علم النفس في القرن العشرين ( الجزء الثاني ) ـــ د. بدر الدين عامود

دراسة ـــ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2003

Updated: Wednesday, October 15, 2003 01:35 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

- الفصل التاسع والثلاثون : علم النفس في روسيا السوفيتية منذ أواسط العقد الثالث حتى بداية العقد الرابع

قلنا في الفصل السابق أن علم النفس الانعكاسي تمكن خلال العقد الثالث من القرن العشرين، وفي مجرى الصراع من أجل تجاوز أزمة علم النفس العالمية والمحلية، أن يستقطب عدداً من الأنصار والمؤيدين ممن كانت تستهويهم المنطلقات المادية (العضوية) التي بنى في ضوئها بختيرف وأتباعه تصوراتهم حول السلوك البشري والحيواني. ولقد غدا هذا الاتجاه حتى وفاة زعيمه عام 1927 أقوى الاتجاهات السيكولوجية في روسيا. ومع ذلك فإنه لم يكن بمقدوره أن يحسم الصراع الدائر بين الاتجاهات والتيارات المختلفة لصالحه، بل ولم يستطع أن يصمد طويلاً أمام انتقادات معارضيه من ممثلي علم النفس الذاتي والفلسفة المثالية من ناحية، وذوي النزعة المادية من الناحية الأخرى.‏

ولعلَّ أهم ما أخذه الفريق الأول على علم النفس الانعكاسي هو معارضته الاستبطان واستخدامه الطريقة الموضوعية في دراسة الخصائص النفسية للإنسان والحيوانات. وفي هذا الصدد يجد أ.شربيني، أحد أتباع علم النفس الذاتي، أنه من المستحيل أن نتصور وجود علم نفس من غير الملاحظة الذاتية.‏

بينما تركزت انتقادات الفريق الثاني حول نفي الانعكاسية للوعي. ويُعدُّ ل.س. فيغوتسكي من ابرز المتحمسين لموضوعة الوعي في علم النفس، وأحد الذين تصدوا للمادية الآلية التي طبعت علم النفس الانعكاسي. ففي مقاله تحت عنوان "الوعي بوصفه مشكلة علم نفس السلوك" حاول التدليل على وجود الوعي وأهميته بالنسبة للنشاط الإنساني مستعيناً بمقطع من أعمال ماركس يتضمن مقارنة عمل النحل بنشاط الإنسان تنتهي باستنتاج يبرز تفوق الإنسان على أكثر الحيوانات دقة وتنظيماً بفضل وعيه الذي يمكنه من برمجة أفعاله والتخطيط لها قبل الشروع بتنفيذها. ويلاحظ كثير من علماء النفس السوفيت أن مقال فيغوتسكي المذكور هو أول عمل سيكولوجي يقدم فهماً سليماً للوعي من وجهة النظر الماركسية. ولكنهم يشيرون في الوقت ذاته إلى مواطن الضعف في هذا الفهم مما يعكس في تقديرهم مرحلة ما قبل النضج التي ميزت آراء فيغوتسكي ومواقفه المبكرة. وقد تجلى ذلك في ابتعاده بنظرته إلى الجانب المعرفي من الوعي عن القواعد الماركسية واقترابه من استبطانية جيمس وسلوكية واتسون ولاشلي. حيث وجد أن الوعي هو انعكاس الانعكاسات وليس صورة ذاتية عن العالم الخارجي تتشكل لدى الفرد أثناء تفاعله معه.‏

وزيادة على ما سبق فإن علم النفس الانعكاسي كان عرضه لانتقادات جيلبانوف التي ركزت على ازدواجية بختيرف واعتقاده بإمكانية الجمع بين علم النفس الانعكاسي وعلم النفس الذاتي. فقد دعا بختيرف في أعماله الأخيرة إلى دراسة الخصائص الخارجية للأفعال (الإيماءات، الأصوات، الكلام..) في ارتباطها الوثيق بالظواهر الداخلية التي يكشفها الإنسان في ذاته عن طريق الاستبطان. وبذا يكون قد أحدث في نظريته ثغرة جديدة استطاع جيلبانوف النفوذ عبرها ليردد بزهو المنتصر ما كان يقوله دوماً من أن الاستبطان هو السبيل الرئيسي لعلم النفس، وليثبت أن علم الانعكاس عند بختيرف لا يختلف عن النظريات السابقة إلا في محاولته إرجاع جميع مظاهر الحياة النفسية إلى الانعكاسات.‏

