علم النفس في القرن العشرين ( الجزء الثاني ) ـــ د. بدر الدين عامود

دراسة ـــ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2003

Updated: Wednesday, October 15, 2003 01:36 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

القسم السابع نظريات علم النفس في الاتحاد السوفيتي (سابقاً):- الفصل الحادي والأربعون : نظرية فيغوتسكي التاريخيّة –الثقافية

ليف سيميونوفيتش فيغوتسكي (1896 –1934) هو مؤسس أكبر المدارس في علم النفس السوفييتي. ولد في أورشا ونشأ في غومل (بيلاروسيا)، وعمل في مطلع حياته معلماً في مدرستها.‏

وكان ميله وقتذاك منصباً نحو دراسة الأدب. فقد تناول بالدراسة التراجيديا عند بوشكين وشكسبير. ويوجد في أرشيفه الخاص دراسة لاثنتي عشرة تراجيديا يرجع تاريخها إلى شهر شباط (فبراير) عام 1916. وتعدّ أعماله في هذا الميدان مقدمة لمؤلفه "سيكولوجية الفن" الذي أنهى كتابته عام 1925.‏

سافر فيغوتسكي إلى موسكو عام 1913 ودرس في جامعتها حتى صيف 1917. ثم عاد إلى بلدته غومل ليواصل نشاطه التعليمي والأدبي. وفي عام 1922 ألقى كلمة "حول طرائق تدريس الأدب في المدارس" تضمنت نتائج عدد من الدراسات التي أجراها في مخبر علم النفس التابع للمعهد التربوي الذي كان يدرس فيه مادة علم النفس. وفي عام 1924 شارك في مؤتمر علم نفس الأعصاب من خلال بحثه "حول طريقة الدراسة الانعكاسية والسيكولوجية". وقد عرض من خلاله آراءه حول إمكانية دراسة النفس بطرائق موضوعية وإقامة علم نفس مستقل.‏

وعقب انتهاء المؤتمر دعاه كارنيلوف، مدير معهد علم النفس في موسكو آنذاك، للعمل في هذا المعهد. فقبل فيغوتسكي الدعوة، وانتقل إلى موسكو. وفيها التقى بباحثين أصغر منه سناً، ولكنهما أكثر تجربة في ميدان علم النفس، وهما أ. لوريا وأ. ليونتيف. فكوّن معهما مجموعة كان له فيها دور القيادة. وقد لعبت هذه المجموعة دوراً كبيراً في تحديد مصير علم النفس في الاتحاد السوفيتي.‏

إن "سيكولوجية الفن" ليس كتاباً في علم نفس الإبداع الأدبي والفني كما قد يتبادر للذهن، بقدر ما هو بحث في الأساليب والكيفيات التي يؤثر وفقها الإنتاج الأدبي في الإنسان، وفي حياته الانفعالية والوجدانية بصورة خاصة. فلم يكن تحليل شخصية الكاتب والتعرف على سماتها أو تحليل شخصيات العمل الأدبي ورصد مواقفها موضوع اهتمام المؤلف. وقد أشار فيغوتسكي في مقدمة هذا الكتاب إلى ذلك. حينما قال: "إننا نعتبر أن الفكرة المركزية لسيكولوجية الفن هي الإقرار بتجاوز مادة الشكل الفني، أو بعبارة أخرى، الاعتراف بأن الفن هو التقنية الاجتماعية للشعور. ومنهج دراسة هذه المشكلة هو، في اعتقادنا، منهج التحليل الموضوعي الذي ينطلق من تحليل الفن ليصل إلى التركيب السيكولوجي. إنه منهج تحليل النظم الفنية للمثيرات. إننا ننظر مع هينيكين (1) إلى الإنتاج الفني باعتباره "جملة من العلامات الجمالية الموجهة لإيقاظ الانفعالات لدى الناس" (1892)، ونسعى على أساس تحليل تلك العلامات إلى تكوين الانفعالات الموائمة من جديد. بيد أن الفرق بين منهجنا ومنهج علم النفس الجمالي يكمن في أننا لا نفسر هذه العلامات كمظهر للنظام الروحي للمؤلف أو لقرائه. فنحن لا ننطلق من الفن إلى علم نفس المؤلف أو قرائه، لأننا نعلم أنه من المستحيل القيام بذلك على أساس تفسير العلامات.‏

إننا، إذ نحاول دراسة علم النفس الخالص واللامشخص دون ربطه بالمؤلف أو القارئ، إنما نتناول بذلك شكل الفن ومادته فقط" (فيغوتسكي،‏

1987، 8 ، 9).‏

وخلاصة ما أراد فيغوتسكي قولـه هو أن الانفعال شكل اجتماعي موضوعي يكتسي في الإنتاج الفني صبغةً ماديةً عبر الوسائط الإشارية الخاصة. فالإنتاج الأدبي أو الفني هو أداة اجتماعية يتم عن طريقها إعادة صياغة الانفعالات وتحويلها إلى حالات نفسية مصحوبة بتغيرات فيزيولوجية عميقة.‏

وبهذه النتيجة يكون فيغوتسكي قد خطا الخطوة الرئيسية الأولى على طريق صياغة قانون صيرورة الوظائف النفسية العليا وتطورها عند الإنسان. وينص هذا القانون على أن الوظيفة النفسية العليا (التفكير، التذكر‏

الإرداي، الكلام...) توجد في البيئة الاجتماعية في شكل نفسي‏

خارجي INTERPSYCHICALE.وبفضل عملية "الاستدخال" يستحوذ عليها الفرد تدريجياً متخذة في الطور الأخير شكلاً نفسياً داخلياً INTRAPSYCHICALE. ويعني ذلك أن عملية التحول من الخارج إلى الداخل تجتاز أطواراً متعددة، يلعب الفرد خلالها دوراً إيجابياً وفعالاً.‏

وفي تلك الأثناء اهتم فيغوتسكي أيضاً بالنمو الجسمي والنفسي عند الأطفال الأسوياء والمرضى. ولعل اهتمامه بفئة الأطفال، ولا سيما المعوقين حركياً والمتخلفين عقلياً منهم، راجع إلى فترة اشتغاله بالتعليم في ظل إدارة إ. إ. دانيوشيفسكي الذي انتقل من غومل إلى موسكو ليعمل في دائرة الضمان الاجتماعي والصحي التابعة لوزارة التربية.‏

وبعد مجيء فيغوتسكي إلى موسكو لفت دانيوشيفسكي انتباهه إلى أهمية هذا الموضوع واقترح عليه دراسته ووعده بتوفير الشروط اللازمة للقيام بذلك.‏

ومع حلول عام 1924 شرع فيغوتسكي بإقامة صلات قوية مع العاملين في ميدان علم نفس المعوقين. وراح يشارك في تنظيم البحوث التجريبية لمعالجة مشكلات الإعاقة. وفي نفس الوقت كان يسهم في تنظيم معهد علم نفس المعوقين التجريبي. وبتكليف من دانيوشيفسكي الذي عين مديراً لهذا المعهد أصبح فيغوتسكي مسؤولاً عن الشؤون العلمية فيه.‏

وفي عام 1925 مثل فيغوتسكي علم نفس المعوقين السوفيتي في المؤتمر الدولي لتعليم الصم –البكم. وبعد انتهاء المؤتمر قام بزيارة كلّ من ألمانيا وفرنسا وهولندا، واطلع على المؤسسات السيكولوجية في تلك البلدان.‏

أما المجال الآخر الذي اشتغل فيه فيغوتسكي فهو علم النفس التربوي. فقد ألّف كتاباً ضخماً بعنوان "علم النفس التربوي" نشره عام 1926. كما نشر في نفس العام مقالاً تحت عنوان "الوعي كمشكلة من مشكلات علم نفس السلوك". والمقال هو محاولة للبرهان على ضرورة النظر إلى الوعي باعتباره المشكلة المركزية لعلم النفس. وقد اعتمد في محاولته هذه على فكرة ماركس التي يتجسد من خلالها الفارق الجوهري بين العمل الإنساني القائم على الوعي والإرادة، والنشاط الحيواني الذي يخضع في أساسه للغريزة. وهذا ما قاده إلى الاستنتاجات التالية:‏

- إن تجاهل الوعي يصرف علم النفس عن دراسة المشكلات السلوكية الهامة ويحصر اهتمامه في العلاقات البسيطة للكائن الحي مع عالمه المحيط.‏

- إن نفي الوعي والسعي لإقامة سيكولوجية خالية من هذا المفهوم مثلما هو حال "علم النفس بدون الوعي" –حسب تعبير فيغوتسكي نفسه –يعني حرمان الطريقة من أهم وسائل البحث في دراسة الاستجابات التي لا تظهر للعين المجردة، كالحركات الداخلية والكلام الداخلي الاستجابات المبرمجة والمخططة. فدراسة الاستجابات الظاهرية والخارجية التي تبدو بوضوح أمر غير ذي شأن حتى أمام أبسط مشكلات السلوك الإنساني.‏

- إن عدم الاعتراف بالحدود المبدئية والخطوط الفاصلة بين سلوك الإنسان وسلوك الحيوانات يفتح الباب أمام طغيان علم الأحياء على علم الاجتماع، وعلم وظائف الأعضاء على علم النفس. ويصبح سلوك الإنسان يدرس بنفس الكيفية والقوانين التي يدرس بها سلوك جميع الحيوانات الثديية.‏

- إن إغفال الوعي في الدراسة السيكولوجية يبقي على سيطرة الثنائية التي طبعت علم النفس الذاتي، قديمه وحديثه.‏

