|
||||||
| Updated: Wednesday, October 15, 2003 01:35 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
- الفصل الأربعون :نهاية الصراع وظهور علم النفس السوفيتي مع استمرار الصراع الفكري السيكولوجي في الاتحاد السوفيتي كان الاتجاه الداعي إلى إقامة علم نفس جديد على قواعد المادية الجدلية يسير بخطىً ثابتة ويحقق انتصارات في مواجهاته مع الاتجاهات والتيارات الأخرى: السلوكية والتحليل النفسي والغشتالتية والخبرية الذاتية. وما أن حلّ العقد الرابع من القرن العشرين حتى توضحت معالم هذا العلم وأسسه المنهجية، واستطاع أن يستقطب أغلبية الباحثين الشباب، مما جعله يتمتع بنفوذ كبير في المجتمع السيكولوجي هناك. وقد بلغ هذا النفوذ من القوة حداً وجد معه المعارضون أن لا جدوى من الاستمرار في طرح آرائهم بالصيغ والأساليب السابقة. فراحوا يصوغون أطروحاتهم بقوالب تتماشى مع الموجة الفكرية الجدية. ويعتبر جيلبانوف أحد الأمثلة البارزة على تلك الفئة من العلماء. فقد عُرف هذا العالم خلال سنوات طويلة بدفاعه المباشر والصريح عن المذهب الخبري الذاتي وبانتقاداته العنيفة للاتجاهات السيكولوجية الأخرى. غير أن أسلوبه هذا قد تغيّر فيما بعد. فقد صار يبدي الكثير من الحرص على اختيار ما يدعم رأيه ويخدم غرضه من التراث الماركسي. وهذا ما برز للعيان أثناء حملته ضد علم الانعكاس REFLEXOLOGIE. حيث وجد أن التفسير الطبيعي للسلوك الذي اقترحته مدرسة بختيرف أو مدرسة بافلوف يتنافى مع المذهب الماركسي. ولما كانت الماركسية تعرف الإنسان بأنه كائن اجتماعي، فقد نصح الاتجاه الجديد بأن يأخذ البعد الاجتماعي للإنسان بعين الاعتبار، ويقيم علم النفس الاجتماعي إلى جانب علم النفس الفردي القديم. وفي هذا المعنى يقول: "إن رمز إصلاح علم النفس في ظل الأيديولوجيا الجديدة يجب أن لا يكون إعداد مزلاج لدراسة الانعكاسات الشرطية، كما هو جارٍ في المؤسسات السيكولوجية المعاصرة، وإنما تنظيم العمل لدراسة علم النفس الاجتماعي" (جيلبانوف، 1926، 10). حقاً إن علم الانعكاس أغفل الشروط الاجتماعية وأثرها في تكوين السلوك الإنساني، وأن ماركس أبرز دور المحددات الاجتماعية في بناء الشخصية. ولكن الحق كذلك هو أن جيلبانوف لم يكن متحمساً أبداً لإقامة علم نفس ماركسي، بل وإنه وقف في فترة سابقة ضد أي محاولة لإدخال الفلسفة الماركسية في ميدان علم النفس. وهو، حينما أشار إلى الجانب الاجتماعي الذي لم يلق أي اهتمام من قبل نظرية الانعكاس أو نظرية الانعكاسات الشرطية، إنما كان يرى في تأكيد ماركس عليه ملاذاً ووسيلة لتمرير مقولة الوعي التي تؤلف جوهر نظريته المثالية. وثمة علماء أدركوا مبكراً نقائص الاتجاه الذي كانوا ينحازون إليه، واعترفوا بأخطائهم وبصحة الانتقادات التي كان يوجهها أنصار الخط الماركسي إليهم. وقد استطاعوا تجسيد ذلك كله في مراجعة آرائهم وتغيير مواقفهم ومشاركتهم الإيجابية في تطوير هذا الخط وتدعيم منطلقاته وتعميقها. ومن بين هؤلاء العلماء جماعة كانت تنتمي إلى الاتجاه الانعكاسي أمثال ب.غ.أنانيف وأ.ف.دوبروفسكي وأ.ل.شنيرمان وإ.ف.كورازوف وف.م.مياسيشيف وب.ف.بيلايف. ولقد بدأت هذه الجماعة تعبّر عن شكّها في المبادئ التي اعتمد عليها بختيرف في تفسير السلوك البشري. وظهر ذلك في عام 1927 أثناء المناقشات التي كانت تدور على هامش نشاطهم المخبري. وبعد مضي وقت ليس بالطويل نقل أعضاء الجماعة احتجاجاتهم إلى دوائر علمية أوسع. ففي الدورة المنعقدة في ليننغراد عام 1928 والتي حضرها أعضاء جمعية علم الانعكاس وعلم التنويم وعلم الأعصاب والبيوفيزياء تمت مناقشة برنامج إعادة بناء علم الانعكاس على قاعدة الجدل المادي والتعاون الوثيق مع جميع العلوم القريبة. وكانت المداخلات التسع التي شارك فيها تلاميذ بختيرف في هذه الدورة علامة مميزة لمنحى إعادة البناء تلك ومؤشراً بارزاً على عدم قناعة أصحابها بالحالة التي آل إليها علم النفس بعامة، وعلم الانعكاس بخاصة. وقد تقرر عرض هذه المداخلات على المناقشة في الدورة التالية التي عقدت في 4 أيار (مايو) واستمرت حتى 10 حزيران (يونيو) عام 1929 تحت عنوان "علم الانعكاس أم علم النفس؟". والنقطة