وعلى هذا النحو تواصلت الانتقادات وتعاظم تأثيرها، ولا سيما بعد وفاة بختيرف وانقسام أتباعه، فألفى المدافعون عن حركة الانعكاس أنفسهم في موقف حرج ومعقد، فقد كان عليهم أن يردوا على معارضيهم، ويواجهوا حالة التشرذم التي آلوا إليها في آن معاً. وفي هذه الأثناء ظهرت جماعة منهم ممن أدركوا عيوب نظريتهم ونقائصها. فنادى أفرادها بإعادة النظر في منطلقاتها وبنائها من جديد. بينما آثرت جماعة أخرى المضي في نفس الطريق الذي رسمه بختيرف، بل ونفت إمكانية دراسة العمليات النفسية دراسة موضوعية غير عابئة بأهمية معرفة ذلك بالنسبة لعلم النفس.‏

ويضاف إلى ما ذكر من أسباب ضعف حركة الانعكاس وانقسامها أن مدرسة بختيرف لم تكن الوحيدة في روسيا. فإلى جانبها ظهرت تعاليم بعض أتباع بافلوف أمثال ف.ف.سافيج وأ.غ.ايفانوف- سمولينسكي وأ.ك.لينتس وإ.أ.أرياموف. وقد وجد هؤلاء أن العلوم الطبيعية هي المجال الأنسب والخلفية الأصلح لدراسة السلوك. وهذا ما عبّر عنه لينتس في إجابته على سؤال حول المجال الذي ينبغي البحث فيه عن القوانين التي تفسر أفعالنا وتصرفاتنا، حيث قال: "بما أن سلوك الإنسان هو مجموعة الاستجابات على العالم الخارجي، فإنه يخضع بكليته للقوانين الطبيعية العامة التي تدرسها علوم الطبيعة" (لينتس، 1922، العددان 6 و7، 19).‏

والواقع أنه لم يتوفر لدى لينتس القدر الكافي من الجرأة ليدخل في تفاصيل المشكلة المطروحة ويبحث عن حلّ لها. وكان موقفه من العلاقة بين الجملة العصبية والعمليات النفسية موقفاً لا أدرياً.. فقد رأى أن الأخذ بأي من الآراء أو الحلول التي اقترحها السابقون لحلّ هذه المشكلة لا يقوم على أساس منطقي سليم. ولهذا نجده يرفض فرضية موازاة العمليات الفيزيولوجية والنفسية، والفرضية التي تعترف بأن هذه العمليات وتلك تؤلف جانبين لعملية واحدة. كما يرفض الفرضية التي تقول بوجود علاقة وثيقة ومتبادلة بين هذين النوعين من العمليات. وفي هذا السياق يقول: "إننا في جميع هذه الحالات من غير تمييز نعتمد على وضع علمي غير معلل، وليس بوسعه أن يكون منطلقاً لإنشاء نظرية دقيقة حول سلوك الإنسان" (المرجع السابق،9).‏