- إن استبعاد الوعي من دائرة الاهتمام السيكولوجي يجعل البحث يدور في حلقة الترهة البيولوجية ويقود لا محالة إلى نتائج خاطئة عن السلوك الإنساني. ولا أدل على ذلك من تصور السلوك على أنه مجرد حاصل مجموع الاستجابات التي تصدر عن الكائن البشري (أو الحي بصورة عامة) أثناء لقائه مع العالم الخارجي.‏

وقد كانت الاستنتاجات بمثابة المرتكزات التي اعتمد عليها فيغوتسكي في صياغة نظريته التي بدأ يفكر بها عام 1927، حين أحس بالمكانة المتعاظمة التي أخذت أكاديمية التربية الشيوعية تحتلها في البحث العلمي والتعليم. إذ تمت معالجة قضايا تربوية وتعليمية عديدة تحت إشرافها وأحدث فيها مخبر للبحث السيكولوجي أوكلت إلى فيغوتسكي مهمة إدارة نشاطه. ومن هذا الموقع استطاع فيغوتسكي أن يستقطب عدداً من الباحثين والطلبة أمثال ل. بوجوفيتش وأ. زاباروجيتس ون. روزافا ول. سلافينا ور. ليفيتيا، إضافة إلى لوريا وليونتيف.‏

ولقد جاءت هذه النظرية رداً على النظريات التي كانت سائدة آنذاك، ومحاولة لوضع البديل الذي يكفل لعلم النفس خروجه من أزمته التي ما انفكت تتعقد وتتفاقم مثيرة حولها الانقسام والتشرذم في صفوف علماء النفس. ومما لاحظه فيغوتسكي على علم النفس التقليدي هو غياب البعد التاريخي والاجتماعي في تناولـه للوظائف النفسية العليا، ودراساته للوقائع كعمليات وتشكيلات طبيعية، وخلط الطبيعي بالثقافي، والبيولوجي بالاجتماعي في نظرته إلى التطور النفسي.‏

ويسوق فيغوتسكي عدداً غير قليل من الأمثلة ليظهر عجز النظريات السيكولوجية بمختلف أشكالها وتعدد مشاربها عن تفسير الوظائف النفسية المعقدة تفسيراً يراعي الجانب الثقافي التاريخي في نشأتها وتطورها. وفي هذا السياق يشير إلى الدراسات التي تناولت جوانب ومشكلات محددة من تطور الوظائف النفسية العليا عند الطفل، كالكلام والرسم والقراءة والكتابة والاستدلال والتصور ونشوء مفهوم العدد والعمليات الحسابية. ويرى أن جميع هذه العمليات النفسية لم تدرس إلا من جانبها الطبيعي ومن زاوية العمليات التي تتألف منها. بينما بقيت خصائص بنيتها وكيفية أدائها لوظائفها ومراحل تطورها منذ ظهورها حتى نضجها وقوانينها الخالصة التي تخضع لها في حركتها خارج دائرة الاهتمام.‏

وعلى غرار ما يفعل عالم الأحياء عند دراسته للجسم الحي يلجأ السيكولوجي في كثير من الأحيان إلى تفكيك العمليات المعقدة إلى أجزاء وعناصر. ويرى فيغوتسكي أن هذا الإجراء يلغي وجود تلك العمليات كبنيات أو كليات، ويفسح المجال أمام دراستها كظواهر بسيطة. ويُرجع سبب هذا الخطأ إلى التصور الآلي لظهور العملية النفسية المعقدة، واعتبارها مجرد حاصل جمع أجزائها وعناصرها.‏

وعلى هذا النحو بقيت عملية تطور الأشكال العليا والمعقدة للسلوك بعيدة عن متناول البحث والتفسير. ذلك لأن اهتمام الباحث في هذه الحالة لا يتجاوز دراسة ناتج قسمة الوظيفة النفسية، وما يدركه بحواسه من عمليات بسيطة. ولهذا فإن ما يسفر عنه بحثه هو تحديد العمر الذي تظهر فيه هذه العملية أو تلك. كأن يتوصل، مثلاً، إلى أنّ مفهوم العدد يتكون في السنة السابعة من العمر تقريباً، وأن المفاهيم المجردة تظهر في السنة الثانية عشرة من العمر، وهكذا... ويجد فيغوتسكي أن استنتاجات كهذه شبيهة بالاستنتاج الذي توصل إليه الإنسان عن طريق الملاحظة اليومية، ومفاده أن سقوط الأسنان الحليبية وظهور الأسنان الدائمة يبدأ في السنة السابعة من العمر. ويعني ذلك أن علم النفس أسقط من برنامجه مسألة البحث عن الأسباب والعوامل التي تكمن وراء تكون الظواهر النفسية وانتقالها من مستوى إلى آخر. وعوض أن يتبين الفرق بين العمليات العضوية والعمليات الثقافية قام بوضعهما في نسق واحد، وتناولهما كظواهر من نفس النوع والمستوى.‏

وفي هذا يساوي فيغوتسكي بين علم النفس الذاتي (القديم) وعلم النفس الموضوعي (الجديد). فكلاهما لم يعرفا طريقاً آخر لمعرفة الوظائف النفسية ببنيتها الكلية والمعقدة سوى التحليل والقسمة وكلاهما يغفلان الفروق النوعية بين الوظائف النفسية الدنيا والوظائف النفسية العليا.‏

ويقصد فيغوتسكي بمفهوم تطور الوظائف النفسية العليا امتلاك الوسائل الخارجية للتطور الثقافي والفكري، كاللغة والكتابة والعدّ والرسم من جهة، وعمليات تطور الوظائف النفسية العليا الخاصة، كالانتباه الإرادي والتذكر المنطقي وتكوّن المفاهيم من جهة ثانية. وهاتان المجموعتان من الظواهر ليستا مختلفتين تماماً، كما يظنّ البعض، بل إنهما تؤلفان وجهين لتطور الأشكال الراقية من السلوك. فسلوك الإنسان المعاصر هو نتاج عمليتين مختلفتين من التطور النفسي: الارتقاء البيولوجي للأنواع الحيوانية الذي انتهى بظهور نوع homo sapiens أولاً، والتطور التاريخي الذي حول الإنسان البدائي إلى إنسان متمدين. وهاتان العمليتان تمثلان خطين مستقلين في التطور النوعي للإنسان PHILOGENESE يؤلفان معاً موضوع عدد من العلوم السيكولوجية المستقلة. ويرى فيغوتسكي أن الخلط بين هذين الخطين هو السبب الجوهري في أزمة علم نفس الطفل. فهذا العلم لم يدرك حتى الآن خصوصية الأشكال العليا للسلوك. بينما عرف علم النفس المقارن (علم النفس البيولوجي النشوئي) وعلم نفس السلالات (علم نفس الأقوام البدائية) مادتهما منذ أمد بعيد. وتدلل على صحة ذلك جميع الدراسات التي أجريت في هذين الميدانين. حيث أننا لا نجد أي تأثير لتشابك الخط البيولوجي والخط الثقافي فيها.‏

فلم ينظر أي باحث في أحد الميدانين إلى تطور الإنسان من الحقبة البدائية إلى عصر المدنيّة على أنه مجرد استمرار للتطور الحيواني وتحول الحيوان إلى إنسان، ولم يعز التطور الثقافي للسلوك إلى التغيرات العضوية التي طرأت على الإنسان. في حين نجد خلطاً كبيراً في علم نفس الطفل، الأمر الذي حدا‏

بفيغوتسكي إلى أن يأخذ على عاتقه تصحيح هذا الوضع عن طريق تناول موضوعات هذا العلم على قاعدة التمييز بين الخطين واستقلالية كل منهما عن الآخر.‏

ومن الوقائع التاريخية والثقافية التي يتراءى عبر موضوعيتها ودقتها أن التطور الثقافي للإنسانية يتحقق في ظل النمط البيولوجي الثابت نسبياً، وفي فترة السكون النسبي للعمليات النشوئية وضمن شروط الاستمرارية التي يعرف بها النمط البيولوجي للإنسان البدائي homo sapiens يجد فيغوتسكي أن ما يميز التطور الثقافي للطفل المعاصر هو أنه يحدث في ظل التغيرات الدينامية للنمط العضوي، ويتجسد في عمليات التطور والنضج العضوي ويؤلف معهما وحدة متكاملة. ويعتبر هذه الحقيقة سبباً في رؤيتنا لـه من خلال تشابكه وتضافره معهما، وعدم قدرتنا على فصله أو عزله عنهما وتتبع مساره إلا عن طريق التجريد فقط.‏

إن تطور الطفل العادي في ظلّ الحضارة يؤلف مع عمليات نضجه العضوي وحدة لا تنفصم وإن خطيّ تطوره الطبيعي والثقافي يتضافران ويتطابقان. ويتخلل كل منهما الآخر مكوِّناً معه نوعاً من التشكيل البيولوجي –الاجتماعي لشخصيته. وبالقدر الذي يتم فيه النمو العضوي في البيئة الثقافية يتحول إلى عملية بيولوجية تاريخية. وفي الوقت ذاته يكتسي التطور الثقافي طابعاً يتميز عن أي طابع آخر بأنه يحدث بالتضافر والتزامن مع النضج العضوي. ويمكن أن يكون تطور الكلام عند الطفل مثالاً طيباً وجلياً على اتحاد هذين الخطين.‏