الأساسية التي تمحورت حولها معظم هذه المداخلات وألّفت الأرضية المشتركة لتلك الجماعة هي التأكيد على ضرورة تطوير الفهم المادي الجدلي لمشكلات النفس، وتجاوز النظرة المادية الميكانيكية لها. فالنفس، في اعتقاد أصحاب هذه المداخلات، هي ثمرة التطوّر المديد للعضوية، وهي خاصية المادة المنظمة تنظيماً رفيعاً وفريداً. يقول أنانيف: "إن نفي الوعي والنفس وإرجاعهما إلى أبسط أشكال النشاط الترابطي هو تقدير منهجي مرفوض" (بتروفسكي، 1967، 119). ولعله من الواضح أن المناقشات التي جرت خلال دورة "علم الانعكاس أم علم النفس؟" عكست الوضع داخل المدرسة الانعكاسية أو السلوكية الروسية، وعبّرت عن موقف الكثير من أتباعها تجاه القوالب الجامدة التي عُرفت بها تفسيراتها للسلوك ورفضهم لأسسها النظرية. وعلى هذا النحو أصبح أعضاء الجماعة المذكورة جزءاً فاعلاً داخل الحركة السيكولوجية الماركسية بعد أن أوصدت الأبواب أمام محاولاتهم الدؤوبة لإصلاح علم الانعكاس. وقد عبّر بتروفسكي عن هذا التحول بقوله: "إن ما ارتقى إلى المادية الجدلية ليست النظريات الانعكاسية، بل الانعكاسيون الذين رفضوا الآراء المثالية والميكانيكية السابقة حين تمثلوا وجهات النظر الماركسية التي تتناقض جذرياً مع المنظومة الانعكاسية حول النفس والوعي والشخصية وسلوك الإنسان" (المرجع السابق، 119). إننا في فصل سابق اعتبرنا كارنيلوف أحد الدعاة الأولين إلى النهوض بعلم النفس على أسس الفلسفة الماركسية. وعرضنا جانباً هاماً مما قام به في هذا السبيل، حيث رأينا كيف أن فهمه لموضوع علم النفس في ضوء القوانين المادية والجدلية قاده إلى طرح نظريته المعروفة بالاستجابية REACTOLOGIE. ومن الواضح أن هذه التسمية تستمد مبناها ومعناها من مصطلح الاستجابة. فقد أولى كارنيلوف اهتماماً بالغاً بدراسة الاستجابة وخاصة بجانبها الدينامي، لكونها العنصر الأولي للنشاط الحيوي. ووجد في هذا العنصر وجهاً عضوياً (آلياً) وآخر نفسياً. فالوجه الأول يجعله شبيهاً بالانعكاس. أما الثاني فإنه يميّزه عنه. وإذا كان الوجه الأول ظاهراً للعيان ويخضع للملاحظة الموضوعية، فإنَّ الوجه الثاني هو شعور ذاتي، داخلي لا يدركه إلا صاحبه لدى ملاحظته لذاته. وبنتيجة هذا التحليل قرر كارنيلوف أن يؤلّف بين الوجهين، الموضوعي والذاتي، ويتناولهما معاً في وحدتهما التي تتجسد في الاستجابة. ولكن الوقائع برهنت فيما بعد على خطأ هذا التصور. لقد عني كارنيلوف بالبحث عن سند منطقي ومعنوي في النهج الجدلي ليضمن رد الفعل الإيجابي تجاه المبدأ الذي انطلق منه في تقديم علم النفس الجديد (العلم الاستجابي). والذي يقوم على الوحدة العضوية بين الموضوعي والذاتي. وبعد أن وجده في قانون وحدة الأضداد، لم يتمكن من تتبع العلاقة الحقيقية بين الانعكاس والإحساس وأثر كل منهما في الآخر. وبقي، حسب رأي بعض النقاد، أسير ما اكتشفه في لحظة معينة: الحركة الخارجية والفكرة الداخلية. وما كان يحتاج إليه كارنيلوف هو العودة إلى نظرية الانعكاس المادية- الجدلية لكي يلاحظ بفكر مرن ودينامي كيف أن الإحساس أو الانطباع أو الصورة النفسية تنساب من الحركة الخارجية، وكيف أنها تطور تلك الحركة وتحسنها دوماً. وجدير بالإشارة أن فكرة التأليف بين الوجه المادي، الآلي والوجه النفسي بالشكل الذي تقدم به كارنيلوف كانت موضوع مناقشات حادة وهدفاً لانتقادات عنيفة أثناء الندوة التي نظمها معهد علم النفس عام 1931. فبعد أن حلل المشاركون في تلك الندوة واقع علم النفس في الاتحاد السوفيتي آنذاك، واعترفوا بالمشكلات التي ما زال يعاني منها في غياب أواصر التعاون مع العلوم الأخرى كالفيزيولوجيا والبيوفيزياء حمّلوا كارنيلوف مسؤولية بعد علم النفس عن الواقع وتقصير معهد علم النفس عن المشاركة في البحث عن حلول لتلك المشكلات، وهاجموا نظريته الاستجابية. ووصل الأمر بالبعض إلى حدّ اتهامه بالعداء للماركسية. ومن ناحية أخرى وقف آخرون موقفاً معتدلاً تجاه كارنيلوف، واحتكموا إلى الظروف الموضوعية التي نشأت في ظلّها نظريته. فكارنيلوف، بالنسبة لهم، هو أول من سعى إلى إدخال الفلسفة الماركسية إلى ميدان علم النفس، ووقف بجرأة في وجه محاولات التحريف والتشكيك برصانة الماركسية وصلاحية قوانينها لمعالجة قضايا علم النفس. واستطاع أن يستقطب نخبة من الباحثين الشباب ممن كانوا يعملون في معهد علم النفس بموسكو أو في كليات العلوم الاجتماعية بجامعة موسكو أمثال ف.