وعلى نفس المنوال بنى سافيج موقفه من المشكلة المطروحة. فقد خصص الفصول الأولى من كتابه "أسس السلوك الإنساني: تحليل سلوك الإنسان من وجهة نظر فيزيولوجيا الجملة العصبية المركزية والإفرازات الداخلية" لعرض نظرية بافلوف ودور النشاط الهرموني في تنظيم النشاط العصبي العالي. وكان غرضه من ذلك هو إبراز دور الغرائز في نشأة وتطور السلوك الحيواني والإنساني. ومن هذا المنطلق فإنه لم يجد ما يميز سلوك الإنسان عن سلوك الحيوان ما دامت الإفرازات الداخلية هي المسؤولة عن تنظيم علاقات كلّ منهما بالعالم الخارجي. ولقد عبّر عن ذلك بكل وضوح فقال: "الإنسان غوريللا مسلحة برشاش" و"إذا كانت تصرفاتنا تنبع من الغرائز، وكانت كيمياء الدم تقرر الدور المهيمن لغريزة ما في وقت معين، فإننا لا نرى أي ميزة يمتاز بها الإنسان عن الحيوان. إن لدى الحيوان نفس ما لدى الإنسان تماماً" (سافيج، 1924، 121). وإذا كان ثمة فرق بينهما فإن سافيج يرجعه إلى قلة الارتباطات الشرطية عند الحيوان مقابل كثرتها عند الإنسان، أو إلى قربها من الارتباطات غير الشرطية.‏

وهكذا ينفي سافيج وجود الوعي ويغفل الشروط الاجتماعية ودورها في تكوّن سلوك الفرد. فالشخصية لا تحمل الوعي، إذ من أين يتشكل هذا الوعي والإنسان، كغيره من الحيوانات، ظاهرة طبيعية لا تخضع إلا لتأثيرات الوسط الطبيعي؟‏

ولعلَّ من المنطقي أن تلقى تعاليم هذا التيار في ظل الصراع الفكري المحتدم ما لقيته النظرية الانعكاسية من معارضة عنيفة، خاصة وأنَّ ممثليه حاولوا استغلال سمعة بافلوف ونظريته في النشاط العصبي العالي لتمرير انعكاسيتهم المبتذلة. وقد ركزت المعارضة هنا على إظهار حدود علاقة الانعكاسيين بنظرية بافلوف، وإبراز ما قدمته هذه النظرية من خدمات لعلم النفس. وفي هذا الإطار هاجم ب.فينغرت بشدة محاولات الانعكاسيين لإقامة علم النفس على قاعدة التعاليم البافلوفية. وبيّن هشاشة تلك المحاولات، مشيراً إلى براءة نظرية الانعكاسات غير الشرطية منها.‏

ومن هذا الموقع أيضاً تحدث كارنيلوف عن أهمية فيزيولوجيا النشاط العصبي العالي واعتبرها "المعين القريب الذي يكشف عن ذلك المجال الهام بالنسبة للسيكولوجي، ألا وهو آليات الفيزيولوجية" (كارنيلوف، 1927، العددان 10 و11).‏

ووقف علماء الفيزيولوجيا موقفاً مماثلاً من القضية المطروحة. وقد عبروا عن هذا الموقف في كلماتهم ومداخلاتهم أمام المؤتمر الأول لعموم الاتحاد السوفيتي الذي عقد في ليننغراد عام 1930(1). ولعلنا نجد فيما قاله العالم الفيزيولوجي ل.ن.فيدوروف في إحدى جلسات هذا المؤتمر ما يمثل المنحى العام لآراء زملائه وتصوراتهم، حيث نوّه بالمكانة العلمية التي تحتلها أعمال بافلوف والأهمية الاستثنائية التي يكتسيها منهج الانعكاسات غير الشرطية على صعيد دراسة النشاط العصبي العالي. وكشف عن أخطاء الانعكاسيين في سياق حديثه عن مناهج البحث السيكولوجي. وقد نصح في هذا الصدد بضرورة تنويع تلك المناهج، فالمناهج الفيزيولوجية وحدها، في رأيه، لا تكفي لدراسة السلوك البشري، ذلك لأن هذا السلوك هو أعمّ وأشمل من أن يخضع لقوانين الفيزيولوجيا دون سواها.‏

ولئن كانت المناهج والقوانين الفيزيولوجية قاصرة عن الإحاطة بجميع جوانب النشاط النفسي، حسب اعتقاد فيدوروف، فإن الانعكاسية بأنواعها المختلفة وألوانها المتعددة لا تغطي إلا جزءاً من علم النفس الروسي في عشرينيات هذا القرن، والسنوات الأخيرة منها على وجه الخصوص. فإلى جانب الانعكاسية واصل علم النفس الخِبْري بزعامة جيلبانوف ونيجايف وبورتوغالوف نشاطه رغم الانتقادات التي كانت توجه إليه من مختلف الاتجاهات. واستمر في فهمه الثنائي لعلاقة النفس والعضوية وتأكيده على دراسة الشعور الداخلي باعتباره موضوعاً لعلم النفس ودفاعه عن منهج الاستبطان.‏