وهنا يذكر فيغوتسكي بمفهوم فعالية الحيوان الذي طرحه هـ. جينينغز. ويحتوي هذا المفهوم على الأساليب والأشكال السلوكية التي يملكها بفضل نظامه العضوي. ولدى تطبيقه على تطور الإنسان يلاحظ أن فعالية الطفل تتحدد في كل مستوى بدرجة تطوره العضوي ودرجة استحواذه على الأدوات. فهاتان المنظومتان (العضوية، امتلاك الأدوات) تتطوران معاً وبصورة متكاملة لتكوّنا منظومة جديدة ذات خصائص متميّزة. وبينما تتحدد فعالية الإنسان في التطور النوعي بتطور أعضائه الطبيعية أو بحيازة الأعضاء الاصطناعية، تتحدد فعالية الطفل بهما معاً.‏

ويذهب فيغوتسكي إلى أن عملية تطور السلوك الثقافي عند الطفل عامة، وتطور كل وظيفة نفسية على حدة يكشفان عن خروج كل وظيفة نفسية في وقت معين عن حدود المنظومة العضوية للفعالية الخاصة بها والبدء بالتطور الثقافي داخل إطار منظومة جديدة ومختلفة من الفعالية مع استمرار تطور المنظومتين معاً.‏

وهكذا فإن تطور الطفل يتمّ على أساس الوحدة الجدلية لخطين مختلفين تماماً. ومن هذه الزاوية يحدد فيغوتسكي مهمة البحث السيكولوجي في دراسة التطور الثقافي الذي يحدث ضمن سياق التطور العضوي.‏

ويلاحظ فيغوتسكي أن الأشكال المختلفة التي يتبدى فيها تشابك عمليتي التطور هي التي تصبغ كل مستوى نشوئي من مستويات تطور سلوك الطفل وتطبعه بطابعها الخاص.‏

وعلى الرغم مما قد يثيره هذا التوجّه من اعتراضات، فإن فيغوتسكي لم يتراجع عنه، وأصر على دراسة تطور الوظائف النفسية العليا عند الطفل. وأحد تلك الاعتراضات التي توقعها هو صعوبة عزل التطور الثقافي، والشك في قدرة الباحث على العثور عليه بصورته الخالصة وشكله الخالي من كل شائبة عند دراسته لتباين تطور السلوك الثقافي والسلوك البيولوجي. وقد يتخذ هذا الاعتراض صيغة تساؤلات، من مثل: كيف يمكن التوفيق بين القول بتشابك خطي التطور من جهة، والحديث عن إمكانية دراسة أحدهما بمعزل عن الآخر؟ أو ألا يشكل تشابك الخطين عائقاً يحول دون الوصول إلى الغاية المرجوة؟. إن مثل هذه التساؤلات، في نظر فيغوتسكي، مشروع وصحيح فيما لو لم نتجاوز في مسعانا الأفق الذي رسمه علم نفس الطفل التقليدي. وطالما أن بمقدور البحث أن يخرج عما ألفناه من وسائل وغايات، فإن ذلك يمنحنا الحق في رفض هذا الاعتراض. ولقد اهتدى فيغوتسكي في بحثه عن وسائل مناسبة لطبيعة الموضوعات المطروحة إلى المنهج التكويني والمنهج المقارن. فوجد أن من شأن هذين المنهجين أن يذللا صعوبات البحث المتأتية من تضافر التطور البيولوجي والتطور الثقافي وتشابكهما عند الطفل.‏

ومما تقدم يمكننا أن نلاحظ بوضوح كيف أن فيغوتسكي ربط موضوع علم النفس بالبحث عن المنهج الأصلح. فلا غرو أن تصبح مشكلة منهج البحث ومعالجتها من مختلف الوجوه: التاريخية والتكوينية والتجريبية شغله الشاغل. ولقد انطلق في تنفيذ هذه المهمة من معارضته للمنهج التجريبي العام الذي عمّ استخدامه في الكثير من فروع علم النفس تحت أسماء متباينة بتباين النظريات والمدارس، وحكمه على علم النفس بالعجز عن التفريق بين منهج دراسة الوظائف والعمليات النفسية الدنيا والبسيطة، ومنهج دراسة الوظائف والعمليات النفسية العليا والمعقدة. ولإثبات صحة هذا الحكم قام بتحليل المنهجين ومقارنتهما بعضهما مع بعض. وفي هذا الصدد وجد أن السمة العامة الأولى للوظائف النفسية العليا تكمن في احتلالها أرقى مرتبة بالنسبة لفعالية الذات. وهذه المرتبة هي خصيصة الإنسان وحده دون سواه من الكائنات الحية. وهي تعكس العلاقة الأكثر تعقيداً بين الإنسان والعالم الخارجي، وتمثل الفعالية الحقة التي لا تتوقف على تأثير المنبه وحده فقط. إلا أن ظهورها مع ذلك مرتبط بوجود المراتب الأدنى. ذلك لأن جوهر التغيرات التي تطرأ على السلوك يكمن في قدرة الإنسان على إدخال منظومة جديدة من المنبهات الاصطناعية المحايدة في الموقف الإشكالي التنبيهي المعقد. وهذه المنبهات –الوسائل التي أوجدها الإنسان وطورها عبر تاريخه الثقافي هي التي تتوسط علاقته بالخارج، وتمكنه عبر استخدامه لها من ضبط سلوكه والتحكم فيه. وقد أطلق فيغوتسكي عليها اسم "الأدوات –الإشارات". ومن بين هذه الأدوات –الوسائل التي استخدمها الإنسان منذ القديم كوسائل مساعدة "ربطات الحبل والحزوز والحصى والأنصاب وأصابع اليدين والرجلين". فالإنسان القديم كان يلجأ إلى تعقيد الحبل وتربيطه من أجل تذكر شيء ما في المستقبل (التذكر الإرادي). وكان يستعين بأصابع يديه ورجليه أو بالحصى في العدّ والحساب. ويشير فيغوتسكي إلى أن التذكر الإرادي يختلف عن التذكر غير الإرادي في أنّه يتم عن طريق استخدام الإنسان لإشارات معينة، مما يجعله عملية موجهة وغائية.‏

وتختلف الأدوات –الإشارات التي أوجدها الإنسان واستخدمها لتوجيه سلوكه اختلافاً جوهرياً عن جميع أنواع المنبهات التي تؤثر في الكائن الحي فتدفعه إلى الفعل. فهي، بالإضافة إلى المعنى الكلامي الذي تتضمنه، تحمل طابعاً سيكولوجياً جديداً. ومع دخولها كحاملة للمعنى ووسيلة لتوجيه السلوك تبدأ بالخضوع لبنية الوظائف النفسية العليا. يقول فيغوتسكي: "يُدخل الإنسان المنبهات الاصطناعية ويرمّز سلوكه ويشكل علاقات جديدة في الدماغ بمساعدة الإشارات التي تؤثر من الخارج. ومع التسليم بهذا فإننا ندرج في دراستنا على سبيل الافتراض مبدءاً جديداً موجهاً للسلوك وتصورات جديدة حول إمكانية تحديد استجابات الإنسان. وإن مبدأ الترميز الذي يكمن في أن الإنسان يقيم علاقات في الدماغ من الخارج، يوجّه الدماغ، ويوجه من خلاله البدن" (فيغوتسكي، 1983، 80). ويقيم فيغوتسكي نشأة مبدأ تنظيم السلوك وتطوره على مقدمتين:ترميز التنظيم النفسي الذي تشكل في مجرى التطور النوعي أولاً، ومنظومة الإشارات الموجهة للسلوك التي ظهرت عبر التطور التاريخي ثانياً. وهنا يشير فيغوتسكي إلى مسألتين هامتين: الشرطية الاجتماعية، وتشوير المبدأ الجديد لتنظيم الوظائف النفسية العليا.‏

ويتوقف فيغوتسكي أمام الدور الحاسم الذي يقوم به التاريخ الاجتماعي في التطور النفسي. ويجده متمثلاً في ما ينتجه المجتمع ويحسنه ويطوره من أدوات –إشارات، مثل اللغة والكتابة والعدّ والحساب. كتب يقول: "ليست الطبيعة، وإنما المجتمع هو الذي يجب أن ينظر إليه في المقام الأول كعامل محدد لسلوك الإنسان. وفي هذا تتجسد فكرة التطور الثقافي للطفل بأكملها" (المرجع السابق، 85). ونظراً لأهمية هذه المشكلة فقد خصّها بعددٍ من أعماله. ففي عام 1929 نشر مقالاً بعنوان "تطور الأشكال العليا للانتباه في سن الطفولة". وفي عام 1930 أعقبه بمقال آخر حول "الأداة والإشارة". وخلال عامي 1930 و1931 كتب مؤلفه "تاريخ تطور الوظائف النفسية العليا" الذي لم ينشر إلا بعد وفاته بأكثر من عقدين. وفي عام 1931 ظهر كتابه "التفكير واللغة" (2).‏

ومن خلال هذه المؤلفات يبرز منهج فيغوتسكي الجديد في دراسة الأشكال العليا من الوعي، والذي أطلق عليه "المنهج التكويني –التجريبي".وخلافاً للمناهج التقليدية المتبعة في علم النفس كالملاحظة والتجربة المبنية على أساس المنبه –الاستجابة، يرى فيغوتسكي أن هذا المنهج يمكّن الباحث من تتبع الوظيفة النفسية عند الإنسان منذ نشأتها حتى لحظة دراستها، والتعرف على الأطوار التي تمر بها.‏

وباستخدام هذا المنهج جمع فيغوتسكي كمية ضخمة من المعطيات والوقائع. ولقد قاده تحليلها إلى صياغة القانون العام لتشكل العمليات النفسية العليا. ووفقاً لهذا القانون فإن كل وظيفة تتخذ مظهرين. ففي البداية تكون اجتماعية، خارجية. وتصير، فيما بعد نفسية، داخلية. ويقصد فيغوتسكي بذلك أن الوظيفة النفسية تظهر على شكل علاقات بين الناس، ثم تنتقل تدريجياً إلى الداخل (داخل الطفل)، وتصبح ذاتية، خاصة.‏