أ.أرتيموف ون.ف.دوبرينين ول.س.فيغوتسكي وأ.ر.لوريا وأ.ن.ليونتيف وز.إ.جوجماروف وب.ف.بيلايف وغيرهم. ويعبر مقال ب.تيبلوف "نضال ك.ن.كارنيلوف خلال الأعوام 1923-1925 من أجل إعادة بناء علم النفس على أساس الماركسية" بصورة صادقة عن هذا الموقف. فقد اعترف تيبلوف فيه بفضل أعمال كارنيلوف خلال تلك السنوات على علم النفس الماركسي، وبقدرته على نقل بعض القضايا الهامة من الفلسفة الماركسية إلى علم النفس. ويأتي موضوع علم النفس ومنهجه في مقدمة تلك القضايا. وفضلاً عن ذلك قاد الصراع ضد ممثلي علم النفس المثالي وعلم النفس المادي المبتذل. ولكن مقال تيبلوف تضمن إلى جانب تلك الإيجابيات إشارة إلى أن استجابية كارنيلوف شبيهة بانعكاسية بختيرف من حيث أنها جمعت وبشكل انتقائي مبادئ ماركسية مع تصورات مادية وطاقوية دون أن تقيم وزناً لتاريخية الوعي الإنساني. وبينما لاقت فكرة دمج الانعكاس والإحساس في مقولة واحدة هي "الاستجابة" ودلالتها على صعيد التوفيق بين الاتجاهين المتعارضين: الموضوعي والذاتي معارضة شديدة من قبل المجموعة الأولى وجدت ما يسوغها في السياق الفكري والتاريخي لدى المجموعة الثانية. وفي هذا الصدد يقول تيبلوف: "لا يكاد يوجد مسوغ لرؤية أي عيب مبدئي مهما كان في تصورات كارنيلوف النظرية. والأمر الآخر هو أنه أو غيره من علماء النفس في تلك السنوات لم يكن قد تلقى إعداداً ماركسياً كافياً، أو وصل إلى النضج النظري كيما يخلص من تلك التصورات إلى نتائج صحيحة من أجل بناء منظومة سيكولوجية علمية محددة (مسائل علم نفس الشخصية، 1960، 17). لقد قيل الكثير عن وقائع وأحداث تلك الفترة المليئة بالصراعات الحادة والمناقشات الحامية. وهناك إجماع أو ما يشبه الإجماع حول صحة الكثير من تلك الوقائع والأحداث وتقويمها. ويظل بعضها الآخر بحاجة إلى مثل ذلك الإجماع حتى في حدوده المقبولة. ومن المنطقي أن تكون أعمال كارنيلوف وآراؤه من بين الوقائع والأحداث التي يعرضها المؤرخون والنقاد. وليس غريباً أن تكون أيضاً ضمن المسائل التي تتفاوت آراؤهم حول مكانتها العلمية وقيمتها التاريخية بالنسبة لعلم النفس السوفيتي. ومهما يكن الأمر فإن عودة بعض العلماء إلى تلك المرحلة المعقدة وقراءة أعمال كارنيلوف قراءة متأنية واستعراض نشاطه بدقة وأناة بهدف وضع الرجل في المكان الذي يستحقه أسفرت عن الملاحظات التالية: - إن القدرة على الاستجابة في نظرية كارنيلوف هي خاصية الكائنات الحية (الدنيا والعليا) وغير الحية. وما الاختلاف القائم بين الاستجابات سوى نتيجة تباين المنبهات والمثيرات (البيولوجية والاجتماعية). - التركيز على المنبهات البيولوجية وأثرها في سلوك الإنسان وإهمال المنبهات الاجتماعية التي تمد النفس عند الإنسان بأسباب اختلافها عن النفس الحيوانية اختلافاً نوعياً، وتؤدي إلى ظهور الفروق الفردية بين البشر. - عجز كارنيلوف عن تخطي النسق التقليدي الذي وضعه علم النفس الفردي الخبري للتفريق بين "الفطري" و"المكتسب" في النفس، وعدم قدرته على إدراك الوحدة الجدلية بينهما. - الطابع البيولوجي الذي ميز تفسير كارنيلوف للنشاط النفسي عند الإنسان، الأمر الذي يدلل عليه قولـه بوجود أساس غريزي للعواطف والانفعالات (غريزة القطيع هي أصل النزعة إلى تجمع البشر والتعاون فيما بينهم). - إن الخطأ الفادح الذي ارتكبه كارنيلوف يكمن في فكرته عن الوحدة العضوية لعلم النفس المثالي والسلوكي، واعتقاده بأن التوفيق بينهما هو التدبير السليم لجدلنة علم النفس. فالحالة الشعورية التي يعتبرها علم النفس المثالي مادة له تعتبر في نظره، الأطروحة، والانعكاس الذي تتخذه السلوكية موضوعاً له هو الطباق، والاستجابة هي التركيب. ويشير بتروفسكي هنا إلى أن الثالوث الهيغلي هو واحد من الأمور التي كانت تستهوي عدداً من الفلاسفة وعلماء النفس في الاتحاد السوفيتي في تلك الآونة. ويعتبر أن التأليف بين تلك الحدود على نحو ما فعل