وفي تلك السنوات يعود علم النفس التأملي الميتافيزيائي من جديد مرتدياً ثوب التحليل النفسي. وراح أنصاره يدعون إلى التعاليم الفرويدية بفيض من الحماس، يحفزهم في ذلك النجاح الذي أحرزه فرويد وأتباعه والصدى الإيجابي الواسع الذي لقيته أعمالهم في كثير من دول العالم. زد على هذا أن تلك الأعمال لم تكن قد انتشرت بعْدُ في روسيا بنفس الدرجة التي عرفتها أوربة الغربية والولايات المتحدة الأمريكية. وعليه فإن أحداً لم يكن قد حدّد موقفه من التحليل النفسي بصورة نهائية. وقد تداعى هؤلاء وأسسوا جمعية تابعة للرابطة الدولية للتحليل النفسي، ضمّت خلايا عديدة توزعت على عدة مدن روسية منها موسكو وليننغراد وكازان. وكان إ.إ.إرماكوف أول رئيس لهذه الجمعية.‏

ومع بداية عام 1923 ظهرت سلسلة من المقالات تدعو بمجملها إلى إصلاح علم النفس على أساس الجمع بين الماركسية والفرويدية. ففي مقال تحت عنوان "مشكلات علم النفس والنظرية المادية التاريخية" عرض م.ريسنر مبادئ التحليل النفسي ونصح بالاعتماد عليها في حل مشكلات علم النفس، معتبراً ذلك أفضل التدابير التي تستجيب لمقتضيات المادية التاريخية. وفي مقال آخر له نشر عام 1924 تحت عنوان "فرويد ومدرسته والدين" عقد مقارنة بين المنهج الماركسي في علم الاجتماع ومنهج فرويد التحليلي. وقد خلص من خلالها إلى وجود قواسم مشتركة بين المنهجين، ووجد أن قيمة مراعاتها والأخذ بها تتبدى بصورة جلية في ميدان علم النفس الاجتماعي. كما تحدث أ.زالكيند في مقاله "الفرويدية والماركسية" عن المنهجين التحليلي (الفرويدي) والجدلي. ودعا إلى توحيدهما. وحذا ب.بيجوفسكي حذو زميليه، فذهب إلى أن مهمة علم النفس الأولى تكمن في دراسة وتحليل منطلقات التحليل النفسي واستنتاجاته في ضوء المادية الجدلية.‏

ومضى الفيلسوف أ.فارياش إلى أبعد من ذلك في هذا السبيل، حيث نادى في مقاله "الفرويدية ونقدها من وجهة نظر الماركسية" المنشور عام 1926 بتوحيد الماركسية والفرويدية واقترح أن يكون المحلل النفسي طبيباً مختصاً وماركسياً متمكناً في نفس الوقت، لأن في ذلك ضمانة لحسن سير عملية التحليل وسلامة نتائجها.‏

لقد زعم الفرويديون أن دعوتهم هذه إنما تستمد مقوماتها من موقف ماركس من القوى المحركة للنفس الإنسانية واعترافه بأنها غير معروفة. ولكن المدافعين عن الاتجاه الماركسي رفضوا هذا الزعم ورأوا أن أصحابه لم يدركوا ما عناه ماركس بمفهوم اللاوعي أو اللاشعور. فهذا المفهوم لا يدل في الاستعمال الماركسي على القوة العمياء التي توجه نشاط الإنسان مثلما هو الحال عند فرويد، وإنما يدل على المعرفة الناقصة أو المشوهة للعمليات الموضوعية التي تجري في الطبيعة والمجتمع. وبناء عليه يصبح اللاوعي عند ماركس مرادفاً للامعرفة. ويتساءل هؤلاء عن أوجه الشبه بين ما يدل عليه مفهوم اللاوعي عند ماركس، وبين أبعاده ومدلولاته عند فرويد. فيرون أنه بينما يعبّر اللاوعي في الإنشاءات النظرية الماركسية عن لحظة انتفاء الوعي التي يولدها الشرط الاجتماعي، يشير في النظرية الفرويدية إلى جزء هام من الحياة النفسية عند الفرد يتمثل في مجموعة النزعات النفسية (الليبيدو) التي تحدد البنية البيولوجية طبيعتها.‏