وقد بنى فيغوتسكي هذا القانون على فكرتين رئيسيتين: أولاهما أن العمليات النفسية عند الإنسان هي منذ البداية اجتماعية المنشأ والشكل. وثانيتهما أن هذه العمليات تكتسب في مجرى التطور شكل العمليات الفردية الداخلية ، وبهذا انتقل إلى صياغة فرضية حول الاستدخال بوصفه الأساس الذي يقوم عليه انتقال العمليات الإشارية الاجتماعية الخارجية إلى عمليات إشارية ذاتية داخلية.‏

وبفضل المعطيات التجريبية استطاع فيغوتسكي أن يقارن العمليات النفسية الدنيا والعمليات النفسية العليا ويحدّد خصائص كل منها. ووجد أنه إذا كانت العمليات الدنيا بدائية وطبيعية، وتشترطها الخصائص البيولوجية للإنسان بصورة رئيسية، فإن العمليات العليا تنشأ في سياق التطور الثقافي الذي أضعف الرابطة المباشرة بين المنبه والاستجابة وقاد إلى انحلالها، وجاء بعنصر جديد وهام يتوسط تلك الرابطة، ويضفي على الواقعة النفسية طابعاً غير مباشر. وبذا أضحى الإنسان قادراً على التحكم بأفعاله الخاصة التي كانت من قبل طبيعية، وصار سيد سلوكه بعد أن كان سلوكه رهن التغيرات الخارجية.‏

وهكذا أصبحت مشكلة تطور الوظائف النفسية العليا تعني بالنسبة لفيغوتسكي عملية استيعاب الأشكال السلوكية التي ظهرت وتطورت عبر التاريخ البشري، أو بشكل أكثر تركيزاً، تاريخ تطور الأدوات –الإشارات. وفي هذا الصدد يقول فيغوتسكي: "يتمثل الطفل نفسه الأشكال الاجتماعية للسلوك ويحملها إلى ذاته" (المرجع السابق، 141). فالإشارة هي على الدوام وسيلة الأواصر الاجتماعية، ووسيلة التأثير في الآخرين أولاً، وفي الذات ثانياً.‏

وهنا يتجلى خلاف فيغوتسكي مع العديد من مدارس علم النفس. ففي حين يذهب بياجيه وأتباعه إلى أن كلام الطفل (والوظائف النفسية الأخرى) يكون في طوره الأول فردياً، ثم يصبح متمركزاً حول الذات، وشيئاً فشيئاً يتحول في الطور الأخير إلى كلام اجتماعي، ويجد السلوكيون أن الكلام يمر بمرحلتين قبل أن يصبح داخلياً (أي تفكيراً)، وهما مرحلة التصويت ومرحلة الهمس، يقرر فيغوتسكي أن الكلام يتطور بالاتجاه المعاكس للاتجاهين السابقين. ففي المرحلة الأولى يتخذ طابعاً اجتماعياً، ثم يصبح متمركزاً حول الذات، وفي السنة السابعة من عمر الطفل يصير داخلياً.‏

ولقد أشار فيغوتسكي إلى هذا الخلاف بقوله: "ويختلف التصور الكلي لنمو الكلام وفقاً للتفسير الذي يعطي لدور الكلام المتمركز حول الذات. وتصورنا التخطيطي لهذا النمو على النحو التالي: الكلام الاجتماعي أولاً، ثم الكلام المتمركز حول الذات، ثم الكلام الداخلي. ويناقض هذا الموقف الذي نتبناه، من ناحية، التصور السلوكي التقليدي (الكلام الصوتي، الهمس، الكلام الداخلي). ومن ناحية أخرى، التتابع التطوري في تصور بياجيه (من التفكير اللاواقعي اللالفظي خلال التفكير، والكلام المتمركز حول الذات إلى الكلام المطبوع اجتماعياً والتفكير المنطقي" (فيغوتسكي، 1976، 109).‏

لقد استطاع الإنسان القديم بفضل خصائصه البيولوجية أن يغيّر من أشكال الأشياء الموجودة في محيطه، ويستعين بها في قضاء حاجاته الطبيعية. وفي مراحل متقدمة نسبياً تمكن المجتمع البشري من إيجاد الأدوات –الإشارات وأدوات العمل كي تتوسط علاقة الأفراد بعضهم ببعض من ناحية، وعلاقتهم بموضوعات نشاطهم العملي من ناحية ثانية. وعندما تناول فيغوتسكي هذه المسألة بالتحليل وجد أن ثمة فرقاً جوهرياً بين هذين النوعين من الأدوات. فأدوات العمل تتجه إلى الخارج. أما الأدوات –الإشارات فإنها موجهة إلى الداخل. وإن أدوات العمل هي وسيلة الإنسان لتغيير الطبيعة. في حين أن الأدوات –الإشارات هي وسيلته إلى تغيير ذاته. وهنا يستعيد فيغوتسكي ما قاله ماركس وانغلز بشأن العلاقة الجدلية بين هذين النوعين من الأدوات. فأدوات العمل أوجدها الإنسان كامتداد أو استطالة لقدراته الجسمية والعقلية بغية المزيد من التأثير في الطبيعة وإخضاع ظواهرها وقواها لنفوذه وسيطرته. والإنسان، حين يحقق ذلك، إنما يطوّر في ذات الوقت خصائص شخصيته عن طريق ارتقائه بالأدوات –الإشارات التي يمتلكها. وعندما يمتلك الأدوات –الإشارات الراقية وينمي شخصيته، فإنه يتمكن من تطوير أدوات العمل. وبكلمات موجزة فإن العمل المنتج الذي يمارسه الإنسان يؤدي إلى تطوير الوظائف النفسية العليا عنده. وبالمقابل فإنَّ النشاط النفسي المتقدم يزيد من فعاليته وتأثيره في العالم الخارجي.‏

ومن الطبيعي أن تكون المجتمعات البشرية صانعة تلك الأدوات. فمنذ بداية التاريخ البشري حتى الوقت الحالي تراكم عدد لا يحصى من الأدوات، وتجمعت خبرات هائلة في كيفية صنعها وإعدادها واستخدامها نتيجة الإسهام الفعال للأجيال المتعاقبة في حفظ تلك الخبرات وتطويرها وتناقلها عبر مختلف المراحل التاريخية. فالأجيال اللاحقة ترث عن الأجيال السابقة خبراتها في النشاط الإنتاجي وتحضير وسائله وأدواته وقواعد التعامل معها واستخدامها وتضيف إليها خبراتٍ جديدةً لتتركها إلى الأجيال القادمة. وتبعاً لذلك كانت الأدوات –الإشارات تتطور بصورة مستمرة، ومعها ومن خلالها كانت تتطور الوظائف النفسية العليا.‏

وهذا التطور لم يكن ليتم لولا النشاط الذي كان يقوم به السلف تجاه الخلف. والمقصود بذلك هو النشاط التربوي والتعليمي. فقد كان حرياً بالأجيال أن تتناقل التجارب الثقافية والاجتماعية، وأن يزوّد الكبار الصغار بالخبرات التي تمكنهم من تلبية حاجاتهم المتنامية. ومن بين تلك التجارب والخبرات ما يتعلق بأساليب النشاط التربوي –التعليمي وطرائقه.‏

وهكذا فإن هذه الأساليب والطرائق كانت تتبدل وتتطور أيضاً مع تبدل وتطور الخبرة الاجتماعية بشكل عام. ولقد أولى فيغوتسكي عملية التربية والتعليم شطراً هاماً من اهتمامه، وتناولها من حيث محتواها وطرائقها. فوجد أنها تهدف إلى إكساب الأطفال التجربة الاجتماعية التي تتضمن الأدوات –الإشارات (اللغة، الرموز، الجداول، المخططات...) والمعلومات والمهارات. وبصورة محددة وواضحة فإن التعليم يسعى إلى تزويد الدارسين بما حصلت عليه البشرية من معلومات حول الظواهر الطبيعية والاجتماعية، وإكسابهم ما عرفته من مهارات (الكتابة، القراءة، العد، استخدام الأجهزة والآلات..)، وتكوين القدرات العقلية لديهم عن طريق استيعابهم لما أوجدته من لغة ورموز ومخططات وعلاقة مركباته وعناصره بالواقع.‏

وفيما يتعلق بالطرائق ربط فيغوتسكي ما هو موجود أو معمول به في الميدان بالأسس النظرية التي استمدّ منها. ولما كانت نظرة أصحاب النظريات التي سبق ذكرها إلى التطور النفسي هي، في اعتقاده، نظرة خاطئة وقاصرة، فإنه قرر مراجعة كل ما بُني عليها من آراء وأفكار تربوية وتعليمية.‏