كارنيلوف هو عمل آلي مصطنع يجمع بين طرفين متناقضين ومتناحرين لا يمكن لأيّ طرف منهما تحت أي ظرف أن يتحول إلى الآخر. ومع ذلك فإن بتروفسكي وغيره من علماء النفس السوفيت يحاولون التخفيف من حجم هذا الخطأ ونتائجه السلبية على مسيرة علم النفس. فهم يرون أن لطبيعة الصراع الفكري وتعدّد جبهاته، وبشكل خاص ظهور ما عرف باتجاه الثقافة البروليتارية في علم النفس الأثر الواضح في تحديد موقف كارنيلوف التوفيقي من علم النفس الذاتي والسلوكية. فقد أراد كارنيلوف أن يواجه بموقفه هذا الدعوة إلى ثقافة بروليتارية خالصة وخالية من "شوائب" الثقافة البورجوازية المهزومة التي تزعمها ف. م. شولياتيكوف وأ. مينين وإ. إنجمان. وتقضي دعوة هؤلاء "الراديكاليين" بضرورة التخلي عن التراث السيكولوجي السابق بحجة طابعه الاستغلالي. وإزاء هذا الوضع أصاب في اختياره إقامة علم النفس الماركسي على أساس الاستبعاد الجدلي للاتجاهين المتناحرين. ولكنه أخطأ في تعامله مع هذا المبدأ. فهو لم يحفل بما يستدعيه تطبيقه في هذه الحالة من معرفة دقيقة وعميقة بالمقدمات الآلية والمثالية للاتجاهين بغية التخلص منها وتجاوزنا عند الانتقال إلى مرحلة البناء والتركيب (بتروفسكي، 1967، 124 –132). وبعد المؤتمر الأول الذي عقد عام 1930 لمناقشة السلوكية وهزيمة الاتجاه الانعكاسي، ومن ثم ندوة عام 1931 وانهيار الاتجاه الاستجابي تمكن كل من بلونسكي وباسوف وفيغوتسكي من استقطاب الأنظار بآرائهم المتميزة وإطلاعهم الواسع وتحليلهم العميق. بلونسكي واصل بلونسكي نشاطه في نفس الاتجاه الذي أشرنا إليه في فصل سابق، ونشر في الثلاثينيات عدة مؤلفات، أهمها "التذكّر والتفكير" (1935) و"تطور التفكير عند التلميذ". ويعتبر النقاد هذين الكتابين من أكثر الكتب التي صدرت في العقد الرابع من القرن العشرين نضجاً وأهمية. وترجع بدايات اهتمام بلونسكي بدراسة مظاهر النشاط النفسي إلى سنوات ما بعد التحاقه بمعهد علم النفس الحكومي عام 1930. فحتى ذلك التاريخ كان وضع نظرية سيكولوجية جديدة شغله الشاغل ولذا فقد انصرف تماماً عن كل بحث تجريبي أو دراسة ميدانية. لقد تناول بلونسكي في مؤلَّفيه المذكورين عمليتين نفسيتين تحتلان مكانة خاصة في النشاط النفسي عند الكائن البشري. وعلى قاعدة "إن السلوك يفهم فقط بوصفه تاريخاً للسلوك" يحدد الفكرة المركزية لكتابه "التذكر والتفكير" بقولـه: "... تحلّ مشكلة "التذكير والتفكير" على أرضية النظرة الديالكتيكية إليها فقط.. مشكلة بالإمكان أن تحل على أرضية المادية الجدلية فقط. ومن الضروري استخدام ما هو متوفر من إشارات ماركس وانغلز ولينين بصدد هذا السؤال. ويتعّين على المؤلف أن يتجه في دراسته على الدوام نحو الأعمال الفلسفية لمؤسسي الماركسية ليجد فيها مفتاحاً للإجابة على السؤال المطروح. وخلافاً للإنشاءات المثالية الخاطئة وغير المجدية للعمليات السيكولوجية تعد النظرية اللينينية في الانعكاس أساساً للكيفية التي ينبغي دراسة المشكلة المطروحة وفقها" (بلونسكي، 1935، 24). والحق أن هذا التقديم يجسد رؤية جديدة تقوم على سند محدد. كما يؤلف مضمون عمله ككل إحدى العلامات على طريق إعادة بناء علم النفس السوفيتي. وهذا ما تدلل عليه تعليقات العلماء وملاحظاتهم عقب صدور الكتاب. فقد كتب ب. دوسيف، للمثال، يقول: "يبرهن عمل بلونسكي بصورة قاطعة ليس على أهمية الفلسفة الماركسية في حل مشكلات علم النفس وحسب، بل وعلى دور علم النفس في معالجة مجموعة الأسئلة ذات الصلة بالنظرية والمعرفة، وأهمية علم النفس على صعيد التطبيق" (دوسيف، 1926، العدد 4، 31).