ويلخص بتروفسكي الانتقادات التي وجهت إلى الفرويدية في تلك الآونة، فيجد أنها تمحورت حول:‏

- وراثة التشكيلات النفسية عند الإنسان ووضعها من خلال المنظومة الفكرية الفرويدية في مستوٍ واحد مع الغرائز الحيوانية.‏

- قَبْلية (أسبقية) اللاوعي في الحياة النفسية.‏

- الطبيعة الجنسية للحياة النفسية.‏

وبصدد هذه المسائل ذهب النقاد الماركسيون إلى:‏

1- أن فرويد أغفل الصراع الحقيقي بين القوى الاجتماعية وتأثيراته في تطور الشخصية، واستبدل به الصراع بين الرغبات اللاواعية والوعي.‏

2- أَنّ فرويد حين يقول بأسبقية اللاوعي، إنما يضع نفسه في خدمة المذهب الميتافيزيائي الذي ينظر إلى الوعي واللاوعي خارج الزمان والمكان وأنه لا علاقة لهما البتة بالتاريخ الاجتماعي.‏

3- أَنّ الجانب اللاواعي قد يلعب دوراً في حياة الشخصية. ولكن هذا الدور يظلّ محدوداً جداً في الحالات العادية، ولا يظهر إلا في الحالات المرضية.‏

4- إن الفرويدية تتعامى عن المحتوى الثري للنفس ولا ترى إلا الرغبة الجنسية والسعي للحصول على اللذة من بين الحاجات والدوافع الغريزية والاجتماعية.‏

5- إن منهج التحليل النفسي هو منهج ذاتي يمكن لمن يستخدمه أن يصل إلى نتائج تتعارض مع ما يتوصل إليه محلل آخر. وفي الحالتين يكون نصيب تلك النتائج من الموضوعية قليلاً، وقدرتها على الإقناع ضعيفة (بتروفسكي، 1967، 91، 92).‏

وفي تلك الأثناء انتشرت في روسيا أفكار آدلر مؤسس "علم النفس الفردي" وأفكار يونغ صاحب "علم النفس الجمعي"، ولاقت بعض المعجبين. غير أن تأثير أي من التيارين لم يكن قوياً. ومع ذلك فقد تعرضا لهجوم عنيف من جانب السيكولوجيين الماركسيين جعلهما يفقدان موقعهما في غضون سنوات قليلة. وتركز هذا الهجوم على الجوهر المثالي والمتافيزيائي لتصورات آدلر ويونغ، التي أبقت على الدور الحاسم للاوعي وأسبقيته على الوعي وتحكمه في سلوك الفرد، ودفعت صاحبيها لارتكاب الخطأ الذي وقع فيه فرويد، حيث ألغيا دور المجتمع وتجاهلا الدوافع الاجتماعية التي تعتبر، في اعتقاد النقاد الماركسيين، جزءاً هاماً من بنية الشخصية ومحركاً رئيسياً لنشاطها.‏

وتعد الغشتالتية إحدى النظريات التي استهوت علماء النفس الروس، فأقبل كثيرون منهم على دراستها، وتحمس لها البعض وصار يدافع عنها. وهكذا دخلت هذه النظرية إلى ساحة الفكر السيكولوجي في روسيا كطرفٍ في الصراع الدائر هناك. وربما كان سبب الموقف الإيجابي للسيكولوجيين الروس تجاه الغشتالتية راجعاً إلى الحالة الصعبة لعلم النفس في روسيا خاصة، والاتحاد السوفيتي عشية قيامه عامة من جهة، والمبادئ التي صاغ الغشتالتيون عليها نظريتهم من جهة ثانية.‏

أما بالنسبة للسبب الأول فإن ما عرضناه في هذا الفصل يكفي لتكوين صورة عما كان يعانيه علم النفس في الاتحاد السوفيتي خلال سنواته الأولى من خلافات وتناحرات. وكان على علماء النفس هناك أن يبحثوا عن مخرج للخلاص من الوضع المتأزم. فكل ما عرفوه من نظريات وتيارات لم يحقق ما كانوا يصبون إليه، بل إن بعضاً مما عرفوه أو تعرفوا عليه كان يزيد الوضع تعقيداً. فعلم النفس الموضوعي أو علم النفس الانعكاسي أو السلوكية التي أحرزت بعض النجاح وعقدت عليها الآمال بدت في نهاية الأمر عاجزة عن حل الكثير من المشكلات الميدانية والنظرية إلى درجة أنها تحولت مع مرور الوقت إلى عبء إضافي. وفي ذلك الحين ظهرت الغشتالتية بمنهجها التركيبي الذي عكس نظرتها الكلية إلى موضوع الدراسة، فتفاءل البعض، حيث وجد فيها بديلاً عن النظريات الآلية والذرية. ولكن التجربة أظهرت قصورها، وكان مصيرها كمصير غيرها من النظريات التي دخلت حلبة المنافسة التي شهدها علم النفي في الاتحاد السوفيتي حتى بداية العقد الرابع من القرن العشرين. وكان ل.فيغوتسكي أول من حمل لواء معارضة الغشتالتية. فقد عرض في مقاله "علم النفس البنائي" الذي نشره عام 1930 مبادئ هذه النظرية وأثنى على مفهوم البنية. ولكنه أشار إلى الثنائية التي يتسم بها الفكر الغشتالتي. ووجد أنها تتجلى في نزعة الغشتالتيين إلى تضمين البنية بعداً مادياً، وحرصهم في نفس الوقت على مراعاة تقاليد الفلسفة الطبيعية الألمانية مما جعلهم يخلعون على الكثير من مركبات البنية طابعاً ميتافيزيائياً. ومن هذا المنظور حذر فيغوتسكي من مغبة الاعتماد على الغشتالتية في البحث عن علم نفس ماركسي.‏

لقد كان فيغوتسكي محقاً في تحذيره من نتائج المبالغة في تقويم الغشتالتية وقدرتها على المشاركة في إنشاء علم نفس ماركسي. ولكنه، وهو الذي اعتبر قيام علم نفس ماركسي ضالته المنشودة وكان من أبرز الساعين إلى ذلك، لم يستطع أن يعتمد في نقده للغشتالتية ولغيرها من النظريات على أسانيد ماركسية إلا في وقت لاحق. وهذا ما سوف نشير إليه أثناء الحديث عن أعمال فيغوتسكي.‏

وفي هذا الصدد ينبغي التذكير بانتقادات بافلوف للنظرية الغشتالتية التي خص مناقشتها بجلستين(2) من جلسات الحوار التي كان يعقدها مع مساعديه وتلاميذه. وقد أظهر في تلك الجلستين عجز الغشتالتية عن تقديم تفسير علمي لسلوك الإنسان والحيوان، معتبراً إياها "إحدى المحاولات الفاشلة" على هذا الطريق.‏

وهكذا فإن هذه النظرية، رغم آثارها الإيجابية الواضحة في معالجة بعض موضوعات علم النفس، كالإدراك والتفكير، لم تتمكن من الصمود والاستمرار كاتجاه علمي مستقل أمام ملاحظات علماء النفس والطبيعة وانتقاداتهم.‏

(1) ناقش هذا المؤتمر القضايا المتعلقة بسلوك الإنسان وطرائق دراسته. وفيه تعرض الاتجاه الانعكاسي إلى هجوم عنيف من قبل أطراف متعددة.‏

(2) عقدت هاتان الجلستان في 28 تشرين الثاني "نوفمبر" و5 كانون الأول "ديسمبر" عام 1934.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244