وقبل الحديث عن نظرية فيغوتسكي في التعليم والتطور النفسي وانتقاداته لنظريات التعلّم يجدر بنا أن نستعرض أعماله خلال السنوات التي سبقت الفترة التي شهدت اهتمامه بهذه المسألة ومهدت لصياغة تلك النظرية. ولعلّ أول ما يجب أن نبرزه هنا قيامه بالتعاون مع ل.س. ساخاروف بدراسة كيفية تشكل المفاهيم عند الطفل والمراحل التي تمر بها هذه العملية دراسة تجريبية، وذلك عام 1930. غير أن وفاته المبكرة لم تمكنه من إنهاء هذه الدراسة. فجاءت مساعدتاه و. ف. كاليلوفايا و إ. م. باشكوفسكايا لتحملا هذه المهمة. وقد نشر فيغوتسكي النتائج الأولى لدراسته المذكورة في كتابه "بيدالوجيا المراهق" عام 1931. ومن ثم ضمنها في كتابه "التفكير واللغة" دونما تغيير يذكر. وتتمثل الفرضية التي انطلق منها في هذه الدراسة في أن الضعف الذي عرفه تشكل المفاهيم يرجع إلى التغيرات الجوهرية التي تشهدها العمليات النفسية الأخرى عند الطفل. وللتأكد من صحة هذه الفرضية أجرى تجربته التي عُرفت فيما بعد باختبار فيغوتسكي –ساخاروف على مجموعة من الأطفال المراهقين والراشدين الأسوياء والراشدين المصابين بالفصام والهستيريا وبعض الاضطرابات اللغوية. وتتألف مواد الاختبار من 22 قطعة خشبية مختلفة الألوان والأشكال والارتفاعات والحجوم (5 ألوان + 6 أشكال + ارتفاعان" 11 قطعة طويلة و11 قطعة قصيرة" + حجمان" 11 قعطة كبيرة + 11 قطعة صغيرة").‏

وفي أسفل كل قطعة توجد إحدى الكلمات الأربع التالية: لاج، بيك، مور، كيف. لكي لا يراها المفحوص. وهذه الكلمات لا تحمل أي معنى. وبصرف النظر عن اللون والشكل فإن القطع الطويلة والكبيرة تحمل كلمة "لاج"، والقطع القصيرة والكبيرة تحمل كلمة "بيك". أما القطع الطويلة والصغيرة فتحمل كلمة "مور"، والقطع القصيرة والصغيرة تحمل كلمة "كيف". وعند البدء بتطبيق الاختبار يعرض الباحث القطع على الطاولة أمام المفحوص. ثم يقلب واحدة منها ويقرأ ما كتب في أسفلها أمام بصر وعلى مسمع المفحوص. وبعد ذلك مباشرة يطلب منه اختيار القطع التي يعتقد أنها تنتمي إلى نفس الموضوع. وعلى إثر الإجابة التي يقدمها المفحوص يقوم الباحث بقلب إحدى القطع التي اختارها المفحوص خطأً ويبين لـه أن هذه القطعة تنتمي إلى موضوع آخر، ويحثّه على مواصلة العمل. وعقب كل محاولة لاحقة يقوم به المفحوص يقلب الباحث القطعة المختارة وينبّه المفحوص في كل مرة إلى خطأ اختياره. وعلى هذا النحو يستطيع المفحوص أن يكتشف تدريجياً مبدأ تصنيف القطع ومعرفة الصفات التي يجب أن تتوافر في كل منها لإدراجها تحت هذه التسمية أو تلك، وبالتالي تتكون لديه مفاهيم جديدة من خلال عزل الأنواع الأربعة من القطع التي تدل عليها كلمات عديمة المعنى. فتصبح هذه الأخيرة ذات دلالات تعكس من خلالها عدداً من الموضوعات التي تشترك في بعض الصفات وتختلف في بعضها الآخر (فيغوتسكي، 1976، 165، 166).‏

إن هذه الدراسة التجريبية تأتي استكمالاً لما بدأه ن. آش. (1921) وف. ريمات (1925).‏

وعلى الرغم من إيجابيات العمل الذي قام به هذان العالمان، فإن الآلية ظلت تحكم تصورهما حول بنية المفهوم وتطوره عند الطفل. ولقد كان فيغوتسكي واحداً ممن أشاروا إلى ذلك ولكنه أول من حمل على عاتقه مهمة تجاوز هذا الوضع والتعرف على كيفية تشكل المفهوم وبنيته ووظيفته ومراحل تطوره. ووجد أن "الاستثارة المزدوجة METHOD OF DOUBLE STIMULLATION التي طورتها تلميذته ل. س. ساخاروف هي أنجع الطرائق وأكثرها جدوى. وتعتمد هذه الطريقة، كما رأينا، على تقديم نوعين من المثيرات في وقت واحد. فالمثيرات من النوع الأول تعتبر مادة النشاط الذي يقوم به المفحوص. أما مثيرات النوع الثاني فهي عبارة عن إشارات يستخدمها المفحوص في تنظيم هذا النشاط.‏

ولعل من الواضح أن هذه الطريقة تنسجم مع نظرة فيغوتسكي إلى الوظيفة النفسية العليا باعتبارها عملية تتدخل الوسائل –الإشارات لتنظيمها وتوجيهها لتصبح فيما بعد جزءاً من مركباتها الأساسية. ففي تشكل المفهوم تلعب الكلمة –الإشارة منذ البداية دور الوسيط ثم تتحول رويداً رويداً إلى عنصر من عناصره. يقول فيغوتسكي: "وبالنسبة لعملية تكوين المفاهيم تمثل الكلمة ذلك الرمز، حيث تلعب في البداية دور الوسيط في تكوين المفهوم، وتصبح فيما بعد رمزاً له" (المرجع السابق، 164).‏

ومن خلال هذه الدراسة توصل فيغوتسكي إلى أن تكون المفهوم يعتبر ثمرة لنشاط معقد تسهم فيه كافة الوظائف النفسية. وأن من غير الممكن على الإطلاق إرجاعه إلى الانتباه فقط، كما ذهب ميولر، أو إلى التصور والاستنتاج وحدهما، كما زعم بيولر، أو إلى النزعة الحتمية أو الميل المسيطر دون سواه، كما ادعى آش. وقد عبر عن هذه النتيجة بقوله: ".. لا تعزى عملية تكون المفاهيم إلى الارتباطات أو التصور أو الحكم أو الميول الحتمية. وبالرغم من أن كل هذه الوظائف تمثل إسهامات لازمة في ذلك التركيب المعقد (تكوين المفاهيم)، إلا أنها غير كافية بدون الاستخدام الوظيفي للرمز أو الكلمة كوسيط نوجّه به عملياتنا العقلية، ونضبط مسارها، ونعبئها لحل المشكلة التي تواجهنا" (المرجع السابق، 167، 168).‏

وعلى هذا الأساس فإن المفاهيم، كظاهرة نفسية، لا تتكون دفعة واحدة، وإنما عبر عدد من الأدوار. وقد وجد فيغوتسكي أنها تمر بثلاث مراحل، تشتمل كل واحدة منها على عدة أطوار. ويتوقف تطورها في كل مرحلة‏

وطور وانتقالها من المستوى الأدنى إلى المستوى الأرقى على مستوى‏

تطور الوظائف النفسية الأخرى (ومن بينها الرموز الكلامية) وديناميتها‏

ومدى إسهامها في تلك العملية.‏

وتعدّ نظرية فيغوتسكي في البناء النسقي للوعي المنطلق الذي صاغ منه عدد من العلماء فرضيتهم حول تموضع الوظائف النفسية في المناطق العليا من الدماغ. ويأتي أ. لوريا في طليعة هؤلاء العلماء الذين دللت بحوثهم على بعد نظر فيغوتسكي وعمق تفكيره. فالوعي عند الراشد، في تصوّره، شبيه بهرم مؤلف من أنساق منتظمة ومتدرجة من القدرات والحاجات والدوافع والحالات الوجدانية والانفعالية والطبع. وإن ما يميز علاقة هذه الجوانب النفسية في كل طور من أطوار العمر هو تكاملها وديناميتها. وهذه الخصيصة تساعد على ظهور بناءات وحالات نفسية أرقى من سابقاتها. وكلما تقدم الطفل في العمر ظهرت لديه تشكيلات نفسية على أرضية التشكيلات القديمة تكون بالطبع أرقى وأعقد. ولقد عدّ فيغوتسكي ظهور أنساق جديدة من التشكيلات النفسية مؤشراً على التطور السليم للطفل وتكوّن وظائف نفسية أرقى لديه. كما اتخذ من ابتعاد نسق التشكيلات الجديدة عن النسق القاعدي دليلاً على وجود قدرات عقلية أعلى.‏

ويمضي فيغوتسكي في عرض نظريته فيتصور أنه إذا كانت عمليتا التطور الثقافي والبيولوجي تتضافران وتترابطان بشكل دقيق عند الطفل العادي، فإنهما تتباعدان بصورة ملحوظة عند الطفل الشاذ. كتب في هذا الصدد يقول: "إن الصفة الأساسية المميزة للتطور النفسي عند الطفل الشاذ هي التباعد وعدم التطابق والاختلاف بين كل من مخططي التطور اللذين يعتبر اتحادهما سمة تطور الطفل العادي" (فيغوتسكي 1983، 39). ويرى أن التطور الثقافي عند الطفل الشاذ ممكن رغم ارتباطه بالسمات المركزية للتخلف العقلي كتدني مستوى حساسية الطفل لما هو جديد وضعف نشاطه التوجهي ونقص فاعليته. وسبب هاتين السمتين المركزيتين يرجع، في اعتقاده، إلى العرض المركزي المتمثل في قصور القشرة الدماغية.‏

إنَّ إمكانية التطور الثقافي التي تعكس موقف فيغوتسكي المتفائل تمرّ عبر تحليل آليات تكون الأعراض وفصل ما هو مركزي أو أولي عمّا هو ثانوي من اللزمات، والوقوف على قوانين التطور النفسي عند الطفل المتخلف عقلياً. وفي هذا الباب يقرر فيغوتسكي أن الأعراض المركزية واللزمات الأولية هي أقلّ إذعاناً للتأثيرات العلاجية والتربوية. وإن الأنساق العليا من التشكيلات النفسية أكثر قابليةً للتوجيه والتغيير. يقول فيغوتسكي: "كلما ابتعد العرض أكثر عن العلة الأولى كان أكثر إذعاناً للتأثير العلاجي التربوي. والقصور في تطور الوظائف النفسية العليا، والتشكيلات السلوكية الراقية، الذي يعتبر مضاعفة ثانوية في حالة الضعف العقلي والمرض النفسي هو، في الواقع، أقل ثباتاً، وأكثر خضوعاً للتأثير والإقصاء بالمقارنة مع القصور في تطور العمليات الدنيا أو البسيطة، الناجم عن النقص مباشرة. ونقول، مبدئياً، إن ما يظهر في مجرى تطور الطفل كتشكيلة ثانوية يمكن تلافيه، وقائياً، وإقصاؤه علاجياً وتربوياً" (فيغوتسكي، 1936، 45).‏

ومن هذا الموقع يوجه فيغوتسكي انتقاداً شديداً إلى الممارسات العلاجية والتربوية الرامية إلى تدريب الوظائف الحسية والحركية عند الأطفال المتخلفين عقلياً، ويشير إلى حتمية إخفاقها في تكوين وتطور البناءات المعرفية التي تمكن هذه الفئة من اكتساب الخبرات الضرورية للحياة. ولكي يحقق العمل العلاجي والتربوي نتائج طيبة فإنه ينصح بأن ينتقل مركز الاهتمام من الوظائف الأقل قابلية للعلاج إلى الوظائف الأكثر تجاوباً معه، أي من الوظائف النفسية الدنيا إلى الوظائف النفسية العليا.‏

وكما هو حال التشكيلات النفسية وعلاقاتها بعضها ببعض وتكوّن الجديد على قاعدة القديم وانتظامها في أنساق متتابعة، كانت المرحلة الأخيرة من نشاط فيغوتسكي التي امتدت من عام 1931 حتى وفاته استمراراً للمراحل السابقة من حيث موضوعات اهتمامه وكيفية تناوله لها والطرائق التي استخدمها في دراستها.‏

ولقد شهدت هذه المرحلة تغيرات عديدة في ظروف العمل، حيث أغلق المخبر الذي كان فيغوتسكي يشرف عليه في أكاديمية التربية الشيوعية. وفي الوقت ذاته تأسس قسم لعلم النفس في أكاديمية علم النفس العصبي الأوكرانية في مدينة خاركوف. واستدعي فيغوتسكي ولونتيف ولوريا وبوجوفيتش‏

وزابا روجيتس للعمل هناك. ولأسباب خاصة لم يلتحق فيغوتسكي بعمله الجديد.‏

ورغم بقائه في موسكو ومواصلته عمله فيه، فقد احتفظ بعلاقته مع المجموعة. وكان يسافر بين الحين والآخر إلى خاركوف ويشارك في الاجتماعات العلمية وحلقات البحث ويلقي محاضرات على الباحثين والمساعدين العاملين في القسم. وفي تلك الأثناء وجه م. إ. باسوف، الذي كان مديراً لمعهد التربية (غيرتسن) في ليننغراد، دعوة إلى فيغوتسكي لإلقاء بعض المحاضرات والإشراف على المعيدين والطلبة. وهناك تحلقت حول العالم الشاب مجموعة من المساعدين الذين برز من بينهم م. أ. ليفيناوغ. إ.كونيكوفاوج.‏

إ.شيف ود. ب. إلكونين. وكان الاهتمام منصباً حينذاك على مسائل تطور الطفل والتعليم.‏

وفي تلك الفترة أحسّ فيغوتسكي بضرورة زيادة معارفه ومعلوماته في ميدان الطب والتشريح، فالتحق بمعهد الطب في موسكو.‏

وفيما يتعلق بالبحوث والدراسات التي أجراها فيغوتسكي خلال الأعوام الثلاثة فقد سارت على محاور ثلاثة. ويتضمن المحور الأول الاستمرار في دراسة بنية الوعي وعوامل تطوره، حيث تركز اهتمامه بشكل خاص حول البنية الفكرية للوعي، وعلاقة الذكاء بالانفعال. ولعلنا نجد في الفصل الخامس "الفكرة والكلمة" من كتابه "التفكير واللغة"، وفي مقاله "مشكلة التخلف العقلي"، عرضاً مفصلاً وواضحاً لتصوراته حول هذه المسألة واقتراحاته لحلها.‏

كما أن النتائج التي توصل إليها فيغوتسكي في دراسته للعلاقة بين العمليات النفسية والحالات النفسية تعكس نظرته إلى وحدة النشاط النفسي وتكامل أوجهه وجوانبه المختلفة. فقد وقف على التأثير المتبادل بين الحالة النفسية والعملية الذهنية، فالحالة النفسية الطيبة تؤثر بصورة إيجابية في سير العمليات العقلية وتزيد من فعاليتها وتحسن مردوديتها. والإنجاز الذي يتحقق بفضل النشاط الذهني يخلق حالة من الرضا والثقة بالنفس والاستعداد لمواجهة المشكلات التي تطرحها الحياة في المستقبل.‏

ويؤلف عمل فيغوتسكي على المحور الثاني امتداداً لما قام به طيلة الأعوام السابقة. فحينما نتحدث عن إسهامه في المرحلة الأخيرة من نشاطه في علم النفس النمائي، فكأننا نعرض إضافاته النظرية والتجريبية الجديدة إلى ما جاء به من قبل في هذا الميدان.‏

لقد كان تطور النفس، بالنسبة لفيغوتسكي، قضية سيكولوجية مركزية يتوقف على معالجتها حل الكثير من المسائل النظرية والعملية. ومع بداية هذه المرحلة قرر القيام بهذه المهمة، فشرع بوضع كتاب تحت عنوان "علم النفس النمائي". إلا أن وفاته المبكرة وضعت حداً لنشاطه، ولم ينجز من هذا المشروع سوى فصلين، هما "مشكلة السن" و"الطفولة المبكرة".‏

أما المسائل التي تضمنها المحور الثالث فتتعلق بالنمو النفسي والتعليم. وقد استطاع في فترة وجيزة أن يكتب فيها عدداً من المقالات والمحاضرات ويجري عدداً آخر من البحوث. وكان أبرزها "دراسة تطور المفاهيم العلمية والحياتية في سن المدرسة" ودراسة "مشكلة التعليم والتطور العقلي في السن المدرسي" و"دينامية التطور العقلي عند الطفل وصلتها بالتعليم".‏

إننا ألمحنا منذ قليل إلى الانتقادات التي وجهها فيغوتسكي إلى النظريات السيكولوجية التي أنكرت دور التعليم في النمو النفسي من ناحية، والنظريات التي أشارت إلى هذا الدور دون أن تتتبع آلية الفعل الاجتماعي التي يمكن الكشف عنها عبر تحليل البيئة الاجتماعية من ناحية ثانية. ولقد أقام انتقاداته هذه على أساس أن الأشكال العليا من السلوك مدينة بوجودها للتطور التاريخي للبشرية. فبفضل هذا التطور غيّر الإنسان أساليب وسائل تعامله مع العالم الخارجي. وإذا كانت مقدمات فيغوتسكي تذهب إلى أن المجتمع هو صانع تلك الأساليب والوسائل، وهو المسؤول عن تطورها، فإنه بذلك يخطو الخطوة الأولى باتجاه التعرّف على آليات النمو النفسي ومحدداته. وهذا ما لمسناه عند الحديث عن الأدوات –الإشارات الاجتماعية، وتمثّل الفرد لها من خلال علاقته بالآخرين، وانتقالها من البيئة الخارجية إلى البيئة الداخلية للفرد لتصبح إحدى مكوّناتها (الاستدخال).‏

ومن هنا ينطلق فيغوتسكي في حل مسألة العلاقة بين التطور النفسي والتعليم. فيتراءى له التطور النفسي عند الإنسان كعملية يستوعب فيها الطفل تجارب المجتمع عبر آلاف السنين. غير أن هذه العملية لا تتم بصورة آلية أو تلقائية أثناء مواجهة الطفل لعناصر تلك التجارب والخبرات مثلما يرى بياجيه وأتباعه، وإنما عبر توسط الكبار وتدخلاتهم وتوجيهاتهم. وفي ضوء ذلك يعتبر التطور النفسي نتاج العلاقة التي يقيمها الراشدين مع الطفل منذ اللحظات الأولى لولادته. فالراشد، إذاً، هو ممثل المجتمع، أو، بشكل أوضح، ممثل الخبرة الاجتماعية. وهو المؤهل لنقلها إلى الطفل.‏

ومن هذا المنظور شدّد فيغوتسكي على أهمية التربية والتعليم ودورهما الحاسم في التطور النفسي للطفل. ولقد ذهب في هذا الصدد إلى حد رأى فيه أن لا مجال للتحدث عن أي تطور في الوظائف النفسية العليا خارج دائرة تأثير هاتين العمليتين. فامتلاك الطفل لأي وسيلة أو أداه اجتماعية لا يتم إلا عبر الراشد ومن خلال معاشرته له.‏

إن التعليم، والحالة هذه، هو نشاط اجتماعي تربوي يتولى الكبار القيام به من أجل نقل خبراتهم وتجاربهم إلى الأجيال الصاعدة. وعن طريق هذا النشاط تصبح تلك الخبرات والتجارب بمتناول الأطفال، وتضحي بالتدريج جزءاً من قدراتهم النفسية. وهذا يعني أن التعليم هو الشرط الأساسي والضروري للتطور النفسي. فهو يكوّن ما أسماه فيغوتسكي بـ "منطقة التطور القريب".‏

وقد عنى بهذا المفهوم تلك الزيادة أو التحسن في قدرة الطفل على حل المشكلات التي تعترضه نتيجة المساعدات التي يقدمها الكبار له. فإذا ما واجه الطفل في لحظة ما صعوبات في التوصل إلى حل للمشكلة المطروحة، ولم يستطع تذليلها إلا بمساعدة الراشد، فإنه لن يواجه فيما بعد مثل هذه الصعوبات، وسوف يهتدي إلى الحل بمفرده ودون حاجة إلى معونة أحد.‏

ومن البيّن أن فيغوتسكي –بطرحه مفهوم "منطقة التطور القريب" –توخى الإشارة إلى الفرق بين قدرات الطفل الراهنة وقدراته المستقبلية. وأن هذا الفرق إنما يتأتى بفعل التعليم. فتدخل الراشد في نشاط الطفل وتقديمه العون له أثناء أدائه للأفعال هما اللذان يمكنان الطفل من القيام بما لم يكن بمقدوره القيام به من قبل.‏

ولكن النشاط التربوي والتعليمي الذي يمارسه الكبار لا يكون مجدياً ما لم يعتمد على مستوى التطور الذي وصل إليه الصغار. ولذا فإن هذا المستوى ينبغي أن يكون القاعدة التي يُبنى عليها التعليم. ويضيف فيغوتسكي إلى ذلك أن مردودية التعليم تتوقف في كافة الحالات على مدى معرفتنا بقدرات المتعلمين ومراعاتنا لها واعتمادنا عليها.‏

وتتكشف الوشائج الداخلية القائمة بين التعليم والتطور النفسي في نظرية فيغوتسكي من خلال العلاقة الوثيقة بين الكلام والتفكير. فاستخدام الطفل للإشارات، وخاصة الكلامية منها يعتبر نواه بنية الوظائف النفسية العليا. ذلك لأن الكلمة من حيث معناها هي وحدة الكلام، وهي في الوقت ذاته فعل التفكير. يقول فيغوتسكي عن معنى الكلمة: "... إنه كلام وتفكير في نفس الوقت لأنه وحدة التفكير الكلامي" (فيغوتسكي، 1976، 80). وإن علاقة الكلام بالتفكير هي علاقة الاجتماعي بالنفسي. فالمعنى، كجانب من الكلام، هو تشكيل اجتماعي يتلقاه الفرد من الخارج. وهو، كجانب من التفكير، عملية من عمليات النشاط العقلي. وعليه فهو فعل نفسي يستدعي مشاركة مجموعة من العمليات النفسية. ثم إن المعنى، من ناحيته الكلامية، يقدَّم للطفل أثناء عملية التعليم، أي أنه يُنقل إليه من الخارج. فالراشد يقدّم خلال هذه العملية الأشياء الجاهزة والإشارات الدالة عليها.‏

والطفل يشرع باستخدام تلك الإشارات بمحتواها الذي يضمن المعاشرة والاتصال الضروريين. وهو، أي المعنى من ناحيته الفكرية، ليس مجرد فعل مستوعب، وإنما ثمرة تطور نفسي، ولكي يدخل في بنية النشاط الذهني عليه أن يمر بعدة مراحل يرتبط خلالها بتطور مجموع الوظائف النفسية.‏

ومن هذا العرض الموجز لنظرية فيغوتسكي في التعليم وعلاقته بالتطور النفسي يبرز بوضوح اختلاف هذه النظرية عما سبقها من نظريات في علم النفس التربوي والتعليمي. ففي حين ينظر بعض هذه النظريات إلى الطفل كطرف سلبي في عملية التعليم، يشدد فيغوتسكي على أهمية فعالية الطفل ودوره الإيجابي فيها وفي تطوره النفسي.‏

وفي الوقت الذي طابقت فيه النظرية السلوكية بين علميتي التعليم والتطور النفسي أبرز فيغوتسكي أوجه الاختلاف بينهما وتباين وظائفهما.‏

وبينما أسقطت نظريات أخرى، وفي مقدمتها نظرية بياجيه، الجانب الاجتماعي من التطور النفسي ودور الراشد الذي يتوسط علاقة الطفل بالموضوعات الخارجية في استدخال الأفعال والعمليات وتحولها من أفعال وعمليات مادية، خارجية إلى أفعال وعمليات نفسية، داخلية، دأب فيغوتسكي على إضفاء الصبغة الاجتماعية على التعليم والتطور النفسي عبر تركيزه على دور الراشدين في نقل الخبرة الاجتماعية –التاريخية إلى الطفل.‏

لقد استبعد بياجيه وغيره ممن وضعوا الطفل وحده وجهاً لوجه أمام الواقع المادي والاجتماعي، أن يكون للتعليم أثر واضح في نشوء البناءات العقلية وتطورها. ورأى معهم أن تأثير هذا النشاط لا يتعدى تزويد المتعلمين بالمعارف وبعض العادات والخبرات الحياتية والعلمية. وهذا ما دفعه وإياهم إلى القول بضرورة بناء التعليم انطلاقاً من المستوى النفسي الذي وصل إليه الدارسون.‏

ومن المنطقي في ضوء ما تقدم أن ينحو فيغوتسكي في هذا المجال منحىً آخر. فعلى القاعدة التي وضعها وأبرز فيها الأثر الحاسم للتعليم في تشكيل الوعي وتطوره حدد الهدف المركزي لهذه العملية، ونصح بضرورة إعادة النظر في مضمونها وأشكالها باستمرار. ويتمثل هذا الهدف في تطوير شخصية المتعلم من كافة النواحي. وما دام التعليم يكوّن منطقة التطور القريب، فإنَّ عليه أن يراعي مستوى المتعلمين من جهة، ويعمل على الارتقاء بهذا المستوى من جهة ثانية. وبذا يتحقق فيه الشرط الذي لا بد منه ليتمكن من أن يجرّ النمو وراءه، وليس العكس كما تصور بياجيه.‏

ومن هذه القاعدة أيضاً امتدت معارضة فيغوتسكي لتشمل مسألة أخرى ذات أهمية نظرية وتطبيقية، وهي مسألة الاختبارات التي شاع استخدامها في علم النفس. فمن المعروف أن الاختبار هو مجموعة من الأسئلة أو المشكلات التي يرى واضعوه أنها تقيس مستوى القدرات العقلية عند فئة من الناس. ويرى فيغوتسكي أن الإجابات على الكثير من الأسئلة تعتمد على ما اكتسبه المفحوص من معلومات أو خبرات. وإن العجز عن تقديم إجابات صحيحة لا يعتبر بحد ذاته دليلاً كافياً على ضعف هذه القدرة أو تلك عند المفحوصين الذين يظهرونه بقدر ما هو نتيجة لعدم اكتسابهم بَعْدُ المعلومة أو الخبرة التي يتطلبها السؤال. ويخلص إلى القول بخطأ الحكم على هؤلاء المفحوصين وأترابهم، وبتعسف القرار الذي يتخذ بحقهم بناءً على درجاتهم في الاختبار فقط.‏

وكبديل لهذه الطريقة اقترح فيغوتسكي إجراء دراسات متعددة ومتنوعة، واستخدام تجارب مختلفة فيها، مع تطبيق التجربة الواحدة مرتين يتم في الأولى الكشف عن حجم المساعدة التي يحتاج إليها المفحوص (الطفل) لحل المسائل والمشكلات التي يتضمنها الاختبار. أما الثانية فتخصص لدراسة قدرات المفحوص على حل نفس المسائل والمشكلات بصورة مستقلة وبدون مساعدة من أي طرف.‏

ويعتقد فيغوتسكي أن هذا الإجراء يمكن الباحث من تحديد منطقة التطور القريب عند المفحوص عن طريق معرفة استفادة هذا الأخير من المساعدات التي قدمت له في المرة الأولى، وتمثله للوسائل والطرائق التي استخدمت خلالها وإمكانيته على نقلها وتعميقها في المرة الثانية.‏

ومن المسائل المتصلة بالتطور النفسي الفردي والتطور النوعي التي تناولها في المرحلة الأخيرة مسألة النشأة التاريخية لمرحلة الطفولة وعلاقته بتاريخ المجتمع. وقد خصّها بسلسلة من المحاضرات التي ألقاها تحت عنوان "بيدالوجية السن المدرسي" وبكتاب" بيدالوجية المراهق". وهذان العملان يتعرضان للنشأة التاريخية لمراحل الطفولة. ففي المحاضرات يتتبع فيغوتسكي التطور النفسي عند الأطفال حتى سن المراهقة التي تبدأ بالنضج الجنسي ثم البيولوجي وأخيراً الاجتماعي. وفي نفس السياق يواصل عرضه لتطور المراهق من هذه النواحي الثلاث في بيدالوجية المراهق.‏

ولعلّ من خلال ما ذكرناه يبدو واضحاً ذلك الجهد الضخم الذي بذله فيغوتسكي في معالجة عدد من قضايا علم النفس النمائي. وأنه استطاع في فترة زمنية قصيرة أن يقدم أفكاراً وتصورات أسهمت في تقدّم هذا العلم بشكل خاص، وعلم النفس بشكل عام. ونحن نعتقد أن نظريته في التطور النفسي وعلاقته بالتعليم هي خطوة إيجابية وهامة، وإحدى العلامات البارزة في تاريخ علم النفس. فقد فتحت آفاقاً رحبة أمام البحوث السيكولوجية، ودفعت المهتمين بقضايا التربية والتعليم إلى إعادة النظر في واقع التعليم والبحث عن مضامين وأساليب تعليمية جديدة، تكون أكثر دينامية وقدرة على تسريع وتائر التطور العقلي والاجتماعي والوجداني عند الدارسين.‏

على أنَّ تقويم نظرية فيغوتسكي يقتضي معاينتها بدقة، وتفحص جوانبها المتعددة بإمعان. ولعلّ القيام بذلك يجعلنا نقف على نقائصها وتناقضاتها التي أشار النقاد إلى البعض منها. وفي معرض الحديث عن تلك النقائص والتناقضات نجد أنفسنا مضطرين للتذكير بالطابع الاجتماعي للوظائف النفسية عند الفرد الذي انطلق منه فيغوتسكي، وبأنَّ هذا الطابع يكمن، بالنسبة له، في نشأة تلك الوظائف مع امتلاك الأداة –الإشارة كوسيلة أو وسيط للعلاقة الاجتماعية، والموقع المحوري الذي تحتله الإشارة في تلك الوظائف. وهنا يطرح السؤال التالي نفسه: ما الوظيفة التي تؤديها الإشارة في البنية النفسية؟. لقد تحدث فيغوتسكي عن وظيفتين للإشارة. فهي بالنسبة للوظائف النفسية العليا وسيلة لامتلاكها، وبالنسبة للآليات الفيزيولوجية تقوم بتكوين علاقات شرطية جديدة في الدماغ بواسطة معناها. وما يلفت الانتباه في إجابة فيغوتسكي هذه هو غياب العنصر الاجتماعي المركزي للإشارة وتجلياته في بنية السلوك. إن فيغوتسكي لم يشر إلى مكانة النشاط النفسي للفرد داخل النشاط الاجتماعي وعلاقة كل منهما بالآخر، واكتفى بتناول علاقة الاجتماعي والنفسي –الفردي من زاوية تشكل الأخير فقط، وتلاشيها فور الانتقال إلى الحديث عن وظائف النفس وتقويم مضمونها وبنيتها.‏

والنقيصة الثانية تتعلق بنظرة فيغوتسكي إلى علاقة التعليم والنمو النفسي. فلقد أكد، كما ذكرنا، تلازم هاتين العمليتين وتأثير كل واحدة في الأخرى. إلا أنه يتراجع فيما بعد عن فكرته هذه ويحاول الفصل بينهما على أساس اختلافهما الجوهري. حيث يتراءى هذا الاختلاف، في اعتقاده، عبر النتائج التي تؤول إليها كل من العمليتين. فتعليم الكتابة في المدرسة لا يعني أننا نعلم الأطفال التجريد أو الكلام الداخلي، وإنما نكسبهم بذلك المهارة الحسية واليدوية ونزودهم بالمعارف المتعلقة بموضوع الكتابة. وهكذا يقرر فيغوتسكي أن التعليم المدرسي يختلف عن التطور النفسي عند التلاميذ. فبينما تكسب العملية الأولى الطفل المهارات والمعارف والمعلومات، تسفر الثانية عن ظهور التفكير المجرد والتذكر المنطقي. وإذا أردنا أن نعبّر عن هذا الاختلاف بين العمليتين بالمفردات التي تدلّ على مساري تطور الوظائف النفسية العليا، فإننا نقول: إن التعليم يساعد على امتلاك الوظائف الاجتماعية للوسائل الخارجية، أما تحولها إلى وسائل داخلية، مع ما يحمله هذا التحول من قدرة على السيطرة أو التأثير في السلوك الذاتي، فإنه يتحقق بفعل التطور.‏

إن القول بوجود اختلاف جوهري بين التعليم والتطور يعني فصل هاتين العمليتين بعضهما عن بعض، وفقدان السند العلمي الذي اعتمدت عليه نظرية فيغوتسكي في تحديد منطقة التطور القريب.‏

وهذا ما أشار إليه فيغوتسكي نفسه انطلاقاً من المعطيات التي تظهر أن منطقة التطور القريب لطفلين في نفس المستوى من النمو (8 سنوات، مثلاً) يمكن أن تكون لدى أحدهما في العاشرة، بينما تكون لدى الآخر في التاسعة. فالأطفال، وإن كانوا يتمتعون بدرجة واحدة من الذكاء، فإنهم حسب ما يرى فيغوتسكي، يختلفون في استعدادهم وقدراتهم على التعلّم.‏

ومما لا شك فيه أن الكشف عن التناقض بين مستوى التطور النفسي الراهن ومنطقة التطور القريب يعتبر في ذلك الحين حدثاً ذا أهمية كبيرة على الصعيدين المنهجي والعملي. فقد كان اهتمام الاختبارات موجهاً نحو معرفة ما يستطيع المفحوص فعله. ولم تكن هناك طرائق تمدّ الباحث بإمكانية التعرّف على الأسباب التي تكمن وراء الأخطاء المرتكبة في حل المسائل أو المشكلات التي يتألف منها الاختبار، وعلى الأساليب التي يستخدمها المفحوصون في أدائهم للمهمات التي توكل إليهم.‏

ولهذا كانت الانتقادات التي وجهها فيغوتسكي صحيحة، كما كانت اقتراحاته بشأن معرفة ما ينجزه الطفل لوحده وما ينجزه بمساعدة الغير خطوة إيجابية على طريق التشخيص السليم لمستوى التطور العقلي. على أن ذلك يجب أن لا ينسينا التناقض النظري بين المقدمات التي وضعها فيغوتسكي والنتائج التي انتهى إليها.‏

ولئن كان تحديد منطقة التطور القريب يتوقف على عملية التعليم، فإن عليها أن ترتبط حتماً بمستوى التطور الراهن الذي تحقق من خلال التعليم السابق. وعندئذٍ يكون من المنطقي الحكم بأنَّ وجود مستوى واحد من التطور وطرائق تعليمية واحدة يقود لا محالة إلى منطقة واحدة من التطور القريب. وفي الحالة العكسية ينبغي الاعتراف بوجود عوامل أخرى غير التعليم تحدد منطقة التطور القريب خاصة، والتطور النفسي عامة.‏

وفي السياق ذاته يرى علماء النفس في الاتحاد السوفيتي أن بعض أطروحات فيغوتسكي مازال مثاراً للجدل. ومع أن هؤلاء العلماء يشيدون بفضل فيغوتسكي الكبير على علم النفس، وبقدراته المتميزة على طرح القضايا المركزية لهذا العلم، وبجرأته على الخوض فيها ومعالجتها بأسلوب علمي دقيق، فإنهم لم يتوانوا عن إظهار حقيقة أن فيغوتسكي وقف دون تعميم آرائه وأفكاره وصياغة نظرية كاملة في التطور النفسي. فهو، وإن طرح مسألة النشأة التاريخية للطفولة وتاريخ الطفولة بوجه عام، وعلاقة ذلك بتاريخ المجتمع، إلا أنّه لم يقدّم تحليلاً لمختلف مراحل تاريخ الطفولة، ولم يستطع، بالتالي، أن ينجز برنامجه المتمثل في إقامة علم نفس نمائي جديد يضع نهاية لما عرف بـ "أبدية الطفولة" التي صبغت مختلف النظريات البيولوجية في التطور النفسي، ويطرح "الطفولة التاريخية" بدلاً عنها.‏

وعلى العموم فقد فتحت أعمال فيغوتسكي الباب أمام توحيد الدراسات البيولوجية والاجتماعية. وفي هذا الشأن يلاحظ ف. ف. ايفانوف أن الاستمرار في هذا النهج يمكن أن يتمخض عنه في المستقبل حل اللغز التكويني. ومن يتابع نشاط العلماء على ساحة علم النفس بعد وفاة فيغوتسكي يدرك قوة تأثيره وجاذبيته مما يتجلى في المحاولات الجادة والدؤوبة لتطوير أفكاره.‏

ولعلّ من أبرز تلك المحاولات دراسة ليونتيف لمشكلة نشوء الحسّ، ودراسة زاباروجيتس لتطور الحركات الإرادية عند الطفل، ودراسة غالبيرن لتشكلّ الأفعال العقلية والمفاهيم، والبرامج التعليمية التي وضعها الكونين ودافيدوف بهدف الارتقاء بالقدرات العقلية عند التلاميذ.‏

إن تأثير فيغوتسكي لم يقتصر على أعمال علماء النفس السوفيت وزملائهم في الدول الاشتراكية (سابقاً)، بل تجاوز هذه الحدود ليشمل أعمال العديد من العلماء في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا والصين، من أمثال ج.برونرو م. كاول وأ. براون وس. تولمين الذي أطلق على فيغوتسكي اسم "موزارت علم النفس" (3).‏

(1)-إميل هينيكين E. HENNEKEN (1858 –1888) صحافي وناقد فرنسي. اقترح أن يتناول النقد العلمي بالتحليل جوانب ثلاثة من العمل الفني أو الأدبي: الجانب الجمالي والجانب الاجتماعي والجانب السيكولوجي.‏

(2)-نقل هذا الكتاب إلى العربية الدكتور طلعت منصور. وصدر عن مكتبة الأنجلو المصرية عام 1976.‏

(3)- س. تولمين هو أستاذ الفلسفة في جامعة شيكاغو. كتب عدة مقالات حول الأسس المنهجية لعلم النفس. ومن بين تلك المقالات مقاله حول فيغوتسكي. وقد نشر هذا المقال تحت عنوان "موزارت في علم النفس "في مجلة" نيويورك ريفيو"، العدد التاسع، أيلول (سبتمبر) 1973م.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244