وأشار بتروفسكي فيما بعد إلى التطور الفكري عند بلونسكي وقدرته على توظيف ما تَمَثَّله من الفلاسفة الماركسية في معالجة قضايا علم النفس. ويتبدى ذلك بوضوح عبر المقارنة التي عقدها بين أعمال بلونسكي في العشرينيات وأعماله في الثلاثينيات. ومما خلص إليه هو أن الأساس الذي بنى عليه بلونكسي نظرته إلى عملية التذكر وأنواعها وأطوارها عام 1927 تماثل الأسس الميكانيكية التي اعتمدت عليها السلوكية في تناولها للمظاهر النفسية. يقول بتروفسكي: "من الجلي أن بلونسكي لم يكن حينها يرى طرق الدراسة الديالكتيكية للتذكر" (بتروفسكي، 1967، 306). أما في "التذكر والتفكير" فإن الصورة تختلف تماماً. فهنا يتمسك بلونسكي بالمدخل الديالكتيكي والنظرية التكوينية التي يمليها ذلك المدخل. ومن هذا المنطلق تبين له أن التذكر هو وظيفة عامة للمادة المنظمة من ناحية، وأنه إنساني، يوجد لدى الناس، ولكن لا يملكه الجميع من ناحية ثانية. كما أمكنه التعرف على علاقة التذكر بكل من الكلام والتفكير وتعقّب أصوله الاجتماعية. وانتهى إلى القول بوجود أربعة أنواع (مستويات) من التذكر: التذكر الآلي، التذكر الانفعالي والوجداني، التذكر الصوري، التذكر الكلامي (المنطقي). وأشار إلى تعاقب هذه الأنواع وصلاتها بعضها ببعض. والجدير بالتنويه هو اختيار بلونسكي لموضوع التذكر والتفكير ومحاولته إبراز العلاقة القائمة بين هاتين الوظيفتين وتقديم تفسير لها تجاوز به التفسيرات السابقة. فقد لاحظ أن التذكر في تطوره وانتقاله من مستوى أرقى، إنما يقترب تدريجياً من التفكير حتى يبلغ حداً يصعب معه تعيين نهاية التذكر وبداية التفكير. وفي هذا القول: "الكلام هو ذلك المجال الذي يتلامس فيه التذكر والتفكير على نحو وثيق يصعب معه في بعض الأحيان البتُّ في أيّ من الكلام يخصّ التذكر، وأيّ منه يخصّ التفكير، فالقضية هي أن الواحد منهما يتحول إلى الآخر" (بلونسكي، 1935، 201). على أن بلونسكي لم يخلط بين الوظيفتين، بل كان يؤكد باستمرار على أبعاد ومضامين كلّ منهما مما يجعلهما وظيفتين متمايزتين ومختلفتين. ومن خلال هذه النظرة إلى التفكير والتذكر والكلام وعلاقاتها بعضها ببعض من ناحية، واختلافها النوعي بعضها عن بعض من ناحية ثانية، تتجلى مبادئ الجدل المادي التي تحمّس بلونسكي لها ونادى بتطبيقها في ميدان علم النفس. باسوف وضع م. ي. باسوف خلال حياته القصيرة (1892 –1931) عدداً من المؤلفات أهمها "الأسس العامة لعلم النفس" الذي صدر عام 1927 و"طريقة الملاحظات السيكولوجية للأطفال الذي طبع ثلاث مرات: الأولى عام 1923، والثانية عام 1924، والثالثة عام 1926. عني باسوف منذ بداية نشاطه العلمي بتحديد موضوع علم النفس ومناهجه وتطور الظواهر النفسية. وقد أشار إلى أن طرح هذه المسائل ليس أمراً جديداً. فمذاهب علم النفس المختلفة تناولت مادة علم النفس ومناهجه، ولكل منها رأيه فيها. ومجمل الآراء التي تؤلف جزءاً هاماً من التراث السيكولوجي معروض في كتب عديدة. ولقد أعرب باسوف عن استغرابه لبقاء السؤال عمّا يدرسه علم النفس معلقاً حتى الآن. ولكنه يرى أن وضعاً كهذا يعكس الظروف الموضوعية لتطور المعرفة العلمية، وأنه لا بد من إعادة النظر والتدقيق في ما تراكم من آراء حول مادة علم النفس. ولذا لجأ إلى استعراض تلك الآراء وتصنيفها وتحليلها ومناقشتها الواحد تلو الآخر. فبدأ بالرأي الذي اتخذ أصحابه من الروح مادةً لدراساتهم اعتقاداً منهم بأن الروح جوهر خالص، وواقع متميز ومتفرد يكشفه الإنسان في ذاته، ويدرك اختلافه الكلي عن عضويته، بل وعن كل ما ينتمي إلى العالم المادي بصورة عامة. ثم عرض الرأي الثاني الذي يتحدث عن الحياة النفسية ويعتبرها موضوعاً لعلم النفس. ووجد أنه بالرغم مما حمله هذا الرأي من فوائد إلى علم النفس، فإنه لم يحرر هذا العلم من تأثيرات الميتافيزياء المثالية، وهو، وإن فتح الباب أمام الدراسات التجريبية، لم يغيّر شيئاً من نظرة أنصاره إلى الظواهر النفسية ومعالجتها بعيداً عن ارتباطها بالعالم الخارجي، وكأنها لا تملك أيّ شيء مشترك معه. ولم يكن الرأي الثالث، في اعتقاد باسوف، أقدر من سابقيه على تقديم الحل المناسب للمسألة المطروحة. فقد أسقط أصحابه الماديون جميع العلاقات التي تربط النشاط النفسي البشري بالعالم المحيط حين قصروا دراستهم لهذا النشاط على الجانب الفيزيولوجي. ولعلّ باسوف بنى حكمه على هذه الآراء في ضوء تصوّره للكائن الحي وبنيته العضوية وعلاقة كل عضو فيها بالأعضاء الأخرى ونمط حياته ونشاطه خلال عملية الصراع من أجل البقاء، وتبدّل هذا النشاط تبعاً لتغير وسطه الخارجي. ويشمل هذا التصور نوعين أو مستويين من الظواهر التي يعنى بدراسة كل واحد منهما علم خاص. والنوع أو المستوى الذي يتضمن نمط حياة الكائن الحي ونشاطه والتغيرات التي تطرأ على سلوكه ينبغي أن يكون مادة علم النفس. إن ما يلفت الانتباه هنا هو نظرة باسوف إلى الإنسان كعضو فعّال في الوسط الذي يحيا فيه، وتلك خاصية تميّزه عن سائر الحيوانات. يقول باسوف: "إن الإنسان، خلافاً للحيوان، لا يتكيف بنفسه مع البيئة فقط، وإنما يكيف البيئة معه من خلال تأثيره عليها وتحويله لها في مجرى عمله بمساعدة أدوات العمل المصنّعة" (تطور علم النفس في الاتحاد السوفيتي وحالته الراهنة، 1975، 159), والبيئة، كما يدركها، ليست شيئاً طبيعياً أو مادياً يؤثر في الإنسان بصورة آلية، وإنما هي قبل كل شيء بيئة المجتمع الإنساني. وعلى هذا الأساس يقرر باسوف أن يكون النشاط الإنساني بشتى أوجهه ومستوياته موضوع المعرفة السيكولوجية. وتتطلب معرفة ذلك النشاط تحليلاً بنيوياً يتم أثناءه عزل العناصر الأساسية التي يتألف منها والكشف عن مختلف أشكال العلاقات القائمة فيما بينها، وتحديد اتجاهها ورصد حركتها. ويرى باسوف أنَّ دينامية النشاط تمليها طبيعة العلاقات المتبادلة بين الشخصية والبيئة. فالاختلاف في هذه العلاقة يؤدي إلى تباين أنماط النشاط التي يحتل العمل واللعب مكاناً هاماً بينها. وعبر عملية التحليل البنيوي للنشاط بشكل عام توصل باسوف إلى وجود عنصرين أساسيين هما المنبهات والاستجابات. والعنصر الأول (المنبه) يحمل، عنده، معنى مغايراً لمعناه عند السلوكيين. فهو، بالنسبة لـه، يدل على كلّ ما يستدعي قيام الكائن الحي بفعل ما بوصفه مسبباً مباشراً لهذا الفعل. والمقصود بذلك هو أن الشيء ذاته لا يكون منبهاً في جميع الحالات والمواقف. فإذا لم يستجر تغيراً ما في حالة العضوية أو سلوك الشخص، أو لم ينجم عنه تبدل في علاقة الشخصية بالبيئة فإنه لا يعدُّ منبهاً بالمعنى السيكولوجي. وقد يكون هذا الشيء أو ذاك منبهاً بالنسبة لإنسان، ولا يكون كذلك بالنسبة لإنسان آخر. ويرى باسوف أن قدرة الشيء على التنبيه ترتبط بالخلفية التي يظهر عليها. وهذه الخلفية إما أن تكون خارجية أو داخلية. والخلفية الداخلية، في نظر باسوف، هي الموقف العام للشخصية أو بناؤها. وفي الحالتين تعتبر الخلفية "عامل تنبيه". أما العنصر الثاني (الاستجابة) فإنّه يرتبط بالمنبه. ويشير باسوف إلى أن أفعال الإنسان قد تتحوّل إلى منبهات تستجر لديه استجابات معينة. ويعني ذلك أن بإمكان بعض الأفعال أن يكون استجابة بالنسبة للمنبه الذي استدعاها، ومنبهاً بالنسبة لأفعال أخرى تصدر عن الشخص ذاته في نفس الوقت. ولمّا كان مفهوم الاستجابة بحد ذاته لا يتضمن درجة تعقيد الفعل وزمن ديمومته، فقد حذّر باسوف من الخطأ الذي ينجم عن فهم الاستجابة كفعل بسيط وقصير. فالواقع، كما يراه، يظهر كلما أمعنا النظر فيه أن الاستجابة قد تتخذ شكل العملية المعقدة والطويلة تارةً، وقد لا تتناسب في بعض الحالات المنبه الذي يستدعيها تارة أخرى. إن المنبّه الذي يبدو تافهاً يمكن أن يستدعي لدينا استجابة معقدة تدوم زمناً طويلاً قد يستمر مدى الحياة. ومثل هذه الاستجابة تستدعيها المنبهات الوسيطة التي تلعب في هذه الحالات دوراً حاسماً. بينما لا يؤثر المنبه المباشر إلا بمقدار ما تفعله قطرة تُضاف إلى كأس مليء. وإن ترابط مجموعة من المنبهات والاستجابات التي تستدعيها تؤلف السلوك أو النشاط. ويعتقد باسوف أن أهم أوجه النشاط التي يقوم بها الفرد وأكثرها فاعلية في نموه النفسي هو نشاط العمل ونشاط اللعب. ولكل منهما سماته وخصائصه ووظائفه التي تميزه عن سواه. وإذا كان النشاط الإنساني هو موضوع علم النفس، فما هو المنهج الذي يتعيّن على هذا العلم اتباعه في دراسة ذلك الموضوع؟. إن إجابة باسوف على هذا السؤال تتضمن ثلاثة عناصر. وأول هذه العناصر يتعلق بموقع ودور كل من المنهج الموضوعي والمنهج الذاتي في علم النفس. وثانيها يتمثل في تقويم الطريقتين التجريبيتين: التجربة المخبرية والتجربة الطبيعية. أما العنصر الثالث فإنه يتناول المدخل التكويني في دراسة الظواهر النفسية. ولتحليل محتوى العنصر الأول انطلق باسوف من الصلة الوثيقة بين المنهج والموضوع. وبما أن علم النفس، في رأيه، يجب أن يدرس الإنسان كعضو نشيط وفعال في محيطه الخارجي، فإنه لم يتردد في الانحياز إلى المنهج الذي يقابل منهج الاستبطان ويتعارض معه. وفي هذا الصدد يقول: "يتعين على علم النفس أن يعتمد على الملاحظة الموضوعية، أو الملاحظة الخارجية " EXTRASPECTION (المرجع السابق، 163). ذلك لأن هذا النوع من الملاحظة هو "المنهج الوحيد الذي يمكن استخدامه لكافة أشكال تطور الوظائف النفسية" (المرجع السابق، 164). ولكن باسوف لم يرفض الاستبطان تماماً، ولم يستبعد استخدامه نهائياً، بل إنه تحدث عن حالات لا يستطيع فيها أي منهج آخر تقديم ما يقدمه من معارف سيكولوجية. فعند حدوث الاستجابة داخل العضوية يكون من العسير على الملاحظة الموضوعية رصدها ومتابعة جريانها. فيضطر الباحث إلى الاستعانة بالاستبطان لينفذ إلى الظاهرة، موضوع الدراسة، ويدركها ويصفها. ولجوء الباحث إلى الاستبطان حسب ما يقتضيه الهدف لا يعتبره باسوف مناقضاً لدعوته إلى رفض هذا المنهج. فالاستبطان كمنهج مكمل لمنهج الملاحظة الموضوعية شيء، واعتباره الأداة الوحيدة للمعرفة المباشرة التي تختلف عن المعرفة الحسية كما يتصور علم النفس الذاتي في ضوء مدخله الثنائي إلى النفس والجسد شيء آخر. ومما يزيد هذا الاختلاف عمقاً واتساعاً هو ما أشار إليه باسوف من نقائص تخص الملاحظة الذاتية، وما اقترحه بشأن محاولات استخدامها. فما دامت معرفة ما يجري في الداخل تتوقف على ملاحظته ومتابعته ونقله إلى الآخر بواسطة الكلام، فإن من المستحيل، حسب اعتقاده، استخدام منهج الملاحظة الذاتية في دراسة سلوك الأطفال والحيوانات. وفي معرض الحديث عن العنصر الثاني يعود باسوف ليؤكد ما قاله سابقاً من أن نشاط الفرد في حركته الطبيعية وتلقائيته، وتفاعله مع العالم الخارجي باستمرار يجب أن يكون موضوع المعاينة السيكولوجية. ومن هذه الزاوية يربط صلاحية طريقة البحث بمدى ما تتيحه من إمكانية للمحافظة على الجريان الطبيعي للظاهرة النفسية، واستمرار تفاعل المفحوص مع محيطه. وتبعاً لذلك فقد ذهب باسوف إلى أن التجربة المخبرية –رغم أهميتها في البحث –لا تسمح في معظم الأحيان بالإبقاء على الارتباط الطبيعي للمفحوص ببيئته. وهذا ما دفعه إلى تفضيل التجربة الطبيعية التي تراعي هذا الشرط، وتساعد على دراسة الموضوع ضمن شروط البيئة الطبيعية دون أن تفقد أياً من عناصرها كطريقة علمية. ولذا فإن معالجة هذه الطريقة هي –في رأي باسوف –إحدى المهمات الرئيسية التي يجب أن ينهض بها علم النفس المعاصر. أمّا بالنسبة للعنصر الثالث (المدخل التكويني في دراسة الوعي) فقد ربطه باسوف بطريقة المعرفة السيكولوجية، مشدّداً على الدور الحاسم الذي يلعبه المنهج التكويني في الدراسة السيكولوجية. وعليه فإننا لا نستغرب أن تحتل فكرة التطور حجر الزاوية في إنشاءاته النظرية، وأن يكرس لمعالجتها نصيباً هاماً من جهده، ويخصص لعرض رأيه فيها فصولاً كثيرة من أعماله. لقد صاغ باسوف نظريته في تطور النفس على أساس العلاقة المعقدة والوثيقة بين الجانبين: البيولوجي والبيئي، الموروث والمكتسب، واعتبر أن الوراثة والبيئة هما العاملان اللذان يحددان تطور الكائنات الحية العليا عامة، والإنسان خاصة. ووجد أن من غير الممكن فهم عملية التطور فهماً سليماً ما لم يؤخذ هذان العاملان معاً بعين الاعتبار، ويتحدد دور كل منهما فيها. وعندما طرح باسوف مسألة العلاقة بين الوراثة والبيئة، فإنّ تصوره لها لم يقف عند حدود التوفيق بين النظريتين المتصارعتين: الوراثية والبيئية. ومثل هذا التصور كان مرفوضاً من قبله، لأنّ العلاقة بين العامل الوراثي والعامل البيئي هي، في اعتقاده، أعقد من مجرّد جمعهما على نحو ميكانيكي، أو تحديد نسبة ما يسهم كل منهما في بناء الشخصية مثلما فعل شتيرن وأتباعه. إن الوصف الصحيح لتلك العلاقة يتطلب، من وجهة نظر باسوف، التمييز بين المسارين الرئيسيين لتطور الإنسان: المسار البيولوجي للجسم الحي، والمسار النفسي للإنسان ككائن اجتماعي. وهذان المساران مرتبطان بعضهما ببعض. فالتطور البيولوجي مرهون بالشروط الحياتية للإنسان. والتطور النفسي لا يمكن تصوره من غير أساس بيولوجي. وفي هذا السياق يشير باسوف إلى الاختلاف النوعي بين تطور السلوك الحيواني والوعي الإنساني. فإذا كنا نعبّر عن ارتباط تطور السلوك الحيواني بالبيئة، فإنه ليس بوسعنا أن نستخدم هذا المفهوم أو نعتمد عليه للتعبير عن ارتباط تطور الوعي عند الإنسان. وآية ذلك أن التطور على هذا المستوى لا يحقق للإنسان إمكانية التكيف مع البيئة فقط، وإنما يساعد على تغيير الظروف الخارجية بصورة تستجيب لمتطلباته وغاياته، أي أنه يكيّف البيئة معه بفضل فعاليته وقدرته على التأثير المباشر وغير المباشر في المحيط الخارجي. ويمضي باسوف إلى أن النشاط العملي هو الشرط الأساسي لتشكل فعالية الإنسان وقدرته على تشكيل بيئته وتكييفها لأهدافه. فبالعمل يصير المرء عضواً فاعلاً في المجتمع. ومن خلاله أيضاً تتكون علاقته المعقدة ببيئته. وفي هذا يقول: "إن العمل المبني على استخدام الأدوات وإنتاجها يعيد في مجرى التطور تشكيل الحياة الاجتماعية للناس وسيكولوجيتهم الفردية، بل وإلى حد ما تكوينهم الفيزيائي... فتطور الأدوات وشكل العمل لا يؤدي إلى تغيرات شكل النظام الاجتماعي فحسب، بل وإلى تغيرات في التكوين الفردي لكل إنسان، وفي مقدمتها سيكولوجيته... بل وجسمه أيضاً إلى درجة معينة" (المرجع السابق، 166). وهكذا فالبيئة المحيطة بالإنسان والتي تؤثر فيه لا تقتصر، في نظر باسوف، على ظواهر الطبيعة، بل إنها تشمل الشروط الاجتماعية أيضاً. وربما وجد تأثير المجتمع البشري في سلوك الفرد أقوى بكثير من تأثيرات الظروف الطبيعية. ولهذا نراه يعرف الإنسان بأنه كائن اجتماعي بلغ شأوا عظيماً في تطوره الثقافي، واستطاع أن يبني على قاعدة الواقع الطبيعي بيئة اصطناعية قوامها العلم والدين والفن والتكنولوجيا. ولما كان الإنسان كائناً اجتماعياً وتاريخياً، فقد قرر باسوف أن تطوره إنما يتم بفضل التراث الضخم الذي جمعته البشرية عبر تاريخها المديد. وهذا ما يميز الإنسان عن الحيوانات التي لا تملك إمكانية تجاوز مستوى تطور النوع الذي تنتمي إليه. فالإنسان وحده هو القادر على رفد التجربة الاجتماعية. ولكنه لكي يصبح كذلك عليه أن يعيش في المجتمع ويكتسب تجارب الأجيال السابقة. وغياب هذا الشرط يعني، بالنسبة لباسوف، عودة الإنسان إلى عصر ما قبل التاريخ. وفي مجرى الحديث عن علاقة الفرد بالمجتمع يشير باسوف إلى اختلاف الشروط الحياتية التي يخضع لها أفراد المجتمع، مما يؤدي إلى تباين خصائصهم النفسية والجسمية. ولعل الفروق بين الناس تتجلى بشكل أكثر وضوحاً في المجتمع الرأسمالي، حيث يصل الاختلاف بين عناصر البيئة التي تؤثر في أبناء الطبقة الكادحة وما يقابلها في بيئة الطبقة الرأسمالية إلى مداه الأقصى. وبسبب ذلك فإن الشخصية في هذا المجتمع تحمل الخصائص التي تميز الطبقة الاجتماعية التي تنتمي إليها. ولعله ليس من الصعب أن نلمس من خلال ما تقدم تلك الأهمية القصوى التي حملها باسوف للعامل البيئي على صعيد تكون الشخصية. فهو لم يخف في كل ما كتبه انحيازه للعامل الاجتماعي. ومع أنه يتحدث عن طاقة نفسية فطرية لدى الإنسان، فإنه كان يردد دوماً أن ليس بإمكان هذه الطاقة أن تحدد وجهة تطور الإنسان، أو تؤثر في تكوين ملامح شخصيته إن هي لم تلق في البيئة الاجتماعية من الشروط والأسباب ما يساعد على تحولها تطورها. ولم يفت باسوف وهو يعرض موقفه من التطور النفسي أن يتوقف عند مسألة المراحل التي يمّر بها هذا التطور وعلاقتها بالنمو العضوي. فبعد إشارته إلى التصنيفات المرحلية الشائعة التي تقرن تطور النفس وانتقالها من مرحلة إلى أخرى، ومن طور إلى طور ببعض المؤشرات العضوية اقترح حلاً جديداً لتلك المسألة يخالف الحلول التقليدية المقترحة. ويتمثل هذا الحل في المراجعة النقدية لنتائج الدراسات السابقة، والعودة من جديد إلى دراسة تطور النفس عند الإنسان منذ ولادته بدقة وإمعان، واتخاذ التحولات النوعية للخصائص النفسية معياراً لتقسيمها عوض التغيرات الكمية وإرجاعها إلى التبدلات التي تجري داخل العضوية. لقد عرض باسوف وجهة نظره في حلّ المسألة المطروحة، ورسم ملامح الطريق المؤدية إليه، ولكنه لم يتابع هذا العمل، ولم يتحقق ميدانياً من صحة تصوراته. واكتفى بعقد مقارنات وطرح أسئلة تاركاً مهمة الإجابة عليها لدراسات خاصة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |