكوين تصور موضوعي ومتكامل حول مهمة علم النفس. وقد أطلق هذه الدعوة اعتقاداً منه بأن من غير المشاعر الذاتية لا يملك الفرد أي تصور عن النفس، وأن غياب النظرة الموضوعية إلى الوعي يُفقد علم النفس مسوّغ وجوده كعلم مستقل. كما وقف الطبيب النفسي لازورسكي موقفاً معارضاً للنزعة التأملية. ويتجلى موقفه هذا بشكل خاص في طريقته الجديدة التي تُعرف بالتجربة الطبيعية. ولقد أقام هذه الطريقة على أساس نظرته الشمولية إلى الشخصية وتكامل سماتها ونشاطها الكلي في المواقف الحياتية من جهة، وعلاقاتها المتبادلة مع الوسط الاجتماعي من جهة ثانية. ولذا فإنها تقتضي من الباحث السيكولوجي والتربوي تتبع الظاهرة النفسية- موضوع الدراسة في المجرى الطبيعي لنشاط الشخصية (اللعب، الدراسة، العمل). وإذا كانت التجربة الطبيعية قدمت لازورسكي إلى الأوساط العلمية وعرفتهم به، فإن نظريته في الشخصية التي ظهرت طريقته الجديدة في البحث السيكولوجي والتربوي عبرها هي التي قربته أكثر من جمهور المهتمين بقضايا علم النفس وأكسبته شهرة واسعة على مدى سنوات الفترة التي نتحدث عنها. وجد لازورسكي أن للشخصية مقوِّمين أساسيين، فهي، من الناحية الأولى، تنظيم عصبي ونفسي (ENDOPSYCHO)، ومن الناحية الثانية منظومة من العلاقة التي تربطها بالمحيط الخارجي (ECZOPSYCHO). ولكن هذين المقومين ظلاّ منفصلين ومتعارضين. ولم يتمكن لازورسكي من إيجاد تلك العرى التي تربط بينهما، وتجعل منهما وحدة متكاملة يمدّ كلّ طرف الطرف الآخر بشروط ديمومته وارتقائه. وفي هذه الحالة بقي الجانب العضوي يعمل بصورة مستقلة عن البيئة الخارجية، والجانب الاجتماعي المكتسب ينمو ويتطور بمعزلٍ عن خصائص العضوية. وقد حرفه ذلك عن المدخل الاجتماعي الذي يبرز دور المجتمع في تطور الشخصية، وأوقعه في خطأ النزعة البيولوجية، ممّا قاده إلى تقديم سلسلة من التفسيرات الخاطئة، والتي كان أكثرها فداحة إرجاعه الفروق في السمات النفسية والأوضاع الاجتماعية بين الناس إلى تفاوت مواهبهم الطبيعية (لازورسكي، 1922). 3-الاتجاه الامبيريقي (الخِبْري) الذي يحتل الموقع الوسط (المعتدل) بين الاتجاهين السابقين، حيث تفصله عن أي منهما نفس المسافة التي تفصله عن الآخر تقريباً. وقد حرص ممثلوه على الاحتفاظ بهذا الموقع قولاً، وسعوا لتجسيده في أعمالهم فعلاً. ومن أبرزهم تشيج وجيلبانوف وروسوليمو وسيكورسكي. فمن منطلق الوضعية الجديدة دافع هؤلاء عن الطرائق المقتبسة عن العلوم الطبيعية، وتحمسوا للأخذ بها واستخدامها في الدراسات السيكولوجية. وبالمقابل فقد تنازل بعضهم عن تقديم تفسيرات فلسفية للوقائع التي كانت الدراسات تفضي إليها. وهذا ما عبّر عنه تشيج بوضوح حين قال: "إنني أفهم علم النفس باعتباره معرفة مهمتها تحديد المادة عن طريق القياس ووصفها بدقة وبساطة قدر الإمكان، وسوف لن أتطرق إلى فلسفة علم النفس، لأن ذلك يدخل بطبيعة الحال ضمن موضوعات بحث الفلاسفة" (تشيج، 1894، 46، 47). وليس مستبعداً أن تكون غايتهم هي تجنب المواجهة مع أي من الطرفين الآخرين، والظهور بمظهر الحيادي من الصراع بينهما، والموضوعي في الدراسة العلمية. ولكنَّ رفض أصحاب هذا الاتجاه الدخول في الصراع بين المثاليين والطبيعيين، وابتعادهم عن مواقع الاحتكاك معهم لم يجعلهم في مأمن من هجمات الطرفين. ولعل الملاحظات التي وجهها س.فرانك إليهم هي أولى تلك الهجمات عليهم. فقد أشار فرانك إلى موقفهم من النفس واعترض على قولهم بعدم إمكانية معرفتها. وفي ردّه عليهم استعان بما قاله باسكال من أن "الاستخفاف بالفلسفة هو بحد ذاته فلسفة من نوع خاص". وبالقياس رأى أن إسقاط الروح ونفي قدرة العقل على معرفتها ما هو إلا ضرب من الفلسفة الخاصة بالروح، ذلك لأنَّ مثل هذا الادعاء يتجاوز حدود علم النفس الخبري كعلم طبيعي يتناول قوانين الظواهر الروحية. ثم يخلص إلى القول بأن فلسفة علم النفس كانت موجودة على الدوام، وهي لا تزال واقعاً تحفل به مقدمات كتب علم النفس الخبري وخاتماتها. فنحن نجدها بوضوح في محاكمات مؤلفي تلك الكتب وأحاديثهم عن مهمات علم النفس وطرائقه. ومهما يكن أمر ردود أصحاب هذا الاتجاه وذرائعهم فإنّ أبرز ما ميّز نشاطهم هو السعي الدؤوب لتوفير أكبر قدر من المعطيات عن طريق التجريب. وهذا ما أثار حفيظة علماء النفس المثاليين واحتجاجهم. وعلى الرغم مما أبداه هؤلاء من مقاومة لحركة التجريب، فإنّ عدداً منهم ألفى نفسه أمام تنامي هذه الحركة، وقرر التعايش معها. ويُعدُّ موقف فيدينسكي مثالاً ساطعاً على ذلك. فقد خصص هذا العالم القسم الأخير من كتابه "علم النفس" للحديث عن التجربة السيكولوجية ووصف معداتها وأدواتها وكيفية استخدامها رغم أنه كان ينظر إلى التجريب كعمل زائد لا يقدم أي فائدة. ومن الموقع ذاته سعى جيلبانوف في البداية للنيل من علم النفس التجريبي. وحينما أدرك أنه لم يفلح في مسعاه ركب موجة التجريب، وحاول أن يضع العمل التجريبي في خدمة الفلسفة الميتافيزيائية. وفي هذا المعنى يقول: "إن علم النفس من غير العنصر الميتافيزيائي يفقد نصف بهائه بالنسبة للطلاب" (بتروفسكي، 1967، 29). وهكذا فالدعوة إلى التجريب لم تكن كافية للحكم على مدى التزام علماء النفس في تلك الفترة بتطوير علمهم وتزويده بالقواعد والتجهيزات اللازمة. كتب أ.بتروفسكي أحد مؤرخي علم النفس السوفيتي يقول: "... إن استخدام التجربة لم يستطع لوحده أن يكون علامة على تقدمية علم النفس التجريبي في ذلك الزمن، وأن يحدد تجانسه" (بتروفسكي، 1967، 29). ومن نافلة القول أن الدراسات السيكولوجية في روسيا، كما في غيرها من البلدان الغربية بدأت في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر. وقد أنشئت لهذا الغرض مخابر خاصة، كان أولها، كما ذكرنا، مخبر كازان الذي أقامه بختيرف عام 1885، أي بعد أن أقام فوندت أول مخبر العالم بنحو ست سنوات وقبل افتتاح أول مخبر في جامعة كمبردج البريطانية بحوالي اثني عشر عاماً.وفي عام 1894 تم نقل مخبر بختيرف إلى مدينة بطرسبورغ. ومع حلول القرن العشرين أقيمت مخابر أخرى عديدة في روسيا. ففي موسكو أنشأ أ.توكارسكي وغ.روسوليمو أول مخبر لدراسة النفس. وفي مدينة خاركوف أقام ب.كافاليفسكي مخبراً يضاهي مخبر بطرسبورغ ومخبر موسكو. وتلاه مخبر أوديسا الذي أنشأه لانج، ومخبر كييف الذي أسسه جيلبانوف، ومخبر بطرسبورغ الذي أقامه لازورسكي ونيجايف. ولقد استقطبت هذه المخابر عدداً كبيراً من العلماء والباحثين، ودارت فيها مناقشات حادة بين أصحاب الاتجاه المخبري وأصحاب الاتجاهين الآخرين. كما شهدت قاعات المحاضرات داخل كليات ومعاهد علم النفس الروسي عروضاً لآراء ممثلي الاتجاه التأملي- المثالي بشكل خاص. وكان ظهور المخابر السيكولوجية الأولى مرتبطاً بالمؤسسات ذات الصبغة العلمية والتطبيقية، ولا سيما العيادات منها. فلا عجب أن يتناول الباحثون فيها آنذاك المسائل المتعلقة بتوجيه مظاهر الوعي وسبل تحسينها والارتقاء بها من مثل خصائص تطور الطفل وتربيته وتعليمه وسمات الشخصية وعوامل تكوّنها وتطورها. وفي عام 1912 توج النشاط السيكولوجي التجريبي في روسيا بافتتاح معهد الدراسات النفسية التابع لجامعة موسكو، والذي أطلق عليه فيما بعد اسم معهد علم النفس العام والتربوي، وألحق بأكاديمية العلوم التربوية في الاتحاد السوفيتي. وقد أقيم بمبادرة من جيلبانوف وعلى نفقة شوكين، أحد كبار التجار في موسكو وقتذاك. وتبع ذلك افتتاح معهد علم النفس العصبي في بطرسبورغ الذي بني على حساب آل آلافوزوف وزيمين، أحد تجار بطرسبورغ، وضمّ المعهدان فرقاً من الباحثين في العديد من فروع علم النفس. وأما التزايد المستمر في عدد المشتغلين في علم النفس والتربية، وخاصة في الميدان التجريبي، كان من الضروري توفير الوسائل لعرض نتائج عملهم وآرائهم وتبادل الخبرات فيما بينهم. ولذا تمّ تأسيس مجلة تهتم بالدراسات السيكولوجية وشؤون التربية والتعليم. كما تشكلت جمعيات وروابط لعلماء النفس في عدد من المدن الروسية. وعقدت ندوات ومؤتمرات عدة، كان يحضرها ممثلون عن تلك الجمعيات والروابط. فخلال عقد من الزمن (1906-1916) شهدت روسيا خمسة مؤتمرات لعلماء النفس في عموم روسيا(1). وناقش المندوبون فيها قضايا علم النفس التربوي والتعليم والتربية التجريبية. ويُضاف إلى ذلك النشاط الخارجي لعلماء النفس الروس. وتأتي مشاركتهم في المؤتمرات الدولية في مقدمة هذا النشاط. وقد قلنا سابقاً أن الوفد الروسي إلى المؤتمر الدولي الأول الذي عقد في باريز عام 1889 كان أكثر عدداً من أي وفد آخر. ولعلّ من أبرز أعضائه بختيرف وتوكارسكي وكورساكوف وغروت ولوباتين. ونذكر هنا بانتخاب سيجينيف كعضو شرف في رئاسة المؤتمر رغم غيابه عنه. وفي المؤتمر الدولي الثاني الذي عقد في لندن عام 1892 مثّل علم النفس الروسي وفد برئاسة لانج. وقد أسهم هذا العالم بشكل خاص في مناقشات المؤتمر حول أهمية التجريب في علم النفس وتحديد وظائف النفس. وفي المؤتمر الثالث الذي عقد في ميونيخ عام 1896 كان فيدينسكي وكورساكوف وتوكارسكي وتشيج في مقدمة الوفد الروسي. وقد شارك أعضاء هذا الوفد في الجدل الساخن الذي شهده هذا المؤتمر بين أنصار علم النفس الاستبطاني ومعارضيه. كما أسهم علماء النفس في أعمال المؤتمر الرابع الذي عقد في باريز عام 1900 ومناقشاته حول تطوير المناهج التجريبية في علم النفس التكويني والتطبيقي وضرورة تعزيز الروابط بين علم النفس وفيزيولوجيا الأعصاب. أما في المؤتمر الخامس الذي عقد في روما عام 1905 فكان حضور علم النفس الروسي محدوداً. وقد شهد هذا المؤتمر صراعاً حاداً بين أنصار فوندت من جهة، وأنصار برنتانو من جهة ثانية، وممثلي التحليل النفسي من جهة ثالثة. وتمحور هذا الصراع حول موضوع الوعي. وفي المؤتمر السادس الذي عقد في جنيف عام 1909 شارك ممثلو علم النفس الروسي بفعالية في مناقشة المسائل المطروحة. وضمّ معظمهم صوته إلى الأصوات التي نادت بضرورة توسيع العمل بالمنهج التجريبي والإسراع ببناء الطرائق التي تكفل الوصول إلى هذا الهدف، واستخدام المنهج الرياضي وتقريب علم النفس من العلوم الأخرى، كالطب والفيزيولوجيا والتربية. (1) عقدت هذه المؤتمرات في مدينة بطرسبورغ في الأعوام 1906 و1909 و1910 و1913 و1916. وخصص المؤتمر الأول والثاني لمناقشة قضايا علم النفس التربوي، والثلاثة التالية لمناقشة مسائل التربية التجريبية. وكانت هذه المؤتمرات مسرحاً لصراع حاد بين المثاليين والطبيعيين والخبريين. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |